الشرق الأوسطتقارير استراتيجيةعاجل

ورقة بحثية : تركيا والتدخل العسكري في العراق

اعداد الباحث : محمد كريم جبار – المركز الديمقراطي العربي

منذ نكبة حزيران عام 2014 والتي عدت نقطة تحول مفصلية في السياسة الدولية والمتمثلة بسقوط مدينة الموصل بيد تنطيم ما يعرف (داعش) وما كان قبلها بسقوط مدن واراضي واسعة في كل من العراق وسوريا , الامر الذي ادى الى احداث نقلة نوعية في العلاقات الدولية بأعتبار ان هذا التنظيم الارهابي اصبح بحكم الواقع فاعلا من غير الدول بأحتلاله مدناً في دولتين متجاورتين ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1)

وذلك اثر وبشكل واسع في تداخل السياسات الاقليمية والدولية فيهما وبشكل اصبح ان نرى تدخل دولاً كبرى واخرى اقليمية امرا عادياً وطبيعياً وكل منها ينطلق من حجج وافتراضات على ان هذا التنظيم يؤثر في امن تلك الدول ويشكل خطراً حقيقياً ويستهدف كيانها وخاصة بعد احتلال العديد من المدن في كل من العراق وسوريا واصبحت خارطة التنظيم الارهابي تتسع كلما فرض وجوده فيها لتشمل ولايات ودول اخرى مستغلاً حالة عدم الاستعداد الامني والتخطيط المسبق للدول لغرض التعاون للقضاء عليه ولكننا نجد ان الامر عكس ذلك , فاستغلت دولا هذا التنظيم واخذت بامداده بالسلاح اللازم ومعدات البقاء لغرض الاستفادة منه خدمة لاغراضها ودوافعها وعليه فأن تنظيم داعش يمثل خطراً ماثلاً امام الدول جميعها واصبح يستهدفها ويهدد مصالحها , فتنظيم داعش اصبح فاعلاً من غير الدول وهي تنظيمات تفرض نفسها في مجريات الاحداث من خلال التأثير في السياسة الدولية ولديها كيان منظم وتمتلك هيكيلية قيادية تمثل جماعة عرقية او اثنية وتسعى لتطبيق ايديولوجية معينة تؤمن بها من خلال مجموعة من الافراد الذين يؤمنون بنهجها (2)

ونتيجة لأدراك المجتمع الدولي لحقيقة مخاطر مثل تلك التنظيمات الارهابية ومنها تنظيم داعش تشكل التحالف الدولي لمحاربته عندما اعلن الرئيس الامريكي باراك اوباما في 8 – 8-2014 وبسبب (الاوضاع السيئة في العراق والاعتداءات العنيفة الموجهة ضد الايزيديين , اقنعنا الادارة الامريكية بضرورة تدخل قواتها لحماية المواطنين الامريكيين في المنطقة والاقلية الايزيدية الى جانب وقف تقدم المسلحين الى اربيل )(3)

وذلك انطلاقا من تلك الفرضية التي اصبح داعش يهدد مصالح الدول في هذه المنطقة , ودخلت روسيا عام 2015 على خط محاربة الارهاب والتنظيمات المسلحة بطلب من سوريا وتم انشاء غرفة عمليات مشتركة بين دول العراق وسوريا وايران وروسيا والذي بات يعرف ب( التحالف الرباعي) وهو بالاساس عبارة عن مركز استخباراتي معلوماتي ولغرض التنسيق معاً لمواجهة الارهاب في العراق وسوريا وتم على اثر ذلك القضاء وبشكل كبير جدا على اماكن وجود تلك العصابات الاجرامية وفي العراق خاصة بعد سقوط الموصل بيد الارهاب وجاءت الفتوى التي اصدرها المرجع الاعلى للطائفة الشيعية السيد علي السيستناني بمثابة مباركة لتأسيس الحشد الشعبي للدفاع عن المدن والاراضي الاراضي العراقية ولتكون سندا للقوات المسلحة وقوات الشرطة ومختلف الاجهزة الامنية الاخرى من جهاز مكافحة الارهاب وجهاز الامن الوطني اضافة الى افراد الصحوة من ابناء العشائر العراقية المنتفضة ضد داعش , ونحاول في هذه الورقة البحثية ان نقف على دوافع ومبررات تركيا وتدخلها العسكري في العراق.

بالنسبة الى الموقف التركي:-

منذ الانقلاب الفاشل في تموزعام 2016 والذي قام به بعض افراد الجيش التركي ومحاولته الاطاحة بحكم الرئيس رجب طيب اردوغان ,فأن المؤسسة العسكرية التركية تستهدف القفز على المبادئ الديمقراطية التي ترجع بتاريخها الى مؤسس الجمهورية الاول اتاتورك والتي سميت بالمبادئ الكمالية وقد تم النص عليها في الدستور التركي لعام 1924(4)

ولهذا فأن المؤسسة العسكرية لعبت دورا ً كبيراً في السياسة الخارجية التركية مع العلم انها قد قامت بأربعة انقلابات عسكرية اعوام 1960و1971و1980و1997 وهذا يعزز من دورها المتزايد والتأثير المستمر في السياسة التركية وشؤون الحكم متذرعة بحجة الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية وحقوق الشعب التركي من خلل السيطرة على مقاليد الحكم, وقد مثّل تدخل المؤسسة العسكرية والمستمر في الشؤون السياسية التركية بنموذج خاص يمكن تلخيصه في تأريخية الثقافة العسكرية والمتأصلة في الشخصية التركية والمستمدة وعبر حقب تأريخية عديدة ولغاية العهد الجمهوري (5)

وعليه فأن العسكر يتدخلون لحماية المبادئ الديمقراطية , ومنذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا وبموجب انتخابات تشرين الثاني عام 2002 وبحصوله على الاغلبية لوحده وللمرة الاولى التي يستطيع فيها حزب في تركيا من تحقيقها ومنذ التسعينيات من القرن الماضي , ولهذ فأن السياسات التي اتبعها هذا الحزب قد غيرت من السياسة الخارجية لتركيا والتي كانت لها بالغ الاثر في علاقاتها الاقليمية والدولية بأنتهاج سياسة تعدد البعد , وسعت هذه السياسة التركية الى محاولة اعادة اكتشاف الواقع الاقليمي والمحيط بتركيا من خلال جذب انتباه الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوربي فقد تحولت فيها نظرة الاتراك الى تلك المنطقة واقصد بها الشرق الاوسط والتي شكلت تحركاً محورياً لعلاقاتها مع دول جوارها بعد ان تم تجاهل ذلك من قبل المؤسسة التركية قبل مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم , اذ كانت حركة السياسة الخارجية التركية تدور في اطار التحرك الامريكي بعد احداث عام 1990 ودخول القوات العراقيى للكويت وما اسفرت عنها في احداث تغييرات على صعيد العلاقات الدولية وتغير موازين القوة لصالح الولايات المتحدة الامريكية وانتهاء عهد الحرب الباردة وكان كل اهتمام الساسة الاتراك يدور حول تعزيز وتمتين العلاقات اسرائيل بغض النظر للقوى الاقليمية الاخرى في المنطقة , فسعى حزب العدالة والتنمية ومنذ وصوله للحكم على جعل علاقات تركيا مع جميع القوى المؤثرة في منطقة الشرق الاوسط وبذلك تكون تركيا دولة مركز تستطيع ان تلعب دورا مؤثرا في جميع الاحداث التي تحدث في المنطقة تأثيرا و تأثراً من خلال امتلاكها ادوات ذلك وان تكون في قلب تلك الاحداث التي تجري ولا يمكن تجاهل دورها بأي شكل من الاشكال وعلى هذا الاساس قد قامت بدور كبير جدا في المفاوضات النووية مابين ايران والدول الكبرى لغرض التوصل لحل لمسألة البرنامج النووي الايراني من خلال الدعم التركي لمشروع امتلاك ايران للطاقة النووية وللاغراض السلمية وهذ ما ظهر بوضوح بالوساطة التي قام بها الرئيس التركي مع الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا والرئيس الايراني السابق احمدي نجاد في عام 2010 (6)

وكذلك ساهمت في كسر الحصار على غزة في عام2010 على الرغم من توتر العلاقات مابينها واسرائيل في حينها الا ان المؤكد في السياسة التركية هي اتباع طريق براغماتي من خلال الحصول على مصالح وفوائد من خلال التزاوج ما بين الصفة العلمانية المقرة دستوريا ومحكومة بمبادئ كمالية اتاتوركية ولايمكن تخطيها بأي حال من الاحوال وبين النزعة الدينية التي تحكم الدولة التركية من خلال حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الاسلامية , ولهذا فأن السياسة التركية قد اتسمت بصفة المبادرة وليس انتظار رد الفعل ولهذا نجد تركيا حاضرة وبقوة في كل قضايا الشرق الاوسط ولاسيما في العراق وسوريا وسعت وبكل وسيلة استثمار ذلك من اجل مصالحها وبدرجة اساسية ولعب دور اكبر في احداث الشرق الاوسط من خلال اللجوء اليها واعتبارها فاعلا ً مؤثراً في مسرح السياسة الاقليمية, ومنذ احداث ما يعرف ب(الربيع العربي) وتركيا اخذة بالتدخل بشكل أو بأخر في مجريات الاحداث المتسارعة مما ادى الى تساقط الانظمة العربية الواحد تلو الاخر ,فنجد ان تركيا ومع بعض الاطراف العربية الاخرى وجدت ان الاحداث بعد صعود تأثير داعش كتنظيم ارهابي ناشط في سوريا وان الاخيرة دولة جارة ولها حدود مشتركة مع تركيا والعراق وبالتالي فأن انعكاسات ذلك قد جاوزت حدود سوريا بأتجاه تركيامن خلال البوابة الجنوبية لتركيا واستمر تأثير الارهاب ليصل العراق من خلال استغلال التظاهرات التي عمت منطقة غرب العراق وبالتحديد في محافظة الانبار والتي تشترك بحدود مع سوريا, الامر الذي امتد الى محافظات اخرى وخاصة في محافظة صلاح الدين ومحافظة نينوى وكبرى مدنها الموصل لهذا عمت الفوضى تلك المنطقة وبالتزامن مع احداث سوريا والتي يسيطر فيها داعش على الرقة وحلب وغيرها من المدن السورية وعليه فكان من نتيجة تلك الاحداث ان سيطر التنظيم الارهابي على محافظات صلاح الدين ونينوى والانبار مما ادى الى اقتطاع اكثر من ثلث مساحة الدولة العراقية واحكام سيطرة داعش عليها , هذا الفعل ساهم بأتخاذ اجراءات تركية لتعزيز امنها انطلاقاً من الفرضية التركية التي تتحدث عن انفلات امني على اطراف حدودها الجنوبية مع العراق وسوريا والتي اصبحت امراً واقعاً بأنها غير مسيطرة على امنها الحدودي ولاسيما في الشمال والشمال الغربي اي جنوب الدولة التركية , ومن خلال تلك الاوضاع الجديدة التي غيرت من طبيعة المنطقة الجغرافية وهي من المناطق لتي تعتبر غنية بالموارد الطبيعية ومنها النفط الذي يشكّل النسبة الاكبر من تمويل التنظيم من خلال سيطرته على ابار النفط فيهما , وما ان الفتوى التي اطلقت العنان لفصائل المقاومة للدفاع عن العراق ازاء تلك الاوضاع التي اسهمت بسقوط المدن الواحدة تلو الاخرى مما عرضّ العاصمة بغداد للخطر , فكان الحشد الشعبي هو المساند للجيش العراقي ولكن هناك تحليلات صدرت من عواصم دول مستفيدة من تلك الاحداث اطلقت تصورات حول خطورة اشراك قوات الحشد الشعبي في المعركة الفاصلة مع داعش في نينوى انطلاقا من توقيتات معللة ذلك بأنتهاكات يرتكبها عند مشاركته مع القوات المسلحة ولهذا الامر ابعاداً وتصورات مستقبلية استندت الى معلومات من اطراف عراقية غير مستعدة لقبول مشاركة الحشد في معركة الموصل وعليه فأن تركيا استغلت ذلك فاندفعت الى داخل العمق العراقي وبحدود 150كم في بعشيقة لأقامة معسكرات تدريب لقوات ما يعرف ب(الحشد الوطني) وبقيادة اثيل النجيفي النحافظ السابق لنينوى ومن خلال دعماً تركياً لهذه القوات تسليحلاً وتدريبياً وغيرها من مستلزمات القتال وبحجة مقاتلة داعش وابعاد الخطر عن الحدود التركية .

وبصد ذلك فأن مبررات التوجهات التركية لمقاتلة داعش والتوغل داخل الاراضي العراقية هي :-
1- ان تركيا ارسلت قوات عسكرية قوامها 2000 مقاتلاً عسكرياً ومجهزين بكافة المعدات العسكرية وباليات ثقيلة ودبابات ومدرعات
2- منذ الانقلاب العسكري الفاشل الذي حاول الاطاحة بنظام اردوغان في تموز 2016 وهي تحاول استعادة مكانتها العسكرية وخاصة اذا ما علمنا بأن جنرالات في الجيش التركي قد شاركت فيه ولهذا وجدت ان الطريقة الافضل لاستعادة المجد العسكري هو القيام بمحاولة زج تلك القوات في العراق متخذة حجة مكافحة الارهاب ومحاربة تنظيم داعش لاسيما في حدودها الجنوبية وهي بالاصل ملتهبة بسبب وجود حزب العمال الكردستاني والذي يجاهد من اجل انتزاع اعتراف تركي بحقوق الشعب الكردي في تركيا مما يعني اعادة الامل بقيام دولة كردية في المحيط الاقليمي , فتجربة الحكم الكردي في شمال العراق لاتزال ماثلة امامهم وبالتالي توفير الاجواء المناسبة دوليا للاعتراف بمثل هكذا مشروع طالما يستند فيه الى قرارات الامم المتحدة والخاصة بحق الشعوب بتقرير مصيرها .
3- من اهم ما تسعى اليه تركيا هو لعبها دوراً مركزياً في شؤون الشرق الاوسط بأعتبارها منطقة نفوذ سابقة لها وذلك من خلال مشروع تركيا الجديدة الذي طرحه رئيسها رجب طيب اردوغان ومن ثلاثة اتجاهات , الاول ان تتصالح تركيا مع ذاتها ذو النزعة الاسلامية السنية مع الاعتزاز بالماضي العثماني , بينما تتحلى بالثقة بالنفس والتخلص من عقدة النقص تجاه الاخرين اما الاتوجه الثالث فيكون بأنفتاحها نحو الغرب وتعميق الصلات معه وفي الوقت نفسه تعمل على تقوية اواصر التعاون مع المحيط الاسلامي (7).

فمن اساسيات السياسة الخارجية التركية لاسيما بعد وصول حزب العدالة والتنمية وبزعامة اردوغان ومنذ عام 2002 انها تريد ات تجعل تركيا لاعبا مؤثرا في الشرق الاوسط لعدة اعتبارات اولها ان تركيا عضو في حلف شمال الاطلسي ( الناتو) وتوجد على اراضيها قاعدة انجرليك الجوية وهي ميزة استراتيجية لتركيا وبالتالي ضمان الدعم الامريكي لمثل هذا التوجه لموازنة الطموح الايراني في المنطقة وخاصة بعد عام 2003 واحتلال العراق وفسح المجال لتركيا للعب دوراً اقليمياً موازياً لايران ولاسيما في العراق, ولهذا فأن تزايد النفوذ الايراني في العراق وسوريا ولبنان ادى الى اختلال في موازين القوى الاقليمية مما اوجد حاجة ملحة لبعض البلدان الاخرى وخاصة دول الخليج العربي التي وجدت في تركيا موازن اقليمي لأيران (8).

4- تركيا حاولت ومن خلال ادواتها في العراق ان تعمل على جعل تدخلها في العراق هو نتيجة طبيعية لتدخل اطراف اقليمية اخرى فيه , ولاسيما ايران وبالتالي طرح نفسها على انها حامية لحقوق بعض مكونات الشعب العراقي وعدم تغيير ديموغرافية بعض المناطق ولاسيما نينوى من خلال طرح فكرة الوصاية على العراق واعادة امجاد الخلافة العثمانية .
5- دعم الجانب التركي لبعض فصائل ما يعرف ب( الحشد الوطني) وبزعامة محافظ الموصل السابق اثيل النجيفي بأعتباره من ابناء الموصل وبالتالي تحريرها يكون من جهد ابناءها وليس من خارج المحافظة في اشارة الى عدم ترحيبهم وبشكل علني بقوات الحشد الشعبي لدخول الموصل .
6- صدور تصريحات تركية ومن اعلى المستويات الحكومية بأنها ضد مشاركة الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل لاسباب طائفية بحتة معللة ذلك بأن دخول تلك القوات يسهم في اثارة النعرات الطائفية وحاولة لتغيير ديموغرافية المنطقة .
7- سعي تركي لمحاربة تنظيمات حزب العمال الكردستاني والذي يتخذ من الاراضي العراقية مقراً له لشن هجمات ضد القوات التركية , اذ شهدت العلاقات العراقية التركية توترات وذلك بتوجيه تركيا للجانب العراقي بأيواء عناصر حزب العمال الكردستاني وتوفير بيئة امنة لهم مما يعطي الحق لتركيا ان تدخل في العمق العراقي متذرعاً بذلك(9).
8- ان تركيا تبرر وجود قواتها في العراق انها جاءت بطلب عراقي ومن قبل رئاسة اقليم كردستان العراق وبعلم وزير الدفاع العراقي المقال خالد العبيدي وتم زيارة معسكرات التدريب من قبل مسؤولين عراقيين .

دوافع تركيا في التدخل العسكري في العراق:

من خلال البحث نرى ان هناك توجهات تركية واضحة في تدخلها ولاكثر من مرة وفي داخل العمق العراقي وخاصة في هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ العراق , فتنظيم داعش يسيطر على مدينة الموصل وهي مدينة متنوعة سكانيا ومتعددة المذاهب والاتجاهات وبالتالي فأن تركيا لديها دوافع وغايات من تدخلها في العراق ومنها:-

1- ان مدينة الموصل تعتبر امتداد تأريخي لتركيا وكانت قد تنازلت عنها لصالح العراق وبموجب اتفاقية مع بريطانيا التي كانت تمثل الاحتلال في ذلك الوقت فأنها لازالت تطالب بأعادة تلك المدينة الى تركيا في محاولة لبث الروح في الزعامة للامة الاسلامية بأعتبارها الوريث الشرعي للامبراطورية العثمانية, فالنظرة التركية للموصل لازالت باقية كما في السابق اذ تعتبرها مدينة تركية قد تنازلت عنها بسبب اوضاع المنطقة سابقا وحفاظا على وحدة العراق واراضيه فأنها عقدت اتفاقية مع بريطانيا في عام 1926 , ولكن بما ان الاوضاع وحسب الرأي التركي تتجه نحو الانقسام فلا ضير من عودتها الى تركيا ولها الحق في ضمها اليها ولو بأستخدام القوة (10).

2- ان التدخل التركي في الشأن العراقي يعود الى مخاوف وتوجسات تركية من الطموحات الكردية وبالتالي احتمالية تأثير ذلك في النزعة الكردية التركية ومحاولتها الانفصال عن تركيا من خلال محاربة مجاميع حزب العمال الكردستاني في الاراضي العراقية واتخاذ ذلك ذريعة مباشرة للدخول وكذلك الانقسامات بين الساسة العراقيين من مسألة كركوك ومحاولة الاكراد تقوية النفوذ فيها وتهميش سكانها من التركمان على اعتبار ان تركيا هي حامية لحقوق التركمان في العراق (11) .

3- انتصارات الاكراد في جبهة سوريا والدعم الامريكي لقوات سوريا الديمقراطية ولاسيما في كوباني (عين العرب) قد جعل تركيا تدرك جيدا انها لابد ا تتحرك نحو الموصل لمحاربة داعش ولذي لايبعد عنها سوى مسافة قريبة منها.

4- النظرة المستقبلية للاتراك فيما تسفر عنه الحرب مع داعش وعند السماح لقوات الحشد الشعبي بالدخول الى مدينة الموصل في انها قد تعمل على خلق منطقة ممتدة مابين الموصل وسوريا تكون بأشراف ايراني والمساعدة في جعلها منطقة نفوذ ايراني ومساعدة النظام السوري لتعزيز نفوذه وقوته وبسطها على سوريا بعد التدخل الروسي ولمصلحة النظام وان كانت روسيا قد جاءت لتعزيز دورها في تسيير شؤون السياسة الدولية وخاصة بعد قلب المعادلة مع الولايات لمتحدة الامريكية ومن خلال توجيه الضربات الجوية المباشرة لمعاقل التنظيم الارهابي وقطع طرق الامدادات الرئيسية له وبالتالي قطع موارده التي كان يعتمد عليها لشن هجماته في العراق وسوريا.

5- الحد من النفوذ الذي تمارسه ايران وخاصة بعد الاحتلال الامريكي للعراق في عام 2003 وبالتالي جعلها اللاعب رقم واحد في شؤون البلد وتعزز هذا الدور بأتفاق امريكي ايراني ولاسيما بعد الاتفاق حول البرنامج النووي الايراني مع الدول الكبرى وتزويد ايران للعراق بالاسلحة لمحاربة داعش في العراق وسوريا الامر الذي ادى الى تعزيز نفوذها في كلا البلدين لاسيما ان ايران لديها علاقات قوية مع الجانب الروسي والذي دخل الاجواء التنافسية مع الولايات المتحدة الامريكية في محاولة من روسيا لاعادة تشكيل رسم السياسة الدولية من جديد وبعد الضربات الجوية المباشرة من قبل الطائرات الروسية لمعاقل التنظيمات الارهابية في سوريا وبشكل ادى الى تغيير خارطة النعركة لصالح النظام السوري وحربه ضد الارهاب وتعزز هذا الاجانب بتشكيل قيادة مشتركة من خلال تحاالف رباعي بين العراق وايران وسوريا وروسيا , لتصبح روسيا حليفاً استراتيجياً لسوريا .

6- ان الجانب التركي لا يعتبر نفسه قوات احتلال بل على العكس انه قد ساهم في محتاربة تنظيم داعش والذي اصبح على مقربة من حدوده الجنوبية وعليه فأن تدخله كان بطلب من العراق نفسه وبعلم مسؤولين بارزين فيه.

7- من ابر مصاديق التدخلات التركية والمستمرة بالشأن العراقي هو طلب العراق تسليم نائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي بعد ادانته بتهمة الارهاب والحكم عليه بالاعدام وعدم موافقة تركيا على تسليمه لبغداد بل منحته صفة اللجور السياسي وممارسة النشاط السياسي ضد الحكومة العراقية (12).

8- ان خارطة المنطقة قد تغيرت بفعل الدخول العسكري الروسي بطلب سوري لمحاربة التنظيمات الارهابية والانقلاب العسكري الفاشل ضد الحكم الديمقراطي والذي اشترك فيه ضباط من الجيش التركي مما شكّل ضربة للمؤسسة العسكرية التركية بأعتبارها حامية للدستور والمبادئ الديمقراطية اضافة الى ذلك كله توتر العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية لاسيما بعد اتهام اردوغان لجماعة فتح الله كولن بتدبير تلك المحاولة الانقلابية ومطالبة انقرة للولايات المتحدة بتسليمه لغرض محاكمته وممانعة الجانب الامريكي لذلك الامر الا بعد تسليم تركيا لدلائل وقرائن تدين غولن لغرض تسليمه وفقا للقوانين المتبعة في امريكا, ومنذ عام 1999 يستقر فتح الله غولن في الولايات المتحدة الامريكية ولم يعد الى تركيا على الرغم من توجيه دعوة من قبل اردوغان نفسه في عام 2012 لأنه يعتبر الظروف غير مؤاتية ومهيأة للعودة الى تركيا الى ان جاء الانقلاب العسكري في تموز عام 2016 والذي وجه فيه اردوغان الاتهام وبشكل مباشر الى غولن بتدبيرالانقلاب والاشراف عليه على الرغم من نفيه لتلك الاتهامات (13).

ان تركيا لديها مبررات لمحاربة التنظيمات الارهابية لاسيما بعد ان طالتها التفجيرات في اكثر من مناسبة وعليه فان تركيا وبمحاولة التدخل وبشكل عسكري يستند الى موافقات مسبقة من قبل اقليم كردستان العراق وبدراية مسؤولين عراقيين وباتالي فأنها وحسب رواية قادتها انها تسعى لمحاربة الارهاب وخاصة بعد ان اصبح على تخومها وعلى مقربة منها في حدودها الجنوبية مع العراق وسوريا, وعليه فأن تركيا تميل الى عدم التقسيم وذلك لتفويت الفرصة على الاكراد لتحقيق حلم اقامة دولة كردية في المنطقة وبالاشتراك مع الاكراد في كل من سوريا وايران وتركيا وبالتالي عدم منح مزيداً من الحقوق القومية لهم .

من حيثيات البحث حول دوافع ومبررات التدخل التركي في العراق ومحاولة فرض الامر الواقع في ذلك , نجد ان تركيا تستند الى احقيتها في الدفاع عن التدخل في العراق وبشكل عسكري بحجة حماية حدودها ولاسيما في الجنوب مع العراق وسوريا وهما يعانيان من احتلال تنظيم داعش لاراضيهما والذريعة الاخرى هي محاربة عناصر حزب العمال الكردستاني والذي يتخذ من العراق مقراً لعملياته وبالتالي تهديد امن تركيا للخطر .وعليه فأن هناك استنتاجات من الممكن الخروج بها لمناقشة اسباب التدخل التركي العسكري في العراق ومنها:-

1- ان تركيا قد تدخلت في العراق وداخل العمق العراقي وبشكل عسكري مما اعتبر ذلك من قبل العراق بأنه يشكل انتهاكاً لسيادة دولة عضو في منظمة الامم المتحدة.
2- تركيا لديها من المسوغات التي تسوقّها لتبرير تدخل قواتها في العراق بأنها قد جاءت بطلب عراقي ومن رئاسة اقليم كردستان وبعلم مسؤولين عراقيين بارزين .
3- ان تركيا تريد ان يبقى الوضع في الموصل على ما هو عليه دون تغيير في دينوغرافية المدينة لاسيما بعد ان توضحت انطلاق ساعة الصفر لعملية تحرير المدينة من قبضة داعش وبهذا اعلنت وبشكل علني رفضها مشاركة قوات الحشد الشعبي في العملية المرتقبة وصدرت تصريحات رسمية من قبل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ورئيس وزراؤه بن علي يلدريم بهذا الخصوص وتأكيدهم على الاعتبارات الطائفية التي تسبق عملية تحرير الموصل مما يوحي بأشارة مؤداها ان الموصل وبعد تحريرها سيتم التلاعب في الديموغرافية السكانية اذا ما تمت مشاركة عناصر قوات الحشد الشعبي فيها.
4- طلب العراق وعلى لسان رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي من تركيا ان تسحب قواتها من العراق وبشكل دبلوماسي لأنه يشكل ذلك انتهاكاً فاضحاً وصريحاً لكل قوانين وتشريعات الامم المتحدة والتي تنص على احترام سيادة الدول.
5- العراق يطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الامن الدولي لمناقشة تلك الخروقات المتكررة من قبل تركيا لسيادة العراق .
6- تبقى مسألة مشاركة قوات الحشد الشعبي او اي قوات عسكرية اخرى من صلاحيات السيد القائد العام للقوات المسلحة العراقية وهو الوحيد الذي يملك صلاحية من يشارك في تلك المعركة الفاصلة والحاسمة في تأريخ العراق .
الهوامش:
1- ياسر عبد الحسين , منطقة الفراغ في العلاقات الدولية , الرهان الاميركي – الروسي في عالم متغير , مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية , بغداد , الطبعة الاولى, 2016, ص 113.
2- حسين عدنان هادي , مجلة ابحاث استراتيجية , مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية , عدد 9, 2015, ص 44.
3- انور عادل , الدبلوماسية العراقية ومكافحة الارهاب , مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية , عدد11, 2016, ص 95.
4- محمد كريم جبار , المرسسة العسكرية التركية ودورها في عملية صنع القرار السياسي الخارجي, المركز الديمقراطي العربي, ص 13.
5- زيد اسامة احمد الرحباني , دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا اثناء فترة حكم حزب العدالة والتنمية (2003-2010) , رسالة ماجستير ( منشورة) , جامعة الشرق الاوسط , كلية الاداب والعلوم الانسانية, قسم العلوم السياسية, 2013, ص 19.
6- قاسم حسين الربيعي , العلاقات التركية – الايرانية بعد عام 2003 بين التعاون والأختلاف , مجلة ابحاث استراتيجية , مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية, عدد 7, 2015 , ص 265.
7- احمد حسن علي , جيش الفاتح في سوريا, حصاد البيان , مركز البيان للدراسات والتخطيط , 2015, ص 125.
8- محمد سعد ابو عامود , تركيا وحلم اعادة انتاج دولة الخلافة العثمانية, مجلة السياسة الدولية , السنة الخمسون , عدد 201, 2015, ص 100.
9- معتز اسماعيل الصبيحي , صنع القرار السياسي في العراق والديمقراطية التوافقية , دراسة في الديمقراطيات التوافقية (سويسرا- بلجيكا – ايرلندا الشمالية – لبنان) دار الكتب العلمية , العراق , بغداد , ص 280 -281.
10- نفس المصدر السابق , ص 274.
11- نفس المصدر السابق , ص 278.
12- قاسم حسين الربيعي , الدولة الموازية في تركيا , فتح الله كولن , مجلة ابحاث استراتيجية , مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية , عدد 8, 2015, ص 242.
13- حسين مصطفى احمد , المسألة الكردية في الشرق الاوسط , المجلة السياسية والدولية , السنة التاسعة , العددان(28-29) , 2015, ص 248.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق