الخليجيةالدراسات البحثية

المفاوضات بين قطر والبحرين حول الخلافات الحدودية

 إعداد الباحث: د. جارش عادل – باحث في الدراسات الإستراتيجية والأمنية

  • المركز الديمقراطي العربي

المقدمة:

يعتبر التفاوض أحد أفضل الوسائل الدبلوماسية لتكوين الأرضيات المشتركة و التفاهم بين الفواعل و المجتمعات بالرغم من اختلافاتهم، فمن خلاله نستطيع الانتقال من وضع صراعي إلى تعاوني وفق مباراة أكسب- أكسب(Win-Win) و ذلك عبر انتهاج ما يدعى بمبدأ “تحقيق الممكن” بدل “السقوط في الثغرات” بين الطرفين المتفاوضين أو أكثر، فثقافة و عملية التفاوض حالياً تعتبر النهج الأكثر استعمالاً من مختلف الفاعلون في هذه القرية الكونية لمواجهة المشكلات المستعصية و الانتقال إلى الأفضل.

وينطبق هذا التوصيف على المفاوضات بين قطر و البحرين الذي يراها البعض على أنها نقطة التحول من وضع يغلب عليه طابع التوتر بين الدولتين إلى وضع يغلب عليه طابع التعاون وحسن الجوار برعاية المهندس السعودي و أطراف أخرى كمجلس التعاون الخليجي في سبيل حل الخلافات الحدودية بين الطرفين المصنوعة من طرف المستعمر البريطاني.
موضوع من هذا النوع يستدعي بنا النظر فيه و محاولة تحليله جيداً حتى نلم بالعملية التفاوضية بين الطرفين القطري و البحريني و نتعرف على البضائع (المكاسب) التي يريد كل طرف التحصل عليها في العملية التفاوضية.

الإشكالية المقترحة :

 إلى أي مدى يمكن القول أن المفاوضات بين قطر والبحرين أدت إلى حل نقاط الخلاف المتنازع عليها حول الحدود؟
و لتبسيط هذه الإشكالية نم تفكيكها إلى مجموعة من الأسئلة :
 السؤال الأول : ما هو الإطار العام الذي يمكن من خلاله دراسة العملية التفاوضية بين قطر و البحرين؟
 السؤال الثاني : ما هي أبرز مراحل تطور العملية التفاوضية بين قطر و البحرين؟
 السؤال الثالث : ما هو مستقبل المفاوضات بين قطر و البحرين؟

الفرضيات المختبرة :
 الفرضية الأولى : مخلفات الإرث الاستعماري (سياسة فرق تسد) ولدت نقاط خلاف حدودية بين قطر و البحرين .
 الفرضية الثانية : غناء الجزر المتنازع عليها بالبترول و المياه العذبة جعل حل نقاط الخلاف أمر مستعصي في العملية التفاوضية بين قطر و البحرين.
 الفرضية الثالثة : تمسك كل دولة بحقها في السيادة على الجزر المتنازع عليها يجعل المفاوضات ضمن المسار الخطي.
الخطة المقترحة:
مقدمة
الفصل الأول : مدخل مفاهيمي حول العملية التفاوضية بين قطر و البحرين
المبحث الأول : العملية التفاوضية- محاولة للفهم-.
المبحث الثاني : التعريف بموضوع القضية التفاوضية بين قطر و البحرين
المبحث الثالث : أطراف القضية التفاوضية
المبحث الرابع : السياق التاريخي للخلاف الحدودي بين قطر والبحرين
الفصل الثاني : مراحل العملية التفاوضية بين قطر و البحرين
المبحث الأول : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة الإعداد
المبحث الثاني : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة التحاور
المبحث الثالث : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة العرض( المساومة)
المبحث الرابع : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة المحصلة
الفصل الثالث : مستقبل العملية التفاوضية بين قطر و البحرين
المبحث الأول : السيناريو الأول : المسار التشاؤمي( توقف المفاوضات)
المبحث الثاني : السيناريو الثاني : المسار الخطي(الحفاظ على الوضع القائم)
المبحث الثالث : السيناريو الثالث : المسار التفاؤلي( حل نقاط الخلاف حول الجزر المتنازع عليها)
الخاتمة:
المناهج المستعملة في الدراسة:
بحكم طبيعة هذا الموضوع والقضايا التي يثيرها ،حاولنا في هذه الدراسة توظيف عدد من المناهج و هي كما يلي:
– المنهج الوصفي : يقوم هذا المنهج على جمع الحقائق والمعلومات ووصفها وتعريفها وتوضيحها من خلال تحديد خصائص وأبعاد الظاهرة المدروسة، وقد تم الاعتماد عليه في هذه الدراسة لدراسة عدة نقاط من مثل تعريف المفاوضات.
– المنهج التاريخي: يقوم هذا المنهج على تتبع بعض الأحداث التاريخية، وقد تم الاعتماد عليه في الدراسة من خلال الطرق إلى السياق التاريخي للخلاف البحريني القطري حول الحدود المتنازع عليها.
– المنهج الاستشرافي : سنلجأ من خلال هذا المنهج دراسة مستقبل المفاوضات بين قطر والبحرين عبر مجموعة من السيناريوهات نرصد من خلالها سلسلة من التوقعات المستقبلية المحتملة للمفاوضات بين الطرفين انطلاقاً مما هو موجود في الواقع.

الفصل الأول : مدخل مفاهيمي حول العملية التفاوضية
المبحث الأول : العملية التفاوضية – محاولة للفهم-
يمكن القول أنه في ظل عالم القرية الكونية اليوم أصبح التفاوض اليوم وسيلة لا غنى عنها لتقريب وجهات النظر و تحقيق التعاون بين الفواعل، فبلغة الأرقام تقدر عدد العمليات التفاوضية بنحو 10 آلاف عملية تفاوضية رسمية و شبه رسمية بجنيف (سويسرا) و عدد آخر مماثل في نيويورك في العام الواحد، ناهيك عن آلاف العمليات التفاوضية المجالاتية في مختلف أقطار العالم.
و بالتالي يمكن القول أن التفاوض هو مهندس التعاون و الوصول إلى حل الخلافات بين الأطراف المتنازعة و لغة للتواصل لتحقيق المكاسب وفق قاعدة ” اكسب –اكسب ” (بالعامية مدلي نمدلك) بين الفواعل و هذا ما أثبتته مختلف التجارب التاريخية و الواقعية.
و يعرف محمد حسين وجيه في كتابه “علم التفاوض الاجتماعي و السياسي” على أنه ذلك “العلم الذي نهدف من خلاله التعرف على أفضل الوسائل لتكوين الأرضيات المشتركة و التفاهم الفعال بين بني البشر بالرغم من اختلافاتهم، و الذي نحاول من خلاله تجنب الصراع”(1).
و ملخص القول أن التفاوض هو ما يلي :
 من خلال التفاوض نهندس للتعاون و ننتقل من وضع نزاعي إلى وضع تعاوني .
 لابد من توفر مجموعة من الشروط في الطرف المفاوض مثل: الكارزمتية، الرزانة ،الذكاء ،الكياسة، الإلمام بالجانب النظري كإتقان نظريات الألعاب في العملية التفاوضية…
 لا بد من توفر مجموعة من العناصر في العملية التفاوضية تعد بمثابة الخطوات الأساسية في العملية التفاوضية و الالتزام بمراحل التفاوض ( الإعداد ،التحاور ،العرض ،المحصلة).
و قبل الدخول في صلب الموضوع و حتى يكون هذا العمل العلمي أكثر حيوية تعمدت استخدام خمسة أمثلة سوف نستكشف منها خمس عناصر أساسية يجب على المتفاوض إتقانها في أي عملية تفاوضية :
المثال الأول مقتبس من كتاب “فن إدارة المواقف إلهام للقرار الصحيح” للمفكر محمد بن عبد الله محمد بن الفريح ومضمون هذا المثال:
أن هناك مجموعتان من الأطفال يلعبون بالقرب من مسارين منفصلين لسكة الحديد أحدهما معطل و الآخر مازال يعمل، و كان هناك طفل واحد بلعب على المسار المعطل(م1) ، و مجموعة أخرى من الأطفال يلعبون على المسار غير المعطل(م2)، و كنت أنت تقف هناك و أمامك محول مسار القطار وفجأةً أتى القطار بسرعة كبيرة و تداركت أنت خطورة الموقف و أصبحت في مجموعة من الخيارات حول كيفية التعامل مع الموقف تندرج ضمن أيهما أحسن أن يقتل الطفل الواحد أو مجموعة من الأطفال ، وهي كما يلي:
الخيار الأول: إذا حاولت الأخذ بمنطق الكم يتدارك لك مباشرةً أنه لابد من إنقاذ مجموعة من الأطفال بدل الطفل الواحد، لكن هؤلاء الأطفال يدركون أن هذه السكة ضمن (م2) غير معطلة وبالتالي سيهربون . أما الطفل الآخر يدرك أن المسار(م1) معطل وفي حال تحويل سكة القطار من (م2) إلى (م1) سيؤدي ذلك إلى مقتل الطفل .
الخيار الثاني : يجب أن تدرك أيضاً أن في القطار مجموعة من الركاب، و في حالة تحويل القطار بسرعة سوف يؤدي ذلك إلى إصابة و مقتل الركاب و بالتالي فإن هذا الخيار كارثي(2) .
و من خلال هذان الخياران أردت أن أوضح أنه لابد دائماً من وجود التفكير المعمق من طرف المفاوض حتى نكون مدركين لمواقفنا، فليس المتسرع هو الذكي و الظاهر دائماً هو الصحيح، وهنا تكمن حقيقة قوة المفاوض.
المثال الثاني مقترح من طرف الباحث : تخيل مثلاً أن لدينا مجموعة من البرتقالات يتنافس عليها شخصين للحصول على أكبر عدد بأي وسيلة لكن بإرضاء الطرف الآخر، و الذي يكسب أكثر هو الذي سيستفيد أكثر، و هنا يتبين لنا مدى قوة المفاوض و قوة قضيته و ينطبق هذا التوصيف مثلاً على المفاوضات الجزائرية الفرنسية ضمن إتفاقيات إيفيان و رغبة الطرف الجزائري جبهة التحرير الوطني (FLN) في تحقيق أكبر قدر من المكاسب.
المثال الثالث مقتبس من كتاب “أسرر التفاوض” للمفكر روجر داو سون(Roger Dawsen): لدينا سيارة نريد بيعها وحددت سعرها ب15 ألف دولار في حين تساوي قيمتها ب 12 ألف دولار رغبةً في الوصول إلى أحسن ثمن لبيعها فتم بيعها ب12 ألف دولار ، و بعد بيع السيارة أردت شراء أخرى في السوق السوداء و تساوي قيمتها 12 ألف دولار لكني عرضت عليه لشرائها 8 آلاف ثم 9 آلاف و اشتريتها ب10آلاف، و ينطبق هذا التوصيف على ذكاء المفاوض الإسرائيلي بحصوله على الكفة الثقيلة من محصلة اتفاقية “كامب دايفيد”(3).
و من خلال هذا المثال يتبين لنا أنه إذا طالبت كثيراً حصلت على الأكثر ضمن العملية التفاوضية، و إذا أردت أن يستفيد الآخر فأعرض عليه القليل للتحكم في العملية التساومية.
المثال الرابع من اقتراح الباحث : تخيل مثلاً أنك في خلاف مع شخص و أردت المصالحة معه، منطقياً هنا ستحاول أن تبدأ بنقاط التقارب لتتجنب نقاط المواجهة من أجل إقناع الآخر.
ومن خلال هذا المثال يتبين لنا أنه لابد في العملية التفاوضية البدء بنقاط التقارب ثم الذهاب إلى التنافر(أي تجنب أسلوب المحامي في المواجهة).
المثال الخامس: تخيل مثلاً أنك في عملية تفاوضية و أردت أن تسيرها باستغلال عامل الوقت هنا يتبين للمفاوض أنه لابد من إطالة المفاوضات و استغلال كل لحظة مناسبة لكسب الأرباح وأن تكون بطيء في الحركات لاسيما في النصف الأول من زمن المفاوضات وهذا هو الذي لم يتعرض له باريتو و هنا يتبين لنا أن المفاوض الجيد هو الذي يدرك عنصر الوقت والذي يدرك أن 20% من الزمن المتبقي في العملية التفاوضية هي مرحلة تقديم أكبر قدر من التنازلات وإن قُدمت في بداية العملية التفاوضية فإن ذلك سيميت العملية التفاوضية مبكراً، لذلك لابد من التدرج، كما أن التلاعب بعنصر الوقت لديه دور كبير في التأثير على العملية التفاوضية لخدمة مصالح كل طرف، و ينطبق هذا التوصيف على مفاوضات تركيا للانضمام إلى الإتحاد الأوروبي (مفاوضات مفتوحة).
هذه الأمثلة الخمسة تجعلنا ندرك أنها النقاط الرئيسة في العملية التفاوضية هي سر قوة المفاوض و نحن ضمن هذا العمل العلمي سوف نحاول إدراجها في العملية التفاوضية بين قطر و البحرين و ملتزمين في نفس الوقت بعناصر العملية التفاوضية (الموضوع، الأطراف، المراحل، المحصلة)
المبحث الثاني: التعريف بالقضية التفاوضية بين قطر و البحرين
تعاني الدول العربية فيما بينها مشاكل حدودية عديدة عادةً ما تُولد خلافات طويلة المدى و نزاعات دموية تملأها المعارك الدامية، و ينطبق هذا التوصيف على كل من قطر والبحرين حيث غرس بينهما الاستعمار البريطاني أزمة حدود خانقة تتمركز حول منطقة برادة و فشت الدبل و الدبيل و جزر حوار،و قد تصاعد منحنى الخلاف منذ الثمانينات ويعود السبب الرئيسي للخلاف حول هذه الجزر هو غناءها بالموارد لا سيما النفط و الغاز و المياه العذبة لاسيما في جزيرة حوار التي تعد نقطة التنازع الأساسية بين الدولتين(4).
وللإنتقال إلى وضع أفضل بدأ مسار التفاوض بين الدولتين الخلجيتين منذ الثمانينات رغم وجود محاولات قبل ذلك من طرف السعودية لحل الخلافات الحدودية بين الدولتين.
و بالتالي فموضوع القضية بين الطرفين ضمن العملية التفاوضية يكمن حسب الشكل التالي :
الشكل 1: القضية التفاوضية بين قطر والبحرين
المصدر: تصميم شخصي
المبحث الثالث: أطراف العملية التفاوضية:
للتعرف على طرفي القضية التفاوضية في العملية التفاوضية حول أزمة الحدود اقترحنا الشكل التالي(5):
الشكل02: قطر والبحرين في أرقام
قطر البحرين
المساحة: 11.437كم2
العاصمة: الدوحة
عدد السكان: 584.00 نسمة سنة 2002م وهو يتجاوز 618.000نسمة سنة 2013م
نسبة النمو السكاني:3%
نسبة المسلمين:100%
اللغة: العربية
النقد: الريال القطري
مستعمرة بريطانية وضلت مرتبطة ببريطانيا حتى سنة 1971م
أهم الموارد والثروات: تحتل قطر المرتبة 5 عالمياً في احتياطي الغاز،و هي دولة ريعية بامتياز كما أنها من أهم الدول المنتجة للنفط في آسيا والعالم وتشتهر بصناعة الحديد والفولاذ والألمونيوم،و تتميز قطر بتجارة اللؤلؤ و تربية الأغنام و الجمال و بها آلاف العاملين مت الهند وباكستان إضافة إلى الأقطار العربية الأخرى. المساحة: 694كم2
العاصمة: المنامة
عدد السكان: 644.000 نسمة سنة 2002م وهو يتجاوز 668.000نسمة سنة 2013م
نسبة النمو السكاني:2.28%
نسبة المسلمين:100%
اللغة: العربية
النقد: الدينار القطري(البيدي بلغة البحرينيين)
مستعمرة بريطانية أكتشف فيها النفط سنة 1932م
أهم الموارد والثروات: هي دولة ريعية احتياطي الغاز فيها أكثر من النفط وتشتهر باستخراج وتجارة اللؤلؤ و تستثمر أموالها في الصناعة والسياحة وقد شجعها هذا بقوة لاسيما بعد ربطها بكل من السعودية و الكويت بجسر يبلغ طوله 30 كم2 سنة 1986م .
المصدر: تصميم شخصي بالاعتماد على كتاب شوقي أبو خليل،أطلس دول العالم الإسلامي ،جغرافي، اقتصادي ،تاريخي ،ط 2،دمشق(سوريا):دار الفكر،2003م،ص(29-89).
و من خلا ل هذا الجدول يتبين لنا أن الطرفين تقريباً متساويين في مصادر القوة إلا أن الإشكال هنا يتعلق بالدعم الدولي :
 يدعم البحرين السعودية وبريطانيا (بريتش بتروليوم كونسيشن)
 يدعم قطر تركيا(الاشتراك في المشروع الإخواني) وأحيانا بريطانيا أيضاً والولايات المتحدة و ما يلاحظ على الدول الكبيرة أنها تلعب على الوترين (تارةً مع قطر و تارةً مع البحرين)
المبحث الرابع : السياق التاريخي للخلاف الحدودي بين قطر والبحرين
يتقاسم الحكم في دول الخليج العربي أُسرتان عربيتان هما أسرة “القواسم” التي كانت تحكم الإمارات المتصالحة( الإمارات العربية المتحدة) و أسرة “العتوب”؛ وهي الأسرة النجدية التي يتفرع عنها آل ثاني ( الجلاهمة) في قطر و آل خليفة في البحرين، و آل الصباح في الكويت .
و لكن آل خليفة أبعدو آل ثاني (الجلاهمة) من المشاركة في الحكم فتكتل الجلاهمة في شطر قطر التي كانت جزء لا يتجزأ من البحرين، و بدأ الجلاهمة من قطر يزاحمون آل خليفة على السلطة،ثم أصبحوا يطالبون باستقلال قطر عن البحرين، ودارت بينهما خلافات طويلة تخللتها بعض المعارك الدامية.
و لقد تدخلت بريطانيا لصالح آل ثاني، و قررت فصل قطر عن البحرين، و جمعت الإمارتين على معاهدة وقعت في سبتمبر 1868م تدفع قطر بموجبها للبحرين جزية بصفة حمائية لا سيادية، أي حمايتها بشرط ألا يؤثر دفع هذه الجزية على استقلال قطر عن البحرين .
وفي سنة 1913م اتفقت كل من بريطانيا و الإمبراطورية العثمانية على ترسيم الحدود لكن هذا التحديد لم يكن واضح لتعمد الطرف البريطاني عدم ترسيم الحدود بشكل واضح وهي سمة تندرج ضمن ميراثها الاستعماري لإيجاد بؤرة توتر مستقبلاً للعودة إليها.
في سنة 1938 م طلبت شركة بريتش بترو ليوم كوسيشن من شيخ البحرين معرفة ما إذا كانت جزيرة “حوار” و “فشت الدبل” تخص البحرين أم لا من أجل الاستثمار فيها فتشبثت البحرين بحقها في المنطقتين بدعم الحكومة البريطانية لكن قطر رفضت، و منذ ذلك الوقت أخذ الخلاف منحنى متصاعد و وصل إلى أوجه في نهاية الثمانينات و بداية التسعينيات ويعود السبب الرئيسي لهذا النزاع إلى غنى هذه الجزر بالنفط و الغاز و المياه العذبة(6).
الفصل الثاني : مراحل العملية التفاوضية بين قطر و البحرين
المبحث الأول : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة الإعداد
بدأت العملية التفاوضية بين قطر والبحرين بالرياض في السعودية (طرف محايد نوعاً ما متذبذب أحياناً في مواقفه لتعلقه بالدول الكبرى) في سنة 1978م ، و كان الهدف الأساسي من هذه المفاوضات مبدئياً هو محاولة إيجاد صيغة توافقية بين الطرفان المتنازعان في محاولة لإنهاء المشاكل الحدودية المعلقة بينهما واستطاعت السعودية في الجوالات الأولى من المفاوضات تقريب وجهات النظر لكن سرعان ما فشلت هذه المفاوضات لما يلي :
الشكل04: أسباب فشل المفاوضات بين قطر والبحرين في بداية الثمانينيات
بالنسبة للبحرين بالنسبة لقطر
– تثبت قطر بمنطقة حوار و الأكثر من ذلك تدشين سفينة حربية تدعى “حوار” في مارس 1983م.
– إنشاء مناورات عسكرية في منطقة الدبيل المتنازع عليها في الوقت الذي كان فيه الطرفان يحاولان تقريب وجهات النظر من خلال المفاوضات. تمسك الطرف القطري بأحقيته بجزيرة حوار وتمسكه بمطالبه.
– احتجاج قطر على المناورات العسكرية و الاستفزازات بالمثل.
– التشكيك في مدى مصدقيه الوساطة السعودية .
المصدر: تصميم شخصي انطلاقاً من معطيات موجودة في كتاب : أمين ساعاتي،مجلس التعاون الخليجي،القاهرة(مصر):دار الفكر العربي،1997،ص 144.
و مع إنشاء مجلس التعاون الخليجي نصت المادة (10) في ميثاقه على أن المجلس أنشأ هيئة لتسوية المنازعات بين الدول الأعضاء، إلا أن هذه الهيئة لم تقم بدور إيجابي اتجاه النزاع الخلاف الحدودي بين قطر و البحرين و انحصرت جهودها ضمن مبادرات المملكة العربية السعودية كمبادرة الملك فهد بن عبد العزيز في ديسمبر 1978م، و غيرها من المبادرات الأخرى إلا أنها باءت بالفشل لذلك اتجهت مواقف دول مجلس التعاون الخليجي و الطرفين المتفاوضين إلى محكمة العدل الدولية لتسوية القضية(7).
ومن خلال هذا المبحث الأول نستنتج ما يلي:
 أن مكان المفاوضات كان في الغالب بالرياض (المملكة العربية السعودية)، و هو مكان محايد نوعاً ما.
 بداية المفاوضات كانت سنة 1978م و كان مهندس المفاوضات في الغالب هو المملكة العربية السعودية كطرف وسيط.
 مصادر قوة المفاوض من حيث السلوك و القضية والموارد تقريبا متكافئة، فكل طرف يلجأ إلى تحقيق المكاسب باستعمال شخصيات تفاوضية تتقن مباريات التنازع و عدم إعطاء مكاسب دون تحقيق مكاسب.
 أما من حيث الموارد فكلتا الدولتين ريعيتين مع وجود أفضلية للطرف القطري مما يجعل القضية مستعصية الحل من جهة، و من جهة أخرى يجعل الدعم الدولي من طرف القوى الكبرى كعامل مدعم لطرف ما في العملية التفاوضية ذات مكيلين نظراً لتكافؤ مصالحها في الدولتين.
 من حيث القوة في القضية كل طرف متمسك في مطالبه و يظهر ذلك من خلال المفاوضات و تخوف كل طرف من سيناريو إعطاء مكاسب دون بدائل و يرجع ذلك للشريان الاقتصادي للدولتين الذي ينبع من الجزر المتنازع عليها الغنية بالنفط.
المبحث الثاني : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة التحاور
في هذه المرحلة يمكن إيجاز أهم النقاط المتحاور عليها بين الطرفين المتنازعين فيما يلي :
 إعادة ترسيم الحدود.
 اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
 تقسيم عوائد النفط في الجزر و المناطق المتنازع عليها كإقتراح سعودي تم النظر فيه ضمن مرحلة المفاوضات.
 إنشاء سفارات بين الدولتين لتبادل وجهات النظر و هي نقطة طرحت ضمن الجولة الأولى من المفاوضات(8).
المبحث الثالث : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة العرض( المساومة)
في هذه المرحلة سوف نحاول ترتيب بدائل كل طرف وفق مبدأ الانتقال من أحسن الأحسن إلى الأسوأ الأسوأ و تحليلها سياسياً:
بالنسبة للطرف القطري بالنسبة للطرف البحريني
– إعلان أن قطر لها حق السيادة على جزر حوار وعلى أراضي الضحلة في فشت الدبل وجرادة التي تقع الآن تحت السيطرة البحراينية.
– تحديد خط حدودي ملاحي واحد واضح بينها وبين البحرين.
– يجب أن يسير خط التقسيم بين البلدين في الوسط حتى نقطة التقاطع مع خط عرض جزر حوار. – التمسك بالوضع الحالي
– المطالبة بتبعية منطقة الزبارة التي تقع حالياً ضمن الحدود الإقليمية لدولة قطر.
– ترسيم الحدود أمر مقبول ويخدم الدولتين لكن مع الحفاظ على الوضع القائم.
– رفض لجوء قطر بشكل منفرد إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لحسم نزاع الحدود بينها وبين البحرين.
المصدر: تصميم شخصي انطلاقاً من معطيات موجودة في كتاب : أمين ساعاتي،مجلس التعاون الخليجي،القاهرة(مصر):دار الفكر العربي،1997،ص 148.

ويمكن قراءة هذه البدائل بنظرية الألعاب كما يلي:
بالنسبة للطرف البحريني:
1- في حالة تنازل البحرين عن الجزر سوف يمثل لها هذا خسارة كبيرة تمس بالدرجة الأولى اقتصادها لأن هذه الجزر بمثابة شريان الاقتصاد البحريني إضافةً إلى هذا فإن تنازل البحرين على الجزر يعني التنازل عن ثلث أراضيها، و بالتالي فأحسن بديل للبحرين هو محاولة الحفاظ على الوضع القائم و عدم توجه قطر لمحكمة العدل الدولية التي قد تُقرر قرار سلبي يؤثر على البحرين لذلك فهي تلعب على عنصر الوقت وتتفاوض من أجل تبرير مواقفها فقط.
2- يلعب الطرف البحريني بورقة “الزبارة “ضمن عملية مقابل بمقابل في حال وقوع سيناريو الاحتمالي الأول للطرف القطري و “الزبارة” أيضاً منطقة غنية بالنفط والغاز و هو ما يخيف الطرف القطري
3- ترى البحرين أنه لابد من ترسيم الحدود مع الحفاظ على الوضع القائم، وهو الوتر الذي تريد أن تلعب عليه وتراه الطريق الصحيح .
4- ترفض البحرين لجوء قطر إلى محكمة العدل الدولية لأنه تهديد يمس شريانها الاقتصادي في حالة إقرار محكمة العدل الدولية قرار سلبي قد يمس بأمنها الاقتصادي و القومي، و من جهة أخرى فهو يضفي الصبغة الدولية على هذه القضية مما يزيد في تعقيدها.
أما بالنسبة للطرف القطري فإن قرائته للبدائل تكون كما يلي:
1- قطر ترى في جزر حوار والضحلة في فشت الدبل وجرادة مناطق جيواستراتيجية هامة لابد من الوصول إليها لأنها تمثل إضافة كبيرة لاقتصادها في حالة الحصول عليها كونها غنية بالنفط و الغاز
2- لابد من وجود خط حدودي واضح وواحد بينها وبين البحرين للاستفادة بالتساوي من المياه العذبة من ناحية ومن ناحية أخرى الاستفادة من منطقة أوسع لاستخراج اللؤلؤ.
3- تُدرك قطر أن حوار قلب الاقتصاد البحريني فلذلك تسعى إليها.
4- تُدرك قطر أن الورقة الدولية ستكون في صالحها لأن الجزر المتنازع عليها تقريباً كلها تحت السيطرة البحرينية، لذلك فهي تريد لعب الورقة الدولية في حالة تعنُد المفاوض البحريني على تقاسم هذه الجزر(9).
وبالتالي ما يلاحظ أن قراءة الطرفين المفاوضين للقضية ذات طابع اقتصادي بالدرجة الأولى.
المبحث الرابع : العملية التفاوضية بين قطر والبحرين ضمن مرحلة المحصلة:
لم يصل المفاوض القطري والبحريني حتى الآن إلى نتيجة معينة حيث اتجه الطرفين إلىى التحكيم الدولي لتسوي القضية وفقاً لما تنص عليه قواعد القانون الدولي، لكن ما يلاحظ أن هناك تحسن وتقارب في العلاقات كحسن نية من طرف الدولتين، و تكمن فيما يلي:
 إنشاء سفارتين لأول مرة بين الدولتين سنة 1997م لتقريب وجهات النظر بين البلدين .
 التعاون الاقتصادي بين البلدين ضمن مجلس التعاون الخليجي.
 تبادل الزيارات الرسمية بين البلدين.
 التعامل والتوجه المشترك اتجاه عدة قضايا كالنزاع في سوريا و التشييع في المنطقة(10).
الفصل الثالث : مستقبل العملية التفاوضية بين قطر و البحرين
المبحث الأول : السيناريو الأول : المسار التشاؤمي( توقف المفاوضات)
يطرح هذا السيناريو في حالة تأزم وتصاعد السلوك العنفواني حول المناطق المتنازع عليها بين قطر والبحرين و هو سيناريو قد يُطرح مستقبلاً مما يؤدي إلى توقف المفاوضات وربما توقف العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين مثلما حدث سنة 1983م بعد الاستفزاز البحريني لقطر و مناوراتها العسكرية في الجزر المتنازع عليها .
المبحث الثاني: السيناريو الثاني: المسار الخطي( الحفاظ على الوضع القائم)
يُطرح هذا السيناريو بقوة مستقبلاً في ظل سياسة التهدئة الموجودة حالياً بين الدولتين و دور القائد السعودي في المنطقة على الحفاظ عن أمن دول المشايخ و رغبة البحرين في الحفاظ على الوضع القائم في حين اهتمام قطر بالمشروع الإخواني و التوجه إلى التحكيم الدولي للفصل في القضية بدل التخاذل السعودي .
المبحث الثالث: السيناريو الثالث: المسار التفاؤلي( حل نقاط الخلاف حول الجزر المتنازع عليها)
يستبعد سيناريو حل الخلاف حول الجزر المتنازع عليها نظراً لغناء الجزر المتنازع عليها بالبترول و اللؤلؤ و الغاز و المياه العذبة و لتضارب المصالح في نفس الوقت و استعصاء حل الخلافات حول الجزر بين الدولتين في ظل إدراك النخب الحاكمة الأهمية الجيواستراتيجية لهذه المناطق أيضاً.
الخاتمة
وفي الأخير نستطيع القول أن العملية التفاوضية بين قطر و البحرين أضفت الطابع اللين للعلاقات بين الدولتين وجعلتهما يتجهان نحو إدراك مدى أهمية الطابع التعاوني بين البلدين رغم عدم الوصول إلى حل جذري للنزاع الحدودي بين البلدين لحد الآن و رغم المحاولات العديدة للقائد السعودي ضمن مجلس التعاون الخليجي.
الإحالات:
(1) حسين محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،1990، ص 21.
(2) محمد بن عبد الله بن محمد الفريح، فن إدارة المواقف إلهام للقرار الصحيح، الرياض (السعودية) : مكتبة العينكان،2010م،ص15-16.
(3) روجر داوسون، أسرار قوة التفاوض، الرياض(السعودية): مكتبة الجرير،2003م،ص19-20.
(4) أمين ساعاتي،مجلس التعاون الخليجي،القاهرة(مصر):دار الفكر العربي،1997
(5) شرقي أبو خليل، أطلس العالم الإسلامي،جغرافي،اقتصادي،تاريخي،دمشق(سوري):دار الفكر،2003م(29-89).
(6) أمين ساعاتي،المرجع السابق،ص142.
(7) المرجع نفسه،ص144.
(8) المرجع نفسه،ص(144-148).
(9) المرجع نفسه،ص148.
(10) المرجع نفسه،ص149.

ملاحظة : الدراسة استنتاجية و تحليلية من الباحث انطلاقا من الإطلاع الكتب التي سبق ذكرها.

 

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق