الدراسات البحثيةالعسكرية

المؤسسة العسكرية التركية ودورها في عملية صنع القرار السياسي الخارجي

اعداد الباحث : محمد كريم جبار – المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة :

يعالج البحث دور المؤسسة العسكرية التركية وأثرها الواضح في صنع القرار السياسي الخارجي من خلال قيامها بمجموعة من الانقلابات العسكرية مبررة ذلك بأنها كانت حفاظا ً على النظام الجمهوري والذي أقامه أتاتورك في عام 1923 وبالتالي كان تدخل الجيش في الحياة السياسية نتيجة الحفاظ على العملية الديمقراطية وانه بذلك يكون عامل موازن للأطراف السياسية من خلال إعادة تصحيح مسار الحركة والعملية الديمقراطية وتسليمها إلى المدنيين واعتبار ذلك من الأمور المسّلم بها وهذا يدل على قوة المؤسسة العسكرية والتي كانت تدير دفة الحكم حتى وان كانت بصورة غير مباشرة عبر استحداث مجالس مثل مجلس الأمن القومي التركي والذي كان له أعظم الأثر في عملية صنع القرار السياسي التركي وكذلك إعداد دساتير هدفها تعزيز الحكم المدني والديمقراطي وان كان بطريق عسكري وبهذا فأن المؤسسة قد أدت دورا ً مؤثرا ً وبارزا ً في عملية صنع القرار السياسي التركي .

أهمية الدراسة :-

تكمن أهمية الدراسة في كونها تعالج موضوع المؤسسة العسكرية التركية ودورها البارز في عملية صنع القرار السياسي التركي باعتبارها إحدى المؤسسات الرسمية الفاعلة في توجيه الأحداث لمصلحتها وذلك من خلال تدخلها لحماية النظام الجمهوري التركي الذي أسسه أتاتورك عام 1923 وقيام المؤسسة العسكرية بالعديد من الانقلابات تأسيسا ً لهذه الغاية .

هدف الدراسة :-

هدفت الدراسة إلى توضيح الدور الفعال والبارز للمؤسسة العسكرية وذلك من خلال التدخل بشكل مباشر في الحياة السياسية وتوظيفها مؤسسات الدولة لإحكام سيطرتها على مقاليد السلطة من خلال إظهارها بمظهر المدافع عن قيم ومبادئ النظام  الجمهوري .

 

إشكالية الدراسة :-

انطلقت إشكالية البحث من تساؤل رئيسي مفاده : هل استطاعت المؤسسة العسكرية التركية أن تؤدي دورا ً فاعلا ً وبارزا ً ومؤثرا ً في عملية صنع القرار السياسي الخارجي التركي ؟ .

وهذا التساؤل يقودنا إلى طرح أسئلة فرعية متصلة بالتساؤل الرئيسي للبحث ومنها :

  • ما هو سبب تدخل الجيش التركي في الحياة السياسية ؟
  • وما هي أبعاد تدخله في عملية صنع القرار السياسي ؟
  • وعن أسباب إنشاء المؤسسة العسكرية لمجلس الأمن القومي التركي باعتباره من أهم مؤسسات صنع القرار في تركيا ؟

فرضية الدراسة :-

اعتمدت الفرضية في البحث عن دور بارز ومؤثر للمؤسسة العسكرية التركية في عملية صنع القرار السياسي الخارجي التركي من خلال قيامها بالتدخل مباشرة في العملية السياسية باعتبارها حامية للمبادئ الديمقراطية والتي كانت أساس قيام الجمهورية والتي أسست عام 1923 .

منهجية الدراسة :-

تم اعتماد المنهج التاريخي لوصف الأحداث التاريخية ودور المؤسسة العسكرية التركية في النظام التركي وكذلك تم اعتماد المنهج التحليلي لبيان ومعرفة هذا الدور الذي اضطلعت به المؤسسة العسكرية التركية والمنهج الوظيفي لمعرفة أبعاد دور المؤسسة العسكرية التركية في عملية صنع القرار السياسي الخارجي التركي .

هيكلية الدراسة :-

لقد تم تقسيم البحث إلى مبحثين رئيسيين ، تضمن المبحث الأول منه ثلاثة مطالب  الأول منها تناول الإطار المفاهيمي لعملية صنع القرار السياسي الخارجي بينما بيّن المطلب الثاني نماذج صنع القرار السياسي الخارجي ووضح المطلب الثالث المراحل التي يتم من خلالها عملية صنع القرار السياسي الخارجي .

وفي المبحث الثاني فقد تم تقسيمه إلى مطلبين اثنين تناول الأول منه الفاعلون في صنع القرار السياسي الخارجي التركي بينما وضح المطلب الثاني منه المؤسسة العسكرية التركية وتأثيرها في عملية صنع القرار السياسي ثم خاتمة للبحث .

المبحث الأول : عملية صنع القرار السياسي الخارجي

  • المطلب الأول :إطار مفاهيمي لعملية صنع القرار السياسي الخارجي

يستحوذ مفهوم القرار وعملية صنعه باهتمام متزايد من قبل الباحثين والمهتمين في العلوم الاجتماعية ، ولهذا فان عملية صنع القرار السياسي أصبحت تصنع على مراحل متعددة قبل أن يطبق على ارض الواقع وبهذا تعد عملية صنع القرار مدخلا ً لدراسة الأنظمة السياسية والتي يصنع فيها القرار السياسي .

فالقرار السياسي هو جزء من سياسة الدول التي تتخذها نتيجة أحداث تمر بها تلك الدول تتطلب اتخاذ قرار بشأن حدثا ً ما استجد في تفاعلاتها الدولية .

فالقرار هو عملية إدراكية إنسانية تشمل الظواهر الفردية والاجتماعية وتستند إلى حقائق مفترضة تؤدي إلى الوصول إلى حالة ما (1) وبما إن السياسة تعرف بسلوكية الدولة تجاه محيطها الخارجي نحو دولة أو وحدات في المحيط الدولي الخارجي من غير الدول مثل المنظمات الدولية وحركات التحرير أو نحو قضية معينة ، فأن القصد منه هو التفاعلات المتعلقة بعملية صنع القرار الخارجي أو تحويل الهدف العام للدولة إلى قرار محدد (2) .

فالقرار في اللغة هو ما قر عليه الرأي في مسألة فيقال صار الأمر الآن قرار أي انتهى وثبت القرار المستقر في الأرض والقرار من قرر أي جعل الشيء هي قراره وكلمة القرار تعني أيضا ً القطع أي قطع عملية التفسير وهي بذلك عملية اختيار تقود إلى عمل معين (3) .

 

  • نقلا ً عن معتز إسماعيل الصبيحي ، صنع القرار السياسي في العراق والديمقراطيات التوافقية ، دراسة عن الديمقراطيات التوافقية في سويسرا وبلجيكا وايرلندا الشمالية ولبنان ، دار الكتب العلمية ، ط 2015 ، ص 11 .
  • احمد عارف الكفارنة ، العوامل المؤثرة في عملية اتخاذ القرار في السياسة الخارجية ، مجلة دراسات دولية ، العدد 42 ، ص 17 .
  • قتيبة مخلف عباس السامرائي ، آليات الأنظمة السياسية في صناعة القرار السياسي . مجلة سر من رأى ، المجلد 4 ، العدد 10 ، السنة الرابعة ، 2008 ، ص 57 . (1)

وتعد عملية صنع القرار عملية متلازمة لجميع الأنظمة السياسية على الرغم من الاختلاف في توجهاتها ومستوياتها وسواء كانت تلك الأنظمة ديمقراطية أم مستبدة ومهما كانت الأيديولوجية التي تعتنقها (1) وقد وضع ريتشارد سنايدر تعريفا ً لعملية صنع القرار وهي : العملية التي تنتج عن اختيار بديل من بين البدائل للوصول إلى حالة يريدها متخذ القرار (2) أو إنها أي عملية صنع القرار : أنها التوصل إلى صيغة عمل معقولة من بين بدائل عدة منافسة وكل القرارات ترمي إلى تحقيق أهداف معينة أو تفادي حدوث نتائج غير مرغوب فيها . (3)

وقد تم ربط سلوك الدولة بأنماط سلوك صناع قراراتها السياسية الخارجية من خلال اعتبار السياسة الخارجية هي عبارة عن محصلة القرارات التي تتخذ من قبل أولئك الأشخاص الذين يتولون مناصب رئيسية في الدولة . (4)

  • جمعة عمر عامر المودي ، المبادرات والاستجابات السياسية في السياسة الخارجية الليبية تجاه أفريقيا غير العربية ، رسالة ماجستير (منشورة) ، جامعة الشرق الأوسط ، كلية الآداب والعلوم ، قسم العلوم السياسية ، 2011 ، ص 13 .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 12 .
  • احمد عارف الكفارنة ، مصدر سبق ذكره ، ص 18 .
  • جمعة عمر عامر المودي ، مصدر سبق ذكره ، ص 15 .

(2) وهناك من يحدد وظائف للقرار وهي كما يأتي :-

  1. يسمح لصاحب القرار بالتحرك ، فهو عندما يشعر بأنه حر يستطيع أن يتحرك من اجل تغيير الواقع وذلك من خلال توافر حلول أيديولوجية وواقعية لمشاكل المجتمع .
  2. يسمح للمواطن بأن يتحمل مشاكل الآخرين لأن الحلول التي يقدمها للمشاكل المطروحة تساعد الفرد على تحمل المصاعب لفترة معينة إلى حين تنفيذ القرار والوصول إلى النتائج المطلوبة والمتوقعة له .
  3. يقدم القرار إمكانية القيام بالاختيار الأكثر موضوعية وتجريدا ً . (1)

فالقرار السياسي وكما عرفه ايستون هو ( مخرجات النظام السياسي التي توزع السلطة فيه القيم داخل المجتمع ، سواء كانت هذه القيم مادية أو معنوية ) . (2)

وقد لخص ريتشارد سنايدر خصائص القرارات في السياسة الخارجية وكما يأتي :-

  1. وجود مدى واسع من الأهداف والخطط .
  2. انعدام التجانس بالنسبة لأوضاع الأطراف التي تخدمها قرارات السياسة الخارجية .
  3. وجوب الوصول إلى نوع من الاندماج لمجموعة من المفاهيم والإدراك قبل أن يتم التوصل لإجماع الآراء بشأنها .
  4. تتميز بعض المواقف بالتعقيد وينجم عنها صعوبة إجراء التنبؤ والسيطرة على النتائج .
  5. صعوبة إجراء القياس لفعالية المنظمات والنتائج السياسية (3) .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 13 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 13 .
  • احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، جامعة بغداد ، 2001 ، ص 142 – 143 .

المطلب الثاني :نماذج صنع القرار السياسي الخارجي

إن عملية صنع القرار السياسي هو عملية تهيئة للمعلومات وصياغة للبدائل لغرض علاج مشكلة ما تواجه الدولة ، لهذا هناك نماذج لعملية صنع القرار السياسي الخارجي وهي كما يأتي :-

  1. النموذج العقلاني ( الرشيد )

وفقا ً لهذا النموذج في عملية صنع القرار السياسي الخارجي فأن صانع القرار يبحث عن بدائل سلوكية وبنفس الطريقة التي يعتمدها الرجل الاقتصادي والذي يتصف بالعقلانية والموضوعية وذلك عن طريق البحث عن جميع المعلومات والبدائل المتوفرة والمتاحة لغرض معرفة ومعالجة المشكلة التي تواجه الدولة وتعقب هذه المرحلة الحسابات العقلانية ( الرشيدة ) المحتمل وقوعها لكل بديل من هذه البدائل المتاحة لغرض الوصول إلى بديل مناسب وملائم . (1)

فقد وضع هوبرت سيمون نموذجا ً عُرف بنموذج الرضا وفكرة هذا النموذج تكمن في إن الرشادة محدودة وعليها قيود ، فالقرار يتم اتخاذه عندما يشبع بالحد الأدنى من الرضا أي عندما يكون مناسبا ً لدرجة ما وكذلك فأن النموذج يؤكد على إن القرار لا يتخذ اعتمادا ً على كل البدائل الممكنة ويطبق بوصفه نموذجا ً في المؤسسات الصناعية بدرجة اكبر منها في المؤسسات السياسية . (2)

إن هذا النموذج يقوم على أساس التركيز على أهمية المنافع في عملية اتخاذ القرار السياسي الخارجي أي على صانع القرار أن يتخذ قراره السياسي وفقا ً للعقلانية . (3)

  1. معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 23 .
  2. نفس المصدر السابق ، ص 24 .
  3. احمد نوري النعيمي ، مصدر سبق ذكره ، ص 169 .
  1. النموذج التنظيمي ( الإداري ) :

وفي هذا النموذج من عملية صنع القرار السياسي الخارجي فأن صانع القرار يبحث عن بدائل حركته عبر الصيغة التي ينطلق منها الرجل الإداري (1) أي تحقيق الحد الأدنى من الأهداف وهي العملية التي يطلق عليها ” البديل الأدنى المقبول ” (2) .

ووفقا ً لهذا النموذج فأن عملية اتخاذ القرار لا تستند إلى تضخيم المنافع بل عملية توضيح للبحث عن البدائل من اجل الوصول إلى بديل مناسب ومقبول .

وهي عملية يلجأ إليها الرجل الإداري عندما يختار البديل الأقل كلفة حتى وان توفرت في البدائل الأخرى منافع أكثر .

  1. النموذج العقائدي ( المعرفي ) :

من خلال هذا النموذج فأن عملية توضيح القرار السياسي الخارجي هي عملية عقيدية – إدراكية يتصرف فيها صانع القرار السياسي بإسقاط عقائده الذاتية على العملية وبهذا فأن صانع القرار يقبل المعلومات التي تنسجم مع مدركاته العقيدية مع التقليل من المدركات التي لا تنسجم معها . (3)

  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 23 .
  • احمد نوري النعيمي ، مصدر سبق ذكره ، ص 169 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 170 .

المطلب الثالث :- المراحل التي تتم من خلالها عملية صنع القرار السياسي الخارجي

إن عملية صنع القرار السياسي الخارجي تمر بمراحل متعددة تختلف في طبيعتها وطولها وتعقيدها ، من دولة إلى أخرى ومن نظام سياسي إلى آخر وذلك للعوامل التي تحيط بالقرار من قبل ومن بعد ومنها نظام الحكم وطبيعته ، ولهذا فأن عملية صنع القرار السياسي هي عملية معقدة وديناميكية تتسم بتنوع مكوناتها التي يكون لكل منها إسهامه المختلف وسعيها نحو تحقيق المصلحة العامة وذلك أفضل الطرق الممكنة وعليه فأن عملية صنع القرار السياسي تضم في مضمونها مراحل إعداد القرار جميعها وذلك من اللحظة التي يسعى فيها صانع القرار إلى تحديد المشكلة بأسبابها وأبعادها وجمع المعلومات عنها ووضع البديل الملائم والمناسب لها وهي عملية مستمرة ويشترك فيها أكثر من طرف (1) .

لقد تعددت الآراء فيما يخص تقسيم مراحل صنع القرار السياسي وهذا بالطبع ناجم عن اختلاف الخلفيات الفكرية للباحثين واتجاهاتهم وبالرغم من هذا الاختلاف ما بين الباحثين فأنه بالإمكان تقسيم مراحل صنع القرار إلى ثلاث مراحل رئيسية وهي كما يأتي :-

  1. المراحل السابقة لاتخاذ القرار السياسي .
  2. مرحلة اتخاذ القرار .
  3. المراحل اللاحقة لاتخاذ القرار السياسي .

وسيتم التطرق إليها تباعا ً في هذا المطلب .

  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 87 – 88 .
  • المراحل السابقة لاتخاذ القرار السياسي :

وتعد من أهم المراحل التي يتم من خلالها عملية صنع القرار السياسي الخارجي أي مرحلة الإعداد وتتضمن العديد من العمليات ومنها المبادأة والتخطيط وتعريف الموقف والتنبؤ والمشورة (1) .

فالمبادأة وهي الحالات التي أدت إلى تبني مثل هذا القرار وتنشأ من النظام بحد ذاته أو ظروف نشأت لمتطلبات فرضتها دولة أخرى أو الوضع الدولي . (2)

وقد تكون المبادأة ايجابية عندما تتخذ من لدن صانعي القرار في ضوء أفكارهم عن النظام الدولي أي ليس كرد فعل على موقف ما ، أما السلبية فهي بمثابة رد فعل لمواقف من جانب دول أخرى وقد تجمع السياسة الخارجية ما بين الايجابية والسلبية . (3)

أما التخطيط فهو من المفاهيم الحديثة في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية وذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية وهو توقع الأحداث الدولية والأحداث الداخلية ذات الأهمية الدولية بهدف تعديل السياسة الخارجية بشكل محسوب وتحقق أهداف الدولة .

وقد عرف ( بلومفيلدا ) التخطيط بأنه ( تحديد المصالح والأهداف الوطنية ) (4) .

إن تخطيط السياسة الخارجية يتضمن أربعة أبعاد وهي :-

التخطيط العام وقدرات الدولة وتخطيط البرامج وتخطيط الطوارئ والتخطيط المؤسسي . (5)

  • احمد نوري النعيمي ، مصدر سبق ذكره ، ص 128 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 129 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 129 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 129 .

أما الموقف فهو وضع تصور للمجتمع والظروف الخاصة بالموقف مع ضرورة إبراز القيم المحيطة بالواقع مصدر المشكلة (1) .

ويقصد بتعريف الموقف هو دراسة المشكلة وتحليلها من جميع أبعادها وتحديد مدى تأثيرها على مصالح الدولة ويتم ذلك عن طريق المعلومات وتفسيرها التي تم التزود بها وبهذا الصدد تلعب الخصائص الشخصية دورا ً فاعلا ً في تفسير المعلومات وذلك عن طريق تصور صانع القرار الذاتي وإدراكه له . (2)

فالمشكلة هي موقف أو حالة غير مرغوب بها يتطلب معالجتها وتصحيحها وهي أيضا ً حاجات إنسانية يتطلب إشباعها . (3)

والمشكلة هي انحراف وعدم توازن ما بين هو كائن وما يجب أن يكون ، وهي أول خطوات صنع القرار وأخطرها لأن عدم تحديد المشكلة قد يؤدي إلى ضياع الوقت والجهد ولاسيما في أوقات الأزمات . (4)

أما فيما يتعلق بالتنبؤ فهو افتراض موجه إلى المستقبل وهي قد تواجه في مجال السياسة الخارجية العديد من المصاعب بسبب اتساع الظاهرة وما يكتنف تلك الظاهرة من غموض في أحيان كثيرة . (5)

وتلعب المشورة دورا ً كبيرا ً في تعريف الموقف وإيجاد التوقعات بخصوصها . (6)

  • احمد نوري النعيمي ، مصدر سبق ذكره ، ص 130 .
  • احمد عارف الكفارنة ، مصدر سبق ذكره ، ص 19 .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 89 .
  • سعد السعيدي وبسمة خليل الأوقاتي ، دور المعلومات في عملية صنع القرار السياسي الخارجي ، دراسة نظرية ، مجلة الدراسات الدولية ، العدد الخمسون ، ص 121 .
  • احمد نوري النعيمي ، مصدر سبق ذكره ، ص 130 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 130 .
  1. مرحلة اتخاذ القرار السياسي الخارجي :-

بعد مرحلة تعريف الموقف تبدأ مرحلة الاختيار ما بين البدائل المطروحة والتي تكون مناسبة لاختيار احدها للقرار السياسي الخارجي وهي من البدائل المنظورة لصانع القرار السياسي وذلك لأن هنالك بدائل غير منظورة بالنسبة له بسبب غموض الموقف أو عدم توافر معلومات كافية وتصور كافي للمشكلة المطروحة وبالإضافة إلى المعتقدات و الشخصية والتي تجعل من صانع القرار السياسي الخارجي يحصر تفكيره وتركيزه في عدد محصور من البدائل أمامه أو بسبب من ضيق الوقت أو عنصر المفاجأة . (1)

وتعرف عملية اتخاذ القرار بأنها اختيار بديل من بين مجموعة من البدائل وهو ذلك البديل الذي يحقق أعلى نسبة من المنفعة وبأقل تكلفة من اجل الوصول إلى قرار مناسب في موقف معين . (2)

وتعتبر هذه العملية هي لب عملية صنع القرار وجوهرها وهي تعني إجراء صانع القرار عملية مفاضلة ما بين بديلين على الأقل لها قيمة متشابهة ويختار من بينهما الأكثر قدرة على انجاز الهدف المطلوب بأقل خسارة ممكنة . (3)

وهي عملية تتسم بالصعوبة والتعقيد لما تحمله في طياتها من ضرورة استيعاب الحركة السياسية والمتغيرات المؤثرة في الموقف والمنتجة له ، ذلك لأن اختيار البديل يتضمن ضرورة ملاحظة مصالح بقية الأطراف والتي ستتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بالنتائج المترتبة على القرار . (4)

  • احمد عارف الكفارنة ، مصدر سبق ذكره ، ص 19 .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 103 .
  • سعد السعيدي وبسمة خليل الأوقاتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 123 .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 124 .
  1. المراحل اللاحقة لاتخاذ القرار السياسي الخارجي :

وتعد هذه المرحلة من المراحل المهمة والتي تُعنى بتطبيق القرار وهي تشكل المصدر الأساس لرد الفعل وهي تفترض نوعا ً من الشرح والتفسير (1) .

وتتضمن هذه المرحلة ثلاث مراحل مهمة وهي :-

مرحلة تنفيذ القرار ومرحلة تقييم القرار ومرحلة إعادة النظر بالقرار ، فمرحلة اتخاذ القرار تعني نقل القرار من حالته النظرية إلى حالته العملية ومن خلالها يتم تحديد السلوك السياسي الخارجي لصانع القرار ويتم التنفيذ عن طريق مجموعة من الأدوات ومنها الدبلوماسية والأدوات الاقتصادية أو عن طريق استخدام القوة العسكرية أو الأدوات الدعائية وغيرها . (2)

وهي من المراحل المهمة في عملية صنع القرار السياسي الخارجي وهي تشكل المصدر الأساس لرد الفعل ويقصد بعملية التنفيذ هي الإجراءات الفاعلة واللازمة لتحقيق أهداف صانع القرار إزاء حل مشكلة عامة أي ترجمة قرار السياسة العامة بما ينطوي عليه من أهداف ومبادئ إلى خطط وبرامج عمل محددة . (3)

وكذلك تعني عملية تنفيذ القرار إصدار أمر من قبل متخذ القرار بهذا البديل وإبلاغه للجهات التنفيذية لتنفيذه وبالوقت نفسه متابعة عملية التنفيذ وفيها تخرج وظيفة التنفيذ من التخطيط إلى المتابعة والرقابة . (4)

ومرحلة التقييم للقرار فتعد عملية ضرورية ينبغي إدراكها من قبل صانع القرار فأتحاذ أي قرار لا يعني النهاية إذ يبقى القرار نافذ وصانع القرار يراقب ويقوّم النتائج التي ترتبت على البديل المناسب والذي تم اختياره من بين مجموعة من البدائل . (5)

وتخضع عملية التقويم إلى العديد من الاعتبارات ومنها :-

حالة المعلومات المتوافرة لدى صانع القرار ودرجة المشورة في اتخاذ القرار وكذلك أهمية القرار وضرورته وآثار القرار ونتائجه . (6)

  • احمد نوري النعيمي ، مصدر سبق ذكره ، ص 130 .
  • احمد عارف الكفارنة ، مصدر سبق ذكره ، ص 19 .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 109 .
  • سعد السعيدي وبسمة خليل الأوقاتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 123 .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 115 .
  • معتز إسماعيل الصبيحي ، نفس المصدر السابق ، ص 11

أما فيما يخص مرحلة إعادة النظر بالقرار فهي مرحلة من مراحل عملية صنع القرار السياسي وهي مرتبطة به ومع ذلك فهي تختلف عنها لأنها تعكس في واقع الأمر رد فعل صانع القرار على الأفعال السلبية والنابعة من البيئة الخارجية التي ينفذ القرار ضمن إطارها ، والتي تدفعه لتوعيتها إلى مواجهة موقف جديد وتبدأ هذه المرحلة عندما يكتشف صانع القرار أو انه لم يعتبر بشكل أو بآخر من طبيعة البيئة العملية التي دفعت إلى اتخاذه سابقا ً . (1)

وعليه فأن صانع القرار يعيد النظر في معلوماته والفرضيات التي وضعها والأنموذج الذي تم من خلاله ومن ثم يقوم بتعديل القرارات استنادا ً لهذه المعطيات والمعلومات . (2)

  • معتز إسماعيل الصبيحي ، مصدر سبق ذكره ، ص 119 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 120 .

المبحث الثاني :- المؤسسة العسكرية التركية ودورها في عملية صنع القرار السياسي الخارجي

حيث يلعب الجيش التركي دورا ً بارزا ً ومهما ً في صناعة القرار السياسي في تركيا وذلك من خلال قيامه بالعديد من الانقلابات العسكرية على مؤسسات الحكم السياسي ولهذا فان المؤسسة العسكرية التركية لها الأثر البالغ في إعداد وتخطيط السياسة الخارجية لتركيا .

وذلك من خلال إضفاء الشرعية القانونية على التدخل العسكري للمؤسسة العسكرية في السياسة وذلك من خلال إقرار مادة دستورية أضفت تلك الشرعية لتدخل الجيش في الأمور السياسية وهي إعطاء الحق للمؤسسة العسكرية للتدخل اذا ما كان هناك خطرا ً على الجمهورية ونظامها الديمقراطي .

وعليه سيتم التطرق إلى ابرز المؤسسات الرسمية المسؤولة عن صنع القرار السياسي في المطلب الأول من هذا البحث .

أما في المطلب الثاني فسنتناول المؤسسة العسكرية التركية وتأثيرها في عملية صنع القرار  السياسي .

المطلب الأول :- الفاعلون في صنع القرار السياسي الخارجي التركي

حيث يحكم تركيا دستور عام 1982 وهو الذي يحدد الإطار القانوني لعملية القرار السياسي في تركيا سواء من حيث تكوين السلطات الثلاثة ونقصد بها السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية والعلاقات القائمة فيما بينهم واختصاصات كل منها وقد اخذ الدستور التركي بالنظام البرلماني كنظام لحكم الدولة وأكد على مبادئ أساسية للدولة والتي تسمى بالمبادئ الكمالية * فالسلطات التي يتكون منها النظام السياسي التركي هي :-

  1. السلطة التشريعية :– وتتكون من المجلس الوطني التركي وتشمل الاختصاصات التي تقع من صميم اختصاصاته وهي:
  • أ . سن القوانين وتعديلها وإلغائها .
  • ب . تعديل الدستور بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس .
  • جـ . انتخاب رئيس الجمهورية .
  • د . الرقابة والإشراف على مجلس الوزراء .
  • هـ . تفويض مجلس الوزراء سلطة إصدار قرارات حكومية لها قوة القانون في بعض المسائل .
  • و . مناقشة وإقرار الميزانية العامة للدولة .
  • ز . اتخاذ القرارات المتعلقة بسك العملة وإعلان الحرب .
  • ل . التصديق على الاتفاقيات الدولية .
  • ي . التصديق على أحكام الإعدام الصادرة من المحاكم المختصة .

* المبادئ الكمالية وتعني المبادئ الستة لكمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية وقد تضمنها دستور عام 1924 وهي :

الجمهورية والقومية والعلمانية والشعبية والدولتية والثورية .

أما النظام السياسي وبموجب المادة الثانية منه في دستور عام 1961 تتضمن أربعة مبادئ وهي القومية والديمقراطية والعلمانية والاجتماعية .

  • قتيبة مخلف عباس السامرائي ، آليات الأنظمة السياسية في صنع القرار السياسي ، مصدر سبق ذكره ، ص 69 – 70 .

(13)

ويبلغ عدد أعضاء المجلس التشريعي التركي (550) نائبا ً وينعقد بحضور ما لا يقل عن ثلث الأعضاء ويتخذ قراراته بالأغلبية المطلقة لعدد الحاضرين فيه .

ويمكن للبرلمان التركي أن يقدم رئيس الجمهورية أمام المحكمة العليا وذلك اذا ما اتُهم الرئيس بالخيانة العظمى وأيضا ً يتخذ البرلمان قرارا ً بإسقاط العضوية البرلمانية عن الأعضاء المكونين له ويتخذ البرلمان أيضا ً قرارا ً بإرسال القوات المسلحة التركية إلى الدول الأجنبية وكذلك السماح للقوات الأجنبية بالتواجد في تركيا (1)

  1. السلطة التنفيذية : – وتتكون وحسب الدستور التركي من :-
  • أ . رئيس الجمهورية .
  • ب . مجلس الوزراء .
  • جـ . مجلس الأمن القومي .

فرئيس الجمهورية يضمن تنفيذ الدستور وحق مطالبة المجلس بإعادة النظر في القوانين وكذلك المطالبة بشأن قوانين تعديل الدستور باستفتاء عام ودعوة المحكمة الدستورية لإلغاء القوانين والقرارات الحكومية التي لها قوة القانون على أساس عدم دستوريتها وتعيين رئيس الوزراء وقبول استقالته وتعيين الوزراء بناءا ً على اقتراح من رئيس الوزراء وتولي منصب القائد العام للقوات المسلحة التركية نيابة عن المجلس الوطني واتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام تلك القوات وإصدار الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ وإصدار قرارات لها قوة القانون وبما يتفق مع قرارات مجلس الوزراء . (2)

  • النظام السياسي في تركيا ( نظام الحكم – المؤسسات ) ، مركز سورية للبحوث والدراسات للمزيد من المعلومات

www.syriasc.net

  • قتيبة مخلف عباس السامرائي ، مصدر سبق ذكره ، ص 70 .

أما فيما يتعلق بمجلس الوزراء فهو مسؤول أمام البرلمان من الناحية السياسية ويتكون المجلس من رئيس الوزراء والوزراء وتتمثل وظيفته الأساسية في صنع السياسة الداخلية والخارجية للبلاد وضمان تنفيذها وذلك من خلال إقرار القرارات والقوانين واقتراح مشاريع قوانين وأيضا ً للمجلس سلطة اتخاذ قرارات لها قوة القانون عند إعلان حالة الطوارئ وكذلك له الحق في اتخاذ قرارات مهمة مثل قرار الحرب وتنظيم القوات المسلحة . (1)

وفيما يخص مجلس الأمن القومي فهو يتكون من رئيس الوزراء ورئيس الأركان العامة ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية وقادة الفروع الرئيسية للقوات المسلحة والقائد العام للقوات المسلحة ويقدم المجلس توصياته إلى مجلس الوزراء حول القضايا التي تتعلق بالأمن القومي للدولة وتنعقد اجتماعاته برئاسة رئيس الجمهورية ويقوم بدور استشاري في تقديم المشورة لصانعي القرار السياسي . (2)

ويعد مجلس الأمن القومي التركي المصدر الرئيسي في عملية صنع القرار التركي وذلك بموجب المادة (118) من الدستور التركي .

والعلاقة ما بين مجلس الوزراء ومجلس الأمن القومي التركي متداخلة ومتشابكة ففي الوقت الذي يتبع مجلس الأمن القومي والخاص بشؤون الدفاع والأمن مجلس الوزراء (المعني بسياسة الدولة) في اتخاذ القرارات والالتزام بسياسة الدولة داخل المؤسسة وتنفيذ السياسة الأمنية ، فأن مجلس الوزراء عليه أن يعطي الأولوية لقرارات مجلس الأمن القومي والخاصة بالإجراءات التي تبدو ضرورية لحفظ وجود الدولة واستقلالها وسلامة المجتمع وأمنه ويلتزم مجلس الوزراء عادة بالنصائح التي يتقدم بها العسكريون في الحكومة ويصدق على القرارات التي تأتي من الجيش وبصورة آلية . (3)

  • قتيبة مخلف عباس السامرائي ، مصدر سبق ذكره ، ص 70 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 70 .
  • احمد نوري النعيمي وحسن علي الجميلي ، النظام السياسي في تركيا وإيران ، الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة ، ص 383 – 384 .

وقد تأسس مجلس الأمن القومي التركي عقب انقلاب عام 1960 وسيطرة العسكر على مقاليد الحكم في تركيا وقد تم تأسيس ذلك المجلس ليضمن سيطرة قادة القوات المسلحة التركية على مقاليد الحكم بعد تسليم السلطة لحكومة مدنية ويبقى النفوذ الأساسي بيد قادة القوات المسلحة والذين يشكلون مجلس الأمن القومي ويديرون البلاد من خلاله ، واستمرت الصبغة العسكرية على هذا المجلس لأكثر من ثلاثة عقود ففي عام 2003 اقر البرلمان التركي مجموعة من التعديلات الدستورية والتي تتعلق بصلاحيات ونطاق عمل وتشكيلة مجلس الأمن القومي والتي كان هدفها الحد من دور الجيش التركي من خلال إصلاح مجلس الأمن القومي وهذه التعديلات أشرت إلى إن التعديلات الدستورية عدّلت من موقف المجلس ليصبح جهازا ً استشاريا ً بغالبية مدنية ويتمكن من ذلك الوقت مدني ليصبح سكرتيرا ً للمجلس وبالتالي لم يعد لمجلس الأمن القومي سلطات تنفيذية على بعض أجهزة الدولة كالإعلام والاتصالات واقتصرت مهمته فقط على تقديم توصيات لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء (1) .

ومنذ عام 2004 تعاقب على سكرتاريته أربعة مدنيين ويشغل حاليا ً ( معمر تركر ) هذا المنصب منذ عام 2012 .

  1. السلطة القضائية :- ولها العديد من الاختصاصات ومنها الحفاظ على مبادئ الدستور والفصل في دستورية القوانين والقرارات الصادرة من قبل رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء والتي لها قوة القانون . (2)
  • النظام السياسي في تركيا ( نظام الحكم – المؤسسات ) ، مصدر سبق ذكره ، للمزيد انظر الموقع الالكتروني :

www.syriasc.net

  • قتيبة مخلف عباس السامرائي ، مصدر سبق ذكره ، ص 70 .

وبالإضافة إلى ذلك هناك العديد من القوى المؤثرة وهي غير رسمية تؤثر في عملية صنع القرار السياسي الخارجي التركي ومن أمثلتها :-

الأحزاب السياسية وجماعات المصالح ووسائل الإعلام والصحافة والطرق والجماعات الدينية والتي تمارس دورا ً وتأثيرا ً وحسب أهميتها وفاعليتها داخل المجتمع التركي . (1)

فالأحزاب السياسية تعد من العوامل المؤثرة في صنع القرار السياسي التركي سواء أكانت مشاركة في العملية السياسية وعبر وزرائها ونوابها أم لم تشارك في الحكومة كمعارضة في طرح البدائل والحلول ونقدها للقرارات الحكومية وذلك من خلال تأثيرها الفعال في الرأي العام التركي .

أما جماعات الضغط والمصالح فهي الأخرى تمارس نشاطا ً و دورا ً مؤثرا ً في صنع القرار وذلك من خلال القدرات التي تمتلكها والتي من خلالها تمارس تأثيرا ً في الحكومة بواسطة التظاهرات والإضرابات التي تدعو إليها ، وفيما يتعلق بدور وسائل الإعلام والصحافة فهي تعد من الأدوات الأكثر تأثيرا ً في الرأي العام وذلك من باب عملية النقد والتأثير في الحكومة وطرح البدائل المناسبة للقرارات الحكومية .

أما فيما يخص الطرق والجماعات الدينية فهي الأخرى تمارس نفوذا ً وتأثيرا ً في عملية صنع القرار التركي من خلال اعتبارها إحدى القوى الاجتماعية الفاعلة في المجتمع التركي رغم إنها محظورة قانونا ً وبسبب كثرة أعدادها ومريديها . (2)

(1) قتيبة عباس مخلف السامرائي ، مصدر سبق ذكره ، ص 70 .

(2) نفس المصدر السابق ، ص 70 – 71 .

المطلب الثاني : -المؤسسة العسكرية التركية وتأثيرها في عملية صنع القرار السياسي

ترجع محاولات الجيش إلى الإطاحة بالحكومة المدنية التركية إلى نهاية عام 1957 ، حيث ورد إلى حكومة مندريس بأن هناك ادعاء محاولة بعض الضباط إلى تكوين منظمة سرية في الجيش تسعى إلى التحريض على الثورة والإطاحة بحكومة مندريس (1) وعليه فأن الانقلاب العسكري الأول كان بتاريخ 27 مايس 1960 وكان قائد الانقلاب العسكري جمال كورسيل والذي أراد من حركته الانقلابية أن تكون أداة لخلق الديمقراطية وليس إيجاد نظام دكتاتوري كما هو الحال في مختلف دول الشرق الأوسط أي إن الانقلابيين أرادوا أن يعيدوا السلطة إلى المدنيين وذلك من خلال إرجاع الديمقراطية من جديد وتجديد مفهوم الحرية والصحافة وإطلاق السجناء الذين تم توقيفهم على عهد الحزب الديمقراطي وإيجاد لجنة من الأساتذة لكتابة الدستور التركي وإنها كانت محاولة منهم لإنقاذ إصلاحات أتاتورك وإعادة الكرامة وسمعة الدولة (2) . ولهذا اتجه الانقلابيين إلى أساتذة الجامعات لغرض تبرير العمل الانقلابي وانه أساس للمبادئ الديمقراطية وقد التزم الأساتذة الجامعيون بذلك ليس خوفا ً من العسكريين بل بسبب تفضيلهم الانقلاب أكثر من الجيش وعليه تشكلت لجنة الوحدة الوطنية وأصبحت السلطة الحقيقية بيد اللجنة وأعضاءها من المعتدلين واتخذت إجراءات منها إقامة حكومة مؤقتة ورسم الدستور الجديد وهي أنموذج للنظام الانتقالي العسكري وذلك من خلال إرجاع الحكم إلى المدنيين وهذا ما عمل عليه كورسيل ولهذا فأن الجيش وعن طريق الانقلاب العسكري استمر بالتأثير في السياسة التركية لسنوات عديدة بل أعطى مزيدا ً من الاستمرارية للقادة العسكريين لغرض الدفاع عن حقوق الشعب من خلال السيطرة على مقاليد الحكم . (3)

  • احمد نوري النعيمي وحسين علي الجميلي ، مصدر سبق ذكره ، ص 267 – 268 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 269 – 270 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 290 – 291 .

فالمؤسسة العسكرية اتخذت لنفسها دور الوصي على الجمهورية التركية من خلال عمليات انقلابية تدخلية متقطعة ومحدودة ولكنها كانت ذات اثر سلبي على النظام السياسي وأسهمت في إضعافه وذلك من خلال جعل المسؤولين المدنيين لا يمتلكون السلطات الحقيقية والتي هي لهم بموجب الدستور وتكفلها لهم القوانين وبالتالي فأن المتحكم بطبيعة الأمور سواء كانت داخلية أم خارجية هي بيد القادة الكبار في القوات المسلحة وما انقلابات 1960 – 1971 – 1980 – 1997 إلا دليلا ً على صحة الفرضيات التي ذهبت إلى إعطاء دورا ً متزايدا ً ومتنامي للقوات المسلحة وتدخلهم وكأنهم حامين للديمقراطية ومبادئ كمال أتاتورك التي من اجلها تم تأسيس الجمهورية التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وتصوير الجيش على انه حامي للمبادئ الديمقراطية وبالتالي إضفاء الصفة الشرعية على كل تدخل عسكري على انه يأتي لحماية الجمهورية والديمقراطية في البلد. (1)

وعلى هذا الأساس فأن تركيا قد شهدت للفترة من 1960 إلى 1980 ثلاث انقلابات عسكرية أي بمعدل انقلاب واحد كل عشر سنوات إذ تمتعت المؤسسة العسكرية التركية باستقلاليتها عن المؤسسات السياسية والإدارية والدستورية منذ نشوء الدولة التركية ولغاية الآن حيث يعتبر الجيش التركي والمؤسسة العسكرية بمثابة صمام أمان للحياة السياسية والمراقب لها وليس العكس وهذا ما جعل من الجيش أن يتدخل ومن تلقاء نفسه عندما يتحرك السياسيون بعيدا ً عن القوانين الأتاتوركية والقوانين والأعراف التركية ولأجل تلك المهمة فقد أسس مجلس الأمن القومي التركي والذي يعد من المؤسسات المهمة لغرض السيطرة على عملية صنع القرار السياسي التركي من خلال تواجد أعضاء عسكريين في هذا المجلس . (2)

  • زيد أسامة احمد الرحماني ، دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا إثناء فترة حكم حزب العدالة والتنمية ( 2003 – 2010 ) ، رسالة ماجستير ( منشورة ) ، جامعة الشرق الأوسط ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، قسم العلوم السياسية ، 2013 ، ص 8 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 10 .

ولهذا فأن الانقلاب العسكري الثالث وخلال عشرين سنة للفترة من 1960 والى عام 1980 فأنها جاءت لأسباب رئيسية ساهمت في تدخل الجيش وقيامه بحركة انقلابية وبقيادة كنعان افرين ومن أهم تلك الأسباب هي (1) :-

  1. فشل الحكومة في معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية .
  2. عدم فعالية جهاز الشرطة .
  3. الانبعاث المفاجئ للحركة الإسلامية في السلوك السياسي الداخلي في تركيا .

إن استهداف الاتجاه الإسلامي والذي بدأ وبشكل متزايد في تلك الفترة وهذا ما يؤكد وقوع الانقلاب والذي كان واضحا ً . (2)

وقد برر الجيش تدخله في السياسة وبالتالي قلب نظام الحكم بسبب الصراع بين اليمين واليسار فضلا ً عن الأزمة الاقتصادية والتضخم في تركيا مما أدى إلى توقف الفعاليات الصناعية وقد قامت الحركة الانقلابية بحركة تصفية بين المتدينين إذ تم الكشف عن خلايا في المؤسسة العسكرية (3) وتم إلغاء الأحزاب السياسية التي تعتمد الدين في أيديولوجيتها وألقت ببعض زعماء تلك الأحزاب في السجون العسكرية وبالإضافة إلى هذا فأن تركيا قد شهدت ظاهرة أخرى تتمثل في ارتداء الطالبات في الجامعات لغطاء الرأس ( التوريان ) إذ طالبت تلك الطالبات وعبر إضرابات عن حقهن في ارتداء الحجاب في الجامعة وهذه كانت من مظاهر الحركة الإسلامية والتي من شأنها أن تهدد مبادئ أتاتورك العلمانية وكذلك تحريم بعض الجامعات للطلاب من دخولهم بلحى كاملة واعتبارها علامة التدين ومن يعارض يوجه له إنذار وبعده فصله من الجامعة وبالتالي طرده منها وقد بررت المحكمة الإدارية التركية قرار تحريم ارتداء غطاء الرأس باعتبار ارتداءه لا يتناسب مع النظام الغربي للجمهورية . (4)

  • احمد نوري النعيمي وحسين علي الجميلي ، مصدر سبق ذكره ، ص 303 – 304 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 304 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 306 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 307 – 308 .

إن ابرز المنعطفات السياسية بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 تمثلت بالانقلابات العسكرية المتكررة كما هو الحال في انقلابات ( 1960 – 1971 – 1980 ) حيث مثلت تدخلات المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا نموذج خاص تتلخص في تاريخية الثقافة العسكرية والمتأصلة في الشخصية التركية الممتدة وعبر حقب تاريخية متوالية منذ العهد الانكشاري إلى العهد الجمهوري . (1)

ولهذا فأن الفترة الممتدة ما بين عام 1960 – 1980 تميزت بظاهرة عدم الاستقرار السياسي واتسمت تلك الظاهرة إلى انتشار العنف ما بين اليسار التركي واليمين التركي وتمت صياغة دستور لتركيا بعد انقلاب 1980 وهو دستور عام 1982 وأكد على المبادئ الكمالية الست كما هو الحالة مع دستوري 1924 و 1961 ومع هذا فأن بعض الأحزاب قد خرقت هذه المبادئ ومن هذه الأحزاب التي خرقت ذلك هو حزب الرفاه والذي كان بمثابة تحدي للعلمانية ومبادئ أتاتورك وذلك بفوزه في الانتخابات عام 1995 الأمر الذي أدى إلى إلغاء الحزب بقرار من المحكمة الدستورية ومحاكمة بعض قادته (2) . وعليه فأن التحدي الأكبر الذي اعترض قادة الجيش هو اختراق الأحزاب الإسلامية المبادئ الأتاتوركية والتي كانت سائدة لفترة طويلة وبالتالي فأن التوجه الإسلامي الذي حصل كان بمثابة إعلان حرب على تلك الأحزاب الإسلامية والتي كان من نتائجها أن اجبر اربكان على التنازل عن حكم البلاد بقوة العسكر عام 1997 .

ولهذا فأن هناك دورا ً ملموسا ً للمؤسسة العسكرية في تركيا وهذا الدور تمثل بشكل جدي في الانقلابات العسكرية لأن المؤسسة العسكرية كانت تعتبر نفسها حامية للمبادئ الديمقراطية . (3)

 

  • زيد أسامة احمد الرحماني ، دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا إثناء فترة حكم حزب العدالة والتنمية ( 2003 – 2010 ) ، مصدر سبق ذكره ، ص 19 .
  • احمد نوري النعيمي وحسين علي الجميلي ، مصدر سبق ذكره ، ص 679 – 680 .
  • نفس المصدر السابق ، ص 680 .

الخاتمة :

من خلال البحث والذي خُصص لدور المؤسسة العسكرية التركية وأثرها الواضح في صياغة القرار السياسي التركي الخارجي ومن خلال اعتبارها حامية للمبادئ الديمقراطية وإنها محافظة على مبادئ أتاتورك والتي كانت حجر الأساس في قيام الجمهورية التركية عام 1923 وبالتالي فأن المؤسسة العسكرية التركية قد لعبت دورا ً أساسيا ً ومؤثرا ً في عملية صنع القرار السياسي التركي الخارجي وذلك من خلال اعتبار القادة العسكريين هم من يديروا البلاد حتى وان كانت هناك أحزاب سياسية مدنية في الواجهة ومن خلال تأسيس مجلس الأمن القومي والذي كان فيه أكثر من عضو عسكري فيه لإدارة شؤون البلاد وهذا الأمر يدفعنا إلى التوصل إلى نتائج بشأن دور المؤسسة العسكرية التركية وتدخلها المستمر في الحياة السياسية وذلك من خلال :-

  1. يتضح إن هنالك دورا ً بارزا ً وملموسا ً للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وذلك من خلال القيام بانقلابات عسكرية كان الهدف منها إحكام سيطرة العسكر على الحياة السياسية بحجة الحفاظ على الجمهورية ومبادئها .
  2. إن تشكيل مجلس الأمن القومي التركي وغالبية أعضاءه من كبار القادة العسكريين كان الغرض منه إدارة دفة الحكم في البلاد من خلال إعطاءه الدور الأكبر في إقرار القوانين المهمة في البلاد وبالتالي كانت له الكلمة الفصل في إقرار أو عدم إقرار تلك القوانين من خلال الدور الكبير والمؤثر للقادة العسكريين .
  3. تحاول المؤسسة العسكرية إثبات نفسها من خلال فرض أجندتها على الحياة السياسية من خلال الصراع ما بين العسكريين من جهة والمدنيين من جهة أخرى وهذا ما ينطبق على أكثر الانقلابات التي كانت تقوم بها الجيوش في العالم الثالث .
  4. اعتبار المؤسسة العسكرية التركية من المؤسسات الرئيسية في عملية صنع القرار السياسي التركي وبالتالي اعتبارها جزءا ً لا يتجزأ من النظام السياسي التركي ولا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال.

المصادر :

أولا : المصادر العربية

  1. معتز إسماعيل الصبيحي ، صنع القرار السياسي في العراق والديمقراطيات التوافقية ، دراسة عن الديمقراطيات التوافقية في سويسرا وبلجيكا وايرلندا الشمالية ولبنان ، دار الكتب العلمية ، ط 2015 .
  2. احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، جامعة بغداد ، 2001.
  3. احمد نوري النعيمي وحسين علي الجميلي ، النظام السياسي في تركيا وإيران ، الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة .

ثانيا ً : مجلات ودوريات

  1. احمد عارف الكفارنة ، العوامل المؤثرة في اتخاذ القرار في السياسة الخارجية ، مجلة دراسات دولية ، العدد 42 .
  2. قتيبة مخلف عباس السامرائي ، آليات الأنظمة السياسية في صناعة القرار السياسي ، مجلة سر من رأى ، المجلد الرابع ، العدد 10 ، السنة الرابعة ، 2008 .
  3. سعد السعيدي وبسمة خليل الأوقاتي ، دور المعلومات في عملية صنع القرار السياسي الخارجي ، دراسة نظرية ، مجلة الدراسات الدولية ، العدد 50 .

ثالثا : المواقع الالكترونية

www.syriasc.net

رابعا ً : رسائل واطاريح

  1. زيد أسامة احمد الرحماني ، دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا إثناء فترة حكم حزب العدالة والتنمية ( 2003 – 2010 ) ، رسالة ماجستير ( منشورة ) ، جامعة الشرق الأوسط ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، قسم العلوم السياسية ، 2013 .
  2. جمعة عمر عامر المودي ، المبادرات والاستجابات السياسية في السياسة الخارجية الليبية تجاه أفريقيا غير العربية ، رسالة ماجستير ( منشورة ) ، جامعة الشرق الأوسط ، كلية الآداب والعلوم ، قسم العلوم السياسية ، 2011 .
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق