الرئيسية / عروض كتب / الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية و أبعادها الاقتصادية
الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية و أبعادها الاقتصادية
اقتصاد

الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية و أبعادها الاقتصادية

إعدادالباحث : محمد العربى – المركز الديمقراطي العربي

كتاب للدكتور: أشرف منصور
عندما انفجرت الأزمة المالية الحالية و امتدت تداعياتها لتتحول إلى أزمة اقتصادية شاملة لها آثارها الاجتماعية و السياسية، أشارت العديد من التحليلات إلى الأسياب الاقتصادية المباشرة للأزمة المتمثلة فى نظام الإقراض العقارى المعمول به فى الولايات المتحدة، و دور البنوك المتزايد فى تدوير الاقتصادية و غيرها من الأسباب التى خاض فى ذكرها محللو الاقتصاد، و لكن قليلة هى التحليلات التى عزت الأزمة إلى خلل فكرى و أخلاقى فى بنية الاقتصادى الرأسمالى المعاصر، فرغم أن هذه الأزمة المستمرة حتى الآن هى جزء من الأزمات الدورية التى يتعرض لها الاقتصاد الرأسمالى بصورة عامة إلا أن لها جذور فكرية تتمثل فى طبيعة النظام الليبرالى الرأسمالى الداعى إلى حرية الأسواق و عدم و جود رقابة من قبل الدولة عليه و فى أحسن الأحوال تهميشها إلى أبعد الحدود و كذلك فى طبيعة النسق الأخلاقى لليبرالية المتمحورة حول الدوافع الفردية نحو تحقيق الربح الخاص دون انتاج حقيقى يضيف إلى المجتمع و يخدمه، و تعد السياسات التى تم اعتمادها فى الولايات المتحدة و عرفت ب”الريغانية” و فى بريطانيا و عرفت ب” الثاتشرية” و التى أرست لهذه الأسس الفكرية سياسياً و اقتصادياً منذ الثمانينيات تنويعاً على المذهب الفكرى المعروف ب”الليبرالية الجديدة” الذى يعطى مبررات لهذه السياسات التى سرعان ما أصبحت الأساس الذى يقيم عليه البنك الدولى و غيره من المؤسسات الاقتصادية الوصفات العلاجية لاقتصاديات الدول النامية فى العالم الثالث، و يناقش الدكتور أشرف منصور أستاذ الفلسفة بجامعة فى هذا الكتاب الجذور الفكرية لليبرالية الجديدة من خلال مناقشة أسسها الفكرية التى تبدأ بفلسفة هوبز و لوك و تطبيقات هذه الفكر اقتصادياً، و تعتمد هذه المناقشة على شرح الأطروحات الفكرية لفلاسفة الليبرالية و نقدها بطرح بشرح المقولات المناهضة و البديلة لها، و الكتاب إن كان جهداً نظرياً بالأساس إلا أنه لا يخلو من إشارات واقعية عن التطبيقات الفعلية الكلية و الجزئية للفلسفة الليبرالية الاقتصادية.

غالباً ما يرتبط الحديث عن “الليبرالية” بمفاهيم الحرية السياسية و القدية و حرية الاقتصاد، أى مفاهيم تقدمية تستهدف ممارسة الأفراد لحقوقهم و حرياتهم الطبيعية، و لكن الكاتب يرى أن الليبرالية كأى مذهب فكرى يرتبط ظهوره و ذيوعه بظروف و مصالح اجتماعية و اقتصادية فى فترة تاريخية معينة، فالليبرالية لم تكن وليدة جهد فكرى هدفه إعادة تنظيم الواقع بقدر ما كانت تعبر عن رؤية البورجوازية للإنسان و المجتمع، و على هذا لا يمكن فهم النظرية الليبرالية بدون فهم للظروف التاريخية التى ولدت فيها، و من هذا المنطلق يخوض الكاتب فى شرح و مناقشة نقدية للنظرية الليبرالية السياسية و الاجتماعية و أسسها التى أرسيت من خلال توماس هوبز و جون لوك فى القرنين السادس و السابع عشر و دارت حول السيكولوجية الفردية و أسبقية الأفراد على المجتمع و العقد الاجتماعى، و حالة الطبييعة الأولى، و عودة هذه الافتراضات مرة أخرى فى القرن العشرين من خلال الليبرالية الجديدة و مقولاتها التى صاغها رولز و هايك و نوزيك، و يخلص من خلال مقولات النقد الماركسى إلى أن الحقوق و الحريات الطبيعية باعتبارها أفكاراً تقدمية ليبرالية تم اختزالها لتنحصر فى حق الملكية الاستحواذية و المساواة فى الاستهلاك و أمام سلطة رأس المال، و قد أسست هذه الأفكارلوضع المجتمع كملحق للسوق، و رأت أنه من صنع الأفراد و ليس إلا مجموعهم و تعبيراً غير مشخص أو مستقل عن إراداتهم المجتمعة و هو ما يعرف بالنظرة الذرية للمجتمع حيث يبدو كل فرد فيه ذرة منفصلة عن غيرها، و هو ما يجعل الأفراد فى مواجهة مباشرة مع الدول حيث تهمش الأسرة أو المؤسسة الدينية أو التجمعات المهنية كوسيط بين الفرد و الدولة، الأمر الذى يجعل الفرد فريسة للسلطة و لأصحاب المصالح الذين يديرونها تبعاً لمصالحهم النابعة من المصلحة الفردية المحظة التى يرى أصحاب هذا الاتجاه تبريرها بأن تحقيقها هو بالضرورة يحمل مصلحة المجتمع ككل.
يسوق الكاتب مقولة هيغل الشهيرة أن الفلسفة هى عصرها ملخصاً فى الفكر كأساس لدراسة الفكر الاقتصادى الكلاسيكى الذى دشنه آدم سميث باعتباره الفرع الاقتصادى للفكر الليبرالى، و يرى أنه بالنظر إلى عصر سميث و دوافعه وراء كتابة “ثروة الأمم” نجد أن فكر سميث قد أقحم إقحاماً باعتباره تبريراً أيديولوجياً للاحتكار الذى يتولد عن حرية الأسواق غير المقيدة، فحرية الأسواق التى دعا إليها سميث كانت بالأساس للحد من احتكار شركة الهند البريطانية لأسواق مستعمرة الهند، و هو الأمر الذى رأه سميث خطراً يتهدد السيادة البريطانية هناك، فدعا إلى دخول شركات بريطانية إخرى إلىهذا السوق الاستعمارى فى إطار من التنافسية لا الاحتكار، كما أن سميث رأى أن الحرية هى لعنصر التبادل التجارى للسلع و كانيرى أن هذا العنصر غير مضيف فى العملية الانتاجية كما هو حال العمل ورأس المال و الأرض، لذا دعا إلى حريته كى للا يتسبب تقييده إلى ظهور احتكارات ترفع من الأسعار لعدم وجود منافسين و على هذا رأى سميث أن توضع شركة الهند البريطانية تحت رقابة حكومة لندن أو حتى تأمم! و فى هذا درء للقول أن سميث دعا إلى دولة حارسة مطلقة فوجود مؤسسات الدولة و إشرافها على الاقتصاد جزء أصيل فى نظريته، و هو ما اتضح أكثر فى إسهام ديفيد ريكاردو الذى كانت أفكاره بداية علمية لكثير من الرؤية الماركسية الناقضة للاقتصاد البورجوازى.

و على نفس الأساس السابق يفسر الكاتب ظهور المدرسة النمساوية فى الاقتصاد، و التى تشابهت ظروف وجودها مع صعود الليبرالية الجديدة، فقد عرفت أوروبا خاصة الامبراطوريتين النمساوية و الألمانية قبل نهاية القرن التاسع عشر نموذجاً فى الاقتصاد يتقارب إلى حد بعيد لنموذج “دولة الرفاه” الذى ساد فيما بعد الحرب العالمية الثانية فى بريطانيا و الولايات المتحدة على أساس أفكار جون مينارد كينز بعد أزمة الكساد الكبير و آثار الحرب المدمرة، و فى هذا النموذج كانت الدولة رعوية و متدخلة و مشرفة على العملية الاقتصادية، و جاءت المدرسة النمساوية التى رأت فى نفسها امتداداً للفكر الكلاسيكى لتناهض تدخل الدولة و سيطرتها على الاقتصاد من خلال نظريات كارل مانغر و فابرك عن المنفعة الحدية و سيادة المستهلك، و أساليب ترييض الاقتصاد، و لتعطى الرأسمالية مبرراً لتخفيض قوة العمل و نشر النزعة الاستهلاكية سعياً وراء الربح الخاص للرأسمالى المحتكر، و قد انتقلت هذه المدرسة و أفكارها إلى بريطانيا و الولايات المتحدة عن طريق هجرة بعض مفكريها مثل فريدريك هايك، و قد حمل هايك معه نظريات فابرك و مانغر و لكن فى العصر الذى سادت فيه الكينزية و أثبتت نجاحتها فاتجه هايك إلى تبرير النظرية الاقتصادية التى صارت تعرف بالنيوكلاسيكية من خلال الفلسفة و علم الأخلاق، و كتب هايك عدة كتب فى هذا الإطار مثل “الطريق إلى العبودية” و”دستور الحرية” و ” القانون و التشريع و الحرية”، و دعا فى هذه الأعمال إلى رفع الدولة يدها عن السوق بدعوى أنه لا يمكن الإلمام بواقعه و أن هناك نظام خفى يخدمه الجميع الأفراد مستهلكين و منتجين و رأسماليين، هذا النظام لا يحيط به إدراك و لا يستطيع التوصل إلى أهدافه و وجهته، لذا لا يمكن التدخل فى عمله، و على هذا يصف الكاتب هذه الآراء بالاأدرية و الشك و الذى تمتد جذوره إلى فكر هيوم و بايلى، و هايك بهذا ينفى وجود معرفة إنسانية، فما نعرفه هو مجرد معلومات ذرية لا رابط بينها و لا تقيم نسقاً متكاملاً، و هذه عدمية لا مراء فيها و هدفها الوحيد تبرير فلسفة السوق و نظامه لصالح الجشع الرأسمالى.

فى الوقت الذى سادت فيه النزعة الفردية و الآلية و العلوم فى القرن التاسع عشر، حاول الفرنسى إميل دوركايم الخروج من ربقة هذه الفردية الذرية بإعادة تنظيم علم الاجتماع على أساس اجتماعى، فانتقد دوركايم الأساس الفلسفى لليبرالية مؤكداً من خلال القراءة التاريخية النقدية أسبقية المجتمع على الأفراد و وجود شخصية معنوية مستقلة له عن أفراده، و يقول الكاتب أن نظرية التساند العضوى التى قدمها دوركايم تعتبر بديلاً عن أفكار هوبز و لو ك و هربرت سبنسر عن تلقائية النظام الاجتماعى و الاقتصادى، فالنظام لا يوجد و يعمل تلقائياً و إنما من خلال تقسيم العمل و التخصص الوظيفى بصورة غير مقصودة بين الأفراد، لكنه أكد على ضرورة أن يسيطر المجتمع على أساليب عيشه و لا يخضع أفراده لقوة عمياء يتصورون أنها تعمل تلقائياً، و من ثم يقترب دوركايم بفكره من الاشتراكيين و يدعو اشتراكية نقابية تحمى المجتمع باعتباره تجمعاً للحرفيين و العمال و المهنيين من سيطرة رأس المال.

و يتقاطع علما الاقتصاد و الاجتماع بصورة واضحة، و يمثل الأمريكى ثورشتاين فابلن مثالاً حيوياً لهذا التقاطع، ففابلن الذى اشتهر بكتاب “نظرية الطبقة المترفة”ساهم بصورة واضحة فى نقد الأسس الفكرية و الاجتماعية للاقتصاد الليبرالى النيو كلاسيكى و المدرسة الحدية على وجه الخصوص، فقد أكد فابلن و خلافاً للحديين أن سلوك الأفراد الاقتصادى لا ينبع من مجرد التفضيلات الفردية لهم، إذ أن المؤسسة الاجتماعية و الاقتصادية تلعب الدور الأكبر فى صياغة هذه التفضيلات و بالتالى يركز على أسبقية المجتمع على الأفراد اقتصادياً، و رأى فابلن أن النظام الاقتصادى الرأسمالى قد وضع الحق فى الملكية فى المركز من قيمه نظراً لأن البورجوازية كانت تمتلك و تعمل فىما تملك، و لكن بتطور النظام انفصلت الملكية عن العمل و أصبحت غيابية أى أن المالكين لا يعملون و يحوزون على العائد من أملاكهم، و كما يضع ماركس الطبقة العاملة فى وجه البورجوازية المالكة، فإن فابلن يضع عمال المعرفة التقنية من المهندسين و الخبراء فى مواجهة رجال الأعمال الذين يقتصر عملهم على الإدارة و إبرام الصفقات سعياً للربح دون المشاركة فى العمل و من ثم ينادى فابلن بتمكين الخبراء و التقنين، و هو ما رأى فيه الكاتب عودة للفكر الاشتراكى إلى سيرته الأولى السانسيمونية، على أن فابلن انتقد أيضاً امتداد أساليب السوق و هيمنتها على الحياة السياسية فى الولايات المتحدة، فأصبحت خاضعة لأساليب تجارة التجزئة، و أصبح الساسة يبيعون خدماتهم للمواطنين كما لو كانوا يقدمون سلعة،كما أن الدولة نفسها أصبحت أداة فى يد رجال الأعمال و مصالحهم و “لكنها تصور هذه المصالح على أنها مصالح الأمة”، و يركز الكاتب أيضاً على نقد فابلن للطبقة المترفة الناتجة عن الملكية الغيبابية، و كيفية انتقال هذه القيم من هذه الطبقة إلى الطبقات الأدنى منها بفعل التقليد و السعى للالتحاق بها، و هذه الاتجاهات كما تنتقل من هذه الطبقة إلى الطبقات الأخرى فإنها تنتقل من العالم المتقدم إلى العالم النامى بفعل العولمة و السوق الاستهلاكية الشرسة.

فى بداية الفصل الأخير من الكتاب يورد الكاتب جزءً من تقرير البنك الدولى عن التنمية عام 2002 و الذى صدر بعنوان “بناء المؤسسات من أجل الأسواق” و يقول أن هذا التقرير و أشباهه من التقارير التى تضع وصفات للإصلاح الاقتصادى تعبير بليغ عن فلسفة الليبرالية الرأسمالية التى تضع المجتمع تابعاً لتفاعلات السوق، فالتقرير بؤكد أن الإصلاح يعتمد على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة و المجتمع للتكيف مع مؤسسة السوق التى لا تخضع لأى رقابة بدعوى حريتها، و يرى فى هذا التقرير إقراراً من البنك الدولى الذى يصفه ب”بنادى القمار الدولى” أن ذاتية و تلقائية حركة ما هى إلا خرافة، فالتقرير يقوم بالأساس على فعل الدولة و قيامها بإعادة نفسها أى أنه لا إصلاح فى أى اتجاه بدون الدولة، و يستدعى فى هذا الصدد مقولات عدد من المفكرين الإنكليز مثل كارل بولانى و هارولد لاسكى الذين أكدوا على أن الرأسمالية و ليبرالية الاقتصاد لم تتم تاريخياً بشكل تلقائى بل أن الدولة قامت بالتخطيط و الترتيب لها، و ذلك بنزع ملكية الاقطاعات و إعادة توزيعها على أصحاب المصالح و تحويلها العمال الزراعيين و الأقنان إلى عمال “بروليتاريا”، أى أن الدولة حاضرة فى كا عملية اقتصادية حتى لو ادعت الغياب و حرية الاقتصاد فهى دائماً توجه الأمور لخدمة أصحاب المصالح الذين يربطون مصالحهم بالنخبة السياسية لتقوم هذه بتكيف قرارات الدولة حسب هذه المصالح، أو يختصر أصحاب المصالح الطريق ليقوموا هم أنفسهم بالحكم فتكون الدولة جهازاً إدارياً ملحقاً بأعمالهم.

مكتبة الأسرة 2008.

Share Button

عن المركز الديمقراطى العربى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


three + 6 =

إلى الأعلى
 

Please log in to vote

You need to log in to vote. If you already had an account, you may log in here

Alternatively, if you do not have an account yet you can create one here.

Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On PinterestVisit Us On LinkedinCheck Our Feed