الدراسات البحثيةالعلاقات الدولية

العلاقات الأمريكية الصينية “آفاق الصراع والتعاون”

إعداد الباحثة : جهاد عمر محمد الخطيب 

دراسة بحثية العلاقات الأمريكية الصينية “آفاق الصراع والتعاون” 2008م – 2015 م اشراف الدكتورة دلال محمود

  • المركز الديمقراطي العربي

 

الفهرس

الموضوع رقم الصفحة
مقدمة 3-17
الفصل الأول: طبيعة العلاقات الأمريكية الصينية 18- 38
المبحث الأول: مراحل تطور العلاقات الأمريكية الصينية 18- 27
المبحث الثانى: قضايا إشكالية فى العلاقات الأمريكية الصينية 28- 38
الفصل الثانى: أبعاد العلاقات الأمريكية الصينية 39- 74
المبحث الأول: البعد الاقتصادى فى العلاقات الأمريكية الصينية 39- 53
المبحث الثانى: البعد العسكرى فى العلاقات الأمريكية الصينية 54- 74
الفصل الثالث: حالة تطبيقية (الأزمة السورية ) 75- 94
المبحث الأول: الموقف الأمريكى والصينى تجاه الأزمة السورية 75- 88
المبحث الثانى: رؤية استشرافية حول مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية 89- 94
خاتمة الدراسة 95
قائمة المراجع 96- 101

 

لقد أفضت نهاية الحرب الباردة – أوائل العقد التاسع من الألفية السابقة- إلى جملة من النتائج التى رسّخت فى مجملها نظاما دوليا أحادى القطبية تقوده الولايات المتحدة منفردة عقب خروجها منتصرة من هذه الحرب، واستطاعت أن تجعل من حلف شمال الأطلسى “الناتو” القوة العسكرية الأحادية فى العالم القادرة على التدخل فى مناطق العالم قاطبة، وذلك خلافا لما تضمنه الميثاق المؤسس للحلف عام 1949 والذى قد حدّد القارة الأوروبية ميدانا لنشاط هذا الحلف بغية تطويق خطر الاتحاد السوفيتى والفكر الشيوعى.

وفى خضم هذا الانتصار التاريخى الأمريكى وخلال السنوات الأولى التى أعقبته، استطاعت الولايات المتحدة أن تنتج بمفردها 25% من جملة الناتج العالمى فى حين أن عدد سكانها لم يكن قد تجاوز 5% من سكان العالم فضلا عن انتشار مايعادل 250 ألف جندى أمريكى حول العالم فى أكثر من 700 قاعدة عسكرية موزعة على 130 دولة.

ومن هنا طُرح مفهوم “الإمبراطورية الأمريكية”. لكن هذه الحال لم تدم طويلا، وأخذت الطموحات والتوقعات المتفائلة بشأن “القطب الأمريكى الأعظم” تتراجع شيئا فشيئا بفعل عوامل متعددة يتعلق بعضها بالولايات المتحدة تارة أو التفاعلات خارجها تارة أخرى.

كانت المحصلة النهائية لهكذا عوامل هى تراجع المكانة الأمريكية وزعزعة الثقة فى القطب الأمريكى الأعظم، وظهور كتابات “عصر مابعد الإمبراطورية الأمريكية”؛ إذ شهد النظام الدولى مع مطلع القرن الحادى والعشرين تحولات فى ميزان القوي الدولي، وبزوغ قوى دولية جديدة تتنافس على المكانة الدولية بعدما منيت الولايات المتحدة الأمريكية بالفشل فى حربها فى أفغانستان والعراق.

وقد تأكّد تصدع النظام الرأسمالى العالمى بقيادة الولايات المتحدة بعد الأزمة المالية العالمية, وقد أدى ذلك إلى تغيرات فى طبيعة العلاقات بين القوى الرئيسة فى هذا النظام، وفى مقدمتها العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وهى القوة المهيمنة، والصين وهى القوة الصاعدة الرامية للهيمنة.

إن العلاقات الأمريكية الصينية تمثل نمطا فريدا من العلاقات الثنائية؛ ذلك لكونها تتضمن عناصر تبدو متنافرة ومتناقضة فى أحيان كثيرة مثل التعاون والصراع والاستقلالية والاعتماد المتبادل؛ فالعلاقات بين هاتين الدولتين تتأرجح من الصراع إلى التعاون مرورا بدرجات متفاوتة تمثل كل منها موقعا متوسطا – أو أقرب إلى هذا الطرف أو ذاك- بين قمة الصراع وهى الحرب الشاملة وقمة التعاون وهى الاندماج أو التعاون فى كل المجالات، وغالبا ماتوصف العلاقات الأمريكية الصينية بأنها العلاقة “الأكثر أهمية فى العالم”، وأحيانا توصف بالعلاقة بين “الاثنين الكبار” فى النظام الدولى.

إشكالية الدراسة:

يُعتبر ظهور قوة كبرى جديدة على المسرح الدولى واحدا من أحداث قليلة يمكن أن تحمل قدرا من الانتظام أو الفوضى فى الحياة الدولية، والصين اليوم هى أهم قوة صاعدة على الصعيد العالمى؛ ولذا فقد أثار الصعود الصينى مطلع القرن الحادى والعشرين والنمو المتسارع للدولة الصينية من الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتطور التكنولوجى فضلا عن تطور المؤسسة العسكرية الصينية جدلا واسعا بين الباحثين والدراسين فى حقل العلاقات الدولية، وأثار  المخاوف لدى القوة المهيمنة على النظام الدولى ألا وهى الولايات المتحدة حول مايمكن أن تحدثه هذه القوة الصاعدة من تغيير فى عملية توازن القوى فى النظام الدولى لصالحها؛ لذا تأتى الصين على رأس التقارير الاستراتيجية الأمريكية بغية التوصل إلى استراتيجية كبرى واضحة المعالم للتعاطى مع هذا الأمر بما يضمن تطويق هذا الصعود الصينى والحيلولة دون خروجه عن مظلة الهيمنة الأمريكية.

وفى هذا الإطار فإن هذه الدراسة تسعى إلى تقديم رؤية استشرافية حول مستقبل العلاقات بين القوة المهيمنة وهى الولايات المتحدة والقوة الصاعدة الرامية للهيمنة وهى الصين فى ظل كون العلاقات الأمريكية الصينية لا تسير على وتيرة واحدة، وتتأرجح بين التعاون والصراع فضلا عن تشابك أبعاد العلاقات بين القوتين الاقتصادية والعسكرية؛ فلم يعد مستقبل العلاقات بينهما محكوما فقط بالمصالح التجارية والاقتصادية بين البلدين أو بالإستراتيجية العسكرية والأمنية لهما؛ ومحاولة سعى الطرفين تحقيق قدر ما من التوازن فى مجمل هذه العلاقات رغم الافتقار إلى الثقة المتبادلة على الصعيد السياسى.

 

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من تتبع العلاقات بين قوتين وهما الولايات المتحدة والصين والجذور التاريخية لها ومراحل تطورها وأبعادها لاسيما وأن شكل العلاقات الأمريكية الصينية خلال المرحلة القادمة فى ظل تنامى القدرات الصينية بقوة سوف يحدد ملامح النظام العالمى الجديد القادم.

إن العلاقات الأمريكية الصينية – كما أشرنا آنفا- هى علاقات معقدة تتراوح بين التقارب حينا والتصارع حينا أخر ومرجع ذلك بالأساس اختلافات مصالح كل منهما عن الأخرى؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى الصين على أنها قوة ناهضة لها دورها الإقليمى والعالمى بما يمكن أن يهدد مصالحها الحيوية وأمنها القومى، كما تنظر الصين إلى الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة ذات المصالح المتشعبة على مستوى العالم، وضرورة التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب لا تكون فيه هيمنة أمريكية بل توازن بين القوى المختلفة.

حدود الدراسة:

تركّز هذه الدراسة على العلاقات الأمريكية الصينية فى الفترة الممتدة بين عامين 2008-2015، ولقد جاء اختيار هذه الفترة الزمنية تحديدا بناء على كون الأزمة المالية العالمية 2008 قد عزّزت أهمية الصين فى الاقتصاد العالمى؛ إذ وصل معدل نمو الاقتصاد الصينى فى 2007، 2008 إلى 11.9% و9.1% على الترتيب مقارنة ب 2% ،1.2% للولايات المتحدة.

أما الفائض فى الميزان التجارى الأمريكى الصينى، فقد بلغ  266.3 مليار دولار لصالح الصين. وفى السنة ذاتها، حلّت الصين محل اليابان كأكبر دائن أجنبى للحكومة الأمريكية. وناهزت الاحتياطات الصينية من العملة الأمريكية التريليونى دولار. هذا الاحتياطى الهائل تناقض تماما مع الوضع المالى للولايات المتحدة، حيث تجاوز العجز فى الموازنة الأمريكية التريليونى دولار. وبالتالى يمكن ملاحظة أن هذه الأزمة قد مثّلت نقطة انطلاقة قوية للصين لتكون من أبرز القوى الفاعلة على الساحة الدولية.

منهجية الدراسة:  

لقد استندت الدراسة بصفة أساسية على منهجين ألا وهما:

أولا: المنهج الوصفى التحليلى

إن اعتماد الدراسة على المنهج الوصفى التحليلى يتضح بصورة جلية لدى قيامنا بعرض الجذور التاريخية للعلاقات الأمريكية الصينية ومراحل تطورها والقضايا الإشكالية بينهما وأبعاد هذه العلاقات، وكذا لدى قراءة وتحليل واقع القوة الاقتصادية والعسكرية الصينية المتنامية.

ثانيا: منهج تحليل النظم

تعتمد الدراسة – إضافة إلى المنهج السابق- على منهج تحليل النظم[1]. يعرّف هواستى النظام بأنه “أية مجموعة من الوحدات السياسية المستقلة سواء كانت قبائل، دول، أمم أو إمبراطوريات تتفاعل فيما بينها بانتظام وفقا لمسالك مرتبة” بينما يعرّفه كل من ليرج و السيد بأنه “نمط ذى خصوصية من النظام الاجتماعى، وهو ترتيب يوجد عندما تقوم وحدات فاعلة – أفرادا كانوا أم جماعات- بتبرير وتحديد العلاقات فيما بينها بشكل يمكّننا من تحديد سلوك محور النظام” أما النظام الفرعى فهو “جزء من النظام الكلى”.

وبما أننا ندرس العلاقات الدولية، فإن النظام الدولى هو المؤلف تقليديا من الدول المستقلة بالإضافة إلى الكيانات والمنظمات الإقليمية والعالمية ( كالأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وجامعة الدول العربية وحركات التحرر والرابطة الإسلامية والكنيسة الكاثوليكية).

تُعتبر نظرية النظم فى التحليل الدولى من أبرز النظريات التى استطاعت أن تحقق قبولا عاما وواسعا فى الأوساط الأكاديمية المتخصصة فى السنوات الأخيرة، والتى يمكن فى إطارها تصميم إطار علمى مقبول يدور فى داخله تحليل السلوك الدولى فى شتى تأثيراته وعلاقاته التبادلية سواء فى الظروف الطبيعية أو ظروف الأزمات. وتتكون من المفاهيم التالية:

أولا: النظام

أى ذلك البناء الأشمل الذى يتكون من مجموعة النظم الفرعية التى تعتمد فى صيغ إنجازها لوظائفها على بعضها البعض، ومن ديمومة إنجازها لوظائفها تنجم الوظيفة العامة للنظام أى اتخاذ القرارات وترجمتها إلى واقع ملموس.

ثانيا: البيئة المحيطة للنظام

ويُقصد بها مجمل تلك الظروف السائدة فى وقت معين داخل هذه البيئة والمؤثرة سلبا أو إيجابا فى مدى قدرة النظام على إنجاز وظيفته الأساسية. وتتوزع هذه البيئة على نوعين متفاعلين: داخلية وخارجية.

ثالثا: العملية التفاعلية

أى مجمل تلك العملية الناجمة عن استلام النظام لتلك المسببات الموجهة إليه من بيئته المحيطة والدافعة به إلى الحركة وردود أفعاله عليها، والرامية إلى ضمان تأقلمه مع حركة هذه البيئة أو سيطرته عليها. وتُسمى ردود الأفعال هذه بالمدلولات بمعنى القدرات والسياسات التى تمّ ترجمتها إلى واقع ملموس.

رابعا: الأثر الراجع

ويُشار به إلى تلك الأفعال الإيجابية والسلبية النابعة من البيئة المحيطة للنظام والرامية إلى الرد على مدولاته وأفعاله. فالنظام عندما يترجم قراراته إلى أفعال ملموسة تترك هذه الأفعال تأثيرات مختلفة النوعية فى بيئته. وهكذا تستمر عملية الأخذ والعطاء بين النظام وبيئته.

تطبيق مفهوم تحليل النظم على المستوى الدولى:

بالانتقال إلى تطبيق مفهوم تحليل النظم على المستوى الدولى، يقول مورتون كابلان– أحد الأقطاب البارزين لهذا الاتجاه- أن كل نظام دولى يتكون من مجموعة من المتغيرات التى تترابط علاقتها وتتداخل، وتؤدى تفاعلات تلك المتغيرات كلها سواء كانت داخلية أو خارجية إلى إنتاج أنماط متمايزة من السلوك الدولى، ومن ثم فإن تحليل علاقات التأثير المتبادل التى تربط بيه هذه المتغيرات التى يعتمد عليها توازن النظام الدولى واستقراره يمكن التعرف على جوانب الانتظام أو عدم الانتظام فى أنشطته وعملياته.

أندروسكوت وديناميات التفاعل فى النظام الدولى:

يُعد تحليل أندروسكوت لديناميات التفاعل والتوازن فى النظام الدولى من أكثر التحليلات النظمية شمولا حتى الآن وأكثرها قربا للواقع.

يبدأ أندروسكوت بتعريف الأطراف الرئيسة الفاعلة فى النظام الدولى فيحددها بالدول القومية والمنظمات الدولية والتكتلات فوق القومية والتحالفات الدولية والمنظمات والحركات الدولية غير الحكومية والجماعات القومية الفرعية كجماعات الضعط والاتحادات العمالية، والأفراد الذين تتوفر لهم بعض الفعاليات المؤثرة فى النظام الدولى بما يمثلونه من آراء أو مايدافعون عنه من أفكار ومعتقدات.

ويقول سكوت أن كل الأطراف الفاعلة فى النظام الدولى تكون فى حالة من التفاعل المستمر مع بعضها البعض، وهو التفاعل الذى يتراوح مداه بين الحد الأقصى والحد الأدنى الذى بدونه لايمكن الإدعاء بوجود نظام. وتتمثل التفاعلات الدولية فى رأيه فى أربعة أشكال رئيسة ألا وهى:

– التفاعلات الحكومية المباشرة.

– التفاعلات الحكومية غير المباشرة.

– التفاعلات غير الحكومية المباشرة.

– التفاعلات غير الحكومية غير المباشرة.

تعرضت نظرية أندروسكوت كغيرها من نظريات السياسة الدولية لبعض الانتقادات الحادة التى يمكن إجمالها فى النقاط التالية:

أولا: أن التفاعلات المتناهية التعقيد التى تجرى داخل النظم الدولية على اختلاف مستوياتها من عامة وفرعية تجعل من الصعوبة بمكان رصدها وتعقّبها كلها وتحديد دوافعها الأولية والتوصل من خلالها إلى الأسباب الحقيقية التى تكمن فى خلفية سلوك كل واحد من أطراف هذه النظم ممثلا فى استجابته وردود أفعاله.

ثانيا: الصعوبة المتعلقة بمدى كفاية ماهو متاح من الحقائق والمعلومات للمحللين، ولهذه الصعوبة عدة جوانب هامة أبرزها مايلى:

– مدى توافر مصادر المعلومات من رسمية وغير رسمية.

– مدى حجم ونوعية الحقائق المتوافرة عن مختلف عمليات الاتصال المتبادل بين أطراف هذه النظم الدولية كلها، والتى تكشف فى التحليل الأخير عن مستويات الإدراك والتصور والانطباعات المتبادلة من عدائية وتوتر وتحامل واستفزاز أو من دعم ومساندة واتفاق وتجاوب.

– درجة نقاء تلك المعلومات أى مدى تطابقها أو عدم تطابقها مع الواقع الدولى.

– كيفية ربط كل المعلومات ببعضها البعض ربطا منطقيا واقعيا ذا مغزى للتحليل.

ومن الجدير بالذكر أنه إذا لم تكتمل كل العناصر السابقة فى صورة صحيحة وملائمة فإن التحليل سيأتى فى النهاية ليعطى نتائج غير دقيقة وغير واقعية.

ثالثا: اتجاه بعض الأطراف الدولية وعن عمد إلى تقديم بعض الحقائق بصورة مشوهة من أجل نقل انطباعات نفسية أو تثبيت إيحاءات دعائية معينة أو لتبرير تصرفات دولية معينة؛ ومن ثم يكون التساؤل هنا كيف يمكن فصل هذه الحقائق عن ذلك الإطار من الزيف أو التشويه، وهل يكون بمقدور الباحث الوصول إلى هذه النتيجة فى كل مرة يجد فيها نفسه أمام هكذا موقف؟

رابعا: الإشكالية المتعلقة بمتغيرات البيئة الخارجية وبكيفية الاستدلال عليها وتقييمها وربطها بما يحدث داخل النظام الدولى ومكوناته الفرعية من تفاعل على كل مستوى.

التطبيق على الدراسة:

أولا: المدخلات أى بيئة العلاقات بين الدولتين من خلال المحددات الداخلية والخارجية فى الدولتين وكذا دراسة المحددات البيئية الإقليمية والدولية[2] وهى تأثيرات المتغيرات الدولية على مسار العلاقات الأمريكية الصينية وتحديدا التحالفات الأمريكية مع الدول الآسيوية لتطويق الصين ككوريا الجنوبية، اليابان، الفلبين وتايوان وغيرها من جانب، والدور الصينى فى منطقة جنوب شرق آسيا وتحالفاته المضادة للتحالفات الأمريكية كالتحالف الصينى- الروسى و العلاقات التعاونية بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).

ثانيا: المخرجات وهى مضمون العلاقات الأمريكية – الصينية؛ وذلك عن طريق تحليل مراحل تطور العلاقات بين الدولتين، ودراسة الأبعاد الاقتصادية والعسكرية لهذه العلاقات، وكذا موقف  كلا البلدين من الأزمة السورية.

ثالثا : التغذية الرجعية وهى كيفية تعاطى الولايات المتحدة والصين مع القضايا والملفات الإشكالية الشائكة بينهما بما يحدد مستقبل هذه العلاقات على المدى القصير والمتوسط. هل ستتجه نحو تعزيز سبل التعاون بين الطرفين أم إنها ستأخذ شكل الصدام العسكرى المباشر.

الأدبيات السابقة:

تم تقسيم الأدبيات المستعان بها فى هذه الدراسة إلى أربعة اتجاهات على النحو التالى:

الاتجاه الأول ويتضمن دراسات قد تناولت بدورها الدور الإقليمى للصين فى منطقة جنوب شرق آسيا لعل أبرزها مايلى:

1- دراسة أعدتها الباحثة رشا أحمد الديسطى بعنوان “الدور الصينى فى النظام الإقليمى لدول جنوب شرق آسيا”[3]، وقد تناولت الباحثة رؤية الصين لطبيعة دورها فى محيطها الإقليمى ومحدداته وأبعاده الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية فضلا عن أدوار القوى الأخرى فى المنطقة مثل الولايات المتحدة واليابان وروسيا والهند. وانتهت الباحثة إلى أن الصين فى إطار سعيها لأن تصبح القوة الإقليمية الأكبر فى آسيا تتخذ من دول جنوب شرق آسيا باحة خلفية لها، وتهدف الصين من خلال ممارسة أدوار سياسية ودبلوماسية وأمنية وثقافية قوية فى المنطقة إلى خلق نفوذ لها عند هذه الدول من أجل ضمان الاستقرار الإقليمى، والذى بدوره يحقق للصين بيئة مواتية من أجل الحفاظ على صعودها ونموها الاقتصادى المتسارع.

2- دراسة أعدها الباحث باهر مردان بعنوان “العلاقات الصينية اليابانية”[4]، وتناول فيها تاريخ هذه العلاقات، وأبرز القضايا الإشكالية بين الجانبين وكذا الأزمة الدبلوماسية الحادة بين الدولتين عام 2010 على إثر اعتراض زوارق دورية يابانية لسفن صيد صينية فى جزر سنكاكو/دياويو، والعلاقات الاقتصادية والتبادل التجارى بين الدولتين. وانتهى الباحث إلى أن كلا الدولتين تبحثان عن نقاط للتلاقى والتعاون أكثر من سعيهما لفتح الملفات الساخنة بينهما؛ فحجم المؤشرات والبيانات الاقتصادية والتى تشير إلى وجود روابط اقتصادية لايمكن بأية حال الاستهانة بها؛ إذ أصبحت الصين هى أكبر شريك تجارى لليابان، وأصبحت اليابان ثالث أكبر شريك تجارى للصين بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى بحجم تبادل تجارى تجاوز 229 مليار دولار أمريكى بنهاية عام 2013. هذه المصالح لايمكن التضحية بها والانسياق وراء الإرث التاريخى الثقيل للعلاقات اليابانية الصينية.

3- كتاب بعنوان “الشرق الأقصى: الصين واليابان” للدكتور فوزى درويش[5] والذى تناول فيه تاريخ المنطقة من حرب الأفيون وحتى نهاية الحرب الروسية- اليابانية، ودخول كل من الصين واليابان الحرب العاليمة الأولى وأهدافهما، ووضع المنطقة فى فترة مابين الحربين فضلا عن أوضاعها عقب الحرب العالمية الأولى ثم تناول الصين المعاصرة وتطور علاقاتها الدولية، وكذا اليابان المعاصرة ودورها على الصعيد الدولى. وانتهى إلى أن دعم الولايات المتحدة لتشانج كاى شك وحكومته فى تايوان ورفضها الاعتراف بحكومة ماوتسى تونج الصينية كممثل للشعب الصينى فضلا عن استمرار دعمها العسكرى لتايوان حتى الآن جعل تايوان على رأس القضايا الإشكالية التى تقف حجر عثرة أمام تقدم العلاقات الأمريكية الصينية، وكذا الدعم الأمريكى لليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كان له دور كبير فى توتر العلاقات اليابانية الصينية.

الاتجاه الثانى ويتضمن دراسات تناولت أبعاد تجربة الصعود الصينى والتحديات التى تواجهها، ومضامين هذا الصعود، ولعل أبرزها مايلى:

1- دراسة الباحث محمد عطية محمد ريحان بعنوان “التجربة الصينية وتحدياتها المستقبلية”[6]، وتناول فيها بنية الصين الجعرافية والثقافية، ونموذج التنمية الصينية واستراتيجية هذه التنمية، وكذا مكانة الصين الدولية فضلا عن آفاق الاقتصاد الصينى. وانتهى الباحث إلى أن الصين مازالت أمامها مجموعة من التحديات لمواصلة صعودها الاقتصادى على المستوى الدولى، وإذا نجحت الصين فى تجاوز هذه المعوقات فستكون قوة دولية عظمى ولكن ذلك لن يأتى على حساب الولايات المتحدة التى ستحتفظ بمكانتها فى النظام الدولى ولكن بهيمنة أقل فى ظل نظام دولى متعدد الأقطاب.

2- دراسة الباحث منصور فالح إسماعيل بعنوان “الفرص والتحديات للنمو الصينى كقوة عظمى” [7]وتناول فيها الباحث المقومات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للصين، والتحديات الداخلية والخارجية التى تواجه الصعود الصينى، وكذا تقييم مواطن الضعف والقوة للصعود الصينى، والسيناريوهات المستقبلية للصعود الصينى كقوة عظمى. وانتهى الباحث إلى أن القوة الاقتصادية المتنامية للصين يمكن أن تكون على المدى البعيد عاملا لإثارة التوترات وعدم الاستقرار فى  المنطقة فى ظل الحاجة الصينية المتزايدة للمواد الأولية ومصادر الطاقة ولكن توجهات الصين الأمنية فى المنطقة تكشف عن سعيها لتحقيق الاستقرار السياسى والاقتصادى والأمنى لمنطقة جنوب شرق آسيا والتفرغ لبناء قاعدة اقتصادية قوية تمكّنها من لعب دور فاعل فى النظام الدولى دون السعى لتكون أحد أقطاب هذا النظام.

3- دراسة الباحث حكيمى توفيق بعنوان “الحوار النيوواقعى- النيوليبرالى حول مضامين الصعود الصينى”[8] وتناول فيها الباحث التأصيل النظرى للحوار النيوواقعى- النيوليبرالى، وواقع القوة الصينية المتنامية ودلالات الصعود الصينى من وجهة النظر النيوواقعية وكذا النيوليبرالية. وانتهى الباحث بعد محاولات لتقليل الفجوة فى أطروحات المدرستين فيما يتعلق بالصعود الصينى إلى كون المسار الذى سوف تسلكه الصين فى المستقبل غير واضح حتى الآن وباستثناء ما يتعلق بتايوان لم يظهر صناع القرار فى بكين إشارات كافية على رغبتهم فى قلب توازن القوى القائم فى شرق آسيا، لكن تنامى القوة الصينية وفق معدلات عالية قد يجعل الصين تسعى لإقامة نظام إقليمى يستجيب لتطلعاتها الإقليمية بغض النظر عما يقوله صناع القرار فى بكين اليوم، والمستقبل وحده هو الذى سيكشف هذا الواقع.

4- دراسة الباحث محمود خليفة جودة محمد بعنوان “أبعاد الصعود الصينى فى النظام الدولى وتداعياته فى الفترة من 1991 وحتى 2010”[9]، وتناول الباحث أسباب الصعود الصينى، وأبعاده  الاقتصادية والبشرية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية، ومعوقات هذا الصعود فضلا عن دور الصين فى النظام العالمى المقبل. وتوقّع الباحث ظهور نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب خلال العقدين القادمين يكون للصين فيه المكانة العليا، ولكن هذا الصعود الصينى كقوة عظمى يرتبط بمجوعة متشابكة من العوامل والمحددات سواء على المستوى الداخلى أو على المستوى الخارجى، وهو رهن ما تتخذه الصين من سياسات وتدابير فى المستقبل، ورهن سياسات ومواقف دول محيطها الإقليمى وما يشهده النظام الدولى من متغيرات.

الاتجاه الثالث ويتناول أثر الصعود الصينى على الهيمنة الأمريكية، وهناك عدة دراسات تناولت هذا الموضوع لعل أبرزها مايلى:

1- دراسة الباحثة سهرة قاسم محمد حسين بعنوان “الصعود الصينى وتأثيره على الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط فى الفترة من 2001 حتى 2009”[10]، وتناولت الباحثة مفهوم ونظريات ومقومات الهيمنة، ودور الصين المتصاعد فى النظام الدولى الجديد وسياستها تجاه الشرق الأوسط، ومؤشرات الصعود الصينى، وكذا الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصعود الصينى، والسيناريوهات المستقبلية للصعود الصينى. وتوصلت الباحثة إلى أنه لابد من تغيير فى النظام الأحداى الدولى وانهيار الهيمنة الأحادية؛ لذلك إذا ما تكلّلت التنمية الاقتصادية الصينية بنجاح حينئذ قد يتكلل دمج الصين الناهضة بوصفها قوة عظمى فى نظام عالمى متعدد الأقطاب، وسيعتمد أداء هذه المهمة على تطوير العلاقات الصينية بدول العالم أجمع ودول الشرق الأوسط بصفة خاصة.

2- دراسة الباحث أحمد عبد الله محمود عطية الطحلاوى بعنوان “مفهوم تحول القوة فى نظريات العلاقات الدولية: دراسة الحالة الصينية”[11]، وتناول الباحث مقومات وركائز القوة الصينية، ومؤشرات القوة الصلبة الصينية مقارنةً بنظيرتها الأمريكية، المواقف الصينية تجاه القضايا الإقليمية. وتوصّل الباحث إلى أن الصين – وطبقا لمقولات نظرية تحول القوة- لا تزال الطريق أمامها طويلة لكى تصبح قوة عظمى، وأنها لن تستطيع – على الأقل فى الوقت الحالى والأمدين القريب والمتوسط- أن تحل محل الولايات المتحدة كقطب أوحد على مستوى العالم ولا حتى أن تكون قطبا مناوئا لها، وإنما بإمكانها التعايش والتكيف مع النظام الدولى الذى تسعى بكين بالفعل للتساوق مع مبادئه وقيمه ومعاييره التى ارتضى المجتمع الدولى السير عليها.

3- دراسة بعنوان “العلاقات الأمريكية الصينية واستراتيجة واشنطن التى تزعزع استقرار منطقة آسيا الباسفيك”[12]، وتناولت استراتيجية أوباما بالتركيز على قارة آسيا، والمكاسب الداخلية والخارجية التى يهدف أوباما إلى تحقيقها من هذا التوجه فضلا عن المخاطر التى ينطوى عليها هذا التوجه فيما يتعلق باستقرار منطقة آسيا الباسفيك. وانتهت الدراسة إلى أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تبشر بأى خير فى العلاقات الأمريكية الصينية المهتزة أصلا نتيجة قيام الولايات المتحدة عام ٢٠١١ بسلسلة من التحركات الاستفزازية من ضمنها الإعلان عن صفقة أسلحة ضخمة مع تايوان، وهذه التحركات الأمريكية سترتد عليها فى حال استمرت بالتفكير بعقلية الحرب الباردة وتبنت سياسات تهدف لاحتواء الصين.

4- كتاب “مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية” للدكتور خضر عباس عطوان[13]، وتناول فيه العلاقات الأمريكية الصينية من منظور تاريخى، وكذا التطورات التى شهدتها هذه العلاقات فى فترة مابعد الحرب الباردة، ومجالات تفاعل العلاقة الأمريكية الصينية التى ستتلاقى أو تبتعد عندها الرؤى المتقابلة للكيفية التى يتم بها تحقيق وحماية المصالح بالشكل الذى يحدد المسار السياسى المحتمل لهذه العلاقات. وانتهى الباحث إلى إن المضمون الذى يمكن أن يستقر عليه سلوك الدولتين حيال مجالات التفاعل القائمة أو المحتملة سواء كان صراعا أو تعاونا سيكون له تأثير فى استقرار إقليم جنوب شرق آسيا بل الساحة الدولية ومكوناتها قاطبة بشكل يصعب تجاوزه.

الاتجاه الرابع ويتضمن دراسات تناولت القضية السورية وموقف الولايات المتحدة والصين بشأنها، ولعل أبرزها مايلى:

1- دراسة الباحث مروان قبلان بعنوان “المسألة السورية واستقطاباتها الإقليمية والدولية: دراسة فى معادلات القوة والصراع على سوريا”[14]، وتناول الباحث فيها مستويات تحليل الأزمة: المستوى المحلى ويتمثل فى حسابات كل من النظام والمعارضة، المستوى الدولى ويتمثل فى خصوم وحلفاء النظام السورى على المستوى الدولى، المستوى الإقليمى ويتمثل فى خصوم وحلفاء النظام على المستوى الإقليمى. وانتهى الباحث إلى أنه ونتيجة حدة الصراع والرهانات الإقليمية والدولية عليه، واتخاذه شكل المنازعة الصفرية التى تقتضى بالضرورة وجود رابح وخاسر بين النظام والمعارضة، فضلا عن عدم قدرة أى طرف من الأطراف الإقليمية والدولية على السماح بخسارة وكيله المحلى، فقد بات مرجحا أن تكون الأزمة السورية من النوع الطويل والمعقد والذى قد يأخذ شكل الحرب الأهلية – كما حصل فى لبنان والعراق – أو قد يتسع ليشمل دولا إقليمية بالغت فى الرهان على مآلات الثورة السورية.

2- دراسة بعنوان “تطور الموقف الأمريكى من النظام السورى: من دعوات الإصلاح إلى التفاوض”[15]، وتناولت الدراسة الموقف الأمريكى المرتبك فى بداية الأزمة ثم المطالبة الأمريكية بتنحى الأسد، وكذا أهم مرتكزات الخطاب الأمريكى بعد تعيين السيناتور جون كيرى وزيرا للخارجية. وانتهت الدراسة إلى أن الضربات التى شنها التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة على التنظيمات التى تصفها بالإرهابية فى سوريا عزّزت وضع النظام الذى صرف جلّ قوته العسكرية الضاربة لإضعاف المعارضة السورية التى تصفها واشنطن ب”المعتدلة” بل إن الأسد أصبح يشعر- وفى ظل الدعم الإيرانى والروسى اللامحدود له، وغياب إستراتيجية أمريكية لإجباره على التنحى- بأن الولايات المتحدة لن يكون فى وسعها إلا أن تقبل به إن عاجلا أم آجلا- شريكا فى الحرب على الإرهاب.

3- دراسة الباحثة سنية الحسينى بعنوان “سياسة الصين تجاه الأزمة السورية: هل تعكس تحولات استراتيجية جديدة فى المنطقة؟” [16]تناولت الباحثة تطور السياسة الخارجية الصينية تجاه سوريا اعتمادا على محددى المصلحة والأيديولوجيا، وهما محددان أصيلان فى الفكر السياسى الصينى؛ فما بين أهمية سوريا الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية للصين، وما بين دعم الصين لسوريا على أساس تحقيق العدالة وإرجاع الحقوق والدفاع عن المظلوم، وانتهت الباحثة إلى أن الموقف الصينى الداعم لاستمرار الأسد على رأس النظام السورى منبعه اعتقاد الصين أن محاولات الولايات المتحدة لزعزعة استقرار المنطقة العربية يأتى لسد الطريق أمام إمدادات النفط التى تصل إليها، وخصوصا أن ذلك جاء بعد تراجع اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط وسعيها للخروج منها بعد اكتشاف كميات هائلة من النفط فى كندا والبرازيل وتطوير العديد من التقنيات لاستخدام الطاقة البديلة والطاقة الكامنة فى باطن الأرض كبديل مستقبلى للنفط.

هيكل الدراسة:

تمّ تقسيم الدراسة إلى ثلاثة فصول؛ حيث جاء الفصل الأول بعنوان “طبيعة العلاقات الأمريكية الصينية”، وتناول مبحثين؛ أولهما تناول مراحل تطور العلاقات الأمريكية الصينية وثانيهما تناول قضايا إشكالية فى العلاقات بينهما. أما الفصل الثانى “أبعاد العلاقات الأمريكية الصينية” فقد تناول مبحثين أولهما البعد الاقتصادى فى العلاقات بين البلدين، وثانيهما البعد العسكرى فى هذه العلاقات. أما الفصل الثالث فقد تناول حالة تطبيقية ألا وهى القضية السورية، وتضمّن مبحثين؛ أولهما تناول حقيقة الموقف الأمريكى والصينى تجاه هذه القضية ومحدداته، وثانيهما تناول رؤية استشرافية حول مستقبل العلاقات الأمريكية – الصينية.

الفصل الأول: طبيعة العلاقات الأمريكية الصينية

المبحث الأول:

 مراحل تطور العلاقات الأمريكية الصينية

تعود العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين إلى عام1844م؛ حيث تم توقيع معاهدة وانجيا Wanghia[17]، وهى أول معاهدة بين الطرفين، ونصّت على منح الأمريكيين مختلف الامتيازات والحصانات فى الصين. ومنذ تلك اللحظة أصبحت العلاقات الأمريكية الصينية تشكّل نموذجا خاصا من العلاقات الدولية يجمع بين الصراع والتعاون الحذر، ومزيجا فريدا من العلاقات الثنائية المعقدة للغاية أو المتناقضة؛ فكلا البلدين تتوافر لها عناصر القوة والإرادة السياسية للقيام بدور عالمى مميز يتخطى الدور الاقليمى الذى تلعبه. فالولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة فى العالم تريد الاحتفاظ بهذا الموقع المتميز لأطول مدى زمنى ممكن، والصين بثقلها الديموجرافى والاقتصادى والسياسى والعسكرى المتنامى تسعى للوصول إلى مرتبة القوة العظمى القادرة على التأثير فى مجرىات التفاعلات العالمية فى القرن الحادى والعشرين.

وفى هذا المبحث ستناول الجذور التاريخية والارهاصات الأولى للعلاقات الأمريكية الصينية وكذا  أبرز مراحل تطور هذه العلاقات.

لقد دخلت الولايات المتحدة القارة الآسيوية فى نهاية القرن التاسع عشر بموقف يختلف عن الدول الأوروبية؛ فبينما كانت الدول الأوروبية تسعى إلى إنشاء مستعمرات أو مناطق نفوذ فى آسيا، كانت الولايات المتحدة تدعو إلى انتهاج سياسة “الباب المفتوح” أى المساواة بين جميع القوى الأجنبية فى قدرتها على الوصول إلى الصين. وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى لم ترق الولايات المتحدة إلى مستوى إدعاءاتها لاسيما برنامج النقاط الأربعة عشر الذى تبناه الرئيس الامريكى ودرو ويلسون لاسيما فيما يتعلق بحق الشعوب فى تقرير مصيرها، وأصاب ذلك الصينيين بخيبة أمل كبيرة حينما أعطت معاهدة فرساى التى تمخضت عن مؤتمر فرساى الذى عُقد بعد انتهاء الحرب عام 1919 شبه جزيرة شاندونج المنزوعة من ألمانيا إلى اليابان بدلا من إعادتها للصين.

لكن إدارة الرئيس الأمريكى روزفلت قدمت للصين مساعدات غذائية ضخمة خلال المجاعة الكبرى فى أواخر العشرينات من الألفية السابقة، ودعمت الولايات المتحدة الحكومة الصينية بزعامة شيانج كاى شيك فى بسط سيطرتها من جديد فى حملتها ضد أمراء الحرب المحليين والتى سُميت “المسيرة نحو الشمال” فضلا عن الدعم الأمريكى للصين ضد اليابان فى المحيط الهادى خلال حرب المحيط الهادى وذلك من خلال إرسال معونات عسكرية ضخمة لمنطقة الحدبة “سلسلة جبال الهيمالايا وسيشوان”.

بعد سقوط الصين وتأسيس جمهورية الصين الشعبية أكتوبر 1949 إثر انتصار الشيوعيين بقيادة ماوتسى تونج وانسحاب شيانج كاى شيك ورجاله إلى تايوان[18]، ادركت الصين الخطر المحدق بها نتيجة لعبور قوات كوريا الشمالية فجر 25 يونيو عام 1950 واجتياح الأراضى الكورية الجنوبية، وأخذت الصين تتدخل فى الحرب بين الكوريتين عن طريق متطوعين شاركوا فى القتال الذى دار هناك.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الحرب قد ألقت بظلالها على العلاقات الأمريكية الصينية، فأساءت كثيرا إلى العلاقات بين الدولتين لسنوات طويلة؛ فقد تحملت الصين بسببها خسائر فادحة وتطبيقها لسياسة العزل الذاتى وتدشين حملات جماهيرية مناهضة للولايات المتحدة، فضلا عن تطبيق الولايات المتحدة لسياسة تطويق الصين لتدخلها ومساعدتها للشيوعيين الفيتناميين ضد الولايات المتحدة، وكذا فرض الحظر على التجارة مع الصين

ضغطت الولايات المتحدة على حلفائها الغربيين فحذوا حذوها فى العام التالى، فأتّهم الغرب  الصين بتقديم مساعدات ضخمة للقوات التى تقاتل الفرنسيين فما كان من الرئيس الأمريكى أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دلاس، إلا أن أستقر رأيهما على تطبيق سياسة ” تطويق الصين” وساورتهما فكرة إنقاذ فرنسا عسكريًا، حتى ولو أدى ذلك إلى خطر الدخول فى حرب مع الصين وتمّ عقد مؤتمر يضم خمس دول من بينها الصين، وكانت نتيجته اتفاقيات جنيف التى قضت بإنسحاب فرنسا من المنطقة وعدم تدخل الدول الأخرى. لكن الولايات المتحدة ما لبثت أن نشرت مظلتها على فيتنام الجنوبية بوجه خاص، مما كان له الأثر الواضح فى تدهور العلاقات أكثر فأكثر بين بكين وواشنطن. توالت الأحداث والتطورات لتزيد الهوة عمقا وأتساعا، وقرر الرئيس الأمريكى إيزنهاور عدم تحييد مضيق فورموزا، ومواصلة الأسطول السابع حماية حكومة تايوان، وتم التوقيع على اتفاقية الدفاع المتبادل بين الطرفين عام 1954وبمقتضاها تعهدت الولايات المتحدة بحماية تايوان ضد الهجوم المسلح والنشاط التخريبى الشيوعى الموجهين من الخارج من أجل سلامة أراضيها واستقلالها السياسى.

مع تفكك التحالف بين الصين والاتحاد السوفيتي بين عامي 1959 و1963 أصبحت العلاقة مثلثة الأضلاع[19]؛ حيث ظلت الصين فى المعسكر المناهض للولايات المتحدة وبقيت تشجب “التعايش السلمى” لكنها كانت تعارض بضراوة ضد نفوذ موسكو في العالم الثالث. ولزم الدبلوماسية الأميركية عشر سنوات تقريبا حتى تمكنت من الاستفادة من الفرص التى وفرها الانقسام بين الصين والاتحاد السوفيتى.

كانت إدارة نيكسون بحاجة للصين للضغط على فيتنام وإنهاء الحرب فى الهند الصينية، وبعد لقاءات سرية، قام ريتشارد نيكسون بزيارة تاريخية إلى الصين عام 1972 رافقه فيها هنرى كيسنجر، واجتمع مع الرئيس ماوتسى تونج لإرساء أسس التفاهم بين الصين والولايات المتحدة. وقد ترتب على الزيارة أن أصدر الجانبان الأمريكى والصينى بيانا مشتركا “بيان شنغهاى” ؛ وقد صرح الجانب الأمريكى فيه بأن السلام فى أسيا والعالم يتطلبان جهودا من أجل تخفيف التوتر القائم[20]، واستئصال الأسباب الجذرية للصدام مما يؤدى إلى تحسين العلاقات بين البلدين ذات العقائد المختلفة، من أجل إنهاء أى صدام أو سوء فهم ينتج عن ذلك، ولشعوب الهند الصينية الحرية فى أن تقرر مصيرها وحدها، ويعنى ذلك نية القوات الأمريكية الانسحاب نهائيا من المنطقة، مع الاستمرار والمحافظة على علاقتها الوثيقة مع كوريا واليابان، كما تساند حق شعوب جنوبى أسيا فى صنع مستقبلها فى سلام.

أعلن الجانب الصينى استنكاره للقمع والرعب من قبل الدول الكبرى للدول الصغرى والضعيفة، وتأييده بحزم لنضال جميع الشعوب والأمم المقهورة وأيدت توحيد شطرى كوريا بالطريقة السلمية، وأعلنت معارضتها بعث النزعة العسكرية اليابانية .وبالرغم من الاختلافات الجوهرية بالنسبة لنظمها الاجتماعية ولسياستهما الخارجية، أتفق الطرفان على أن تتمكن البلدان من إقامة علاقتهما على أساس احترام السيادة، والتكامل الإقليمى لجميع الدول وعدم الاعتداء على الدول الأخرى، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، والمساواة فى المكاسب المتبادلة والتعايش السلمى وتسوية الصدامات الدولية دون اللجوء أو التهديد بالقوة، وفى هذا الإطار صرّح الطرفان بما يلى:

– أى تقدم نحو إقامة علاقات طبيعية بينهما هو في صالح جميع الدول.

– كلاهما يود تخفيف خطر الصدام المسلح الدولى.

– عدم سيطرة أى من الطرفين على منطقة أسيا والمحيط الهادى، ومعارضتهما لأى طرف آخر فى إقامة مثل هذه السيطرة.

– عدم عقد اتفاقيات تضر بمصالح الطرف الآخر.

-اتفاق قوة عظمى مع قوة عظمى أخرى، يعد ضد مصالح شعوب العالم.

لقد مثّلت هذه الزيارة بداية حوار صيني أمريكي حقيقي، ولعل أبرز مكاسب الصين منها[21]:

الحلول في الأمم المتحدة محل تايوان التي طُردت من المنظمة، وأن مشكلة تايوان سوف تحل لصالحها، كما زادت قوة مركزها إزاء الاتحاد السوفيتى.

أما بالنسبة لنيكسون: فقد زادت فرص إعادة انتخابه للرئاسة، وقدرته على كبح جماح الاتحاد السوفيتى، وردع أى خطر محتمل من جانب اليابان فى المستقبل.

وبالرغم من تعهد الطرفين فى” بيان شنغهاى “بالعمل من أجل تطبيع العلاقات بينهما، إلا أن شيئا من هذا القيل لم يتم بسبب فضيحة “ووترجيت” ومشكلة فيتنام، وموت ماوتسى تونج، فضلا عن مشكلات أخرى.

ظل الحال كذلك إلى أن تولى كارتر الرئاسة فبعث فى عام [22]1978 إلى بكين بمستشاره لشئون الأمن القومي زبغنيو بيرجنسكى الذى كان الصينيون يكنون له تقديرا كبيرا، بسبب آرائه المضادة للأهداف السوفيتية، فتم الاتفاق على الآتى:

–  إقامة علاقات دبلوماسية اعتبارا من أول يناير1979 م.

– أن تنهى الولايات المتحدة علاقاتها مع تايوان، واتفاقية الدفاع المتبادل وسحب قواتها من الجزيرة.

ومن ثم برز فى فترة الثمانينات تيار فى الصين يدعو إلى عدم العزلة والأخذ بالتكنولوجيا الغربية المتقدمة عن طريق الولايات المتحدة، وقد أنتصر هذا التيار[23]، وتبريره إذا كانت هذه القوة سلاحا لمواجهة السوفيت فى المرحلة الحاضرة، فلا بأس أن تستغنى الصين فيما بعد عن الخبرة الأمريكية طالما أحرزت بكين قدرا من السبق والتقدم يغنيها عن الاستعانة بالولايات المتحدة وخبرائها. وعلى إثر هذا التقدم فى العلاقات الأمريكية الصينية فى فترة رئاسة كارتر قامت الصين بغزو فيتنام بموافقة ضمنية من واشنطن لمعاقبة الفيتناميين على غزو كمبوديا.

قام زعيم الصين الجديد دنغ شياو بنغ بزيارة شهيرة إلى الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن سياسة دنغ تجاه الولايات المتحدة لم تأخذ شكل التحالف، بل حافظ على مسافة ثابتة وبدأ يحكم على كل حالة على حدة وفق وقائعها الموضوعية أو حسب ما تمليه مصالح الصين. وبعد فترة قصيرة قام دنغ بخطواته الأولى نحو تطبيع العلاقات مع الاتحاد السوفيتى، والتى كانت قد توقفت وتعرقلت بسبب النزاعات الإقليمية.

في نهاية فترة رئاسة كارتر، هاجم رونالد ريجان خصمه لضعف موقفه تجاه الصين، مدعيا أنه سيوفر دفاعا أفضل عن تايوان. وبعد انتخابه، سعى إلى زيادة مبيعات الأسلحة إلى تايوان؛ مما جرّ عليه غضب الصين. واستمر الخلاف حتى تم التوقيع على البيان الثانى بين الصين والولايات المتحدة في يونيو 1982، وهو الذى ربط بشكل أساسى بين وعد أميركى بتخفيض شحنات الأسلحة إلى تايوان وتحقيق السلام والاستقرار فى مضيق تايوان. وظل هذا التعهد المشروط مصدرا للجدل حتى يومنا هذا؛ حيث ترى الصين الشعبية وجوب وضع سقف لشحنات الأسلحة في حين تحدد الولايات المتحدة سياستها بناء على منسوب التوتر ومستوى الحشد العسكري الصينى فى المنطقة.

وكما أشرنا آنفا إلى كون الصين والولايات المتحدة قد شهدتا علاقات دبلوماسية فعلية عام 1979، أى قبل توقيع بيان حول بيع الأسلحة الأمريكة لتايوان عام 1982، بيد أن العلاقات الثنائية بينهما كانت متأزمة الى حد كبير بسبب بيع الأسلحة لتايوان.

وفي الفترة ما بين العاشر والسادس عشر من يناير عام 1984، قام رئيس الوزراء الصينى جاو تزى يانغ بزيارة للولايات المتحدة، وهى الزيارة الاولى التي يقوم بها قائد صينى كبير للولايات المتحدة بعد زيارة دنغ شياو بنغ لها عام 1979. وفى الفترة من السادس والعشرين من أبريل إلى الأول من مايو من العام نفسه قام الرئيس الأمريكى رونالد ريجان بزيارة للصين، حيث فتحت الزيارات المتبادلة عالية المستوى بوابة تقدم العلاقات الصينية الأمريكية تقدما بناء. وفى فترة زيارة ريجان للصين تم التوقيع على اتفاقية الاستخدام السلمى للطاقة النووية بين البلدين .

إن التوقيع على مثل هذه الاتفاقية يعكس مدى ما وصلت اليه العلاقات الثنائية من تقدم غير اعتيادى[24]، وعلى مدى الثقة المتبادلة الكبيرة بينهما حينذاك؛ إذ أن استخدام الطاقة النووية سلميا من شأنه أن يشمل بشكل طبيعى التكنولوجيا النووية الحساسة إلى حد كبير. وعلى الرغم من طابع الاستخدام المدنى للتكنولوجيا النووية، إلا أن إمكانية تحويلها للاستخدام العسكرى واردة وممكنة. لذا يمكن القول إن العلاقات الصينية الأمريكية عام 1984 تضمنت إلى حد معين شكلا من أشكال التعاون الإستراتيجي.

منذ ذلك الحين وحتى عام 1989، كانت العلاقات الصينية الأمريكية تتصف بالتقدم والتطور بشكل إجمالى. وفى هذه المرحلة، كان كل جانب من الجانبين يعتبر الاتحاد السوفيتى خطرا استراتيجيا عليه، الأمر الذى شكّل شرطا أساسيا للتعاون بين الجانبين. وعلى مستوى السياسة المحلية، كانت الصين التى تعيش بداية تنفيد سياسة الإصلاح والانفتاح تواقة إلى التخلص من حالة العزلة التى هى فيها منذ ستينات القرن العشرين، والسعى لجلب الاستثمارات الدولية والتكنولوجيا الجديدة، فمن الطبيعى أن تكون الولايات المتحدة هى الرديف الافضل.

أما من الجانب الأمريكى، كان ريجان يرى الصين حجرا على رقعة شطرنج العلاقات الثلاثية الصينية الأمريكية الروسية، ولا يرغب أيضا فى تفويت سوق الصين الكبير الذى يشهد نموا سريعا[25]. وفى الوقت نفسه كان يترقب أن تدفع سياسة الإصلاح والانفتاح في نهاية المطاف بالصين نحو الديمقراطية . ونتيجة للدواعى الاستراتيجية المتبادلة لدى الجانبين ومواجهتهما لعدو مشترك عاشت العلاقات الصينية الأمريكية حالتها الفضلى في هذه الفترة .

وابتداء من حملة رونالد ريجان الانتخابية الناجحة عام 1980 وحتى وصول جورج بوش الأب إلى سدة الرئاسة الأمريكية، ظلت دورة سياسية داخلية تتحكم بالعلاقات الصينية الأمريكية؛ حيث انتقد كل مرشح فائز سياسة سلفه تجاه الصين، ووعد بموقف أكثر صرامة (بشأن قضايا الأمن بالنسبة للجمهوريين، وبشأن التجارة وحقوق الإنسان بالنسبة للديمقراطيين). وقد اختلفت الصين الشعبية مع كل رئيس جديد، حتى تم التوصل إلى حل وسط جديد، وبعد ذلك عبّرت دائما عن أسفها على رحيل كل رئيس. وبناء عليه نجد أن ريجان قاد حملة لأجل تايوان[26]، ليأتى الرئيس جورج بوش الأب ويعيد التوازن فى بداية حكمه للعلاقات الأميركية مع اليابان.

ومن الجدير بالذكر فى هذا الصدد، أنه عقب وقوع “حادثة تيان آن مين” عام 1989 ، أعلن الرئيس الأمريكى جورج بوش فى الخامس من يونيو عن تبنيه لسلسلة الاجراءات العقابية ضد الصين، بما فى ذلك وقف جميع الزيارات والتبادلات بين كبار المسؤولين، ووقف جميع الصفقات العسكرية والتجارية بين البلدين، وإعادة النظر فى مسألة إقامة الطلبة الصينيين فى الولايات المتحدة .

وتلا ذلك اتخاذ البيت الأبيض والكونغرس تباعا مشاريع عقابية اكثر دقة ضد الصين، حتى كادت الاتصالات جميعها أن تتوقف بين البلدين، حتى التبادلات العلمية وعلاقات التوأمة بين واشنطن وبكين هي الأخرى انقطعت، فدخلت العلاقات الصينية الأمريكية فى فترة شتاء قارس صعبة للغاية[27]. جمدت إدارة بوش العلاقات الصينية الأمريكية تحت شعار حماية “حقوق الإنسان” ، مما دلّ دلالة تامة على أهمية قضية حقوق الإنسان فى هذه العلاقات.

أما بيل كلينتون فقد اختار التجارة كنهج رئيسى في التعامل مع الصين مانحا إياها أفضلية فى التجارة، ودخلت الصين منظمة التجارة العالمية فى عام 2001 بعد مفاوضات فاشلة عام 1999.

وتحدّث جورج بوش الإبن أثناء حملته الانتخابية عن الصين واصفا إياها بأنها “منافس استراتيجى”[28] وبدأت وزارة الدفاع الأميركية تركز اهتمامها نحو آسيا قبل أن تعطل هجمات 11 سبتمبر 2001 هذا التوجه وتعيد استئنافه فى عام 2012 فى ظل إدارة الرئيس باراك أوباما كجزء من سياسة “التحول نحو آسيا“، “التوجه الاسيوى للسياسة الخارجية الأمريكية” بعد الانسحاب من العراق والرحيل المتوقع للقوات الأميركية من أفغانستان فى عام 2014

ومن الجدير بالذكر أن الرئيس جيانغ تسه مين الذى خلف دنغ شياو بنغ قد سعى إلى علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة؛ مما حدّ من الخلافات وعزز من التعاون بين الطرفين بشأن القضايا الرئيسية المطروحة أمام الأمم المتحدة. وبطبيعة الحال، يُعد قرار الصين بعدم الاعتراض على الحرب الأمريكية على العراق فى 2002-2003 معلما بارزا فى هذا المسار، حاله حال قرار التوقيع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.

لم يدرج باراك أوباما موضوع الصين في حملته الانتخابية للفترة الرئاسية الأولى، باعتباره قضية انتخابية كبرى، بخلاف ما كان عليه الأمر في حملات من سبقه ولمدة طويلة. وفي الواقع ينطبق ذلك على حملة خصمه الجمهورى، جون ماكين الذي كان من أشد المخالفين لسياسة جورج  بوش المتشددة نحو الصين. بدأ الفصل الأول من إدارة أوباما بتجديد الجهود لصياغة شراكة مع الصين.

وخلال زيارة أوباما الأولى للصين وفى نوفمبر 2009، ذكر البيان المشترك عبارة “المصالح الأساسية” للبلدين، وهي عبارة مهمة بالنسبة للصين التي تدرج تحت هذا البند العديد من المطالبات السيادية. وقد تعاونت الصين إلى حد كبير في المساعدة على حل الأزمة المالية الكبرى عام 2008 من خلال إطلاق حزمة من الحوافز الاقتصادية الضخمة للحفاظ على النمو الاقتصادي فيها

لكن وضع الصين الاستراتيجي تنامى باستمرار منذ ذلك التاريخ، بعد أن عكست سياساتها السابقة تجاه جيرانها الآسيويين في تحد ضمنى للتفوق الأميركي فى آسيا والمحيط الهادى فى المستقبل[29]. فمنذ أواخر عام 2009، مع بعض الانقطاعات، تكررت حوادث الحدود بينها وبين اليابان والفلبين وفيتنام والهند بانتظام، بينما ظلت قدرة الصين على إبراز قوتها فى ازدياد مستمر فى حين تحول حلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة على المستوى الثنائى وبشكل متزايد إلى الولايات المتحدة بحثا عن الأمان ملقين برهاناتهم ضد بكين.

فى الظاهر، تلعب الصين لصالح الولايات المتحدة لأنها تضمن تقريبا استمرار علاقات التحالف بين الولايات المتحدة وآسيا، ولكنها فى الوقت نفسه تحرج الولايات المتحدة، التى نشرت آنذاك 60% من قواتها البحرية فى آسيا بكلفة كبيرة، وفي مهمة دفاعية بحتة. كذلك أصبحت النزعة القومية المتصاعدة فى الصين عاملا له تأثيره؛ فعلى الرغم من أن النظام الاستبدادى لا يسعى بالعادة للحصول على موافقة الرأى العام، لا يستطيع أى فرد من القيادة تحمل وزر اتخاذ موقف معتدل علنا، خوفا من وصفه بـ”الخائن”، ومن شأن ذلك أن يخلق مناخا صعبا يؤثر سلبا على مجمل العلاقة بين الدولتين.

وفى الحقيقة فإن البلدين مستمران فى التعاون بشأن مجموعة واسعة من القضايا؛ فالصين تضغط على كوريا الشمالية لاتخاذ مواقف أكثر اعتدالا، وبالرغم من أن الولايات المتحدة تتحرك فى مسألة تايوان، إلا أن تحركاتها كلها خلت من دعم الاستقلال كخيار يتخذه الناخبون فى الجزيرة. وتقبلت الولايات المتحدة مساعى الصين فى جميع أنحاء العالم لتؤمّن نفسها بالطاقة والمواد الخام[30]، لا بل فتحت أبوابها للاستثمارات الصينية فى هذا المجال مؤخرا.

وفى واقع الحال، وبعد ثلاثة عشر سنوات من التدخل الأميركى فى العراق، نجد أن الصين تملك أكثر من حصص الولايات المتحدة في النفط العراقى، وهو الوضع الذي لم يكن من الممكن تصوره سابقا. وسمحت الصين بالتدخل فى ليبيا بدون معارضة، رغم أن هذا تسبب في جدل داخلى بعد أن خسرت مكاسب اقتصادية في هذا البلد. أما معارضتها للتدخل فى سوريا، فعلى الرغم من أنه يبرّر كمسألة مبدأ، إلا أنه أكثر ارتباطا بما بقى من تضامن مع روسيا في الأمم المتحدة بشأن القضايا السيادية الكبيرة، وسيتم تناول القضية السورية والموقف الأمريكى والصينى منها بشئ من التفصيل فى الفضل الثالث من هذا البحث.

المبحث الثانى:

قضايا إشكالية فى العلاقات الأمريكية الصينية

إن الولايات المتحدة دولة عظمى ذات سيادة عالمية، ودولة قوية؛ ولذا تسعى دائما إلى فرض وضعها السياسى. أما الصين فهى دولة ذات توجهات اشتراكية بينما الولايات المتحدة هى دولة رأسمالية ترفض المد الاشتراكى؛ لذلك تمثّل العلاقات الأمريكية الصينية – كما سبق وأشرنا فى السابق – نمطا فريدا فى العلاقات الدولية؛ فهذه العلاقات لها تعقيداتها الخاصة وصرعاتها الخفية والمعلنة، الظاهرة والكامنة، العاجلة والآجلة. كما أنها تتسم بدرجة كبيرة من التغير فنجدها تنحو إلى درجة متقدمة من التعاون فى بعض النواحى، وإلى درجة متوسطة من التعاون فى بعض النواحى الأخرى، كما قد يحدث هذا التغير فى نفس القضية بتغير الزمن، ويعكس هذا المدى الواسع الذى تتراوح فيه العلاقات عدم قدرة صانع القرار على التوفيق بين المصالح المختلفة لدولته من علاقتها بالدول الأخرى، وعمق روابط التعاون التى تمنع تدهور العلاقات إلى النهاية، وطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها العلاقات بينهما، واختلاف المواقف بشأن الأزمات المتكررة بينهما.

 وفى هذا الإطار ستناول فى هذا المبحث أبرز القضايا الاشكالية فى العلاقات بين الولايات المتحدة والصين ألا وهى:

أولا: القضية التايوانية

ثانيا: قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان

ثالثا: قضايا التجارة

رابعا:  قضية بيع الأسلحة الصينية

ومن الجدير ذكر أمرين قبل البدء فى طرح هكذا قضايا؛ أولهما كون هذه القضايا تتعلق بشكل أو بآخر بطريقة تعاطى الولايات المتحدة مع الصعود الصينى فى آسيا والعالم ورغبة الطرفين فى احتواء هذه القضايا الخلافية تجنبا للتصعيد والصدام. ثانيهما أنه قد تفرّق الباحثون شيعا بشأنها؛ فنجد الفريق الأول يرى أن هذه القضايا محل الخلاف ليست بذات طبيعة جوهرية، وفريق آخر يرى وجود خلافات جوهرية بين الطرفين، أما الفريق الأخير، فيركن فى تحليله للموقف إلى مفاهيم الصراع التقليدى للقوى والمصالح فى النظام الدولى ويرى بداية حرب باردة جديدة، وهذه المرة بين الولايات المتحدة والصين، تصبح الأخيرة العدو الذى يبحث عنه الاستراتيجيون الأمريكيون، ولا تعدو الأزمات الدورية المتكررة، والتهديدات العقابية المتبادلة  – وفقا لهذا المفهوم – كونها محاولات اختبار للقوى[31] بين طرف يهيمن على مركز القوة فى النظام الدولى وهو الولايات المتحدة، وطرف آخر ليس هناك تقييما حقيقيا لموضع قوته فى النظام لأنه لم يُختبر بعد ألا وهو الصين.

أولا: القضية التايوانية

إن أزمة مضيق تايوان التى وقعت عام 1996 أبرزت بشكل واضح أهمية مكانة قضية تايوان فى العلاقات الأمريكية الصينية. ففى ظل الضغوط التى مارسها الكونغرس الأمريكى بمجلسيه النواب والشيوخ، أعلنت وزارة الخارجية فى الثانى والعشرين من مايو عام 1995 عن الزيارة الشخصية التى سيقوم بها لى دنغ خوى التايوانى للولايات المتحدة، والتى قد تمت المصادقة عليها من قبل الرئيس كلينتون وأزمت العلاقات العسكرية بين البلدين.

وفى اليوم السابع من يونيو زار لى دنغ خوى الولايات المتحدة، وألقى خطابا فى جامعة كورنيل روّج فيه تعابير كجمهورية الصين في تايوان وغيرها من الأقوال الانفصالية؛ ولذا أعارت الحكومة الصينية بالغ اهتمامها بتصرفات قوى “استقلال تايوان”، ووقفت موقفا حذرا جدا من رفع مستوى العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان .

وفى الفترة الواقعة ما بين النصف الثانى من عام 1995 والنصف الأول من عام1996، قامت الصين بعدة مناورات عسكرية فى مضيق تايوان غير أن الولايات المتحدة ورغبة منها فى إظهار مصداقيتها للوعود التى قطعتها على نفسها فى قانون العلاقات مع تايوان  حركت أسطولين من حاملات الطائرات للقيام بدوريات مراقبة ولاستطلاع قرب مضيق تايوان مما جعل الاحتكاكات العسكرية بين الجانبين عرضة للانفجار فى أى لحظة من اللحظات لتبلغ درجة تأزم العلاقات بين البلدين أقصاها منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية[32]، وقد جاء هذا الحادث دلالة تامة على أن مسألة تايوان تشكل المسألة الجوهرية في العلاقات الصينية الأمريكية. وفى هذا الشأن وصف أحد الباحثين الأمريكيين العلاقات الثنائية قائلا “ما هو مبشر فيها هو عدم وجود إلا مسألة فعلية واحدة – يقصد بها مسألة تايوان-  بينما السىء فيها هو عدم إمكانية حل هذه المسألة “.

تايوان هى الاسم الذى أطلقه البرتغاليون على جزيرة فرموزا وتشغل مساحة 35 ألف كيلومتر وتقع بالقرب من ساحل بحر الصين الجنوبى، وخضعت الجزيرة للاستعمار اليابانى عام 1895 بعد الحرب الصينية اليابانية، وأعيدت إلى الصين بعد استسلام اليابان فى الحرب العالمية الثانية 1945.

أدى استيلاء الحزب الشيوعى الصينى على السلطة عام 1945بقيادة ماوتسى تونج إلى فرار حكومة الكومنتاج التى يتزعمها المارشال تشانج كاى شك إلى شونج كونج جنوب الصين، ولما بلغ المد الشيوعي الولايات الجنوبية انتقلت حكومة الكومنتاج إلي جزيرة فرموزا، وأقام تشانج حكومته فى تايوان وأنتُخب رئيسا لها عام 1950 وسارعت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بالاعتراف بحكومة تايوان ممثلا شرعيا للشعب الصينى بينما اعترف الاتحاد السوفيتى بالصين الشعبية كممثل شرعى للشعب الصينى[33].

لقد فرضت توازنات القوى وطبيعة الانشطار في بنية النظام الدولى وبدايات الحرب الباردة وطبيعة المصالح الأمريكية فى عهد الرئيس هارى ترومان عام 1950 تحييد تايوان ووضع الأسطول السابع الأمريكى، لحماية الجزيرة وصعدّت الإدارة الأمريكية من علاقاتها مع تايوان بتوقيع معاهدات أمنية فى الأمم المتحدة باعتبارها الممثل الشرعى للصين.

كانت حكومة بكين طوال فترة الخمسينات والستينات تسعى بكل جد لاستعادة السيادة الصينية على كافة الأراضى التى كانت تحت سيطرتها فى السابق، وكانت ترى أن لها الحق فى فرض سيادتها على هذه الأراضى باستخدام القوة العسكرية. ومن هذا المنطلق، رفضت الصين الشعبية مطالب الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة فيما يتعلق بمنح سكان تايوان حق تقرير المصير  طبقا لميثاق الأمم المتحدة، ورفضت وضع تايوان تحت وصاية الأمم المتحدة وإصرارها على إنها جزء منها منذ الأزل وأن توحيدها مسألة داخلية

وبعد التحول الذى طرأ على سياسة الصين الشعبية فى السبعينات وتحسين العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن فى1987، وعليه تأكيد الولايات المتحدة على سحب كافة القوات والمنشآت العسكرية الأمريكية من تايوان، وصدر بيان من الجانبان الصينى والأمريكى بخصوص تايوان، تضمّن موافقة الحكومة الأمريكية على الشروط الصينية وأهمها مايلى:

–  إنهاء العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وتايوان.

-إلغاء معاهدة الدفاع المشتركة التي أُبرمت عام 1950الخاصة بالدفاع الجوى والبحرى عن تايوان ضد أى هجوم تقوم به الصين الشعبية.

– سحب القوات العسكرية الأمريكية من تايوان.

– اعتراف الولايات المتحدة بوجود صين واحدة، وإن تايوان جزء

من الصين، وإن حكومة الصين الشعبية هى الحكومة الشرعية.

– استمرار العلاقات التجارية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وتايوان.

وقد أدت هذه المتغيرات إلى إنهاء الاعتراف الدولى بأن حكومة الصين الوطنية فى تايوان هى الممثل الشرعى للصين.

ومن الجدير بالذكر أن العامين 1995- 1996 قد شهدا أزمة خطيرة بين الولايات المتحدة والصين بسبب إقدام الولايات المتحدة على نوعية جديدة من التعاملات مع حكومة تايوان فسرتها بكين على أنها تحمل خروقا جوهرية وانحرافا تاما عن نصوص الاتفاق بين البلدين منذ السبعينات بشأن المسألة[34].

أبرز نقاط الخلاف بهذا الشأن:

– السماح بزيارة مسئولين تايوانيين للولايات المتحدة.

–  مبيعات السلاح الأمريكية لتايوان.

وقد فكّرت القيادة الصينية فى مبدأ دولة واحدة ونظامين لحل المسألة التايوانية سلميا، وخاصة بعد نجاح تطبيقه فى هونج كونج، وأصبحت الصين مستعدة لانتهاج سياسات أكثر تساهلا مع

تايوان، لكن هذا المبدأ قد واجه العديد من الصعوبات التى وقفت حائلا دون تطبيقه من الناحية العملية، وأبرزها مايلى:

– لقد عبّر الرئيس التايوانى “لى تنج هوى” من أن مبدأ دولة واحدة ونظامين المطبق فى هونج كونج غير قابل للتطبيق فى تايوان.

– التغييرات الديمقراطية التي بدأت منذ عشر سنوات في تايوان ومايقابلها من اشتراكية فى الصين مما يرسخ الاختلافات الإيديولوجية بينهما.

– اتجاهات وميول المواطن التايواني الذي لم يعد ينظر للصين على أنها الوطن الأم إذ عدد المرحبين بفكرة الوحدة مع الصين لا تتعدى 5% من تعداد السكان.

على الرغم من أن الصين تهدد دائما باستخدام القوة لاستعادة تايوان معتمدة على تفوقها العسكرى إلا أن خيار استخدامها يعتبر مستحيلا للاعتبارات التالية[35]:

– مساحة 170 كيلو متر فى البحر تفصل تايوان عن الصين مما يجعل محاولة غزو الجزيرة عملية أكثر صعوبة وتعقيدا.

– الدعم الخارجي الذي تحظى بتأييده من قبل الولايات المتحدة بموجب معاهدة 1979 التى تكفل لها مقاومة أى محاولة لاستخدام القوة العسكرية لحل المشكلة.

أما الجانب الأمريكى فهو يسعى دائما لاحتواء الأزمة وتجنب المواجهة العسكرية مع الصين فيما يتعلق بقضية تايوان، وكذا العمل على تشجيع الحوار بين الصين وتايوان[36] بغية الوصول إلى حل سلمى. فالولايات المتحدة لا تزال تتمسك حتى الآن بـمبدأ الصين الواحدة المنصوص عليه فى البيانات المشتركة الثلاث، وترى أن هذه المبدأ قائم على أساس نوع من التفاهم[37]. أى أن السياسة الأساسية لكلا البلدين تسعى وراء حل سلمى لهذه القضية؛ حيث أن الولايات المتحدة متمسكة بشرط الحل السلمى لأى مشروع خاص بالمسألة تايوانية، كما ترى أن إمدادها لتايوان بالأسلحة الدفاعية بمقتضى قانون العلاقات مع تايوان يتوافق مع روح البيان المشترك عام 1982.

وبجانب تمسك الولايات المتحدة بالحل السلمى للقضية، شهد مستوى المبيعات العسكرية الأمريكية لتايوان ارتفاعا سواء من حيث الكمية أو الكيفية، كما كانت العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة وتايوان تشهد بعض الاختراقات بين فترة وآخرى. ومن جانب آخر تخشى الولايات المتحدة من شدة تضخم قوى “استقلال تايوان”، بما يزجها فى اشتباكات عسكرية واسعة مع الصين.

ثانيا: قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان

يعبر ميثاق الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان بطريقة شديدة الوضوح حيث يؤكد في المادة 55 إن الأمم المتحدة ستشجع على ” أن يسود فى العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفرق بين الرجال والنساء”. وبالتالى يُفهم ضمنا أن حقوق الإنسان بحكم طبيعتها تلغى التمييز التقليدى بين النظام الداخلى والنظام الدولى؛ فهى  تنشئ نظاما قانونيا جديدا، وعليه فلا يجب أن يُنظر إليها من زاوية السيادة المطلقة أو من زاوية التدخل السياسى بل يجب إدراك أن حقوق الإنسان تقتضى ضمنا التعاون والتنسيق بين الدول والمنظمات الدولية.

الإشكالية هنا أن الولايات المتحدة تزعم أنها تتمسك بضرورة احترام الصين للقيم، والمفاهيم الغربية والدولية السائدة لحقوق الإنسان وهو ما تعارضه الصين باعتباره شأن داخلى[38]، وإن المطالبة الأمريكية هذه مبعثها أغراض تدخلية غايتها فرض الهيمنة، وترى أن لها خصوصيتها الثقافية والحضارية والتاريخية ومن ثم لا يلتقى مفهومها لحقوق الإنسان والمفهوم الغربى أو الأمريكى، فحسب قول الرئيس الصينى زيانج زيمين “أن كل دولة فى العالم تحاول تحقيق تقدم في هذا المجال بطريقتها الخاصة، ووفق ظروفها القومية”.

إن العلاقات الأمريكية الصينية يشوبها توتر حاد بصدد عدم مراعاة بكين لحقوق الإنسان وخاصة بالنسبة للمسجونين السياسيين ، وعدم سماح الصين للصليب الأحمر بالدخول إلى أراضيها، بالإضافة إلى السجل السيئ لحقوق الإنسان فى منطقة التبت، فقام الإعلام الأمريكى بتصعيد الملف الصينى لإنتهاك حقوق الإنسان، وتكرار اعتقال المعارضين السياسيين وأوضاعهم داخل السجون ، وقمع مظاهرات ميدان تيان ان مين (ميدان السلام السماوى) عام 1998، مما أدى إلى وفاة المئات منهم، بالإضافة إلى تزايد تطبيق عقوبة الإعدام وبصورة تعسفية ومتكررة.

ووفقا للسجلات المتوفرة لمنظمة العفو الدولية، أُعدم ما لا يقل عن 1077 شخصا فى العام 1999، ويُعتقد أن هذه الأرقام ما هى إلا جزء من الأرقام الحقيقية. واجه هذا التصعيد الأمريكي ردود فعل صينية متشددة حيث أصرت الصين على أن حقوق الإنسان من صميم شئونها الداخلية، ورفضت الخضوع لما اعتبرته معايير أمريكية لا تراعى الخبرة والخصوصية الصينية

ومن الجدير ذكره هنا فيما يتعلق بحادثة تيان ان مين (ميدان السلام السماوى)[39] ، أن الولايات المتحدة قد استغلت قمع الحكومة الصينية لهذه التظاهرات التى قام بها طلبة صينيون للمطالبة بالديمقراطية كذريعة لفرض عقوبات قاسية على الصين ولعل أبرزها مايلى:

– حظر تصدير التكنولوجيا المتقدمة، ووقف المساعدات الاقتصاديةالأمريكية إليها.

– حظر إرسال مبعوثين على مستوى عال إلى الصين.

– تأكيد الحكومة الأمريكية مشاركتها فى قضايا “هونج كونج”  الاقتصادية والسياسية.

– اقتراح قانون يسمح بتمديد تأشيرات الإقامة للطلبة الصينيين الدارسين فى الولايات المتحدة.

لكن ضغوط الشركات الأمريكية الضخمة ساعدت على إلغاء العقوبات، كما وموقف الصين وموافقته على العقوبات ضد العراق، إبان أزمة الخليج، قد ساعد في إنعاش الحوار بينهما، وعادت العلاقات إلى ما كانت عليه.

وفي تعليق بكين على بيان أمريكى حول حقوق الإنسان تحت عنوان هل الهدف حماية حقوق الإنسان أم ممارسة الهيمنة؟ [40]أوضحت فيه أن وزارة الخارجية الأمريكية تصدر تقريرا عالميا سنويا حول حقوق الإنسان متجاهلة مواد ونصوص القانون الدولى للتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى وممارسة سياسات الهيمنة تحت ستار حماية حقوق الإنسان، وتجاهل التقرير ذكر أى شئ يتعلق بالملف الأمريكى لحقوق الإنسان.

وعلى الجانب الآخر، اتهمت الصين الولايات المتحدة بأنها تهدف إلى إجبار الدول الأخرى على قبول الأيديولوجية والمفاهيم الأمريكية، وأوضحت الصين أيضا أن وضع حقوق الإنسان لديها قد شهد تحسنا مرضيا تماما بل إنه أفضل من مثيله فى الولايات المتحدة فى مجالات كثيرة.

إن الولايات المتحدة تأتى فى أعلى قائمة معدلات الجرائم مثل القتل والسرقة وتعاطى المخدرات والعنف والتمييز العنصرى، مما يودى بحياة كثيرين وبالتالى يؤثر على وضع حقوق الإنسان فيها. فضلا عن الإحصاءات التى أصدرها مسئولون أمريكيون والتى تشير إلى أن هناك حوالى مليون سجين فى الولايات المتحدة وهناك حوالى 1.2مليون صينى فى السجون ومزارع الإصلاح من خلال العمل. فى الوقت الذى يعادل فيه سكان الصين4.5 مرة سكان الولايات المتحدة، وقد اعترفت الأخيرة بأن هناك حوالى سبعة ملايين شخص من المشردين فيها، بينما على الجانب الآخر نجد أن الصين لم يثبت سوى وجود150 الفا من المشردين.

 والسؤال هنا: لماذا تتحفز الولايات المتحدة وهى الدولة التى تعاني كثيرا من المشاكل الحادة بصدد حقوق الإنسان بمثل هذه الدرجة لانتقاد أوضاع حقوق الإنسان في الدول الأخرى؟ ومن هذا المنطق نجد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حماية حقوق الإنسان بينما تسعى للتدخل فى الشئون الداخلية وتجاوز الأعراف الدولية تحت حجة مشكلة حقوق الإنسان بما يخدم سياستها الخارجية الرامية إلى الهيمن، ومن ثم نصّبت نفسها قاضيا دوليا تحكم فى أوضاع حقوق الإنسان فى الدول الأخرى من منطلق أعرافها السياسية وفلسفتها القانونية الخاصة، وفرض عقوبات على الدول التي لاتتفق معها وذلك من خلال الربط بين حقوق الإنسان والمساعدات الخارجية والتعاون الاقتصادي والتقنى ووضع الدولة الأولى بالرعاية التجارية مستخدمة كل ذلك كوسائل للضغط السياسى.

في التاسع من ديسمبر عام 1986م، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار أشارت فيه إلي أنه يجب على كل دولة من الدول أن تتجنب استغلال قضية حقوق الإنسان واستخدامها لممارسة ضغوط على أى دولة أخرى. ومن ثم فإن تقرير حقوق الإنسان العالمى الذى يصدر سنويا عن وزارة الخارجية الأمريكية ينتهك هذا القرار.

ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى بعض الاتفاقيات الدولية حول حقوق الإنسان التى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى سبيل المثال نجد أن الكونجرس الأمريكي لم يوافق حتى الآن على أن توقع الولايات المتحدة على الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 م، والاتفاقية الدولية لقمع وعقاب جريمة التفرقة العنصرية لعام 1973 م، واتفاقية إزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1980 م.

وعلى الصعيد الآخر نجد أن الصين ومنذ أن استردت جمهورية الصين مقعدها فى الأمم المتحدة شاركت فى سبع من الاتفاقيات الدولية منها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها[41]، الاتفاقية الدولية لقمع وعقاب جريمة التفرقة العنصرية، والاتفاقية الخاصة بإزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة، والاتفاقية والبروتوكول المتعلقان بوضع اللاجئين، والاتفاقية التى تناهض التعذيب وغيره من وسائل العقاب والتعامل غير الإنسانى .وفى تعليق آخر للصين حول التقرير الأمريكى السنوى لحقوق الإنسان قالت بكين أنها دولة نامية كبيرة تعانى من اقتصاد متخلف، وإن التنمية هى أهم أولوياتها وأنها المفتاح لحل مجموعة كبيرة من المشاكل[42].

ثالثا: قضايا التجارة

يتركز الخلاف بين الولايات المتحدة والصين فيما يتعلق بالقضايا ذات الطابع التجارى فى الجوانب التالية:

– الخلاف بشأن ما يسمى بالقرصنة الفكرية للمنتجات الصينية ذات الأصل الأمريكى[43] المنسوخة من برامج الكمبيوتر، والأعمال الفنية المرئية والمسموعة، والكتب والعلامات التجارية، وبالرغم من تهديد الولايات المتحدة بفرض ضرائب على الواردات الصينية، وتعهد الصين بمحاربة هذه التجارة فما زالت القضية يتكرر طرحها بصفة دورية.

– الخلاف حول وضع الدولة الأولى بالرعاية التجارية التى تمنحها الولايات المتحدة للصين.

– الخلاف بشأن إشراك الصين فى الجات؛ حيث تربط الولايات المتحدة موافقتها على ذلك بتصفية نقاط الخلاف[44]، ومكافحة الصين للقرصنة على الملكية الفكرية، وعموما فبعد أن تصل الأزمة إلى مرحلة فرض عقوبات، يكون هناك حرص متبادل على التهدئة وعدم الإنسياق وراء فرض إجراءات عقابية متبادلة.

رابعا: قضية بيع الأسلحة الصينية

تمثلت أهم نقاط الخلاف الرئيسية فيما يتعلق بهكذا قضية فى مبيعات السلاح الصينية لباكستان وإيران بالرغم من حرص الولايات المتحدة على إدخال الصين فى سلسة من الاتفاقات والتعاقدات البيئية لتجنب مخاطر الانعاكسات السلبية لانتشار تكنولوجيا السلاح الصينية، فوقعّت فى أكتوبر 1994 اتفاقا حول هذا المضمون فى مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد الصين منذ أغسطس 1993.

الفصل الثانى: أبعاد العلاقات الأمريكية الصينية

المبحث الأول:

البعد الاقتصادى فى العلاقات الأمريكية الصينية

عادة ما ينظر خبراء العلاقات الدولية إلى التفاعلات بين القوى العظمى في النظام الدولى باعتبارها المحدد الرئيس لإمكانيات التعاون واحتمالات الصراع فى الحاضر والمستقبل، ليس فقط فى نطاق العلاقات الثنائية للقوى الفاعلة فى النظام الدولى، ولكن فى إطار التفاعلات الإقليمية والدولية عموما؛ ولذا فمن الأهمية بمكان تسليط الضوء على التفاعلات بين القطب الدولى المسيطر وهو الولايات المتحدة الأمريكية، والقوة البازغة فى النظام الدولى ألا وهى الصين.

إن الدراسات التاريخية تشير أيضا إلى كون فترة الانتقال فى النظام الدولى شديدة الخطورة على الأمن الإقليمى والدولى معا؛ فخلال هذه الفترة تحاول القوى المسيطرة الحفاظ على مكانتها فى قمة النظام الدولى، بينما تسعى القوى الجديدة إلى تغيير شكل نسق علاقات القوة. وعادة ما جاء حسم هذا الصراع فى مرحلة ما قبل العصر النووى بحرب عالمية قد تؤدى إلى ترسيخ تراتبية السلطة القائمة أو قد تؤذن بارتقاء سيد جديد للنظام الدولى. لكن الخوف من التدمير الشامل المتبادل بين القوى العظمى منذ الحرب الباردة أدى إلى محاولة إدارة الصراع بوسائل أخرى. وفى هذا الإطار سنتناول فى هذا الفصل بعدين يشكلان فى مجملهما طبيعة العلاقات الأمريكية الصينية، ويحكمان تطورها وطريقة تعاطى كل من القوتين العظميتين للقضايا الإشكالية بينهما ألا وهما: البعد الاقتصادى والعسكرى.

البعد الاقتصادى فى العلاقات الصينية الأمريكية:

ظلت الصين بلاد متقدمة لأكثر من ألفى عام على الغرب فى جميع المجالات: الفلسفة، الثقافة، الفنون، المهارات الاجتماعية والإبداع التقنى، والنفوذ السياسى، ويدل اسم الصين باللغة الصينية تشونغ كوو ومعناه المملكة الوسطى على انتشار السلطة بشكل إشعاع من النفوذ يصدر من المركز باتجاه الأطراف ما يعنى السيطرة على الآخرين وإذعانهم، وعليه فإن فقدان الصين لعظمتها بعد حرب الأفيون مع بريطانيا واحتلال اليابان لبعض أراضيها يُعد إنحرافا عن مسار تقدمها، ومن ثم سعت إلى تطوير نفسها مرة أخرى وذلك بعد توحيد نفسها وتولى ماوتسى تونغ قيادة الجمهورية عام1949 وكانت محطمة تماما واقتصادها منهار؛ فأتّبع نظام معقد للضبط المركزى، من بعده خلفه دنغ تشاوبنغ الذى أدخل الصين فى تجربة اقتصادية جديدة لا تلغى التجربة الاشتراكية القديمة إنما تبنى عليها إصلاحات هيكلية ومؤسسية لمواكبة الاقتصاديات العالمية.

بدأت تجربة الإصلاح الاقتصادى فى الريف حيث يعيش 80% من السكان وانتقلت إلى المدن، ولعبت الشركات الصينية العاملة فى الخارج دورا كبيرا[45]، وتقديم السلطات التسهيلات للمستثمرين الأجانب، وإقامة مناطق حرة للتنمية الاقتصادية تتمتع باستقلالية فى اتخاذ القرارات الاقتصادية الخاصة بها، وقد حققت مقاطعة جوانج دونج فى الفترة ما بين (1979-1990  (طفرة اقتصادية كبيرة؛ فوصفها البعض بأنها النمر الأسيوى الخاص.

إن النموذج الاقتصادى الصينى هو نموذج فريد من نوعه يُعرف باقتصاد السوق الاشتراكى [46]الذى بدأت الصين فى اتباعه منذ تطبيق سياسة الإصلاح الاقتصادى والانفتاح بمحاولة تعظيم إيجابيات الفكر الاشتراكى التقليدى، وتحجيم ما به من سلبيات.

ويقوم هذا النظام على الجمع بين الاشتراكية واقتصاد السوق، من خلال التفاعل بين يد السوق الخفية ويد الحكومة الظاهرة فى سياسات الاقتصاد الكلى .واستطاعت الصين من خلال هذا النموذج الفريد تحقيق التناغم الاجتماعى، وتوزيع المنافع بين النظم الاجتماعية المختلفة، والمشاركة فى الوقت ذاته فى حركة العولمة الاقتصادية عالميا[47].

إن التعداد السكانى الضخم للصين يمثل قوة شرائية هائلة تصل إلى 25% من حجم الطلب العالمى، وهو فى الوقت ذاته قوة انتاجية مدعمة للقدرة التنافسية للمنتجات الصينية فى الأسواق العالمية. إن حجم الناتج الإجمالى السنوى للصين والذى وصل إلى 17.6 تريليون دولار عام 2014 يعكس قوة الإنتاج الصينى ودرجة تنوعه. والأمر الأكثر إثارة، كون هذا الناتج ينمو بمعدل مرتفع وصل إلى 7.8% عام 2014

وعلى الرغم من تباطؤ معدلات النمو الاقتصادى الصينى ولكنها تواصل الإرتفاع. وهذا النمو مرجعه بالأساس يتمثل فى نمو قطاع الانتاج الصناعى. وكذلك فإن الحجم الهائل للصادرات الصينية، والذى وصل إلى حوالى 4.3 تريليون دولار عام 2014 يعكس درجة انتشار وتنوع الصادرات الصينية وقدرتها الفائقة على اختراق الأسواق العالمية. ومن جدير ذكره هنا أنه وبالرغم من ضخامة حجم الواردات الصينية، فإن الصين تحتفظ بفائض كبير فى رصيد ميزانها التجارى وصل إلى 343 مليار يوان عام 2014.

وعلى صعيد الجدارة السيادية والائتمانية للاقتصاد الصينى؛ فإن حجم احتياطات الصين من النقد الأجنبى هائل ووصل إلى 4 تريليون دولار عام 2014، وهو مايعنى أن الصين لا تحتاج إلى الأموال اللازمة لتحقيق معدلات النمو الحالية بصورة متواصلة لسنوات قادمة بقدر ما تحتاج إلى التكنولوجيا والإدارة الحديثة والعمالة الماهرة.

وإذا انتقلنا إلى سوق المال في الصين نجد أن بورصتى الصين تمثلان ثانى أكبر سوق للمال فى أسيا بعد اليابان. ويرى العديد من الخبراء أن بورصة الصين تنمو بمعدلات سريعة تقترب من معدلات نمو الاقتصاد الصينى ككل، وهو ما يجعلها فى طريقها لاحتلال المركز الأول على العالم كما كانت قبل الحرب العالمية الثانية، حيث كانت بورصة شنغهاى واحدة من أكبر أسواق المال فى العالم.

إن اطراد حالة الانتعاش فى الاقتصاد الصينى وكذا عوامل الزمن والفرص أوهنت الاعتراضات الأمريكية[48] التى تتخوف من الاستثمار فى الصين وفجأة أضحت الصين اللعبة العالمية العظمى والمكان الأكثر استثاره للأسواق البازغة وبات مستحيلا على الأمريكيين أن يقفوا بمنأى عنها، ووجد مجتمع الأعمال الأمريكى سبيله إلى ذلك عبر الفرجة التى فتحها الرئيس ريتشارد نيكسون فى بوابة الصين.

وبحلول عام 1981، بلغت التجارة الأمريكية الصينية حجما مهما بلغ5.6 بليون دولار فى السنة، وهذا يشخص لنا توافق المصالح الإستراتيجية والاقتصادية فى العلاقة مع الصين؛ فقد كان مطلع التسعينات فترة انكماش بالنسبة للغالبية العظمى من الشركات فى الولايات المتحدة وغرق الاقتصاد الأمريكى المحلى فى حالة ركود، أو نمو بطئ على أحسن الفروض، وبدت السوق الصينية كأنها هبة أرسلتها السماء إلى الشركات العالمية، وفى هذا الصدد قال رئيس أحد البنوك الاستثمارية فى نيويورك “إذا أردت أن تكون شركة نامية فخير لك أن تعمل فى أسواق نامية”.

الأزمة المالية العالمية 2008 والصعود الاقتصادى الصينى:

جاء انطلاق الحوار الإستراتيجى- الاقتصادى بين الصين والولايات المتحدة في 2009 على خلفية التراجع الاقتصادى الكبير للولايات المتحدة فى 2008[49] واستمرار النمو المطرد في الاقتصاد الصينى بصورة يرى كثير من رجال المال والأعمال فى الولايات المتحدة أنها قد تهدد السيادة الأمريكية على الاقتصاد الدولى التى ترسّخت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالاقتصاد الصينى الذى لم يكن يجاوز 6.7% من حجم الاقتصاد الأمريكى عند انهيار الاتحاد السوفيتى، أصبح الآن يناهز نصف حجم الاقتصاد فى الولايات المتحدة. وإذا ما استمرت معدلات النمو فى البلدين على وتيرتها الحالية فإن الصين ستزيح الولايات المتحدة عن قمة النظام الاقتصادى الدولى فى غضون عقدين من الزمن على أقصى التقديرات.

شكل 1: نمو الاقتصادين الأمريكى والصينى السنوى مند نهاية الحرب الباردة

(تريليون دولار)

وبالإضافة إلى ذلك فإن إحصاءات البنك الدولى أشارت إلى ارتفاع احتياطيات الصين من العملات الأجنبية بنهاية عام 2008 إلى 2 تريليون دولار بزيادة تريليون دولار كاملة عن مثيلاتها فى عام 2006. وفي عام 2006 تخطت الصين اليابان لتحمل لقب الشريك التجارى الأول مع الولايات المتحدة. ويميل الميزان التجارى بين الولايات المتحدة والصين لصالح الأخيرة بصورة كبيرة كما يشير الشكل رقم (2).

ومكّنت الفوائض التجارية الصين من تملّك الكثير من الأصول فى مختلف أنحاء الولايات المتحدة. ولذلك فقد أصبحت الصين فى عقول كثير من الأمريكيين بمثابة المنافس الاقتصادى الإستراتيجى الرئيس للولايات المتحدة. وقد استغل بعض السياسيين الأميركيين هذا الخوف من الصعود الصينى لإلقاء اللوم على الصين وبالذات السياسات النقدية الصينية التى أبقت سعر العملة الصينية منخفضا فى مقابل الدولار كسبب رئيس لتراجع الصادرات الأمريكية وارتفاع العجز فى الميزان التجارى مع الصين[50].

وقد ركّزت جولات الحوار الأربعة التى عُقدت على خلفية الأزمة الاقتصادية الدولية على تعميق وترسيخ التعاون الاقتصادى بين البلدين من جهة، وعلى التعاون المشترك لتحفيز النمو على المستوى الدولى من جهة أخرى. وقد أظهرت الصين قدرا من التجاوب مع المطالب الأمريكية فيما يتعلق بتعويم سعر صرف العملة الصينية، وتقديم ضمانات أكبر لحقوق الملكية الفكرية، وفتح الأسواق الصينية للصادرات الأمريكية، وتخفيض الدعم المنظور والمستتر للشركات الحكومية الصينية. وفى المقابل فقد وعدت واشنطن بتسهيل نقل التكنولوجيا المتقدمة فى المجالات المدنية، وبتخفيض القيود على صادرات الصين. كما تطرقت المحادثات الثنائية لتنسيق مواقف البلدين فيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية فى منطقة اليورو، وتدعيم دور صندوق النقد الدولى فى تنسيق السياسات الاقتصادية بين الدول المختلفة[51].

مؤشرات أثر الصعود الصينى فى الاقتصاد الأمريكى وفى الحياة الأمريكية عامة:

أصبح العجز التجارى بين الولايات المتحدة والصين مسألة اقتصادية وسياسية بالغة الضخامة، وأضحت الصين المشكلة التجارية الأولى التى تواجه الولايات المتحدة خاصة إذا ماأقترن هذا العجز بانكماش فى اقتصاد الولايات المتحدة، ويشكو المصدرون الأمريكيون من أن بكين شرعت فى إغلاق أبوابها عن طريق ما تفرضه من قيود على الاستيراد والتصدير فى المجالات الرئيسة، مثل توليد الطاقة والصناعات الدوائية والآلات والاتصالات مما يدفع العديد من الشركات الأمريكية الكبرى إلى أن تعيد التفكير فى حماسها السابق من أجل علاقات أفضل بينهما.

إن كميات كبيرة جدا من الصناعة كثيفة العمالة انتقلت كاملة إلى الصين مثل لعب الأطفال والمنسوجات والإلكترونيات الاستهلاكية.[52] أصبحت قوة الصين الصناعية متنامية بفضل نظام تعليمى متطور، ولديها الآن ما لا يقل عن 350 ألف مهندس فى تكنولوجيا المعلومات على مستوى عالمى ويتقاضون مرتبا أدنى بحوالى واحد وعشرين مرة عن المهندس الأمريكى مما يغرى الشركات الأجنبية إلى إنجاز حتى أكثر الأعمال تعقيدا ومهارة فى الصين.

ديناميات النمو قوية جدا في الصين فمثلا نجد شركة جنرال اليكتريك تحقق هدفها بالوصول إلى بليون دولار فى السنة من مشروعاتها فى الصين كذلك لديها أكثر من خمسة آلاف بائع فى شنغهاى.

جمعت الصين ما يزيد عن مائة بليون دولار من العملات الأجنبية كاحتياطى لها، وبدأت أسواق ديون الخزانة الأمريكية التى تمول منها واشنطن عجزها المالى تكتسب نكهة صينية.

الصين لها تأثير فى الاقتصاد المحلى فى أنحاء كثيرة داخل الولايات المتحدة[53]، ففى كنساس عقدت120 شركة حلفا مشتركا بهدف تذكير واشنطن بالمصالح الحيوية للدولة فى التصدير إلى الصين، وفى كاليفورنيا انعقد حلف مماثل ضم350 عضوا، ونجد على المستوى القومى أكثر من ألف مشروع من مشروعات الأعمال، يساند تحالف رجال الأعمال من أجل التجارة الأمريكية-الصينية، وهناك شركة يونايتد تكنولوجى وهى من أهم أصحاب الأعمال فى كونكتيكت، وتحظى بفوائد تصل إلى 750مليون دولار من مشروعاتها مع الصين وتنشئ هذه الشركة مراكز للتأثير فى أعضاء الكونغرس عن كونكتيكت، لدعم التجارة الأمريكية الصينية، وهناك شركة جنرال موتورز التى تملك خمسة عشر مشروعا فى الصين وأكثر من ذلك فى خط الأنابيب، اضطلعت بمسئولية إقناع ممثلى ميتشيجان بأهمية الحفاظ على الروابط التجارية مع الصين. وهكذا يبدو واضحا أن رجال الأعمال الأمريكيين وصناع القرار والمواطنين العاديين يدركون جميعا أن ثمة شيئا تاريخيا ومهما يجرى على الجانب الآخر من العالم، وأن هذا الشىء يؤثر بطريقة متزايدة في حياتهم كلها صغيرها وكبيرها وأساليب معيشة نسبة مئوية كبيرة من العمال الأمريكيين خاصة أولئك الذين لم يحصلوا على نصيب من التعليم في المعاهد أو لديهم مهارات فنية متخصصة، وهناك عدة مئات من العمال الصينيين الذين انضموا إلى القوى العاملة العالمية نجدهم راغبين فى العمل بأقل من100 دولار فى الشهر، وحصلوا على تعليم يعادل – وربما أفضل من – العامل المتوسط فى الصناعة التحويلية الأمريكية، فضلا عن كونهم أكثر انضباطا وحماسا ولديهم رغبة فى العمل ساعات أطول فى ظروف أكثر صعوبة.

إن الصينيين يفضلون بقوة المنتج المحلى الذى تقوم به الشركات الأجنبية؛ وذلك لأنه يحقق وظائف وينقل تكنولوجيا[54]، ويعتقد أغلب المديرين فى الشركات الأجنبية فى الصين اليوم أنه لابد من صناعة منتجاتهم محليا لتحقيق أقصى قدر من الربح إذ نجد أن أكبر ثلاث شركات أمريكية لصناعة السيارات لها مشروعات كبيرة فى الصين، وتفضيل الأخيرة لها دون الشركات الأجنبية الأخرى؛ وذلك لأن هذه الشركات راغبة أكثر من غيرها فى نقل التكنولوجيا وعمل مشروعات مشتركة.

تستشعر بعض الشركات الأمريكية قلقا لاحتمال أن يرتفع كثيرا حافز نقل التكنولوجيا وخاصة التحذيرات المتوالية التى تطلقها مدرسة الخطر الصينى داعية إلى تجنب إقامة مشروعات أعمال مع الصين، وبالرغم من ذلك فإن الشركات الأمريكية لا يمكنها مقاومة الإغراء أو الحاجة الملحة إلى أن تشق لنفسها مكانا عميقا فى السوق الصينية[55].

المخاوف الأمريكية من الصعود الاقتصادى الصينى:

تفاقمت المخاوف الأمريكية بشأن الوضعية الاقتصادية والتكنولوجية للصين التى استطاعت أن تحقق معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادى منذ الأزمة المالية العالمية وحتى الآن. إن جلّ هذه المخاوف الأمريكية تنصب حول محورين أساسين:

المحور الأول: قضايا العجز التجارى

لقد أعلن المجلس الأمريكى الصينى للأعمال فى تقريره السنوى لعام 2015 إن الصين الآن ثالث أكبر سوق تصدير للولايات المتحدة بعد كندا والمكسيك. وارتفعت الصادرات الأمريكية إلى الصين بنسبة 198% خلال العشرة أعوام الماضية أى أعلى من معدل النمو فى أى بلد أخر

إضافة إلى ذلك، ففى إطار تحول الصين إلى نموذج نمو قائم على المستهلك ستصبح الصين التى تُعد مصنع العالم اليوم أكبر مورد وأكبر سوق فى العالم[56] وفقا لدراسة مشتركة حول العلاقات التجارية الأمريكية الصينية خلال العقد القادم. وعلى الرغم من تنامى الميل لشراء المنتجات الأمريكية، لا تزال الصين أكبر مصدر للواردات للولايات المتحدة، وتجاوز الفائض التجارى لها مع الولايات المتحدة 237 مليار دولار أمريكى فى عام 2014 فى حين بلغ حجم التبادل التجارى 555 مليار دولار أمريكى وفقا لمصلحة الدولة للجمارك فى الصين.

ودائما كان العجر التجارى الأمريكى الكبير مع الصين أحد أسباب البطالة فى الولايات المتحدة  ويتطلع بعض الأمريكيين للصين على أنها أحد أهم التهديدات الاقتصادية[57] للولايات المتحدة لكن خبراء الاقتصاد حذروا من أن إحصاءات العجز التجارى الأمريكى مضللة بدرجة كبيرة وتشوه بشدة مفهوم الواقع الاقتصادى.

وبأخذ آى فون كمثال، تقوم الشركة بالتجميع فى الصين ثم تقوم بالتصدير للولايات المتحدة. لكن أكثر من عشرة شركات من خمسة دول على الأقل تمدهم بقطع الغيار. ووفقا “لقواعد المنشأ” التى أسستها منظمة التجارة العالمية أصبحت هواتف آى فون مسجلة كصادرات صينية نظرا لأنها تمر بآخر مرحلة من “التحول الأساسى” فى الصين؛ ولذلك فان كل هاتف آى فون تقوم شركة (ابل) ببيعه فى الولايات المتحدة يضيف نحو 200 دولار أمريكي للعجز التجارى بين الصين والولايات المتحدة، لكن القيمة المضافة الفعلية للمصانع الصينية لا تتجاوز 10 دولار أمريكى. وبالمثل عدد من العلامات التجارية الأمريكية الأخرى التى تتنوع من أحذية نايك إلى دمى ديزنى. كما وأدت عيوب التجارة التقليدية لتضخم كبير فى العجز التجارى الأمريكى مع الصين.

المحور الثانى: تنامى القوة العسكرية الصينية بالتزامن مع قوتها الاقتصادية

تراقب الولايات المتحدة بقلق تزايد الإنفاق العسكرى وتنامى قوة الجيش الصينى ممثلة فى واردات السلاح والتكنولوجيا من روسيا والدول الغربية. الأمر الذى أعده البعض تهديد محتمل للمصالح الأمريكية فى الباسفيكى على المدى الطويل[58]، خاصة بعد تنامى دور الجيش فى السياسة الصينية بضم نسبة كبيرة منه إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى.

إن القوة العسكرية قادرة على ردع أى اعتداء عليها فى ظل ما تملكه الآن من قدرات نووية عسكرية وإنفاق عسكرى متزايد وجيش هو الأكبر عددا فى العالم, فهناك تصاعد ورغبة صينية فى لعب دور أكبر فى النظام الدولى؛ فالساحة الدولية تشهد تطورا ملحوظ لنشاط الصين فى إطار النظام الدولى أهمها تدخل الصين فى عدد من القضايا الدولية كإرسال قوة دولية إلى السودان في دارفور، الأمر الذى أزعج الإدارة الأميركية فضلا عن ووقوف الصين إلى جانب روسيا فى تصويتها ضد فرض العقوبات فى مجلس الأمن على إيران.

وتُعد الأزمة السورية مثالا واضحا على تنامى الدور الصينى فى السياسة الدولية؛ فلقد اتسم موقف الصين تجاه الأزمة السورية بالاختلاف مع موقف الولايات المتحدة، وهو تباين فى المواقف ليس جديدا، فطالما تناقضت التوجهات السياسية للصين مع مثيلاتها الأمريكية فى ظل سياسة خارجية صينية براجماتية تحكمها تقاطعات الأيديولوجية بالمصالح. إلا أن الجديد فى هذا الموقف هو كونه قد تعدّى حدود الاختلاف الموقفى المعهود مع سياسات الولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط، ووصل حد التصادم والمواجهة السياسية فى سابقة تُعد الأولى من نوعها فى المنطقة.

لقد تكرر الفيتو المزدوج الصينى أربع مرات بشأن أى قرار يصدر ضد الأسد ونظامه. ولم يتوقف التباين فى المواقف عند هذا الحد بل أيدت الصين التدخل العسكرى الروسى فى الأراضى السورية, واعلنت انضمامها له بحاملة طائرات رست فى البحر المتوسط قبالة السواحل السورية (ميناء طرطوس) على متنها جنود وطائرات صينية إضافة إلى صواريخ موجهة من طراز “كروز” اكتوبر 2015. وهو ماسنتناوله فى المبحث الأول من الفصل الثالث لهذا البحث.

هيئات دولية جديدة بقيادة صينية : البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB)

تقدمت 57 دولة (يونيو 2015) ليصبحوا أعضاء مؤسسين بالكيان الصينى الجديد وهو البنك الآسيوى للاستثمار فى البنية التحتية [59](AIIB) بمقره فى العاصمة الصينية بكين. والذى صُمم بغية المساعدة فى تمويل المشاريع التى تلبى احتياجات الدول الآسيوية من البنية التحتية.

ترك إنشاء البنك الجديد (AIIB) واشنطن حائرة ومتخبطة حول كيفية الرد؛ فالبعض فى الولايات المتحدة يشيد بالصين على تحملها مسئولية دولية أكبر واستخدامها القوة الناعمة فى المساعدة على نمو آسيا. والبعض الآخر يعارض هذه الخطوة بحجة أنها تُقوض قيادة الولايات المتحدة للنظام الاقتصادى العالمى، وتستخدم المساعدات كوسيلة لدعم الخطة الاستراتيجية الصينية الكبرى.

وضع فيليب لبيسكى شرحا مفصلا لهذا الأمر فى مقال بمجلة Foreign Affairs تحت عنوان من يخاف من البنك الآسيوى للاستثمار فى البنية التحتية (AIIB) ؟  ويرى لبيسكى أن قلق المسؤولين بالولايات المتحدة من أن يقوض البنك الجديد دور جهات الإقراض الدولية ومواصفاتهم القياسية المُتبعة هو قلق فى غير محله. ويضيف أن الصين حاليا منسجمة مع النظام العاملى بشدة لدرجة قد لا يتخيلها الكثيرون خاصة عندما يتعلق الأمر بالهيئات الدولية.

وعلاوة على ذلك، فإن الجهات المانحة من المستبعد أن تخصص أى موارد لمؤسسة تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة، ولا تخضع للمساءلة أمام المساهمين بها. بالإضافة لقدرة الصين على تقليل تأثير وشروط وكالات المعونة القائمة فى أى حدث، وذلك عن طريق المساعدات المباشرة، والعلاقات الثنائية مع الدولة صاحبة الشأن، والأنشطة الخارجية للشركات المملوكة للدولة، بشكل أكثر سرعة وأكفأ من الاعتماد على البنك؛ ولذا كان لزاما على واشنطن دعم البنك والانضمام إليه لتستطيع تشكيل سياساته وطريقة عمله من الداخل.

وفى الإطار السابق يرى الخبراء الاستراتيجيون الأمنيون أن تساؤل لبيسكى حول مشاركة الولايات المتحدة فى بنك  AIIBوتأثيره على المواصفات القياسية للجهات الدولية المانحة للقروض هو جزء تكتيكى صغير مقارنة بالتساؤلات الاستراتيجية الأكبر والأشد تأثيرا والمتمثلة فى كون البنك سيمنح الصين قدرة ومرونة فائقة على العمل خارج نطاق تأثير حق الفيتو للولايات المتحدة، ومن ثم إتاحة الفرصة لها لإعادة ترتيب النظام العالمى من جانب واحد.

إن البنك سيضمن فوائد متنوعة للصين وسيمدد نفوذها السياسى والاقتصادى فى كل أرجاء آسيا، وسيدعم مجهوداتها فى جعل عملتها اليوان عملة احتياط دولية، وستحصل الشركات الصينية على وضع مميز بسبب خبرتها الكبيرة فى مجال البنية التحتية، وستستفيد أكثر من غيرها من فوائد رأس مال بنك AIIB المقدر بحوالى 100 مليار دولار.

ويقلق العاملون فى المجال الأمنى من أن قيام بنك التنمية متعدد الأطراف بتوفير رأس المال الكافى لحاملة الطائرات القادمة، من الممكن أن يساعد فى المقابل على منح الحاملة حقوق الرسو فى الموانئ الأجنبية، أو يُستخدم فى تمويل شبكات أنابيب النفط والغاز الكافية لوقاية الحاملة من خطر حظر الوقود عنها.

الصين قد تصبح القوة الاقتصادية الأولى فى العالم فى 2016

توقعت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أن تزيح الصين الولايات المتحدة عن المركز الأول كأكبر اقتصاد فى العالم فى عام 2016 مع استمرار نموها الاقتصادى[60]. وقالت فى تقرير نقلته صحيفة تلغراف البريطانية إنه بالرغم من احتمالات بطء نمو اقتصاد الصين، فإن معدل النمو سيكون فى حدود 8% خلال العقد الحالى.

ومن الجدير بالذكر أن الاقتصاد الصينى قد سجل نموا بنسبة 7.8% فى العام الماضى، وهو أبطأ معدل له فى أكثر من عقد، وأظهرت أرقام مؤخرا أن انتعاش الاقتصاد الصينى ربما فقد قوة الدفع. لكن توقعات المنظمة كانت مشجعة فيما يتعلق بمستقبل نمو الاقتصاد الصينى، وقالت إنه قد يسجل 8.5% هذا العام. وإنه بحساب فروقات الأسعار فإن الاقتصاد الصينى سينمو ليتفوق على اقتصاد الولايات المتحدة فى 2016.

وقد عزز تكهنات المنظمة هذه توقعاتها بزيادة الاستثمارات فى ثانى أكبر اقتصاد بالعالم. وقالت المنظمة إنه من أجل المحافظة على قوة النمو الاقتصادى، فإنه يجب على الصين تنفيذ تعهداتها بالسماح للشركات الحكومية بالمنافسة فى الأسواق المفتوحة، وتسهيل حركة العمال المهاجرين من الريف إلى المدن.

يُشار إلى أن قادة الحزب الشيوعى الجدد – الذين تسلموا السلطة بالصين فى نوفمبر الماضى- تعهدوا بالمزيد من الإصلاح. لكن توقعات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية قالت إنه يجب عليهم توضيح ما إذا كانوا سيسعون للتغلب على بعض التحديات التى تتمثل فى التخلى عن مزايا مثل سياسات الاحتكار وخفض الفوائد على ديون البنوك وتقديم الدعم على الطاقة للشركات الكبرى فى البلاد. وأشارت المنظمة إلى أن الزعماء الصينيين منذ 2005 وعدوا بفتح قطاع الصناعات الصينى للمنافسة من قبل القطاع الخاص، لكن ذلك لم يتحقق. وقالت إن الصين بحاجة لتحقيق ذلك.

كما أشارت إلى أن الصين استطاعت مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية فى السنوات الخمس الماضية أفضل من أى دولة فى المنظمة[61]، ومن كثير من الاقتصادات الناشئة، وأنها فى وضع يمكّنها من الاستمرار فى عقد رابع من النمو الاقتصادى وتحسين المستوى المعيشى لسكانها. ولكن تُرى هل تصدق هذه التوقعات فى ظل تباطؤ معدل النمو الاقتصادى الصينى والذى سجل أدنى معدلاته العام الماضى بمعدل نمو 6.9% وهو الأبطأ منذ الأزمة المالية العالمية 2008؟!

إن هذه التوقعات لاتنفى على الإطلاق التحديات التى تواجه الاقتصاد الصينى المتمثلة فى مشاكل التلوث[62]؛ فنجد أن الصين تعد الدولة الثانية بين أكثر الدول التى تنتج الغازات المسببة للاحتباس الحرارى، ومشكلة التفاوت الانمائى بين مختلف المناطق والمقاطعات الصينية بالاضافة إلى الكثافة السكانية الضخمة, والخلل المتوقع فى هيكل السكان فى ظل ما تشهده الصين من معدلات نمو سكانية؛ فالعلماء يرون أنه بحلول الربع الأول من القرن الحالى فإن معظم سكان الصين سوف يكونوا ضمن الشريحة غير العاملة والتى تضم كبار السن والأطفال, فهناك توقع بشيخوخة الإنتاج الصينى واتجاة مؤشرات الناتج المحلى الأجمالى للانخفاض,

إن الصين تعانى من ارتفاع حجم الديوان الصينة؛ فالصين الدولة الأكثر مديونية على مستوى العالم, وتواجة الصين تناقص فى مصادر الطاقة مع تزايد حدة التنافس الدولى على مصادر الطاقة فهناك عجز تلجأ الصين إلى سده من الخارج مما سوف يثقل من عاتق التنمية فى الصين. فضلا عن عدم الاستقرار الداخلى الذى قد يعصف بالتقدم الاقتصادى فبعض مناطقها الحدودية بها الكثير من المشاكل والتيارات المتعارضة مثل شينجيانج والتبت.

هذا فضلا عن علاقة الصين المتوترة مع هونج كونج[63]، وما تزال علاقاتها مع تايوان لم تتحدد بصورة واضحة, فعودة تايوان بمثابة قضية حياة أو موت بالنسبة للصين؛ فقد تدفع بالصين إلى نزاع عسكرى مسلح مع الولايات المتحدة لاستعادة تايوان، أو قد تدفع الولايات المتحدة إلى استخدام مسألة تايوان كورقة ضغط على الصين من أجل تضيق الخناق على الصين والعمل على إجهاض الصعود الاقتصادى الصينى. 

المبحث الثانى:

البعد العسكرى فى العلاقات الأمريكية الصينية

بشكل عام تميّزت العلاقات العسكرية الأمريكية الصينية بالتذبذب ولاتزال العلاقة الأقل نموا مقارنة بنظيرتها الاقتصادية. إذ تكوّن هذا التذبذب بسبب موقف كلا البلدين من القضايا الإشكالية بينهما وخاصة قضية تايوان؛ ففى عام 2010 قررت الولايات المتحدة بيع أسلحة بقيمة 6.4 مليار دولار لتايوان، وعلى إثر هذا السلوك الأمريكى هذا علّقت الحكومة الصينية علاقتها العسكرية مع الولايات المتحدة ليستمر الحال إلى نهاية عام 2010 وصولا إلى إجراء الجولة الحاددية عشر من محادثات الدفاع بين البلدين[64]، وبالتالى تقرر استئناف العلاقات العسكرية لكن ليس بالمستوى المطلوب.

من جانبها ترى الحكومة الصينية أن تعزيز العلاقات العسكرية مع واشنطن يعنى أنها ستحصل على العديد من المكاسب الاستراتيجية فضلا عن إرسال رسائل سياسية- على الرغم من وجود حالة اتخوف والاتهامات المتبادلة بين البلدين- أبرزها مايلى :

– أن عملية التحديث للمؤسسة العسكرية الصينية تتطلب خبرات متراكمة كالتى تمتلكها المؤسسة العسكرية الأمريكية من حيث الكفاءة القتالية للموارد البشرية وحجم القدرات والإمكانيات والانتشار العالمى.

– تعزيز الدور العالمى للصين من خلال المشاركة فى التدريبات المشتركة لمكافحة الإرهاب الدولى والقرصنة والمشاركة فى عمليات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية.

– لعل أهم رسالة تريد الصين إيصالها للولايات المتحدة هى عدم التدخل فى قضايا المنازعات البحرية سواء فى بحر الصين الجنوبى أو الشرقى؛ فالصين تعد ذلك قضايا سيادية تمس الأمن القومى الصينى؛ لذا وافقت الولايات المتحدة والصين على توسيع التبادلات العسكرية والتدريبات كجزء من الجهود الرامية إلى بناء علاقات أكثر استقرارا.

جاءت هذه الخطوة على إثر زيارة وزير الدفاع الصينى تشانج وان تشيوان الولايات المتحدة ولقائه وزير الدفاع الأمريكى تشاك هيجل بواشنطن فى 19 أغسطس عام 2013. وجاء هذا الموقف الصينى ليؤكد على مسعى الحكومة الصينية لحماية أمنها القومى، ورغبة منها فى تعزيز التعاون العسكرى مع الولايات المتحدة فى منطقة أسيا الباسفيك.

الدوافع الصينية لتحديث المؤسسة العسكرية:

تشير التقارير الصادرة عن الكونجرس الأمريكى إلى أنه ما بين عامى 2000-2009 زادت معدلات الإنفاقات العسكرية الصينية بنسبة 11.8%. وحسب ما ورد فى تقارير وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” لعام 2009، فإن حجم الإنفاق العسكرى الصينى قد بلغ 150 مليار دولار، ويرى محللون أن جهود الصين فيما يتعلق بتطوير طائرات الشبح وصواريخ قادرة على ضرب أهداف متحركة فى البحر دليل على إلتزام الصين بتحديث تكنولوجيتها الدفاعية.

والسؤال هنا ما دوافع الصين لزيادة إنفاقها العسكرى على نحو أصاب واشنطن بقلق متزايد؟ للإجابة عن التساؤل المطروح، سنتناول دافعين ألا وهما:

أولا: تحديث المؤسسة العسكرية الصينية لمواكبة الاقتصاد المتنامى

لطالما كانت الصين متحفظة من الناحية العسكرية؛ فقد كان الاهتمام الصينى ينصبّ بداية على الوضع الداخلى الاقتصادى والسياسى[65]. لكن وبعد أن بلغ الاقتصاد الصينى مرحلة وضعته فى مصاف الدول الكبرى من حيث أرقام الدخل و الادخار و الاحتياطيات الأجنبية من العملة الصعبة والتجارة الدولية, كان لزاما أن تواكب القوة العسكرية الصينية الوضع الاقتصادى والسياسى للبلاد وإلا فإن الصين ستخسر موقعها الاقتصادى الذى يحتاج إلى دعم عسكرى[66].

وفى هذا الإطار يذكر التقرير الأمريكى السنوى الذى يرفعه البنتاجون إلى الكونجرس عن القوة العسكرية الصينية لعام 2006, أن صحيفة صينية رسمية نشرت مؤخرا موضوعا يقول: “إنه ينبغى على بكين أن تطور قوة عسكرية تتناسب مع مكانتها العالمية، وطالما أن المصالح الاقتصادية والدبلوماسية الصينية تمتد عبر العالم فإن مثل هذا التفكير الاستراتيجى مطلوب
من هذا المنطلق تسعى الصين إلى زيادة قوتها العسكرية ليس طمعا فى السيطرة وبسط نفوذها فى آسيا بالدرجة الأولى بقدر ما هو حماية إمداداتها الحيوية الاستراتيجية و أهمها على الإطلاق فى هذه المرحلة النفط؛ فقد تفوّقت الصين على اليابان فى عام 2003 لتصبح ثانى أكبر مستهلك للمنتجات البترولية فى العالم بعد الولايات المتحدة. فلقد بدأت الصين منذ أوائل عام 2000- أى منذ الأشهر الأولى لهذا القرن- تحتل مركزا مرموقا وزاد استيرادها من النفط بصورة واسعة على صعيد الاستهلاك العالمى.

وفى حقيقة الأمر، بدأت الصين الزيادة التدريجية لاستيرادها من النفط منذ منتصف التسعينات، وأخذت هذه الزيادة تتوسع سنويا لتصبح الصين بعد عقدين من الزمن- تحديدا فى سبتمبر 2013- أكبر دولة تستورد النفط فى العالم؛ إذ زاد معدل استيرادها للنفط بوتيرة أعلى مقارنة به فى الولايات المتحدة، التى كانت تحتل المرتبة الأولى حتى ذلك الوقت. علما بأن الاستيراد الأمريكى للنفط الخام قد بدأ يتراجع حينئذ نظرا للإنتاج العالى والسريع للنفط الصخرى.

ومن الجدير بالذكر، أنه كانت لهذه المتغيرات فى البلدين الرئيسين فى مجال استهلاك الطاقة تأثيرات واضحة على التجارة العالمية للنفط؛ فلقد اطمأنت الدول المصدرة إلى وجود سوق نفطية ضخمة فى الصين تعوّض انحسار الاستهلاك فى الولايات المتحدة والدول الصناعية الغربية الأخرى[67].

إن هذا التزايد السريع لحجم طلب الصين لطاقة ما وراء البحار يُظهر مدى الأهمية القصوى والملحة لضمان الممرات البحرية لها التى تسيطر عليها الولايات المتحدة من مضيق هرمز فى الخليج إلى مضيق ملقا الذى يقع بين شبه الجزيرة الماليزية وسومطرة[68]؛ ولذلك فمن بين دوافع الصين فيما يتعلق بتطوير جيشها وقوتها العسكرية البرية والبحرية, حماية هذه الممرات المائية والإمدادات النفطية, وهذا الدافع قد جعل البحرية الصينية أول بحرية تتنافس مع البحرية الأمريكية للسيطرة على البحار منذ انتهاء الحرب الباردة.

ثانيا: تطلعات الصين الرامية إلى السيطرة البحرية على آسيا الباسفيك

إن منطقة جنوب شرق أسيا تقع فى جزء هام من أسيا، وأن 60% من مساحتها يشغلها البحر، وأن 60% من سكانها يعيشون على الجذر، وكل عواصمها تتصل بالبحر باستثناء فينتيان عاصمة لاوس، ولما كانت هذه المنطقة تتوسط المحيطين الهندى والباسفيكى، فلا يمكن أن تنجو من صراعات الدول الكبرى حول شرايين مواصلاتها الحيوية التى تمر كلها بمضيق مالقا.

إن هدف الصين فى منطقة شرقى وجنوب شرقى أسيا هو الوصول إلى مركز القوة أو الدول العظمى بكل ما يترتب على تلك المكانة من تأثير ونفوذ، وهذا لن يتحقق من وجهة نظر الصين إلا بالقضاء على النفوذ الأمريكى فى المنطقة خاصة إن مدى النفوذ العالمى الأمريكى وانتشاره يُعتبر فريدا فى نوعه.

تسيطر الولايات المتحدة على جميع محيطات العالم وبحاره بالإضافة إلى امتلاكها قدرة عسكرية حاسمة للسيطرة البرمائية على السواحل التى تمكّنها من فرض نفوذها على الداخل[69]، وقد ساعدها على ممارسة السيادة العالمية دينامية الاقتصاد الأمريكى، وتميزها فى تكنولوجيا المعلومات .لكن صعود الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية وحيدة وكنفوذ قوى خاصة الوجود الأمريكى فى كوريا الجنوبية وتايوان والحليف القوى اليابان، هذا الوجود الذى يحد من تطلعات الصين لأن تصبح قوى عالمية وذات نفوذ قوى إقليميا.

ومن هذا المنطلق سعت الصين لامتلاك الأسلحة النووية مما أضاف بعدا خطيرا لأبعاد المواجهة الأمريكية الصينية فى أسيا، وأثاره المباشرة فى أوضاع التوازن الإستراتيجى العالمى، وقد أثار هذا التملك جدل واسع بين الخبراء الإستراتيجيين الأمريكيين لما يمثله من تهديد نووى خطير للأمن القومى الأمريكى؛ فظهرت ثلاث أراء يصور كل منها التهديد الصينى من زاويتها السياسية والإستراتيجية الخاصة:

الاتجاه الأول: ممثلا فى قادة البنتاجون، ورأيهم أن التقدم العسكرى الصينى لأبد أن يقابله جهد عسكرى أمريكى مضاعف لإحباط الآثار المحتملة لتوازن القوى فى أسيا والعالم، وهذا ما جعل الولايات المتحدة تنفذ برنامج إنشاء شبكة الصواريخ المضادة للصواريخ.

الاتجاه الثانى: يقر بتعاظم الخطر العسكرى الصينى فى أسيا، ويرى بضرورة الانسحاب من المسرح الأسيوى والتمركز على الجذر الإستراتيجية للانتفاع بمزايا التفوق الأمريكى جوا وبحرا.

الاتجاه الثالث: ويرى أن تعمل الولايات المتحدة فى اتجاه التقارب مع الصين، على ألا يؤثر هذا الجهد المبذول لحصر آثار التهديدات الصينية بالنسبة لتوازن القوى فى منطقة جنوب شرق أسيا.

بناء على ما سبق أصبح الاحتفاظ بالوجود الأمريكى فى كوريا الجنوبية ذو أهمية بالغة[70]؛ فبدونه يكون من الصعوبة بمكان استمرار ترتيبات الدفاع الأمريكى – اليابانى الذى يعنى زيادة اليابان من الاكتفاء العسكرى، كما أن أى اتجاه بإعادة توحيد كوريا سيزعزع الوجود الأمريكى فيها؛ إذ أنه فى حالة توحيدها قد لا تختار الحماية العسكرية الأمريكية وهو ما تسعى إليه الصين.

إن إدارة الولايات المتحدة لعلاقتها مع الصين سيكون لها نتائج مباشرة على استقرار مثلث العلاقة الأمنية الأمريكى- اليابانى – الكورى[71] وعليه فإن اعتراض الصين الرئيس ضد الولايات المتحدة بما تمثله الولايات المتحدة حاليا وبمواقع تواجدها؛ وذلك باعتبار أنها القوة المهيمنة الوحيدة فى العالم التى تستطيع عن طريق سيطرتها على اليابان أن تحتوى التأثير الصينى وبالتالى فإن مهمة السياسة الصينية الحكيمة هى استخدام القوة العسكرية لإلحاق الهزيمة بالهيمنة الأمريكية ولكن بطريقة سلمية ودون أن تطلق العنان لأية مطامع إقليمية يابانية كامنة ولتحقيق ذلك تسعى الجيواستراتيجية الصينية إلى تحقيق هدفين فى وقت وهما:

أولا: معارضة الهيمنة وسياسات القوة وضمان سلام العالم

ثانيا إقامة نظام سياسى واقتصادى دولى جديد.

ويُقصد بالهدف الأول الولايات المتحدة وبالتالى لابد من تقليل تسلطها مع تفادى أى اصطدام عسكرى معها يمكن أن يوقف تقدم الصين الإقتصادى، أما الهدف الثانى فيرمى إلى إعادة النظر فى توزيع القوى فى العالم مع تفادى أى صدام حقيقى مع جاراتها المباشرات، وترك سياسة العداء المكشوف، وهو ما أصبحت عليه علاقات الصين الراهنة بدول جنوب شرق أسيا، بالتقرب إلى زعماءها واستثمار المشاعر والتصريحات المعادية لاستمرار الوجود الأمريكى.

من الواضح إن حسابات الصين تقوم على أن نفوذها فى المنطقة يمكن أن يتحسن أتوماتيكيا نتيجة أى تقليل لمكانة الولايات المتحدة؛ لذلك سعت الصين إلى انتهاج عدد من السياسات الإستراتيجية لتأمين نفسها من الوجود العسكرى الأمريكي المكثف حولها بما يمثله من تهديد أمنى عليها. لعل أبرزها مايلى:

عقد تحالفات عسكرية مع دول الجوار مثل[72]:

 التحالف مع باكستان: والغرض منه للحد من قدرة الهند – حليفة الولايات المتحدة – على فرض نفسها كقوة إقليمية مهيمنة فى جنوب أسيا.

التعاون العسكرى مع بورما: الذى يوفر نفاذية الصين إلى التسهيلات البحرية فى المحيط الهندى.

توقيع اتفاقية حدودية وأمنية مشتركة مع كل من روسيا وكازخستان وكيرغستان وطاجكستان.

توطين نفسها فى دول الشرق الأقصى عن طريق تدعيم اقتصاديات هذه الدول وجعلها معتمدة على الصين؛ وذلك بازدياد تغلغل المهاجرين والتجار الصينيين فيها ودعمها للتعاون الاقتصادى فى شمال شرق أسيا شاملة اليابان وكوريا ومنغوليا وسنغافورة وبانكوك وكوالالامبور ومانيلا وجاكرتا وتايوان وهونغ كونغ، حيث يبلغ مجموع أرصدة الشركات الرئيسية ال 500[73] التى يملكها صينيون فى جنوب شرق أسيا حوالى540 مليار دولار عام 1994، وثمة تقديرات تشير إلى سيطرة الصينيين فى الخارج على 90% من الاقتصاد الأندونيسى، 75% من اقتصاد تايلاند، ومن 50% إلى 60% من اقتصاد ماليزيا، 100% من اقتصاد تايوان وسنغافورة.

هذا الحضور الصيني المكثف يدفع إلى قلق الولايات المتحدة، وبأنه يمكن أن يقود إلى حكومات دمى يحركها الصينيون كيفما شاءوا.

طبيعة التحديثات العسكرية الصينية
تقوم التحديثات العسكرية للصين وفقا للكتاب الأبيض الصادر عن المكتب الإعلامى التابع لمجلس الدولة الصينى بعنوان: “الدفاع الوطنى الصينى فى عام 2004” على تسع نقاط أساسية أهمها:[74]
 خفض أفراد الجيش بمقدار 200 ألف جندى:

والهدف من هذا الإجراء تحسين الهياكل وتنسيق العلاقات ورفع النوعية على حساب الكمية, تحسين النسبة بين الضباط والجنود, تحسين نظام القيادة, تقليص حجم السلاح البرى و زيادة قوة السلاح البحرى و الجوى, تعميق إصلاح نظام الدعم اللوجستى المشترك.
 تقوية بناء الأسلحة البحرية والجوية ووحدة المدفعية الثانية:

يعزز جيش التحرير الشعبى بناء الأسلحة البحرية والجوية ووحدة المدفعية الثانية، فيما يهتم ببناء السلاح البرى باستمرار السعى وراء التنمية المتناسقة لهيكل قوات العمليات، ورفع قدرة السيطرة على السيادة البحرية والجوية وقدرة الرد الاستراتيجى[75].
 تسريع عملية تطبيق المعلوماتية:

 يعتبر جيش التحرير الشعبى المعلوماتية موضوعا استراتيجيا رئيسيا, ويجرى إيجابيا بحث وتطبيق بناء المعلوماتية بأسرع وقت ممكن.

تنفيذ البرنامج الاستراتيجي لتدريب الأفراد:

 والهدف منه الحصول خلال عشرة سنوات الى عشرين سنة على صف من ضباط القيادة الذين يستوعبون فن قيادة الحرب المعلوماتية وبناء الجيش المعلوماتى، وصف من أركان الحرب الماهرين فى تدبير خطط خاصة ببناء الجيش ومسائل العمليات، وصف من العلماء القادرين على تنظيم ورسم الخطط الخاصة بتحديث وتطوير الأسلحة والتجهيزات والتغلب على المشاكل التكنولوجية الرئيسية، وصف من الخبراء المتخصصين المتقنين لخواص الأسلحة والتجهيزات العالية والجديدة، وصف من ضباط الصف البارعين فى استيعاب الأسلحة والتجهيزات على أيديهم.

 تكثيف التدريبات المشتركة:

وذلك على مختلف المستويات والأسلحة لرفع قدرة العمليات المشتركة على ضوء الخصائص والأنماط الرئيسية للحرب العصرية.

ومن الجدير بالذكر أنه قام موقع “جلوبال فايرباور” بنشر تقرير خاص بتقييم أقوى جيوش العالم لعام 2015، إذ قام بتقديم ترتيب مفصل لأقوى الدول من ناحية مؤشر القوة العسكرية. هذا المؤشر الذى يصنّف كل دولة على أساس عدة تقييمات ترتكز على أكتر من 50 عاملا يبينها جاهزية هذه القوات العسكرية، ومن اللافت أن فريق الموقع لا يأخذ القوة النووية بعين الاعتبار لدى تقديم تقييماته، لكنه يضع تصنيفاته النهائية وفق حجم الدولة وموقعها الجغرافى من أجل تقييم موضوعى لجاهزية جيوش الدول الصغيرة أو الدول التى لا تطل على البحار المفتوحة.

وفقا لهذا التقييم، جاء الجيش الأمريكى فى قمة الترتيب إذ تبلغ ميزانية الدفاع الأمريكية 612 مليار دولار وتفوق ميزانيته الدول العشر التى تليها فى الإنفاق العسكرى مجتمعة. تتفوق الولايات المتحدة ايضا بامتلاكها 19 حاملة طائرات مقارنة بـ 12 حاملة طائرات تمتلكها بقية دول العالم. تمتلك الولايات المتحدة أكبر سرب طائرات حربية فى العالم وتتفوق تكنولوجيا على جميع دول العالم بالإضافة الى حجم القوات المدربة تدريبا عالى الحرفية.

وقد احتل الجيش الصينى المرتبة الثالثة بعد الجيش الروسى. فقد أرتفع الإنفاق العسكرى الصينى بمعدل 12.2% لتصل ميزانية الدفاع الى 126 مليار دولار حسب الأرقام الرسمية والتى قد تكون فى الواقع أعلى من ذلك. إن حجم القوات الصينية العاملة مذهل ويصل الى 2.285.000 فرد مع 2.300.000 فرد احتياط. كما أن الصين لديها تاريخا ناجحا فى الاستيلاء على التكنولوجيا العسكرية الحساسة.

لقد أصبح الاجتماع العام للإعلان عن قيمة الإنفاق العسكرى الصينى يثير اهتماما كبيرا وقراءات مختلفة من الأوساط الأجنبية، وقد وصفت الحكومة الصينية ذلك بالقول أن الإعلام الغربى يبالغ فى الاهتمام بالإنفاق العسكرى الصينى. وتبرر الحكومة الصينية زيادة الإنفاقات العسكرية استنادا إلى الاعتبارات التالية:

– خلال فترة الإزدهار الاقتصادى لبعض الدول فى الستينات والسبعينات من القرن الماضى حققت ميزانيات الدفاع لديها نموا عشريا لعقود عدة[76].

– الصين التى تبلغ مساحة أراضيها 9.6 مليون كيلومتر مربع، ولها خط ساحلى قارى طوله 18 ألف كيلومتر،هى دولة كبيرة وغير موحدة بشكل كامل.

– الصين تواجه تهديدات عسكرية من اتجاهات عدة؛ ومن ثم فهى تحتاج لضمان أمنها القومى ومصالحها.

– إن سياسات وأهداف الصين الاستراتيجية تتسم بالشفافية، وأن السعى للهيمنة لايمثّل أبدا خيارا لها.

– الصين لا تسعى لتحدى أحد ولا تشكّل تهديدا لأى دولة.

– الالتزام بالتنمية السلمية والسياسات الدفاعية من أجل مواجهة المخاطر بهدف ضمان سيادة الصين ووحدة أراضيها، وتحقيق الاستقرار والسلام فى المنطقة والعالم.

– إعلان الصين أن نفوذها فى بحر الصين الجنوبى يمثّل مصلحة أساسية لها[77]، وبالتالى انتقدت فى تاريخ 21/11/2013 تقريرا صادرا عن الكونجرس الأمريكى يدعو إلى وجود أكبر للبحرية الأمريكية أسيا الباسفيك لموازنة التأثير الصينى المتنامى فى المنطقة، وزيادة عدد السفن الأمريكية إلى 60 سفينة على الأقل، وإعادة تجهيز الموانئ إلى 60% من المنطقة بحلول عام 2020. وجاء الموقف الصينى ليؤكد على مايلى:

– إن الصين تتمسك دوما باستراتيجية غير عدائية للدفاع الوطنى، وملتزمة بطريق التنمية السلمية.

– إن تطوّر الدفاع الوطنى الصينى يتناسب مع البلاد ويحميها.

– إن الصين كانت دوما قوة إيجابية لتحقيق السلام والتنمية فى أسيا الباسفيك.

– إن لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية نشرت تقارير متحيزة لعدة سنوات، ولديها أيديولوجية الحرب الباردة، كما أنّ ووجهة نظرها لاتستحق الرد.
مخاوف دول جنوب شرق آسيا من التنامى العسكرى الصينى:

يرى بعض الأكاديميين الغربيين أن جيران الصين من دول جنوب شرقى آسيا يعيشون حالة من القلق والترقب من مسلك الصين فى حل النزاعات القائمة بينهم فى منطقة بحر الصين الجنوبى، ومن ثم تأتى مشكلة الادعاءات والادعاءات المضادة بشأن السيادة على مئات الجزر وسلاسل الضخور فى تلك المنطقة. ويرى هؤلاء أن حالة الشك من النوايا الصينية تنبع من إعلان الصين عن استعدادها لاستخدام القوة عامى 1988,1974 لطرد الفيتناميين الذين استوطنوا بعض الجزر وكذلك احتلال الصين لسلسلة صخور رصيف الأذى القريبة من الفليبين أوائل عام [78]1995.

ولكن على الجانب الآخر، يرى البعض أن كثيرا من قادة الدول الأسيوية ينظرون إلى صعود الصين باعتباره فرصة اقتصادية أكثر من تهديدا عسكريا؛ فهؤلاء القادة يعتقدون أن قوة اقتصاد بلادهم تعتمد فى جزء منها على استمرار الرخاء الاقتصادى الصينى ومن ثم تشجيع المبادرات الصينية المتعلقة بالحد من القيود التجارية، وإقامة علاقات تعاون ضد التهديدات الأمنية عبر الحدود مثل الإرهاب والأمراض المعدية وغيرها.

ويرى هؤلاء أيضا أن الصين قد اتبعت سياسات إسترضائية نوعا ما. فمثلا أعلن المتحدث الرسمى باسم الخارجية الصينية يوليو1995 أن الصين ليس لديها نية لانتهاك حرية الملاحة  فى منطقة جزر سبراتلى، وقال إن الصين تشعر بأن هذه المسائل يمكن حلها دون اللجوء إلى وسطاء أو تدخلات خارجية. كما أكد وزير الخارجية الصينى آنذاك فى المؤتمر الوزارى للآسيان يوليو 1995 أن الصين سوف تلجأ فى حل النزاع حول جزر سبراتلى إلى أحكام اتفاقية 1982 بشأن قانون البحار.

الإنفاقات العسكرية الأمريكية ودلالاتها:

هذه الخريطة التى وضعها أطلس“عالم متغير”، تُظهر بالضبط ضخامة الإنفاقات العسكرية الأمريكية بالمقارنة مع دول العالم الأخرى.

“الرقم ضمن الدائرة يمثل ميزانية الدفاع لكل دولة مقاسة بالمليار دولار”

من الخريطة السابق يتجلى لنا حقيقة كون الولايات المتحدة تقبع على قائمة الدول الأكثر إنفاقا على التسلح وذلك بحسب تقرير معهد ستوكهولم لدراسات السلام لعام 2015[79]؛ إذ بلغت الموازنة العسكرية الأمريكية 610 مليار دولار، بينما احتلت الصين المرتبة الثانية بموازنة عسكرية تُقدر بحوالى 216 مليار دولار. ولكن العبرة هنا أن الموازنة العسكرية الأمريكية إلى انخفاض بينما الموازنة العسكرية الصينية إلى ارتفاع؛ فبحسب تقرير معهد ستكهولم لعام 2013، نجد أن الولايات المتحدة قد احتلت المرتبة الأولى فى قائمة الدول الأكثر إنفاقا على التسلح ولكن بموازنة عسكرية قدرها 640 مليار دولار.

بينما الصين قد احتلت المرتبه الثانية ولكن بموازنة عسكرية قدرها 188 مليار دولار. وإذا نظرنا إلى هكذا موازنات، سنجد أن الموازنة العسكرية الأمريكية قد انخفضت بمعدل 7.8% مقارنة بمثيلتها لعام 2012. فى حين ارتفع الإنفاق العسكرى الصينى بمعدل 7.4% مقارنة بالعام ذاته.

ومن الجدير بالذكر أن هذا التصنيف قد طرأ عليه بعض التغيرات لاسيما فيما يتعلق بقائمة الأربعة الكبار فى مجال الإنفاق على التسلح؛ إذ أفادت التقارير الأخيرة التى نشرها معهد ستوكهولم إبريل من العام الجارى أن الإنفاق العسكرى العالمى لعام 2015 قد ارتفع- ولأول مرة منذ 4 سنوات- بنسبة 1% ليصل إلى1676مليار دولار[80].

ويعزى التقرير هذا الارتفاع إلى جملة من الأسباب جاء فى مقدمتها تفاقم الحروب والصراعات حول العالم لاسيما الحرب ضد تنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلامية “داعش”، وكذا التوترات والنزاعات فى منظقة بحر الصين الجنوبى، والدور الذى تلعبه جماعات المصالح الاقتصادية والشركات الأمريكية فى مجال توريد الأسلحة فى الضغط على لجان الدفاع والتسلح بالكونجرس الأمريكى لتمرير قوانين من شأنها الدفع نحو زيادة الموازنة العسكرية المخصصة للبنتاجون بعد أن شهدت انخفاضا حادا على إثر الانسحاب الأمريكى من أفغانستان والعراق، فضلا عن بروز قوى دولية صاعدة كالصين وروسيا وسعيها الدءوب نحو تطوير ترسانتها العسكرية. وقد وقف خلف هذا الارتفاع فى الإنفاق العسكرى العالمى وبالدرجة الأولى دول أوروبا الشرقية وآسيا والشرق الأوسط.

ووفقا لتقرير ستوكهولم، فإن الولايات المتحدة قد حافظت على الصدارة بموزانة عسكرية قدرها 600 مليار دولار بما يعادل 36% من جملة الإنفاق العسكرى العالمى، بينما احتل التنين الصينى المرتبة الثانية بموازنة عسكرية قدرها 215 مليار دولار بما يعادل 13% من جملة الإنفاق العسكرى العالمى.

لقد فاجأت السعودية العالم بحلولها فى المرتبة الثالثة بموازنة عسكرية قُدرت 78 مليار دولار بما يعادل 5.2% من جملة الإنفاق العسكرى العالمى[81]، وأطاحت المملكة بروسيا التى قبعت فى المرتبة الرابعة بموازنة قدرها 66 مليار دولار. وأثار هذا الأمر جملة من التساؤلات حول مدى حاجة المملكة لهذه الترسانة العسكرية الضخمة، وأى تهديد يدفع بالسعودية لتنفق 87 مليار دولار فى عام واحد على التسلح؟!

إن تخفيضات الموازنة العسكرية الأمريكية تعكس منحنى الأفول العام للإمبريالية الأمريكية كما تتجلى فى أزمة الموازنة الحكومية والدين العام. هذا الأفول الذى أسهمت فيه حرب العراق بالأساس ثم أفغانستان بالإضافة للأزمات المالية ومنها الأزمة المالية العالمية 2008. ولا شك أن تخفيض سقف القدرة العسكرية الاستراتيجية للولايات المتحدة من خوض حربين هجوميتين مختلفتين فى آن واحد إلى واحدة هجومية وأخرى دفاعية يعكس مثل هذا التدهور المتزامن مع تزايد القدرات العسكرية الاستراتيجية لدول البريكس وعلى رأسها الصين وروسيا.

ومن الجدير بالذكر هنا، أن الإنفاقات العسكرية الأمريكية لاتتجه للانخفاض فحسب، ولكن الأهم من ذلك أنه ثمة توجهات لتغيير البنية العسكرية الأمريكية على النحو التالى:

– تخفيض عدد القوات المتفرغة (غير الحرس الوطنى والاحتياط) إلى أقل مستوى لها منذ ماقبل الحرب العالمية الثانية؛ ليهبط عدد الجنود الأمريكيين المتفرغين من 520 ألفا إلى 420 ألفا بحسب تقارير نُشرت عبر وسائل الإعلام الأمريكية.

– زيادة عدد القوات الخاصة وتحسين نوعيتها، وكذا الطائرات بلا طيار والحرب الالكترونية مع زيادة وسائل التدخل عبر مايُسمى “القوة الناعمة” غير العسكرية.

– التضحية بالمبدأ العسكرى الاستراتيجى الذى تبنته الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، وهو القدرة على خوض حربين مختلفين فى آن واحد؛ ليصبح المبدأ المعتمد الآن القدرة على خوض حرب واحدة حاسمة زائد القدرة على الردع والدفاع فى حرب أخرى ريثما تُحسم الحرب الأولى.

إن هذه التوجهات السابقة لتغيير البنية العسكرية الأمريكية تعكس تحولات جوهرية فى النظام الرأسمالى العالمى نفسه، وبالتالى فى عقيدة أذرعها العسكرية؛ فتقليص حجم القوات والعتاد اللازمين لممارسة احتلال مع زيادة القدرة على ممارسة التدخل عبر القوات الخاصة والطائرات بلا طيار والحرب الالكترونية، يعكس انتقال الاقتصادات المتقدمة للاعتماد أكثر على “المعرفة المتخصصة” أكثر من القوة العاملة ورأس المال المادى – أى عسكريا- على الجندى والدبابة.

ويعكس أيضا الفرق بين مصطلح “الإمبريالية المعاصرة” Neo colonialism  ومصطلح “الإستعمار التقليدى”؛ فالإمبريالية المعاصرة كمنظومة هيمنة دولية متعددة الإبعاد، تتطلب تدخلات عسكرية لإخضاع الدول والحركات المتمردة دون احتلالات طويلة المدى بالضرورة، على عكس الاستعمار التقليدى الذى يعنى احتلال الأرض والبقاء فيها. وهذا يتضح من النقاط التى جاء مشروع النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة منذ وصول أوباما لسدة الحكم مرتكزا عليها والمتمثلة فيما يلى:

– تخليص الولايات المتحدة من مستنقعات الحروب المباشرة المترافقة مع احتلالات.

– إعادة توجيه أولويات السياسة الخارجية الأمريكية نحو احتواء التمدد الصينى فى منطقة المحيط الهادئ على حساب التركيز على المنطقة العربية والإسلامية.

– اللجوء بشكل متزايد لأدوات “القوة الناعمة” لتفكيك الدول وتأجيج النزعات الداخلية “التدخل العسكرى الإمبريالى غير المباشر” بالترافق مع الاستخدام المكثف للعمليات الخاصة الخارجية، كما فى حالة اغتيال بن لادن، والطائرات بلا طيار كما فى الباكستان واليمن[82].

ويمثّل العدوان على ليبيا فى عام 2011 نموذجا للتدخل العسكرى الإمبريالى المباشر بلا احتلال مباشر، بينما يمثل العدوان على سوريا منذ عام 2011[83] نموذجا للتدخل العسكرى الإمبريالى غير المباشر (عبر أدوات محلية سورية وعربية وإسلامية)، وتمثل حالتا أوكرانيا وفنزويلا مؤخرا نموذجا للتدخل الإمبريالى غير العسكرى بأدوات “القوة الناعمة” فحسب، ولكنها يمكن أن تمهد لتدخل عسكرى عند الضرورة.

وإذا كان هناك شبه إجماع داخل أروقة النخبة الحاكمة الأمريكية على إجراء تحولات جذرية فى البنية العسكرية الأمريكية بسبب أزمة الموازنة، فإن ثمة خلافا شديدا حول السياسات التى يتبعها أوباما خاصة فى سوريا وأوكرانيا، ويعتبر الجمهوريون واللوبى الصهيونى أن أوباما مقصر بالتدخل العسكرى فى سوريا، وأنه مقصر بأشكال التدخل الأخرى فى أوكرانيا، ولاحتواء روسيا عامة.

وتدور مناظرات حادة حول فعالية سياسات أوباما الخارجية من عدمها فى وسائل الإعلام الأمريكية. لكن الشىء المؤكد هو أن تخفيض القدرة الاستراتيجية للولايات المتحدة على خوض الحروب الشاملة سيترك فراغا لا يمكن إلا أن تملأه دول البريكس، وهو ما سينعكس حتما على ميزان القوى العالمى كما تُظهر الأزمة السورية.

لكن وعلى الرغم مما سبق ذكره من إنخفاض للإنفاقات العسكرية الأمريكية والتوجهات الرامية إلى إحداث تغييرات جوهرية فى البنية العسكرية الأمريكية بما يعكس الأفول العام للهيمنة الأمريكية إلا أنه إذا أمعنا النظر مرة أخرى فى الخريطة السابقة سنجد الأمر لا يقتصر على كون الميزانية العسكرية الأمريكية تعادل ما يقرب من نصف إجمالى الإنفاق العسكرى فى العالم؛ بل يتعداه إلى حقيقة أن جزء ضخما من بقية الإنفاق العسكرى الإجمالى فى العالم مرتبط بحلفاء الولايات المتحدة.

وعلى سبيل المثال، يعد الإنفاق العسكرى الروسى ضئيلا أمام الالتزامات المشتركة فى المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا. فى حين يبدو الإنفاق العسكرى لكوريا الشمالية وكأنه نقطة غبار صغيرة تجلس على أعلى رأس الإنفاق العسكرى لكوريا الجنوبية. كما أن الأعوام الماضية قد شهدت أيضا نموا كبيرا فى ميزانيات دفاع دول الخليج العربى الحليفة للولايات المتحدة، والتى تعتمد على السوق الأمريكية إلى حد كبير فى الحصول على أسلحتها. وأكّد تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الصادر فى شهر أبريل لعام 2015 أن الإنفاق العسكرى السعودى ارتفع بنسبة 17% فى عام 2014، مضيفا أن قيمة ميزانية التسلح السعودية الإجمالية  لذات العام قد بلغت 80.8 مليار دولار، وهى الزيادة الأكبر من نوعها فى العالم، وتتواجد السعودية ضمن قائمة أكبر 15 دولة من حيث الإنفاق العسكرى فى العالم.

إن قيمة الصفقات الأمريكية للأسلحة مع دول مجلس التعاون الخليجى ارتفعت إلى 68 مليار دولار خلال السنوات الخمس الأولى لأوباما فى منصبه، وهو الرقم الذى يتجاوز ثلاثة أضعاف الـ 22 مليار دولار فى مبيعات الدفاع لهذه الدول فى عهد إدارة بوش بالكامل، وفقا لأرقام جمعتها “وكالة التعاون الأمنى الدفاعى”.

وفى عام 2012 وحده، بلغت اتفاقيات التسلح بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية حوالى 35 مليار دولار، وشملت كل شىء من البنادق لطائرات الأباتشى.

توافق عسكرى روسى- صينى

لقد أشرنا آنفا إلى أن تخفيض القدرة الاستراتيجية للولايات المتحدة على خوض الحروب الشاملة سيترك فراغا لا يمكن إلا أن تملأه دول البريكس، وهو ما سينعكس حتما على ميزان القوى العالمى.

وفى هذا الإطار تعمل كل من روسيا والصين على تجاوز الخلافات التقليدية بينهما من أجل استثمار الوضع العالمى الراهن كعدم الاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط والنزاعات فى بحر الصين الجنوبى[84]، والتخطيط لمنافسة واشنطن فى أكثر مجالاتها قوة وتفرّدا وهو المجال العسكرى، وكذا التقليص من نفوذها على صناعة القرار فى العالم. ولعل من أبرز الدلائل على ذلك، سلسلة الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين روسيا ودول عربية مؤثرة إقليميا.

ولا تختلف السياسة الصينية كثيرا عن نظيرتها الروسية فى هذا الشأن، حيث تثبت التقارير الاقتصادية حركية كبيرة فى مستوى التبادل الاقتصادى الصينى الخليجى بما يفتح الباب أمام تطور العلاقات على مستويات سياسية ودبلوماسية. وتُعتبر الصين أكبر الدول المستوردة لنفط الشرق الأوسط[85]. ومن المتوقع أن تزداد واردات الصين النفطية لتتجاوز الولايات المتحدة فى العام 2030 من حيث واردات نفط الشرق الأوسط.

ويلقى التعاون الصينى الشرق أوسطى ترحيبا كبيرا من طرق حكومات دول الشرق الأوسط؛ وذلك لعدم تدخلها فى الشئون الداخلية لتلك الدول؛ فقد اقتصر التعاون الصينى ودول المنطقة على الأعمال التجارية فحسب، إلا فى حالة واحدة وهى الأزمة السورية.

وبقدر ما تحمله العلاقات مع دول الشرق الأوسط من مزايا اقتصادية واستثمارية وسياسة، لكل من روسيا والصين، تحمل أيضا بعدا استراتيجيا وتاريخيا خاص بهاتين القوتين يتعلّق بمنافستهما للولايات المتحدة الأمريكية؛ فمعروف أن الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم أهمية لدى الولايات المتحدة الأميركية، ومعقلا رئيسيا لنفوذها وتطبيق نظام القطب الأوحد؛ وأى محاولة لضرب هذا النفوذ وخلق توازن عالمى جديد بين القوى يجب أن يكون بمزاحمتها فى هذه المنطقة.

وتهدف كل من الصين وروسيا في علاقاتهما إلى الحد من الهيمنة الأمريكية من خلال دور أقوى لمجلس الأمن الدولى- الذى تملك موسكو وبكين فيه حق الفيتو- فى التعامل مع القضايا الأمنية الملحة.

إن الصين وروسيا تدركان أن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وحدها لن تكون كافية لتحقيق خطوات ملموسة فى سباق فرض الندية مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهذا الأمر يحتاج بالأساس إلى تحقيق التقارب على مستوى الجاهزية العسكرية.

منذ الحرب الباردة يتصدّر الجيش الأمريكى قائمة الجيوش الأقوى عالميا ودون منازع لما يتميز به من الدقة والتطور المستمر على مستوى التدريبات التى يخضع لها والتى أهّلته لاحتلال الصدارة .لكن السنوات الأخيرة باتت تنذر بلحاق الغريمين الروسى والصينى بركب الولايات المتحدة الأميركية عسكريا، وخلق منافسة شرسة وحقيقية قد تهدد تفرّد الجيش الأمريكى.

لايزال المحللون والمراقبون يؤيدون فرضية أن الجيش الأمريكى أقوى الجيوش فى العالم على الإطلاق بالنظر إلى عدة اعتبارات يقدمها هذا الجيش تباعا. فمن جهة هو الجيش الأعلى تدريبا مقارنة بأعدائه، ما يؤهله لضمان النصر فى مختلف حملاته الموزعة بربوع كثيرة من العالم. ومن جهة أخرى أن ما يُنفق على هذا الجيش من المليارات يجعله الأوسع انتشارا ونفوذا فى العالم[86].

وقد حمل هذا الثقل العسكرى الأمريكى الغريمين الروسى والصينى إلى الاعتراف بقيمة التدريبات العالية للقوات العسكرية. واتجها إلى تكثيف وتجديد برامجهما التدريبية لاسيما في السنوات الأخيرة. ورغم أنه لا يمكن المجادلة حول أفضلية الجنود والطيارين والبحارة الأمريكيين على مستوى التدريب، بل إن الجيل الحالى من الجنود الأمريكيين قد يكون الأفضل من بين الذين قدمتهم الولايات المتحدة على مر العصور، إلا أن روسيا والصين تداركتا الأمر وانطلقتا فى إعداد مخطط للحاق بالولايات المتحدة، حيث اتخذتا خطوات لإصلاح وتوسيع البرامج التدريب العسكرية، بنسق يؤكد تصميمهما على الحفاظ أو حتى تسريع هذا الاتجاه فى المستقبل.

وفى السنوات الأخيرة، سخّرت روسيا إمكانيات ضخمة من أجل دفع قواتها العسكرية إلى الأمام وتطوير آلياتها فى التدريب بما يجعلها على نفس خطى غريمتها الأمريكية[87]. وضخّت أموالا طائلة؛ حيث احتلت روسيا احتلت المرتبة الثالثة فى قائمة الإنفاق العسكرى بميزانية قُدرت بـ84 مليار دولار- وفقا للخريطة السابقة للدول الأعلى إنفاقا على التسلح-

ومنذ ولادة جمهورية الصين الشعبية حتى نهاية الحرب الباردة اعتمدت الصين على استراتيجية “الحرب الشعبية”، وتدعو هذه الاستراتيجية إلى الاستفادة من دعم السكان لإلحاق الهزيمة بقوات مدربة ومجهزة بشكل أفضل. وكان وضع الجندى الصينى غير ملائم من حيث تلقى تدريب متميز فى الحروب التكنولوجية الحديثة.

ولكن الوضع الآن قد اختلف كثيرا عن هذه الاستراتيجية حيث بدأت القوات الجوية للجيش الصينى بإدماج عمليات تدريب متباينة. ومكّنت المناورات مع الجيوش الأجنبية من توفير معلومات قيّمة، وتعزيز مناهج التدريب للفروع العسكرية الصينية. ومن غير المرجح أن تخفف الصين من الضغط من أجل الوصول إلى مستوى تدريب أفضل فى وقت قريب. ومن ثم باتت أسطورة القوات العسكرية الأمريكية التى لا تُقهر ولا يدانيها أحد فى مواجهة خصوم يعملون بوتيرة قياسية ومدربون جيدا لمجابهة صراعات المستقبل.

 شهد أغسطس عام 2015 أكبر المناورات البحرية المشتركة فى تاريخ روسيا والصين تحت اسم “التفاعل البحرى 2015”[88]. وشاركت فى هذه المناورات 20 سفينة بحرية روسية وصينية بدعم سلاح الطيران الحربى التابع للأسطولين الروسى والصينى. هذه المناورات قد جرت فى الفترة من 20 إلى 28 أغسطس 2015. ومن الجدير بالذكر أن العام ذاته قد شهد مناورات بحرية مشتركة بين البلدين من 11 إلى 21 مايو فى البحر المتوسط تحت اسم “التعاون البحرى2015”. وشاركت فيها 10 قطع بحرية روسية وصينية.

كانت الصين أول دولة أجنبية تحصل على منظومات الدفاع الجوى الصاروخية الروسية إس[89]400. وتستطيع هذه المنظومة تدمير كافة وسائل الهجوم الجوى بما فيها الطائرات وطائرات الهليكوبتر والطائرات الموجهة عن بعد بدون طيار، والصواريخ الجوالة والصواريخ الباليستية التكتيكية. وتستطيع هذه المنظومات إصابة أهدافها بسرعة تبلغ 4800 متر فى الثانية.

 

الفصل الثالث:حالة تطبيقية ( الأزمة السورية)

المبحث الأول:

الموقف الأمريكى والصينى تجاه الأزمة السورية

تاريخيا كانت مواقف الصين الدولية ونمط تصويتها فى الأمم المتحدة وبخاصة مجلس الأمن الدولي قريبا من المصالح العربية ومتناقضا مع السياسة الخارجية الأمريكية المؤيدة دوما لإسرائيل. ولكن فى السنوات القليلة الماضية حدث تقارب كبير بين الدولة العبرية والصين مما حدّ من التناقض السياسى مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضية فلسطين[90].

وعلى الرغم من هذا التقارب يظل هناك قدر معتبر من التمايز فى المواقف بين الولايات المتحدة والصين فيما يتصل بقضايا السودان وسوريا. ويعود اهتمام الصين بالقارة السمراء أساسا إلى حاجة الصين الماسّة لتأمين احتياطيات من النفط بعيدا عن سيطرة الولايات المتحدة والدول الغربية الحليفة. وقد توثقت العلاقة بين النظام الحاكم فى الخرطوم وبكين فى العقدين الأخيرين. وقامت الصين بتمويل وبناء العديد من مشروعات البنية التحتية فى السودان، وفي المقابل منحت الخرطوم امتيازات كبيرة لشركات صينية لاستغلال حقول النفط وبخاصة في الجنوب. وقد وفرت الصين غطاء دوليا للخرطوم فى مجلس الأمن مما سبَّب قدرا من التوتر فى العلاقة مع الولايات المتحدة.

وقد ظهر التباين فى المواقف بين الولايات المتحدة والصين بصورة جلية مع انطلاق الثورة السورية ومع اتساع نطاق انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية التى ارتكبتها قوات النظام السورى. فقد أعاقت بكين وموسكو أية قرارات لإدانة النظام الحاكم فى دمشق أو فرض أية عقوبات فاعلة ضده[91]. وقد أثار ذلك سجالا علنيا مع الولايات المتحدة. وسنتناول فى هذا المبحث طبيعة كل من الموقف الأمريكى والصينى تجاه الأزمة السورية، وتطور كلا الموقفين ودوافعهما.

أولا: الموقف الأمريكى تجاه الأزمة السورية

لم تشهد ثورة من ثورات الربيع العربى حالة من الاصطفاف الإقليمى والدولى كما شهدتها الحالة السورية، ويعود السبب الرئيس فى ذلك إلى أن سوريا تشكّل بيضة القبان فى توازنات إقليمية دقيقة، فأى طرف يستميلها يكون قد غيّر ميزان القوى لمصلحته بشدّة . فضلا عن ذلك، تقع سوريا على تخوم الملفات الثلاثة الساخنة فى المنطقة:العراق، ولبنان، وفلسطين .وهي تؤثّر وتتأثّر بها بقوّة، ما جعل استقرارها حاجة إقليمية ودولية .

ومن جهة أخرى مثّل دافعا لأطراف إقليمية ودولية للتقرب منها، وتجلّى ذلك خصوصا فى الفترة التى سبقت اندلاع الانتفاضة. لكن – ومع بدء الثورة – راحت سوريا تتحوّل شيئا فشيئا من لاعب أساسى فى شئون الإقليم إلى ساحة تنافس إقليمى ودولى، لتعود بها الحال إلى ما كانت عليه فى خمسينيات القرن الماضى وستينياته.

صبّ الغزو الأميركى للعراق وأفغانستان فى خدمة المصالح الإيرانية؛ فقد أفضت المساعى الأمريكية إلى تخليص إيران من خصمين استراتيجيين يقبعان على حدودها الشرقية والغربية[92]، مما أفسح المجال أمام تنامى نفوذها الإقليمى.

علاوة على ذلك- ونتيجة تحالفها مع سوريا ورعايتها حزب الله اللبنانى – تمكّنت طهران من الحصول على موطئ قدم لها على ساحل البحر المتوسط لتصبح طرفا له وزن فى الصراع العربى الإسرائيلى، وحتى فى العلاقات البينية العربية. وعندما أكملت الولايات المتحدة انسحابها من العراق نهاية عام2011تبيّن بوضوح مدى التغيير الاستراتيجى الذى طرأ فى المنطقة نتيجة المغامرات العسكرية الأمريكية، إذ امتدّ قوس النفوذ الإيرانى من غرب أفغانستان إلى ساحل البحر المتوسط مرورا بالعراق الذى تحوّل نتيجة سيطرة نخبة قريبة من طهران على قراره السياسى إلى حليف وثيق لنظام الجمهورية الإسلامية.

لكن وعلى الرغم من أن إيران قد حققت مكاسب كبيرة نتيجة الفشل الاستراتيجى الأميركى فى المنطقة، فهى لم تستطع – وبعد سنوات من المواجهة مع الولايات المتحدة ودول الغرب  -انتزاع اعتراف بمكانتها الاقليمية كما استمر الضغط عليها فيما يتعلق ببرنامجها النووى، وكان انسحاب القوات الأمريكية من العراق 2011 بمثابة إقرار أمريكى بأن إيران قد ربحت الجولة فى العراق، وقد فتحت الأزمة السورية بارقة أمل أمام خصوم إيران لتطويق نفوذها المتصاعد، ودفعه إلى التراجع، وتحويل سوريا إلى ساحة للتنافس والصراع كبديل عن العراق؛ ما أدى إلى نشوء حالة الاستقطاب الراهنة.

منذ البداية، تولت الولايات المتحدة وفرنسا قيادة التحرك السياسى الغربى فى التعاطى مع الأزمة السورية[93]، إلا أن ردودهما تميزت بالارتباك خاصة فى المراحل الأولى للانتفاضة، كما كانت تجاه معظم ثورات الربيع العربى -ومثل جميع الأطراف الأخرى- مثّلت الثورة السورية مفاجأة كبيرة لهاتين الدولتين.

لقد كانت إدارة الرئيس أوباما منشغلة تماما بموضوع إتمام الانسحاب من العراق والخروج من الأزمة المالية التى شلّت الاقتصاد الأميركى والغربى عموما. وعندما اندلعت الثورة السورية، لم تُخف واشنطن خشيتها من انعكاس حالة عدم الاستقرار فى سوريا على وضع قواتها في العراق؛ لذلك كانت تفضّل تحقيق أكبر قدر من الهدوء الإقليمى حتى تتمكّن من إنجاز سحب  قواتها، مما يفسر تلكّؤها فى التعاطى مع الأزمة السورية فى بدايتها ولأنها أيضا كانت تعدّ الانسحاب من العراق أولوية لتحقيق وعد انتخابى أطلقه الرئيس أوباما، فضلا عن عدم  راغبتها فى القيام بمغامرات عسكرية جديدة نتيجة الصعوبات الاقتصادية والتعقيدات الجيوسياسية للمشهد السورى.

ومن هذا المنطلق، اتّبعت إدارة أوباما منذ البداية سياسة التصعيد المضبوط والنفس الطويل الهادفة إلى استنزاف النظام اقتصاديا وسياسيّا وانهاكه عسكريا وأمنيا، وتشجيع الانشقاقات فى أوساط النخبة العسكرية والمدنية الحاكمة والتضييق على مجتمع رجال الأعمال الداعم للنظام. أما على الساحة الدولية، فقد تولّت واشنطن وحلفاؤها عملية عزل النظام ونزع شرعيته، ومحاصرته بقرارات أممية تنتهى بوضع سوريا تحت وصاية دولية، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان على أمل استخدامها لاحقا أداة ضغط إضافية ضد النظام والتلويح بتحويل القضية إلى المحكمة الجنائية.

وقد جاءت هذه الخطوات بطيئة وعلى مراحل، وكانت بمثابة ردة فعل على تطورات الوضع الأمنى أكثر من كونها جزء من استراتيجية واضحة ومتكاملة[94]. بل رأى البعض أن الغرض منها كان إعطاء مراقبى المشهد انطباعا عن كون واشنطن تتخذ خطوات لمعاقبة النظام السورى على استخدامه العنف المفرط ضد الثوار، وإسكات الأصوات داخل واشنطن ذاتها والتى كانت تتهم الإدارة الأمريكية باتباع سياسة إخفاء الرأس فى الرمال تجاه الأزمة السورية منذ اندلاعها.

إن الولايات المتحدة تقر بوجود مصلحة حقيقية لها فى تغيير سياسات النظام السورى سواء فيما يتعلق بعلاقته مع إيران أو بمواقفه من الصراع العربى الإسرائيلى وغيرها من القضايا الإقليمية. تمثل المخاوف من البديل السورى جوهر محددات الموقف الأمريكى تجاه الأزمة السورية.

وكان خير دليل على ذلك تصريحات وزير الدفاع الأسبق ليون بانيتا، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأمريكية الجنرال مارتن دمبسى، ومدير الاستخبارات القومية جيمس كلابر حينما شكّك جميعهم فى مناسبات مختلفة فى ماهية المعارضة السورية، ودعوا إلى التريث فى موضوع دعمها بالسلاح فضلا عن الترويج لمقولات اختراق القاعدة لها. كما أنه – ولاريب فى ذلك- هناك مصلحة أمريكية إسرائيلية فى استمرار حالة من الصراع المنخفض الوتيرة أو التصعيد المضبوط لهذا الصراع لإبقاء سوريا ضعيفة ومشغولة بنفسها وبعيدة عن التدخل فى الملفات الإقليمية المختلفة.

يبقى الهدف الأبرز لواشنطن من مقاربتها للأزمة السورية هو إعادة تشكيل موازين القوى الاقليمية؛ إذ تنظر الولايات المتحدة إلى الصراع فى سوريا[95] باعتباره جزء من حالة المواجهة مع إيران وهى حينما تتمكن من إضفاف النظام السورى فإنها تقوى مواقفها التفاوضية مع إيران خاصة فيما يتعلق بالملف النووى الإيرانى.

إن جلّ ما تخشاه الولايات المتحدة وتضع له ألف حساب هو- وكما أشرنا فى السابق- نجاح إيران فى تشكيل قوس نفوذ يمتد من غرب أفغانستان حتى الساحل الشرقى للبحر المتوسط لما يشكّله ذلك من خطر جسيم على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة.

وقد يكون لتشكّل القوس تداعيات دولية واسعة لاسيما إذا نشأ تحالف إيرانى- صينى أو تحالف إيرانى- روسى أو تحالف ثلاثى إيرانى- روسى- صينى وهو الاحتمال الأسوأ لواشنطن.

إن مايعنى واشنطن بالدرجة الأولى هو إحداث تغيير ما فى سوريا من شأنه إضعاف النفوذ الإيرانى والحيلولة دون ظهور تحالفات أوسع لها على الساحة الدولية – وهو أمر سيكون حتميا إذا خرج الأسد منتصرا من هذه الأزمة- دونما النظر إلى تبعات هكذا تغيير. ومن الجدير بالذكر أنه إذا ضمنت واشنطن الحيلولة دون وقوع المخاوف السابقة وتحقّق لواشنطن تغيير السياسات فى هذه الاتجاه مع بقاء الأسد فى السلطة، فإن بقاءه من عدمه لن يكون ذا أهمية.

إطلالة على مراحل تطور الموقف الأمريكى تجاه الأزمة السورية:

بداية مرتبكة:

على خلاف الثورتين المصرية والتونسية، سارعت الإدارة الأمريكية وفى اليوم التالى 16 مارس 2011 لاطلاق أول تظاهرة احتجاجية فى سوريا لبلورة موقف منها؛ فطالب المتحدث الرسمى باسم وزيرة الخارجية هيلارى كيلنتون آنذاك مارك تونر الحكومة السورية بالاعتراف بحقوق المواطنين السوريين فى التظاهر بحرية[96]، وبضرورة الاعتراف بالمطالب المشروعة.

جاءت هذه التصريحات لتلافى الانتقادات التى وُجهت إلى الإدارة الأمريكية لصمتها وامتناعها عن اتخاذ موقف واضح من الاحتجاجات المنادية بالديمقراطية وهو ما شجع الأنظمة الديكتاتورية على قمعها، وأدى إلى سقوط المئات من القتلى. وتصاعدت نبرة الخطاب الأمريكى خلال الأسبوع الأول بشكل طردى مع اتساع الاحتجاجات وسقوط القتلى؛ فاتهمت الخارجية الأمريكية فى 23 مارس 2011 النظام السورى بترهيب الشعب واستخدام العنف والاعتقالات التعسفية لمنعه من ممارسة حقوقه الرئيسة.

ولكن فى 27 مارس 2011 استبعدت هيلارى كلينتون حدوث أى تدخل عسكرى أمريكى فى سوريا، وبررت هذا الموقف باختلال الشروط والظروف الموضوعية للتدخل بين ليبيا وسوريا، وبحسب كلينتون فإن القذافى استخدم قواته الجوية ومدرعاته الثقيلة ضد المدنيين وهو ما لم يحدث فى سوريا آنذاك.

طرأ تغيير طفيف فى الخطاب الأمريكى بعد مجزرة الجمعة العظيمة 22 أبريل 2011 والتى قُتل فيها أكثر من 100 شخص فى عموم سوريا وارتفعت على إثرها الشعارات المطالبة بإسقاط النظام، وخيّرت الخارجية الأمريكية الأسد بين فعل المزيد للاستجابة لتطلعات الشعب أو أن يسمح لآخرين بفعل المزيد.

تعالت النبرة التصعيدية فى الخطاب الأمريكى حيث شكك أوباما بجدية رفع قانون الطوارئ وأدان القتل العمدى للمحتجين، واتهم الأسد بالحصول على المساعدات الإيرانية لقمع الاحتجاجات واستخدام سياستهم الوحشية نفسها، وعبّرت هذه النبرة التصعيدية فى مضمونها عن مناكفات وتنافس حول الملف السورى بين الديمقراطيين والجمهوريين داخل الكونجرس لاسيما السيناتور جون ماكين الذى طالب أوباما فى 28 أبريل 2011 بدعوة الأسد إلى التنحى كونه فقد الشرعية بسبب لجوئه إلى القوة العسكرية.

المطالبة بتنحى الأسد:

دفعت العمليات العسكرية التى بدأها النظام فى حمص ودرعا آخر أبريل 2011 الإدارة الأمريكية إلى تصعيد نبرة خطابها وإجراءاتها تجاه النظام ولاسيما بعد الأمر التنفيذى الذى أقره أوباما بوضع أسماء سبعة مسئولين سوريين على رأسهم الأسد على قائمة العقوبات الأمريكية[97]، وصرّح أوباما خلال مقابلة تليفزيونية مع شبكة سى بى إس الأمريكية قائلا “إن الأسد فقد شرعيته لعجزه عن إنجاز التحول الديمقراطى” لكنه امتنع عن مطالبة الأسد بالتنحى.

ومن الجدير ذكره هنا أن الخطاب الأمريكى خلال الأشهر الخمسة الأولى من الثورة السورية تجنب كل ما من شأنه أن يُفسر على أنه تلويح بالتدخل العسكرى، وفى الوقت نفسه أعطى الانطباع بانشغال الإدارة الأمريكية بالملف السورى وتنسيقها مع حلفائها لضمان الوصول إلى حل سملى للأزمة؛ فلم يمض يوم دون بيان أو تصريح للخارجية الأمريكية أو البيت الأبيض عن سوريا وصولا إلى تصريح أوباما 18 أغسطس 2011 دعا فيه الأسد للتنحى قائلا “إن مستقبل سوريا يجب أن يحدده الشعب السورى لكن الرئيس بشار يقف فى طريقه. دعوته للحوار والإصلاح لم تلق صدى فى حين يسجن شعبه ويعذبه ويذبحه. ومن أجل الشعب السورى حان الوقت كى يتنحى الأسد”.

إن دعوة أوباما للأسد بالتنحى قد جاءت بعد يومين من تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك هيلارى كلينتون التى استبعدت أن تطلب الولايات المتحدة من الأسد التنحى فى المستقبل القريب، وهو الأمر الذى عكس سلسلة من التناقضات والتخبط فى الخطاب الأمريكى الصادر عن هياكل صنع القرار. وبذلك تكون الولايات المتحدة أولى الدول التى دعت الأسد للتنحى قبل أن يلحق بها الحلفاء الإقليميون تركيا (16 سبتمبر 2011) والسعودية وقطر(12 يناير 2012).

وقد جاءت دعوة أوباما أثناء توقيعه عقوبات إضافية ضد النظام؛ وهو ما أعطى انطباعا بأن الضغط الدبلوماسى والاقتصادى هو نهج أوباما فى التعاطى مع الملف السورى.

“تغيير حسابات” النظام:

تغيير حسابات الأسد وإقناعه بالتنحى عبر عملية تفاوضية مع المعارضة ممثلة بالائتلاف الوطنى وتدعمها روسيا كانت أهم مرتكزات الخطاب الأمريكى بعد تعيين السيناتور جون كيرى وزيرا للخارجية، وتُرجم ذلك بحراك دبلوماسى واسع عبر مؤتمر روما إذ نجح كيرى فى إقناع المعارضة بحضوره تمهيدا لقبولها بصيغته المقترحة للحل[98]. وقال كيرى “إن المعارضة السورية ستعتمد خيارا سياسيا وافقت عليه روسيا ويتماشى مع خطتها للفترة الانتقالية، ويتمثل هذا الخيار فى تشكيل هيئة تنفيذية مع سلطة كاملة. وإن هذا هو الخيار المسار السلمى للتغيير والذى من شأنه أن يوحّد الشعب السورى”.

بعد اجتماع كيرى- لافروف واتفاقهما على عقد اجتماع فى جنيف يجمع المعارضة والنظام على طاولة مفاوضات واحدة لتشكيل هيئة انتقالية ساد تفاؤل كبير فى الخطاب الأمريكى عن إمكانية حل الأزمة عبر التفاهم مع روسيا.

لكن تغييرا طفيفيا طرأ بعد معركة القصير، وتدخل حزب الله واستخدام النظام السوررى الأسلحة الكيماوية أكثر من مرة ما دفع الرئيس أوباما فى 13 يونيو 2013 إلى الإعلان عن نيته تسليح المعارضة السورية دون أن يخرج عن عناوين “تغيير الحسابات” وقرر أوباما توجيه ضربة عسكرية للنظام السورى، وأكّد على أن هذا الرد العسكرى سيكون محدودا ودقيقا؛ ومن ثم تركيز الخطاب الأمريكى على ضرورة التزام النظام السورى التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لتدمير مخزونه وعلى ضرورة عقد جنيف 2 لحل الأزمة.

ومع فشل جنيف 2، بدا أن تغييرا يطرأ على قناعات كيرى الذى كان مستاء من فشل المفاوضات والسلوك الروسى. وحسب مصادر متعددة، فإن كيرى تزعّم فى تلك الفترة تيارا داخل الإدارة الأمريكية يطالب بسياسة أكثر صرامة تجاه النظام السورى بما فى ذلك تسليح مقاتلين من المعارضة السورية، غير أن مطالبه هذه تجاهلها البيت الأبيض. وصرّح كيرى فى اجتماع مع عضوى مجلس الشيوخ الجمهوريين حون ماكين وليندسى غراهام على هامش قمة الأمن فى ميونيخ بألمانيا مطلع فبراير 2014 قائلا “إن السياسة الأمريكية لاتعمل فى سوريا، وإن النظام السورى قد أفشل محادثات جنيف 2؛ لأنه لم يلتزم بجدول مواعيد تسليم أسلحته الكيماوية، كما أن روسيا مستمرة فى تسليح النظام السورى”.

وعلى أى حال، لم يتغير الخطاب الأمريكى فيما يتعلق بالأزمة السورية كثيرا طوال الفترة التالية لاسيما فيما يتعلق بالتدخل العسكرى الروسى فى سوريا حيث اكتفى وزير الخارجية كيرى بالتعليق قائلا “إن الولايات المتحدة قلقة إزاء الأنشطة العسكرية الروسية فى سوريا، وأن الولايات المتحدة ستواصل مراقبة تلك الأنشطة عن كثب لما تسببه من تفاقم الصراع الدائر فى البلاد”

وأكد كيرى من جانبه على معارضة الولايات المتحدة لأى تحركات عسكرية تدعم نظام الأسد؛ ذلك لأن نظام الأسد يُعد أحد العوامل الرئيسة فى زيادة نمو تنظيم داعش الإرهابى. ولذا واجهت الإدارة الامريكية سلسلة من الانتقادات إزاء موقفها من[99] التدخل العسكرى الروسى وعلى رأسها تصريح السيناتور جون ماكين الذى هاجم فيه سياسات بلاده تجاه الأزمة السورية، واعتبر أن التدخل العسكرى الروسى فى سوريا نكسة مذلة للولايات المتحدة، وأن هذا التدخل قد أحدث تطورا كارثيا فى الشرق الأوسط.

ثانيا: الموقف الصينى تجاه الأزمة السورية

تتسم طبيعة العلاقات الأمريكية مع روسيا والصين بحالة من التعقيد الشديد انعكس فى مواقفها من الأزمة السورية التى أبرزت مدى التجاذب وتعارض المصالح بين العمالقة الدوليين فى ملفات مختلفة. إن سوريا لا تشكّل حالة مهمة فى حد ذاتها بالنسبة إلى موسكو أو بكين[100]، إنما هى وسيلة للاحتجاج أو جزء من استراتيجية أوسع لمقايضتها فى قضايا أكثر أهمية تتركز فى مناطق أكثر حيوية. فعلى الرغم من حجم المصالح الصينية فى سوريا لكن ذلك لا يبرر مجازفتها بإغضاب الغرب الذى ترتبط معه بشبكة مصالح هائلة.

ومن المعروف أن التجارة والنفط يشكلان المحورين الأساسيين للسياسة الخارجية الصينية خصوصا فى الشرق الأوسط، وسوريا تشكّل جزء يكاد لا يُذكر من حجم التجارة الصينية، كما أن سوريا ليست دولة نفطية مهمة يمكن أن تؤثر فى حسابات الصين الاستراتيجية. ومع ذلك فاجأت الصين الكثيرين بتصويتها إلى جانب روسيا فى مجلس الأمن ضد مشاريع قرارات تدين النظام السورى على انتهاكاته الخطيرة لحقوق الإنسان.

يأتى الموقف الصينى على خلفية الاستياء من سياسات واشنطن تجاه مصالحها أكثر منه اهتماما بمصير النظام السورى ومستقبله[101]. ومن الجدير بالذكره هنا، أن إيران- وليس سوريا- تشّكل محور اهتمام الصين فى المنطقة؛ فهى أكبر مورد للنفط إلى الصين، ويرتبط البلدان باتفاقات عديدة لاستخراج النفط والغاز خاصة من حقل بارس الجنوبى العملاق وللبلدين خطط استراتيجية لمدّ أنابيب للطاقة بينهما عبر أفغانستان، إلّا أنّ الغزو الأمريكى لهذا البلد عطل هذه الخطط إلى أجل غير مسمى.

ومنذ أن أصبحت مستوردا خالصا للنفط بداية من عام 1993، بدأت الصين تنظر إلى تعاونها مع إيران باعتباره ركنا أساسيا فى استراتيجيتها الساعية إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة، وهى الاستراتيجية التى ما فتئت تعرقلها العقوبات المتزايدة التى تفرضها واشنطن على طهران . لكن انتخاب الرئيس أوباما في عام 2008 أضفى مزيدا من التعقيد على العلاقات الأمريكية الصينية.

ومنذ مجيئها إلى السلطة، أخذت إدارة الرئيس أوباما تنقل اهتمامها من منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا حيث تتجمع القوى النووية الكبرى والدول الناشئة اقتصاديا، أو ذات الاقتصاديات المهمة؛ ففى تلك المنطقة أو على تخومها تقبع قوى نووية كبرى كالصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية، وهى تحتضن ثانى وثالث أكبر اقتصادين فى العالم (الصين واليابان( وفيها أيضا عدد من الدول التى يزيد ناتجها الإجمالى القومى على تريليون دولار )كوريا الجنوبية وروسيا والهند).

تعتقد الصين أن واشنطن – بنقل اهتمامها إلى منطقة المحيط الهادئ- إنما تسعى إلى محاصرتها والسيطرة على خطوط تجارتها وامدادات الطاقة والمواد الأولية الضرورية لصناعتها، ومن ثم نموها الاقتصادى. وتراقب الصين بقلق شديد المساعى الأمريكية الرامية لتطويقها عبر تحالفات مع جيرانها المتوجسين من صعودها السريع. هذه السياسات الأميركية تستهدف- من وجهة نظر بكين- استقرارها الداخلى؛ لأن تعطيل عجلة نموها الاقتصادى أو إبطاءه سوف يؤثر فى قدرتها على توفير فرص عمل لملايين الصينيين، فضلا عن إضعاف قدرتها على رفع مستوى الدخل لنحو 900 مليون صينى يقبعون تحت خط الفقر.

ومن المعروف أن الصين لم تكن متحمسة أصلا لوصول أوباما إلى السلطة فى واشنطن؛ فقد كانت أكثر ارتياحا فى التعامل مع الجمهوريين الذين يركّزون أكثر على مسائل الأمن القومى بدلا من الاقتصاد. وقد تحّققت مخاوفها عندما بدأت إدارة أوباما تمارس ضغوطا شديدة عليها لتخفيض العجز فى الميزان التجارى بين البلدين والذي يميل بشدة لصالح الصين، كما تعاظمت الضغوط لتحرير العملة الصينية ورفع قيمتها مقابل الدولار الأمريكى.

أما من الناحية السياسية، فقد أثار أوباما غضب الحكومة الصينية عندما استقبل فى البيت الأبيض الزعيم الروحى للتبت الدالاى لاما، وعدّته تشجيعا على انفصال الإقليم عن الصين. فى الوقت نفسه، قام أوباما بإقرار صفقة أسلحة كبيرة لتايوان ما زاد الأمور سوءً. الوجود العسكرى الأمريكى على تخوم بحر الصين الجنوبى، والذي أخذ يتزايد خصوصا عقب الإعلان عن عقيدة أوباما” التى أصبحت تُعرف  Pivot to Asia مما زاد مخاوف بكين تجاه النوايا الأمريكية[102].

هذه الضغوط الأمريكية المتزايدة هى ما دفع الصين إلى استنتاج أن سقوط النظام السورى سيؤدى إلى إضعاف إيران، وقد يُفضى هذا فى نهاية المطاف إلى وقوعها بدورها فى قبضة الأمريكيين. إذا حدث ذلك، سيكون من وجهة نظر الصين تحوّلا إستراتيجيا غير مسبوق، منذ نهاية الحرب الباردة. إذ إنه سيضع نحو 60% من نفط العالم تحت السيطرة الأمريكية المباشرة، وسيشكّل ورقة ضغط أمريكية مهمة فى وجه الصينيين، وسيحكم بالفشل على أى خطط مستقبلية لتحويل إيران إلى حليف إستراتيجى يمد الصين بالطاقة مقابل التكنولوجيا العسكرية التى تنشدها إيران.

فضلا عن ذلك، كانت الصين تعارض تقليديا التدخل فى الشئون الداخلية للدول التى تحدث فيها انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان؛ وذلك خشية أن تتحول هى نفسها هدفا – باعتبارها تنتسب الى فئة هذه الدول- وتعتقد الصين أن من حق أى دولة أن تعامل شعبها بالطريقة التى تراها مناسبة حتى لو أدى ذلك الى انتهاكات على نطاق واسع[103].

وفي المقابل، ترى الصين بالتوازى مع الرؤية الروسية إن هناك تحالفا جديدا يتشكّل بين الغرب والتيار الإسلامي الصاعد، وإن هذا التحالف ستكون له تداعيات سلبية على طموحات كل من روسيا والصين والأوضاع الداخلية فيهما؛ حيث تخشى الصين من انتقال عدوى الثورات إلى الأقليات المسلمة فى الصين فى ظل دعم أمريكى .

وفى ضوء ما سبق يمكن فهم الفيتو الروسى الصينى المزدوج الأول فى4 أكتوبر2011 فى مجلس الأمن الدولى ضد مشروع قرار غربى متعلق بالأزمة السورية[104]، وترسّخ التحالف الروسى الصينى عندما تكرّر استخدامه للمرة الثانية فى4 فبراير2012 فى نفس موضوع الأزمة السورية .
وصار التنافس فى مجلس الأمن الدولى تعبيرا عن مظهر من مظاهر تسجيل النقاط على الخصوم وإفشال مشاريعهم؛ حيث حاولت الولايات المتحدة ومعها الدول الغربية إظهار كل من روسيا والصين، بوصفها البلدين اللذين يتحملان وزر إطالة أمد الأزمة فى سوريا، ومسئولية ما يرتكبه النظام فيها من جرائم ومجازر وتدمير وخراب.

وبالتالى ظهر الساسة الروس والصينيون بوصفهم مسئولين أخلاقيا وإنسانيا عن إراقة المزيد من الدماء السورية. غير أن الفيتو المزدوج، الصينى والروسى تكرر للمرة الثالثة فى 18يوليو2012، ضد مشروع قرار يهدد بفرض عقوبات على النظام السورى فى حال عدم توقفه عن استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين، ثم عاد ساسة روسيا والصين فى32 مايو2014 واستخدموا الفيتو للمرة الرابعة ضد مشروع قرار ينص على إحالة ملف الجرائم المرتكبة فى سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية.

لعل أولى الإشارات التى أرسلها الفيتو الروسى الصينى المزدوج ضد مشروع القرار الفرنسى[105] بشأن إحالة الملف السورى إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم  حرب فيها، هى عودة الانقسام بين دول مجلس الأمن الخمس دائمة العضوية بعدما بدا أن إجماعا حصل بين هذه الدول على القرار 2118 الخاص بإزالة ترسانة النظام السورى من الأسلحة الكيميائية الذى اتّخذ فى 27 سبتمبر2014، والقرار 2139 الذى اتخذ فى 22 فبراير2014، لتخفيف المعاناة التى يعيشها الشعب السورى، ولفك الحصار المطبق وغير الإنسانى على كثير من المناطق السورية، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق المتضررة فى سوريا.

ومن الجدير بالذكر أن الصين- وبالتناقض مع أحد المبادئ الأساسية التى ترتكز عليها سياستها الخارجية وهو رفضها للتدخل العسكرى فى الشئون الداخلية للدول- قد أيّدت التدخل العسكرى الروسى فى سوريا[106]، وصرّحت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون بينغ أن هذه العمليات العسكرية الروسية فى الأراضى السورية قد جاءت بناء على طلب من الحكومة السورية، وتهدف لمكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة داخل سوريا. وأن استمرار الأزمة السورية لفترة طويلة أدى إلى الانتشار السريع للإرهاب والتطرف.

لقد أعربت “هوا تشون بينغ”  أيضا عن دعم الصين لجهود المجتمع الدولى لمكافحة الإرهاب. وأن الحل السياسى وفتح حوار سياسى عادل وشامل بين جميع الأطراف المعنية هو الطريق الرئيس لتسوية الأزمة السورية. وطبّقت الصين هذا التأييد عمليا؛ فاعلنت انضمامها له بحاملة طائرات رست فى البحر المتوسط قبالة السواحل السورية (ميناء طرطوس) على متنها جنود وطائرات صينية إضافة إلى صواريخ موجهة من طراز “كروز” اكتوبر 2015. وقد أضاف  دخول بكين عملية الصراع فى سوريا اتساعا جديدا للدعم الذى تقدمه طهران وموسكو لنظام الأسد.

 

 

 

المبحث الثانى:

 رؤية استشرافية حول مستقبل العلاقات الأمريكية – الصينية

إن العلاقات الأمريكية الصينية وبحسب ما يراه الكثير من الخبراء والمحللون الاستراتيجيون تتجه نحو مستقبل يكتنفه الغموض، وتأتى عوامل انعدام الثقة وميزان القوى والقيادة السياسية فى مقدمة العوامل المؤثرة على العلاقات بين الجانبين. ولا شك أن الصراع والصدام العسكرى هو آخر ما يرغب به الطرفان[107]

وستستمر الولايات المتحدة فى احتواء التنين الصينى وتطويقه بالتحالفات الأمريكية مع جيرانه الآسيويين وعلى رأسهم تايوان وكوريا الجنوبية والفلبين وغيرها بينما ستستمر الصين فى مقاومة هذا الإحتواء. لكن ثمة من يرى أن تطلعات الصين وآمالها متطابقة لما لدى الولايات المتحدة فى تطوير علاقات تعاون بناءة؛ فهكذا علاقات تصب فى مصلحة الجانبين فى الوقت الحالى.

ويرى مراقبون آخرون أن المستقبل سيشهد تقاربا وتعاونا صينيا – أمريكيا فى ظل ترسيخ العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، وفى ظل تفعيل لغة الحوار والاعتماد على الدبلوماسية فى حل القضايا المعلقة بينهما لإدراك الطرفين أن امتلاكهما للإمكانيات والقدرات من الممكن أن يلحق بهما – فى حالة المواجهة- خسائر فادحة، وهو ما يصب بدوره أيضا فى مصلحة البلدين معا.

وفى الإطار السابق، يمكن صياغة البعد المستقبلى للعلاقات الأمريكية الصينية من منظور كلا الجانبين على النحو التالى:

أولا: مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية من المنظور الأمريكى
إن مستقبل المصالح الأمريكية مرتبط باستقرار آسيا، واستقرار آسيا مرتبط بدور الصين الإقليمى[108]، ودور الصين لا يمكن ضبطه والتحكم فيه إلا بتوثيق العلاقات معها، ومن ثم فإن الدور الصينى من وجهة النظر الأمريكية يتحرك فى إطار الاندماج مع العالم وأبرز ملامح هكذا اندماج هو الدور الذى تلعبه الصين فى التنسيق لوقف انتشار الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية[109] .

ويمهد للدور السابق ما حدث من انتقال تدريجى من كون الصين إحدى كبريات الدول المصدرة لتقنيات هذه الأسلحة إلى دولة تنضم للعديد من معاهدات وقف انتشارها، وأوقفت مساعداتها النووية لكل من إيران وباكستان أو على الأقل تناور بها فى ظل بيئة دولية مراوغة.

ومن ثم يمكن القول إن العلاقات الأمريكية الصينية ذات طبيعة مركبة من عدة عناصر ألا وهى:
– الحرص الأمريكى على علاقة شراكة مع قوة كبرى صاعدة.

– الحرص الأمريكى على منع اليابان وبلدان آسيا المجاورة من التعاون المفتوح مع بكين.

– الحرص الأمريكى على إبقاء التطور والنفوذ الصينى تحت المراقبة الأمريكية الدائمة.
وفى هذا الإطار تتعدد أوراق الضغط التى تمارسها الولايات المتحدة تجاه الصين، ولعل أهم هذه الأوراق مايلى:
التبادل التجارى: التبادل التجارى بين الصين والولايات المتحدة يحكمه قانون المعاملة التجارية التفضيلية (وضع الدولة الأولى بالرعاية) الذى منحته الولايات المتحدة للصين عام 1980[110]. والتبادل التجارى في حد ذاته هو تفاعل تعاونى عمل على عدم تدهور العلاقات عندما تصادمت السياسات فى قضايا أخرى. وإنْ كان التبادل التجارى قد اتخذ بعدا صراعيا منذ اتهمت الولايات المتحدة الحكومة الصينية باتباع سياسات اقتصادية جائرة تؤدى إلى إغراق السوق الأمريكية بالسلع الصينية الرخيصة، وسرقة حقوق الملكية الفكرية – 90% من برامج مايكروسوفت فى الصين منسوخة بشكل غير قانونى حسبما ورد فى إحصاءات أمريكية- فضلا عن غلق السوق الصينية أمام الواردات الأمريكية[111].

ومن جانبها ردت الصين بأن المسئولين فى وزارة التجارة الأمريكية يسعون إلى التلاعب فى أرقام التبادلات التجارية لتضخيم العجز التجارى تجاه الصين، حيث يعدّون الصادرات الصينية عن طريق هونج كونج صادرات صينية خالصة، بينما تشتمل على قيمة مضافة يجب خصمها فضلا عن المثال آى فون الذى سبق وأن أشرنا إليه فى هذه القضية.
 حقوق الإنسان: حيث بدأ استخدام قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية تجاه الصين عقب أحداث الميدان السماوى يونيو [112]1989 عندما استخدمت الصين الدبابات لفض مظاهرات الطلبة، وفى إدارة كلينتون ارتفعت الأصوات فى الكونجرس بعقاب من أسموهم (جزارى الصين) لكنه تحت وطأة المصالح الاقتصادية جدد وضع الدولة الأولى بالرعاية فى عام 1993. وفى مايو 1994 قرر كلينتون الفصل نهائيا بين قضايا التجارة وحقوق الإنسان فى الصين.
 قضيتا تايوان والتبت: حيث تمد الولايات المتحدة تايوان بما تحتاج من نظم أسلحة، وهو موقف متناقض ويعكس ازدواجية فى المعايير؛ حيث تعترف الولايات المتحدة بوحدة الصين ولكنها لا تقر لها سيادتها على كامل أراضيها. وفى عام 1979 أصدرت الولايات المتحدة قانون تايوان تتعهد بموجبه بتأمين كل متطلباتها الدفاعية. أما فيما يخص قضية التبت، عيّنت الولايات المتحدة منسقا خاصا للسياسة الأمريكية تجاه التبت يشرف على اتصالات الصين مع زعيم التبت. وتُعتبر هاتان القضيتان من أهم أوراق الضغط التى تمسكها الولايات المتحدة تجاه الصين

وخلاصة الأمر، إن معالم المنظور الأمريكى للعلاقات الأمريكية الصينية يتمثل فى أمرين: 
الأول داخلى: (داخل الصين) عن طريق إثارة القلاقل والمشاكل الداخلية لخلق المعوقات التى تقوم ذاتيا بعملية ضبط تسارع وتيرة النمو والنفوذ.
الثاني خارجى: عن طريق خلق شبكة من التحالفات الأمريكية مع دول المنطقة لضبط الصين أو التحكم في سلوكها الخارجى[113].

ثانيا: مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية من المنظور الصينى 

هنا نجد إدراكا صينيا لعدد من الحقائق التى تؤكد على وزن وثقل الصين أولا، ثم تمكينها من اختيار نوع وحجم دورها الدولى ثانيا، تم تحديد وضع هذا الدور توافقا أم تصادما مع المصالح الأمريكية ثالثا[114].
وأول هذه الحقائق: أن الصين دولة لها من الثقل السياسى والسكاني والعسكرى والاقتصادى ما يجعلها قادرة لو أرادت انتهاج أسلوب عدائى أن تعيد فتح ملف الحرب الباردة من جديد.
وثانى هذه الحقائق: أن الصين – بمقومات الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد- لعبت ولا تزال تلعب دورا مؤثرا قادرا على الامتداد مستقبلا فى مساحة تبدأ من شبه الجزيرة الكورية وتمر بفيتنام وكمبوديا والهند وباكستان وإيران حتى تلامس مياه الخليج.
وترتيبا على ما سبق، فإن الصين لا تكتم طموحها السياسى مستندا إلى قاعدة صناعية من النوع الذى يجعلها تحلم بالانضمام إلى نادي الدول الصناعية الكبرى، ويزيد من سقف حلمها السياسى ليلامس مطلبا يمكن صياغته فى أن الصين دولة عظمى من حقها أن تكون شريكا فى إدارة العالم والتخطيط له[115].

وهناك خطوتين أساسيتين لتحقيق هذا الحلم الصينى:
– البحث عن تحالفات صينية مضادة لسياسات الاحتواء الأمريكى، ولتشكيل جبهة فى مواجهتها لإضعافها استراتيجيا، ومن ذلك تقوية العلاقات الصينية مع روسيا حتى وصلت إلى تطوير نوع من الشراكة الاستراتيجية، وكذا تطوير العلاقات مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (منظمة آسيان)[116].

– بروز معالم هيمنة صينية على دول المنطقة بما تحمله الثقافة الصينية من طموحات قوية وبما لديها من إمكانات بشرية واقتصادية هائلة وهذا الوضع ربما يعصف-على المدى المتوسط- بالمصالح الأمريكية إذا أخذنا فى الاعتبار أن هناك ستين مليون مهاجر صينى ينتشرون فى دول الجوار الآسيوى، ويشكلون بؤرا اقتصادية وثقافية وربما سياسية عسكرية عند اللزوم.

الرؤية الشخصية للباحث:
أعتقد أنه إذا كان مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية مستقبل يكتنفه الغموض ولا يمكن التكهن بملامحه، وعما إذا كان سيشهد تعاونا أم صراعا إلا أننى أرجح أنه إذا لم يشهد هذا المستقبل على المدى القصير والمتوسط تحسنا وتعاونا ملحوظين بين الولايات المتحدة والصين أو على الأرجح سيشهد تعاونا حذرا، ولكنى لا أرجح أن يشهد صراعا أو صداما عسكريا مباشرا بين الجانبين. فطبقا لنظرية توازن القوى Balance OF Power فى العلاقات الدولية، يشكّل امتلاك دولة ما الحد الأدنى من القدرات النووية القادر على تدمير الخصم وإحداث خسائر فادحة لديه حال توجيه ضربته الأولى لها رادعا قويا يدفع الدولة المهاجمة إلى الإحجام عن مهاجمة الدولة المالكة لهكذا قدرات نووية حتى ولو لم تكن متقدمة بشكل كاف إلا أنها قادرة على إحداث دمار شامل. وهذا بطبيعة الحال يخلق نوعا من الاستقرار فى النظام الدولى حتى ولو غاب توازن القوى بمعناه التقليدى. ومن ثم ليس من مصلحة الولايات المتحدة أو الصين الإنزلاق إلى حافة الهاوية والدخول فى معركة ستكلف العالم برمته كثيرا. وإجمالا يمكن القول أن مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية سيتجه على المدى القصير والمتوسط – على الأقل- سيسوده التعاون بشكل كبير بين الدولتين والتزام الطرفين ضبط النفس ومحاولة احتواء القضايا والملفات الساخنة بينهما. هذا التعاون يمكن وصفه ب “التعاون الحذر”.

 

خاتمة:

ينطلق التنين الصينى المتنامى فى قوته العسكرية والاقتصادية والسياسية وبخطوات واثقة نحو القمة فى إطار سياسية شاملة على الصعيدين الداخلى والخارجى هدفها اعتلاء الصين المكانة اللائقة بها فى مصاف القوى الكبرى بعد أن ظلت حبيسة محيطها الإقليمى إبان الحرب الباردة. لكن الصين – الرامية وبقوة إلى عالم متعدد الأقطاب – اصطدمت بالولايات المتحدة وسعيها الدءوب نحو استمرار قبضتها المنفردة على العالم.

ومن هنا كان لزاما طرح تساؤل يصبو إلى تقديم روى قدمتها أطروحات عديدة حول مستقبل العلاقات بين الإثنين الكبار لنجد أننا أمام مستقبل يكتنفه الغموض من كل جانب وتتأرجح الاحتمالات بين تعاون وصدام عسكرى، فى إطار تسليط الضوء على مراحل تطور العلاقات الأمريكية الصينية وأبعادها الاقتصادية والعسكرية، والملفات الشائكة بينهما وكذا موقفهما من أزمة إقليمية ألا وهى الأزمة السورية والتى شهدت ولأول مرة استخدام الفيتو الصينى فى مجلس الأمن الدولى لأكثر من مرة بجانب فيتو الحليف الروسى ضد مشاريع القرارات التى طرحها الجانب الأمريكى لتسوية الأزمة.

إن الولايات المتحدة تبحث عن فرض هيمنتها عالميا من خلال بناء عالم كبير ذى دوائر اقتصادية واسعة بدلا من السيطرة المادية المباشرة، وبالرغم من أنها تخطط لبناء عالم أحادى القطبية إلا أنها تدرك أن هذه المعادلة قد لا تكتمل. ومن ثم، فإنها لازالت تبحث عن فريق عمل مكون من الدول الأخرى بما فيها الصين.

والصين الرامية إلى عالم متعدد الأقطاب عليها أن تبحث عن التوازن فى مجالين أساسيين: أولهما سياسة متوازنة تجاه الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى. وثانيهما سياسة متعددة الأقطاب متوازنة مع العالم الثالث. ومن ثم كان لزاما على الصين أن توسّع نطاق عناصر التعاون وكبح جماح عناصر التنافس.

ويبقى السؤال هل ستنجح الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأولى حتى الآن فى دمج الصين داخل النظام الدولى والإحجام عن استفزاز التنين الصينى أم إنها ستستمر فى نهج احتواء هذا التنين على نحو قد يسفر إلى انزلاقهما معا إلى مواجهة عسكرية لا تُحمد عقباها؟!

قائمة المراجع:

 المراجع العربية:

أولا: الكتب

1- د. فوزى درويش، “الشرق الأقصى: الصين واليابان”، دار الكتب المصرية، الطبعة الثالثة 1997

2- د. خضر عباس عطوان، “مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2004

3- د. هدى ميتيكس، خديجة عرفة، “الصعود الصينى”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة،2006

4- د.حنان قنديل، “الصين وتايوان والعولمة”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة،2003

5- إبراهيم عرفات، “الصين وحواجز الصعود”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2006

ثانيا: الرسائل العلمية

1- سهرة قاسم محمد حسين، “الصعود الصينى وتأثيره على الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط” (2001-2009)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2010

2- الشيماء هشام أبو الوفا، “السياسية الصينية فى النظام الدولى” (1990-2005)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة 2008

3- أحمد عبد الله محمود عطية الطحلاوى، “مفهوم تحول القوة فى نظريات العلاقات الدولية: دراسة الحالة الصينية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2009

4- رشا أحمد الديسطى، “الدور الصينى فى النظام الإقليمى لدول جنوب شرق آسيا”(1991-2008)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2012

5- يوسف ميخائيل يوسف، “الصراع الصينى- الأمريكى فى منطقة جنوبى شرقى آسيا”(1954-1972)، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 1981

6- منصور فالح إسماعيل، “الفرص والتحديات للنمو الصينى كقوة عظمى” (1990-2008)، رسالة ماجستير،  جامعة مؤتة: عمادة الدراسات العليا 2009

7- محمد عطية محمد ريحان، “التجربة الاقتصادية الصينية وتحدياتها المستقبلية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الأزهر، غزة 2012

8- أميمة على طه، “العلاقات الأمريكية الصينية بعد الحرب الباردة”، رسالة ماجستير، كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، جامعة الخرطوم 2002

9- محمود صافى، “العلاقات التركية- الإسرائيلية” (1996-2006) ، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

ثالثا: الأبحاث والدراسات

1- “العلاقات الأمريكية الصينية واستراتيجة واشنطن التى تزعزع استقرار منطقة آسيا الباسفيك”،مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الاستراتيجية، فبراير 2012

2- مروان قبلان، “المسألة السورية واستقطاباتها الإقليمية والدولية: دراسة فى معادلات القوة والصراع على سوريا”، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، مارس 2015

3- “تطور الموقف الأمريكى من النظام السورى: من دعوات الإصلاح إلى التفاوض”، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، إبريل 2015

4- محمود خليفة جودة محمد، “أبعاد الصعود الصينى فى النظام الدولى وتداعياته” (1991-2010)، المركز الديمقراطى العربى، إبريل 2014

5- سيف الدين عبد الفتاح، السيد صدقى عابدين، “الأفكار الآسيوية الكبرى فى القرن العشرين”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2001

6- سنية الحسينى، “سياسة الصين تجاه الأزمة السورية: هل تعكس تحولات استراتيجية جديدة فى المنطقة؟”، القدس العربى، إبريل 2015

7- باهر مردان، الصين واليابان تتفقان على إطلاق آلية لإدارة الأزمات البحرية، بكين2015.

8- باهر مردان، العلاقات الصينية اليابانية، بكين 2015

9- دلالات الموقف الأمريكى من الانخراط العسكرى الروسى فى سوريا، المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية، أكتوبر 2015

10- يزيد صايغ، موقف الصين حيال روسيا، مركز كارنيجى للشرق الأوسط، فبراير 2012

11- محمد سعد أبو عامود، الصين تقتحم الأزمة السورية، مركز الخليج للدراسات، إبريل 2016

رابعا: الدوريات

1- جعفر كرار أحمد، “العلاقات الصينية الأمريكية ونذر المواجهة فى جنوب شرقى أسيا”، الدراسات الإستراتيجية، العدد 8، يناير 1997

2- معتز سلامة، “الصين والولايات المتحدة جوهر الخلاف”، السياسة الدولية، العدد 126، 1996

3- هناء عبيد، العلاقات الأمريكية – الصينية بين موازين التجارة وحقوق الإنسان، السياسة الدولية ، العدد117، يوليو1994

4- محمد إبراهيم الدسوقى، “رؤية مستقبلية لواقع المتغيرات داخل الصين”، السياسة الدولية، العدد 112، لعام 1994

5- محمد حقى، “صراع القوى فى جنوب شرق أسيا”، السياسة الدولية، العدد 24، إبريل 1971

6- محمد سعد أبو عامود، “السياسة الأمريكية فى أسيا” ، السياسة الدولية، العدد127، 1997

7- معتز سلامة،” توسيع الناتو وهموم الصين الأسيوية“، السياسة الدولية، العدد 129، لعام 1997

8- محمد مصطفى شحاتة، “مستقبل الوحدة بين تايوان والصين”، السياسة الدولية، العدد104، 1991م

9- شولو تجنشو، “الصين وإستراتيجية جديدة، جمهورية الصين تتجه إلى الحرب التكنولوجية”، السياسة الدولية، العدد 105، 1994

المصادر الأجنبية:

1- China’s New Asia Policy, China: An International Journal, Volume 12, Number 2, August 2014, (article).

Asia: The Military Balance, Volume 116, Issue 1, 2016. -2

3-“The Asian Balance of Powers as a Long-Term Issue“, in Christophe Jaffrelot (ed.), Emerging States: the Wellspring of a New World Order / Christophe Jaffrelot, ed., Columbia University Press, 2009.

4- Robert B. Zoellick, “Whither China: From Membership to Responsibility?”, NBR Analysis, volume 16, number 4, December 2005

5- Fei-Ling Wang, “To incorporate China: A new policy for a new era,” The Washington Quarterly, Volume 21, Issue 1, 1998,

6- David M. Lampton, Same Bed, Different Dreams: Managing U.S. China Relations, 1989-2000 , Univ. of California Press, 2001

7- Richard Baum : ” United States-China Relations: The Latest Phase”, National Chengchi University,2006

8- Shiro Armstrong : “Interaction between trade , conflict and

cooperation- the case of Japan and China” , Crawford School of

Economics and Government Australian National University. September

2007.

9-The Balance Sheet China: What the World needs to know about the Emerging Superpower, Public Affairs, New York, 2006.

10- ” China’s 12th Five-Year Plan” How it actually works and what’s in store for the next five years “, 2010

11- ASEAN-China Free Trade Agreement : a publication of the Universal Access to Competitiveness and Trade (U-ACT) under its

Institutionalization of Multistakeholder Consultation for Trade

Negotiations (I-UST) project , Makati City , A primer,2009 .

12- Economist Intelligence Unit , “The 12th Five-Year Plan : China’s

Economic Transition”, An Economist Corporate Network (Shanghai), May 2011.

13- Institute of World Economics and Politics/ Chinese Academy of Social Sciences. “CHINA’S ECONOMIC REFORM: SUCCESS, PROBLEMS AND CHALLENGES”. Paper prepared for discussion at the ANU-MOF conference on “Micro Economic Foundations of Economic Performance in East Asia” November 2006.

14- Justin Yifu Lin, Fang Cai, and Zhou Li . THE LESSONS OF CHINA’S TRANSITION TO A MARKET ECONOMY. Cato Journal, Vol.16, No.2 (Fall 1996).

15- Wang Mengkui . China’s Economy. Beijing : China Intercontinental Press , 2006.

16- Xiudian Dai, Understanding EU-China Relations, January 2006.

17- Alexander Eckstein :” China s economic revolution” Cambridge University Press , 1977 .

18- Bruce Vaughn : China-Southeast Asia Relations: Trends ,Issues and Implications for the United States. Report for Congress. Updated April 4, 2006.

19- Susan V.Lawrence. U.S. CHINA RELATIONS: AN OVERVIEW OF POLICY ISSUES, Congressional Research Service, August 1,2013.

20- Kerry Dumbaugh, CHINA- U.S. RELATIONS: CURRENT ISSUES AND IMPLICATIONS FOR U.S. POLICY, CRS Report For Congress, July 14, 2010.

21- U.S.- CHINA RELATIONS: AN AFFIRMATIVE AGENDA, ARESPOSIBLE COURSE, Council OF Foreign Relation,2006.

22- WU Xinbo, CHINA AND THE UNITED STATES: CORE INTERESTS, COMMON INTERESTS AND PARTNERSHIP, Special Report,United States Institute of Peace, June 2011.

23- William S.Cohen, SMART POWER IN U.S.- CHINA RELATIONS,CSIS Commission on China, March 2009.

24- Kevin Rudd, THE FUTURE OF U.S.- CHINA RELATIONS,Belfre Center For Science and International Affairs, Harvard Kennedy School, April 2015.

25- Aaron L.Friedberg, THE FUTURE OF U.S.- CHINA RELATIONS: IS  CONFLICT INEVITABLE?, International Security, Vol.30, No.2 (Fall 2005).

[1] أميمة على طه، “العلاقات الأمريكية الصينية بعد الحرب الباردة”، رسالة ماجستير، كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، جامعة الخرطوم 2002

 

[2] محمود صافى، “العلاقات التركية- الإسرائيلية” (1996-2006) ، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

[3] رشا أحمد الديسطى، “الدور الصينى فى النظام الإقليمى لدول جنوب شرق آسيا”(1991-2008)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2012

[4] باهر مردان، العلاقات الصينية اليابانية، بكين 2015

[5] د. فوزى درويش، “الشرق الأقصى: الصين واليابان”، دار الكتب المصرية، الطبعة الثالثة 1997

[6] محمد عطية محمد ريحان، “التجربة الاقتصادية الصينية وتحدياتها المستقبلية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الأزهر، غزة 2012

[7] منصور فالح إسماعيل، “الفرص والتحديات للنمو الصينى كقوة عظمى” (1990-2008)، رسالة ماجستير،  جامعة مؤتة: عمادة الدراسات العليا، الأردن، 2009

[8] حكيمى توفيق، الحوار النيوواقعى – النيوليبرالى حول مضامين الصعود الصينى، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة باتنة، الجزائر، 2008

[9] محمود خليفة جودة محمد، “أبعاد الصعود الصينى فى النظام الدولى وتداعياته” (1991-2010)، المركز الديمقراطى العربى، إبريل 2014

[10] سهرة قاسم محمد حسين، “الصعود الصينى وتأثيره على الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط” (2001-2009)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2010

[11] أحمد عبد الله محمود عطية الطحلاوى، “مفهوم تحول القوة فى نظريات العلاقات الدولية: دراسة الحالة الصينية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2009

[12] العلاقات الأمريكية الصينية واستراتيجة واشنطن التى تزعزع استقرار منطقة آسيا الباسفيك”،مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الاستراتيجية، فبراير 2012

[13] – د. خضر عباس عطوان، “مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2004

[14] مروان قبلان، “المسألة السورية واستقطاباتها الإقليمية والدولية: دراسة فى معادلات القوة والصراع على سوريا”، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، مارس 2015

[15] تطور الموقف الأمريكى من النظام السورى: من دعوات الإصلاح إلى التفاوض”، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، إبريل 2015

[16] سنية الحسينى، “سياسة الصين تجاه الأزمة السورية: هل تعكس تحولات استراتيجية جديدة فى المنطقة؟”، القدس العربى، إبريل 2015

[17]أميمة على طه، “العلاقات الأمريكية الصينية بعد الحرب الباردة”، رسالة ماجستير، كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، جامعة الخرطوم 2002

[18] – د. خضر عباس عطوان، “مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2004

[19]

Kevin Rudd, THE FUTURE OF U.S.- CHINA RELATIONS,Belfre Center For Science and International Affairs, Harvard Kennedy School, April 2015.

[20] معتز سلامة، “الصين والولايات المتحدة جوهر الخلاف”، السياسة الدولية، العدد 126، 1996، ص 51-52

William S.Cohen, SMART POWER IN U.S.- CHINA RELATIONS,CSIS Commission on China, March 2009.

[21] Xiudian Dai, Understanding EU-China Relations, January 2006.

[22] إبراهيم عرفات، “الصين وحواجز الصعود”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2006، ص 13-15

[23] حكيمى توفيق، الحوار النيوواقعى – النيوليبرالى حول مضامين الصعود الصينى، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة باتنة، الجزائر، 2008

[24]

Aaron L.Friedberg, THE FUTURE OF U.S.- CHINA RELATIONS: IS  CONFLICT INEVITABLE?, International Security, Vol.30, No.2 (Fall 2005).

[25] Wang Mengkui . China’s Economy. Beijing : China Intercontinental Press , 2006.

[26] محمد مصطفى شحاتة، “مستقبل الوحدة بين تايوان والصين”، السياسة الدولية، العدد104، 1991م، ص (63-66)

[27]

“The Asian Balance of Powers as a Long-Term Issue“, in Christophe Jaffrelot (ed.), Emerging States: the Wellspring of a New World Order / Christophe Jaffrelot, ed., Columbia University Press, 2009.

[28] جعفر كرار أحمد، “العلاقات الصينية الأمريكية ونذر المواجهة فى جنوب شرقى أسيا”، الدراسات الإستراتيجية، العدد 8، يناير 1997، ص 28-31

[29] محمد حقى، “صراع القوى فى جنوب شرق أسيا”، السياسة الدولية، العدد 24، إبريل 1971،ص 45-46

[30] سهرة قاسم محمد حسين، “الصعود الصينى وتأثيره على الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط” (2001-2009)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2010

[31].Bruce Vaughn : China-Southeast Asia Relations: Trends ,Issues and Implications for the United States. Report for Congress. Updated April 4, 2006.

[32] 2005

Fei-Ling Wang, “To incorporate China: A new policy for a new era,” The Washington Quarterly, Volume 21, Issue 1, 1998,

[33] – د.حنان قنديل، “الصين وتايوان والعولمة”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة،2003

[34] – “العلاقات الأمريكية الصينية واستراتيجة واشنطن التى تزعزع استقرار منطقة آسيا الباسفيك”،مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الاستراتيجية، فبراير 2012

[35] سيف الدين عبد الفتاح، السيد صدقى عابدين، “الأفكار الآسيوية الكبرى فى القرن العشرين”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2001

[36] WU Xinbo, CHINA AND THE UNITED STATES: CORE INTERESTS, COMMON INTERESTS AND PARTNERSHIP, Special Report,United States Institute of Peace, June 2011.

[37]China’s New Asia Policy, China: An International Journal, Volume 12, Number 2, August 2014, (article) pages 21-24

[38] هناء عبيد، العلاقات الأمريكية – الصينية بين موازين التجارة وحقوق الإنسان، السياسة الدولية ، العدد117، يوليو1994، ص 252-253

[39] محمود خليفة جودة محمد، “أبعاد الصعود الصينى فى النظام الدولى وتداعياته” (1991-2010)، المركز الديمقراطى العربى، إبريل 2014

[40] – أميمة على طه، “العلاقات الأمريكية الصينية بعد الحرب الباردة”، رسالة ماجستير، كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، جامعة الخرطوم 2002

[41] Bruce Vaughn : China-Southeast Asia Relations: Trends ,Issues and Implications for the United States. Report for Congress. Updated April 4, 2006.

[42] محمد عطية محمد ريحان، “التجربة الاقتصادية الصينية وتحدياتها المستقبلية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الأزهر، غزة 2012

[43] Fei-Ling Wang, “To incorporate China: A new policy for a new era,” The Washington Quarterly, Volume 21, Issue 1, 1998,

[44] – Richard Baum : ” United States-China Relations: The Latest Phase”, National Chengchi University,2006

[45] محمد عطية محمد ريحان، “التجربة الاقتصادية الصينية وتحدياتها المستقبلية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الأزهر، غزة 2012

46 “CHINA’S ECONOMIC REFORM: SUCCESS, PROBLEMS AND CHALLENGES”. Paper prepared for discussion at the ANU-MOF conference on November 2006.

[47]

Justin Yifu Lin, Fang Cai, and Zhou Li . THE LESSONS OF CHINA’S TRANSITION TO A MARKET ECONOMY. Cato Journal, Vol.16, No.2 (Fall 1996).

[48] منصور فالح إسماعيل، “الفرص والتحديات للنمو الصينى كقوة عظمى” (1990-2008)، رسالة ماجستير،  جامعة مؤتة: عمادة الدراسات العليا 2009

[49] محمد عطية محمد ريحان، مرجع سابق، جامعة الأزهر، غزة 2012

[50] – محمود خليفة جودة محمد، “أبعاد الصعود الصينى فى النظام الدولى وتداعياته” (1991-2010)، المركز الديمقراطى العربى، إبريل 2014

[51]

Kerry Dumbaugh, CHINA- U.S. RELATIONS: CURRENT ISSUES AND IMPLICATIONS FOR U.S. POLICY, CRS Report For Congress, July 14, 2010.

[52] منصور فالح إسماعيل، مرجع سابق، جامعة مؤتة: عمادة الدراسات العليا 2009

[53] – إبراهيم عرفات، “الصين وحواجز الصعود”، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2006، ص 18-23

[54]

Susan V.Lawrence. U.S. CHINA RELATIONS: AN OVERVIEW OF POLICY ISSUES, Congressional Research Service, August 1,2013.

[55]

U.S.- CHINA RELATIONS: AN AFFIRMATIVE AGENDA, ARESPOSIBLE COURSE,

Council OF Foreign Relation,2006.

[56]China’s New Asia Policy, China: An International Journal, Volume 12, Number 2, August 2014, (article).pages 9-14

[57] – “العلاقات الأمريكية الصينية واستراتيجة واشنطن التى تزعزع استقرار منطقة آسيا الباسفيك”،مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الاستراتيجية، فبراير 2012

[58] Xiudian Dai, Understanding EU-China Relations, January 2006

[59] أحمد قنديل، البنك الآسيوى للاستثمار فى مجال البنية التحتية: منعطف تاريخى ضد الهيمنة الأمريكية، المركز العربى للبحوث والدراسات، أغسطس 2015

[60] الصين قد تصبح القوة الأولى فى العالم بحلول عام 2016، موقع الجزيرة، مارس 2013، تاريخ الإطلاع 12 فبراير 2016 ويمكن الإطلاع على الرابط التالى http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2013/3/23/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%AF-%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-2016

[61]

Economist Intelligence Unit , “The 12th Five-Year Plan : China’s

Economic Transition”, An Economist Corporate Network (Shanghai), May 2011.

[62] محمود خليفة جودة محمد، “أبعاد الصعود الصينى فى النظام الدولى وتداعياته” (1991-2010)، المركز الديمقراطى العربى، إبريل 2014

[63]

Bruce Vaughn : China-Southeast Asia Relations: Trends ,Issues and Implications for the United States. Report for Congress. Updated April 4, 2006.

[64] Asia: The Military Balance (Chapter 6) pages 13-17, Volume 116, Issue 1, 2016

[65] أحمد عبد الله محمود عطية الطحلاوى، “مفهوم تحول القوة فى نظريات العلاقات الدولية: دراسة الحالة الصينية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2009

[66]

Kevin Rudd, THE FUTURE OF U.S.- CHINA RELATIONS,Belfre Center For Science and International Affairs, Harvard Kennedy School, April 2015.

[67]

David M. Lampton, Same Bed, Different Dreams: Managing U.S.-China Relations, 1989-2000 , Univ. of California Press, 2001

[68] – الشيماء هشام أبو الوفا، “السياسية الصينية فى النظام الدولى” (1990-2005)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة 2008

[69] رشا أحمد الديسطى، “الدور الصينى فى النظام الإقليمى لدول جنوب شرق آسيا”(1991-2008)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2012

[70]

WU Xinbo, CHINA AND THE UNITED STATES: CORE INTERESTS, COMMON INTERESTS AND PARTNERSHIP, Special Report,United States Institute of Peace, June 2011.

[71] معتز سلامة، “الصين والولايات المتحدة جوهر الخلاف”، السياسة الدولية، العدد 126، 1996

[72]

Shiro Armstrong, Interaction between trade , conflict and cooperation- the case of Japan and China” , Crawford School of Economics and Government Australian National University. September 2007

[73] باهر مردان، العلاقات الصينية اليابانية، بكين 2015

[74]  “The Asian Balance of Powers as a Long-Term Issue“, in Christophe Jaffrelot (ed.), Emerging States: the Wellspring of a New World Order / Christophe Jaffrelot, ed., Columbia University Press, 2009

[75]

“China’s New Asia Policy, China“: An International Journal, Volume 12, Number 2, August 2014.

[76]

Kevin Rudd, THE FUTURE OF U.S.- CHINA RELATIONS,Belfre Center For Science and International Affairs, Harvard Kennedy School, April 2015.

[77] باهر مردان، الصين واليابان تتفقان على إطلاق آلية لإدارة الأزمات البحرية، بكين2015.

[78] رشا أحمد الديسطى، “الدور الصينى فى النظام الإقليمى لدول جنوب شرق آسيا”(1991-2008)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2012

[79] إبراهيم علوش، دلالات الموازنة العسكرية الأمريكية لعام 2015، موقع البديل، تاريخ الإطلاع 3 فبراير 2016، يمكن الإطلاع على التقرير من خلال الرابط التالى   http://elbadil.com/2014/04/23/%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%88%D8%B4-%D8%AF%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A/

 [80]  منى سليمان مسلم هنيدى، تعديل ترتيب الجيش المصرى فى تصنيف جلوبال فايرباور: الأهداف والدلالات، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 4إبريل 2016

[81]  السعودية فى المركز الثالث عالميا بحجم الإنفاق العسكرى، العالم هذا المساء، بى بى سى عربى، تاريخ الحلقة بتاريخ 6 إبريل 2016

[82]

William S.Cohen, SMART POWER IN U.S.- CHINA RELATIONS,CSIS Commission on China, March 2009.

[83] إبراهيم علوش، مرجع سابق

[84] – دلالات الموقف الأمريكى من الانخراط العسكرى الروسى فى سوريا، المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية، أكتوبر 2015

[85]

WU Xinbo, CHINA AND THE UNITED STATES: CORE INTERESTS, COMMON INTERESTS AND PARTNERSHIP, Special Report,United States Institute of Peace, June 2011.

[86]

Robert B. Zoellick, “Whither China: From Membership to Responsibility?”, NBR Analysis, volume 16, number 4, December 2005

[87] Asia: The Military Balance, Volume 116, Issue 1, 2016.

[88] روسيا والصين تجريان مناورات بحرية مشتركة، موقع سبوتنك الروسى، تاريخ الإطلاع على الخبر 8فبراير 2016، ويمكن الإطلاع على الخبر من خلال الرابط التالى http://arabic.sputniknews.com/russia/20150815/1015316681.html

[89] الصين أول دولة أجنبية تحصل على منظومات إس 400، موقع سبوتنك الروسى، تاريخ الإطلاع 8 فبراير 2016، ويمكن الإطلاع على الخبر من خلال الرابط التالى

http://arabic.sputniknews.com/russia/20150413/1013990888.html

[90] سنية الحسينى، “سياسة الصين تجاه الأزمة السورية: هل تعكس تحولات استراتيجية جديدة فى المنطقة؟”، القدس العربى، إبريل 2015

[91] – مروان قبلان، “المسألة السورية واستقطاباتها الإقليمية والدولية: دراسة فى معادلات القوة والصراع على سوريا”، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، مارس 2015

[92] “تطور الموقف الأمريكى من النظام السورى: من دعوات الإصلاح إلى التفاوض”، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، إبريل 2015

[93] سنية الحسينى، مرجع سابق

[94] مايسة محمد مدنى، التدخل الروسى فى الأزمة السورية، مجلة كلية الاقتصاد العلمية، كلية الدراسات الاقتصادية، العدد الرابع، جامعة النيلين، السودان، يناير 2014

[95] سورية تاريخ وثورة، مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية، يناير 2016

[96] مروان قبلان، مرجع سابق

[97] المسألة السورية: سؤال المصير والمستقبل والحراك الشعبى فى سورية، موقع “جدلية”، تاريخ الإطلاع 2مايو 2016، يمكن الإطلاع على المقال عن طريق الرابط التالى   http://www.jadaliyya.com/pages/index/18425/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9

[98] مايسة محمد مدنى، مرجع سابق

[99] دلالات الموقف الأمريكى من الانخراط العسكرى الروسى فى سوريا، المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية، أكتوبر 2015

[100] سنية الحسينى، مرجع سابق

[101]  يزيد صايغ، موقف الصين حيال روسيا، مركز كارنيجى للشرق الأوسط، فبراير 2012

[102] يزيد صابغ، مرجع سابق

[103] عبد الجليل زيد، الصين والمسألة السورية (مقال رأى)، موقع الجزيرة. نت، تاريخ الإطلاع 17 مارس 2016 ، يمكن الإطلاع عليه من خلال الرابط التالى http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2015/1/19/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9

[104] محمد سعد أبو عامود، الصين تقتحم الأزمة السورية، مركز الخليج للدراسات، إبريل 2016

[105] يزيد صابغ، مرجع سابق

[106] دلالات الموقف الأمريكى من الانخراط العسكرى الروسى فى سوريا، المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية، أكتوبر 2015

[107] د. خضر عباس عطوان، “مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2004

[108] – يوسف ميخائيل يوسف، “الصراع الصينى- الأمريكى فى منطقة جنوبى شرقى آسيا”(1954-1972)، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 1981

[109] محمود خليفة جودة محمد، “أبعاد الصعود الصينى فى النظام الدولى وتداعياته” (1991-2010)، المركز الديمقراطى العربى، إبريل 2014

[110] – محمد عطية محمد ريحان، “التجربة الاقتصادية الصينية وتحدياتها المستقبلية”، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الأزهر، غزة 2012

[111]

William S.Cohen, SMART POWER IN U.S.- CHINA RELATIONS,CSIS Commission on China, March 2009.

[112] هناء عبيد، العلاقات الأمريكية – الصينية بين موازين التجارة وحقوق الإنسان، السياسة الدولية ، العدد117، يوليو1994، ص 251- 253

[113] Robert B. Zoellick, “Whither China: From Membership to Responsibility?”, NBR Analysis, volume 16, number 4, December 2005

[114] The Balance Sheet China: What the World needs to know about the Emerging Superpower, Public Affairs, New York, 2006, Pages (9-12)

[115]

WU Xinbo, CHINA AND THE UNITED STATES: CORE INTERESTS, COMMON INTERESTS AND PARTNERSHIP, Special Report,United States Institute of Peace, June 2011.

[116] – رشا أحمد الديسطى، “الدور الصينى فى النظام الإقليمى لدول جنوب شرق آسيا”(1991-2008)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 2012

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم