الرئيسية / الشرق الأوسط / هل جرابلس بداية لإقامة “منطقة آمنة” في سوريا رغم الخلاف الأمريكي – التركي ؟

هل جرابلس بداية لإقامة “منطقة آمنة” في سوريا رغم الخلاف الأمريكي – التركي ؟

-المركز الديمقراطي العربي – عمار شرعان

تعمل الولايات المتحدة وتركيا على بناء “تحالف مصالح” بينهما للتعامل مع النزاع في سوريا والتعاون لاقامة منطقة خالية من تنظيم الدولة الاسلامية، على الرغم من الخلافات بينهما في السياسة الواجب اعتمادها حيال المقاتلين الاكراد.

وفتحت انقرة قاعدة انجرليك الجوية في جنوب تركيا لطائرات الائتلاف الدولي بقيادة اميركية. كما نفذت بدورها غارات جوية ضد التنظيم واعتقلت عناصر يشبه بانتمائهم الى صفوفه في تركيا.

لكن محللين يعتبرون ان هذا التحالف محفوف بتناقضات محتملة نابعة بشكل رئيسي من تركيز تركيا على استهداف الاكراد وامتناع واشنطن عن التحالف مع الكتائب الاسلامية على الارض.

واستهدفت معظم الغارات التركية في اطار “الحرب على الارهاب” قواعد تابعة لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض منذ عقود طويلة تمردا في جنوب شرق تركيا ولديه قواعد خلفية في شمال العراق.

ويشكل تصاعد نفوذ حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي في سوريا وجناحه المسلح، وحدات حماية الشعب الكردية، مصدر قلق رئيسي لتركيا التي تعتبره فرعا لحزب العمال الكردستاني.

ويقول هنري باركي، مدير برنامج الشرق الاوسط في مركز ودرو ويلسون الدولي للابحاث في واشنطن “تلك العلاقة العميقة بين الولايات المتحدة ومجموعة كردية تسعى في نهاية المطاف الى اقامة حكم ذاتي في سوريا تخيف تركيا بالفعل”.

ولعل اسوأ كوابيس انقرة هو قيام منطقة ذات حكم ذاتي كردي في سوريا يسميها الاكراد “روج آفا” أي غرب كردستان بالكردية، شبيهة بإقليم كردستان في شمال العراق. وتخشى ان يغذي ذلك مجددا الطموحات الانفصالية لدى اكراد تركيا.

وغضت الولايات المتحدة من جهتها نظرها عن التركيز التركي على الاكراد، واصفة انقرة بـانها “شريك اساسي” في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية. واعتبرت ان لديها الحق في “الدفاع عن نفسها” ضد حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه واشنطن كمنظمة ارهابية.

ويقول آرون شتاين من مركز “اتلانتيك كاونسيل” للابحاث ومقره واشنطن “تخشى تركيا من انشاء حزام كردي يمتد على اطول حدودها البرية، ما من شانه ان يعيق قدرتها على الوصول الى معظم سوريا”.

واتهم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اكراد سوريا بالسعي الى “تشكيل ممر من اقصى الشرق الى البحر المتوسط” مضيفا “لن تسمح تركيا بلعبة الارهابي الجيد والارهابي السيء. فالارهابي هو ارهابي”، في اشارة الى عدم التمييز بين الجهاديين والمقاتلين الاكراد.

ويرى الباحث في مجلس العلاقات الدولية ستيفن كوك ان “سعي أنقرة لإقامة منطقة امنة في شمال سوريا يبدو متعمدا للتاكد من عدم قدرة اكراد سوريا على استثمار مكاسبهم الميدانية في المعارك ضد تنظيم الدولة الاسلامية لإقامة حكم ذاتي”.

قال قادة في الجيش السوري الحر أن إعادة تأهيل مدينة جرابلس شمال شرقي محافظة حلب عقب انسحاب تنظيم “داعش” الإرهابي منها أمس الأربعاء، تشكل أولوية بالنسبة لهم، مؤكدين أن ذلك سيتم بدعم من الجانب التركي الذي تعهد لهم بتقديم كل ما يمكن في هذا الصدد.

دفعت تركيا بمزيد من الدبابات إلى شمال سوريا يوم الخميس وطالبت المقاتلين الأكراد هناك بالانسحاب من المنطقة خلال أسبوع في محاولة لتأمين المنطقة الحدودية وطرد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في أول توغل كبير لها في جارتها.

ودخلت قوات تركية خاصة تدعمها الدبابات والطائرات إلى جرابلس يوم الأربعاء أحد آخر معاقل الدولة الإسلامية على الحدود التركية-السورية في هجوم تدعمه الولايات المتحدة. وسمع دوي إطلاق النار وانفجارات في التلال المحيطة بالمنطقة يوم الخميس.

وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ومسؤولون حكوميون كبار إن هدف “عملية درع الفرات” هو منع وحدات حماية الشعب الكردية السورية من السيطرة على مزيد من الأراضي من خلال ملء الفراغ الذي يخلفه خروج الدولة الإسلامية قدر استهداف العملية طرد عناصر التنظيم المتشدد نفسه.

وطالبت تركيا – وهي عضو في حلف شمال الأطلسي وصاحبة ثاني أكبر قوات مسلحة فيه – بانسحاب وحدات حماية الشعب إلى الضفة الشرقية من نهر الفرات خلال أسبوع. وكانت القوات الكردية قد تحركت غرب الفرات في وقت سابق من هذا الشهر في إطار عملية مدعومة من الولايات المتحدة لاستعادة السيطرة على مدينة منبج من الدولة الإسلامية وهي العملية التي اكتملت.

وترى أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية تهديدا لها بسبب صلاتها الوثيقة بالمسلحين الأكراد الذين حاربوها على مدى ثلاثة عقود على أراضيها. كانت المكاسب التي حققتها الوحدات في شمال سوريا أثارت قلق تركيا منذ بدء الحرب الأهلية في 2011 خشية أن تمتد السيطرة الكردية عبر الحدود وتغذي طموحات المسلحين الأكراد داخل تركيا.

ووضع ذلك تركيا في موقف مخالف لموقف واشنطن التي ترى الوحدات كحليف لها في الحرب على الدولة الإسلامية. والوحدات أحد أقوى الجماعات المسلحة في سوريا وتعد العمود الفقري لتحالف قوات سوريا الديمقراطية المدعوم من الولايات المتحدة والذي تشكل في أكتوبر تشرين الأول لمحاربة الدولة الإسلامية.

وقال وزير الدفاع التركي فكري إيشق إن منع حزب الاتحاد الديمقراطي – الجناح السياسي لوحدات حماية الشعب الكردية – من توحيد الأقاليم الكردية شرقي جرابلس مع تلك الموجودة في الغرب هو أولوية لبلاده.

وقال في مقابلة مع قناة (إن.تي.في) التركية “يجب القضاء بالكامل على الدولة الإسلامية هذا له أهمية مطلقة. لكن ذلك ليس كافيا بالنسبة لنا… حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية لا يجب أن تحل محل الدولة الإسلامية هناك.”

وأضاف “الحلم الأكبر لحزب الاتحاد الديمقراطي هو توحيد الأقاليم الغربية والشرقية. لا يمكننا أن نترك ذلك يحدث.”

صرحت مصادر بوزارة الخارجية التركية بأن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أبلغ نظيره التركي مولود تشاووش أوغلو هاتفيا يوم الخميس بأن وحدات حماية الشعب الكردية السورية تتراجع إلى شرق نهر الفرات كما طلبت تركيا.

وقال متحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية إن قوات سوريا الديمقراطية انسحبت عبر نهر الفرات لكنها قامت بذلك “للاستعداد لعملية التحرير في النهاية” للرقة المعقل الرئيسي للدولة الإسلامية في شمال سوريا.

وقال إيشق إن الانسحاب لم يكتمل بعد وإن واشنطن أعطتهم تطمينات بأن ذلك سيحدث الأسبوع المقبل.

وقال “نراقب ذلك عن كثب… إذا لم ينسحب حزب الاتحاد الديمقراطي إلى شرق نهر الفرات فسيكون لدينا الحق في فعل كل ما بوسعنا حيال ذلك.”

وخلال زيارة إلى تركيا يوم الأربعاء حاول نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن تهدئة المخاوف التركية بشأن المكاسب الكردية على الأرض في سوريا.

وقال بايدن إن سوريا يجب أن تبقى موحدة ولا يجب أن يكون هناك كيان كردي منفصل في شمال سوريا. وأضاف بايدن أن المقاتلين الأكراد في سوريا لن يتلقوا دعما أمريكيا إذا لم ينسحبوا إلى شرق نهر الفرات كما وعدوا.

والهجوم هو أول عملية عسكرية تركية كبرى منذ أن هزت محاولة انقلاب فاشلة في 15 يوليو تموز الثقة في قدرة تركيا على تصعيد حملتها ضد الدولة الإسلامية. كما يأتي الهجوم بعد أربعة أيام من تفجير انتحاري يشتبه في صلاته بالجماعة أسفر عن مقتل 54 شخصا في حفل زفاف في مدينة غازي عنتاب جنوب شرق تركيا.

كما يأتي الهجوم في فترة تعد اختبارا للعلاقات التركية الأمريكية. ويريد إردوغان من الولايات المتحدة تسليم فتح الله كولن رجل الدين التركي الذي يعيش في منفى اختياري في ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ 17 عاما ويلقي عليه اللوم في تدبير محاولة الانقلاب الشهر الماضي.

وذكر مسؤول تركي كبير أن هناك الآن أكثر من 20 دبابة تركية داخل سوريا وأنه سيتم إرسال دبابات إضافية ومعدات تشييد إن تطلب الأمر. ورأى شاهد من رويترز تسع دبابات تركية على الأقل تدخل شمال سوريا يوم الخميس وعشر دبابات أخرى تنتظر خارج نقطة حدودية عسكرية على الجانب التركي.

وقال المسؤول “نحتاج معدات التشييد لفتح طرق… وربما نحتاج المزيد في الأيام القادمة. لدينا أيضا حاملات جند مدرعة يمكن استخدامها على الجانب السوري. وقد نستخدمها حسب الحاجة.”

وقال إردوغان يوم الأربعاء إن الدولة الإسلامية طُردت من جرابلس التي يسيطر عليها الآن مقاتلو المعارضة السورية من العرب والتركمان.

وكتب إبراهيم كالين المتحدث باسم إردوغان في تغريدة على تويتر “أسطورة أن وحدات حماية الشعب الكردية هي القوة الوحيدة الفاعلة في قتال الدولة الإسلامية انهارت” مما يعكس خيبة أمل السلطات التركية من التعاون الوثيق بين واشنطن والقوات الكردية.

وقال صالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري في تغريدة على موقع تويتر يوم الأربعاء “تركيا ستخسر في مستنقع سوريا مثل الدولة الإسلامية.” وقال ريدور خليل المتحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردية إن التدخل العسكري التركي في سوريا “اعتداء سافر على الشؤون الداخلية السورية.”

وقالت مصادر في المعارضة السورية يوم الخميس إن مقاتلي المعارضة السورية الذين انتزعوا السيطرة على جرابلس من الدولة الإسلامية في عملية مدعومة من تركيا تقدموا لمسافة تصل إلى عشرة كيلومترات جنوبي المدينة الحدودية.

ويقدر عدد سكان مدينة جرابلس والقرى المحيطه بها بحوالي 90 ألف نسمة نزح أغلبهم مع سيطرة داعش عليها في سبتمبر/ أيلول 2013.

وأطلقت وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي والقوات الجوية للتحالف الدولي،  حملة عسكرية في جرابلس، أطلقت عليها اسم “درع الفرات”، تهدف إلى تطهير المدينة والمنطقة الحدودية من المنظمات الإرهابية، وخاصة تنظيم “داعش” الذي يستهدف الدولة التركية ومواطنيها الأبرياء.

كما تهدف العملية إلى منع حدوث موجة نزوح جديدة من سوريا، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في المنطقة، فضلًا عن إيلاء الأولوية لوحدة الأراضي السورية ودعمها.

وتخشى تركيا أن تؤدي المكاسب التي حققتها وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا بمساعدة قصف جوي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى تشجيع النزعة الانفصالية بين الأكراد الأتراك وتقوية شوكة حزب العمال الكردستاني.

ووفق تقارير صحافية، فإن المنطقة الامنة المقترحة ستمتد لنحو مئة كيلومتر على طول الحدود السورية التركية من مدينة جرابلس على نهر الفرات شرقا الى مدينة اعزاز غربا. وكالات

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى