الشرق الأوسطعاجل
مقاربة بين الفقر والنظام السياسي
بقلم : د. علي عبد الكريم الجابري
ابتدأ من مقوله ظلت تتناقلها تقارير التنمية والمؤسسات الدولية عبر الأجيال إلا وهي مقوله الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) (لو كان الفقر رجلاً لقتلته)، هذه المقولة الفائقة الدلالة والقوة والمضمون لم يقلها إنسانا عادياً أو انفعالياً، بل هو سيد البلاغة والحكمة ذو القول والعلم المشهود والخالد في تاريخ الإسلام، من تمثل جوهر الإسلام ومضمونه الحقيقي في تحقيق المساواة والعدالة للإنسان والحرص على كرامته وتوفر سبل عيشه، مثل هذا الرجل العظيم سيكون غضبه شديداً وهو يرى انعكاسات الفقر والعوز على أخوه الإنسان، هذا العوز الدافع نحو توجهين وطريقين متناسبين مع درجة وعي وحصانة وتربية ذات الفرد المعوز.
إما أن تدفع الفرد باتجاه التسول الأخلاقي أي ما يقود نحو الانحراف والمسكنة ومهادنة المسؤول واندثار القيم الايجابية مما يجر إلى الفساد والنفاق وانتشار الأمراض الاجتماعية المختلفة كالسرقة والرشوة والاحتيال والكسب غير المشروع والسكوت على الظلم، وهو حال الكثير ممن والوا الأمراء والملوك والسلاطين في الماضي والحاضر، لا بل هم وسيلته في قمع وقتل أهل الحق والعدل.
وإما أن يقود نحو إدراك السبب الكامن وراء الفقر والعوز وخصوصاً من قبل أصحاب السلطة والثروة والجاه، مما يدفع المعوز إلى الثورة ضد هذه السلطات والمهيمنين على الحكم باعتبارهم السبب الرئيسي وراء عوزه ومذلته وفاقته واستحواذهم على الثروة ومصادر إنتاجها وتكاثرها.
إن علاقة الفقر بالسياسة هي علاقة الأزل البعيد منذ أول الثورات التاريخية، وربما أقدمها بالصيغة القريبة لمعنى الثورة هي (ثورة سبارتيكوس)، وحتما كانت هناك قبلها ثورات ضد الملوك والولاة التي كان الفقراء يقودونها بدافع الجوع أو تحريض من الكهنة أما الثورات التي تقوم ضد المحتلين والغزاة فأن كل فئات الشعب تشارك فيها.
فضلاً عن أن كل نظام سياسي يحاول المحافظة على شرعيتها خصوصاً في المجتمعات التي يعصف بها عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والعامل الأساسي في إضفاء الشرعية من عدمه هو قدرة هذا النظام أو ذاك على التوافق والانسجام مع قناعات وتطلعات الأفراد الذين يعيشون في كنفه، والشرعية بهذا المعنى أوسع من مجرد التأييد أو المعارضة.
إذ قد يكون هناك من يعارض السلطة، وقد يتذمر الناس من بعض قراراتهما وسياساتهما، ولكن هذه أمور طبيعية، بل وحتمية وهي لا تنفي شرعية السلطة، طالما شعر المواطنون أن السلطة في توجهها العام سلطة وطنية منسجمة مع عقيدة وتاريخ وقيم المجتمع، ومخلصة بوجه عام، لإرادة الشعب ومستجيبة لتطلعاته.
وإذ كانت “حدة الفقر في أي مجتمع هي أوضح تعبير عن فشل، أو عدم قدرة النظام السياسي في إنجاز الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية والاجتماعية“، فإن شرعية هذا النظام تصبح محل شك، وهذا يعني أن الحكومات والأنظمة التي تتجاهل حالة الفقر ولا تستجيب لمطالب الفقراء، تخاطر بفقدان شرعيتها، ذلك أن انتشار الفقر خاصة مع وجود قلة مرفهة يثير بالضرورة التساؤل حول شرعية من يدعون العمل لمصلحة المواطنين.
فالفقر هو نتيجة مباشرة للجهل وضحية للسياسة وغياب المعرفة، أن معظم السياسيين بعد 2003 في العراق الجديد تحدثوا عن الفقر والفقراء دون رؤية وقدرة واضحة تستطيع انتشال الفقراء وتخفيف حده الفقر في المجتمع، لا بل بدا واضحاً على المجتمع العراقي التمايز الطبقي بتميز فئة بمختلف الخدمات التنموية والمعاشية والصحية على حساب الفئات الفقيرة والمحرومة حتى وان حصلت هذه الطبقات على بعض الخدمات لم تحصل عليها بالشكل الطبيعي المطلوب وتبقى منقوصة لا تحقق احتياجاتها، لقد توسعت هوة التفاوت الطبقي والكل يدرك مخاطرها وعواقبها الوخيمة على المجتمع لان الفقر والتفاوت الطبقي الأكثر خطورة من بين كل المخاطر التي تحيط بالمجتمع.
وحسب إحصائية لوزارة التخطيط أن أكثر من ربع سكان العراق يعيشون تحت خط الفقر موضحا أن نسبة الفقر في العراق كانت 19 % عام 2013، وبدلا من أن تنخفض إلى 16 % عام 2014 – كما كان مخططا لها– ارتفعت إلى 30%، بسبب الظروف الأمنية وتهجير أكثر من مليونين وستمائة إلف مواطن من سكناهم من قبل داعش، وفقدانهم ما يملكون مما زادت نسبة الفقراء.
إن ارتفاع نسبة الفقر في العراق إلى هذه الدرجة الكبيرة ، مسألة في غاية الخطورة ، لما لها من انعكاسات أمنية واجتماعية وسياسية وتنموية وتتطلب معالجات جذرية، وليس حلولا وقتية تتحول فيها الدولة إلى جمعية إعانات ومساعدات لا تغني ولا تشبع، وهذه نتيجة ما وصل إليه اليوم العراق من نقص في الخدمات وأزمات كثيرة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والمالية …الخ.
نتيجة ما سبق كانت مقولة نصير الفقراء وعدو الاستئثار ورائد الإيثار الإمام على (ع) في قوله أعلاه الذي وصلت قوته حد القتل للنفس المحرمة إلا بالحق، بمعنى أن من يفقر الناس ومن يذل الناس لعوزهم ومن يولد الفقر يستحق القتل بحق.
وهنا نسأل ماذا يقول سادة العروش والمناصب العليا وحواشيهم ممن استأثروا بالثروة والمال العام، في بلد تزايدت ميزانيته السنوية مليارات الدولارات، في حين يعيش ما يقارب ربع سكانه تحت خط الفقر وحالة من العوز والحرمان، وما نواجهه في مجتمعنا من فقر وتفاوت طبقي جاء نتيجة حتمية لما نعيشه من جملة من ألازمات والفوضى السياسية وفساد إداري ومالي وتجاوزات على المال العام تمر بدون رادع حقيقي بعد أن زادت الفقراء فقراً وجعلت العراق يتصدر قوائم الفساد في العالم، وبسبب هذه الفوضى تعثرت وتعطلت وتوقفت مشاريع الإصلاح والتنمية وحركة الاستثمار والبناء والأعمار والخدمات.



