الرئيسية / الشرق الأوسط / التواجد الإيراني في الصومال وإريتريا: بين الدين والسياسة وحتمية المصلحة
التواجد الإيراني في الصومال وإريتريا: بين الدين والسياسة وحتمية المصلحة
ايران

التواجد الإيراني في الصومال وإريتريا: بين الدين والسياسة وحتمية المصلحة

إعداد  الباحث:  رحموني عبد الرّحيم  – باحث في العلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تمهيد:

يعد إقليم شرق إفريقيا منطقة إستراتيجية هامة، كونها مطلة على خليج عدن و باب المندب، مقابلة لآبار النفط في شبه الجزيرة العربية والخليج العربي وملاصقة لإقليم البحيرات العظمى في وسط إفريقيا، الذي يتميز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية، ولهذا كانت المنطقة، محل للتنافس الاستعماري الذي عمل على تأجيج الصراعات بداخلها، خدمتاً لمصالحه.

ومن هنا بالنسبة إلى إيران تحتل كل من الصومال وإريتريا مكانة هامة ضمن الإستراتيجية الخارجية الإيرانية، وما يقف وراء هذا الاهتمام جملة من الأسباب والمغريات السياسية منها والدينية والأمنية، باعتبار إيران تسعى لإظهار نفسها كقوة عالمية لها وزنها، بالإضافة إلى رغبتها الشديدة في البحث وإيجاد فتحات بحرية وبرية تسهل الوصول إلى مناطق الأزمات في الشرق الأوسط. كما تتفرع اهتماماتها على جل القارة، مستغلة بذلك كسب الأفارقة الحاقدين على الغرب مع العلم أنها تتبني منطق المواجهة للند مع الغرب.

كرونولوجيا التشيع في الصومال

من الجدير الحديث عن تاريخ الوجود الشيعي في هذه المنطقة إذ بدأت البوادر مع هجرة الشيرازيون إلى سواحل شرق أفريقيا في القرن الرابع الهجري إذ هاجرت جماعة من الشيعة الزيدية فرارا من اضطهاد الأمويين، واستقرت هذه الجماعة على ساحل بنادر الذي يشمل مقديشو، وظلت الزيدية المذهب الغالب على هذه المنطقة عمرَت حوالي قرنا من الزمن، حتى تم القضاء على مذهبهم من قبل جماعة الإخوة السبعة السُّنّية الذين هاجروا من الإحساء إلى مقديشو؛ وكان لهجرة الإخوة السبعة إلى الساحل الصومالي نتائج بعيدة الأثر في تاريخ المنطقة على مدى قرنين من الزمان.

ومن هذا المنطلق، فإنه بالرغم من أفول الثقافة الشيرازية الفارسية والمذهب الشيعي في الصومال إلا أن آثاره باقية في الحياة الاجتماعية والثقافية مثالا على ذلك إشعال الحرائق في أول رأس السنة الإيرانية.

ومن نافلة القول الحديث عن العلاقات الإيرانية الإريترية بعد الحديث عن وصول سفينة محملة بالأسلحة الإيرانية إلى المتمردين الحوثيين في شمال اليمن عبر إريتريا، ومن هنا نتحدث عن التقرير الصادر عن ستراتفور والذي تحدث عن أن إيران تستعمل الميناء الإريتري لنقل الأسلحة إلى داخل جنوب اليمن، ومن ذلك إلى مأرب شرقي اليمن ثم محافظة صعدة على الحدود السعودية ما اعتبرته السعودية الخطر المحدق، وفي تقرير ثاني صدر في أكتوبر 2012 تحدث عن استعمال إيران لإريتريا لإيصال المؤن للحوثيين، مبرزة في ذلك الصراع الإيراني الإسرائيلي حول شرق إفريقيا متحدثة عن احتمال اختيار اريتريا لإيران لتوطيد علاقاتها وعلى الجهة الأخرى العلاقة الوطيدة بين إسرائيل وإثيوبيا.

العلاقات الإيرانية الإريترية بين المساعدة الإنسانية والاختراق:

ما يمكن التطرق إليه هو اعتبار الاريتريين أن العلاقات مع إيران عادية، على الرغم من القرض الذي حصلت عليه من إيران ما يعادل 25 مليون يورو سنة 2008، مستغليين في ذلك الفرصة للرد على أمريكا التي قالت تقاريرها أن التواجد الإيراني في ميناء عصب دائم. إذ أن الباحثين في أجهزة الاستخبارات الغربية توصلوا لنقطة جد هامة وهي أن الوجود العسكري الإيراني في اريتريا، يشير إلى مخطط إيراني لا يستهدف فقط اختراق اريتريا والقرن الأفريقي، بل أيضاً نقل صدى الاختراق ليصل إلى مضيق هرمز والخليج العربي إلى خليج عدن وباب المندب، وهو الممر الاستراتيجي المهم والحيوي لناقلات النفط إلى الدول المستوردة للطاقة في أوروبا والولايات المتحدة.

لنقل إذا، أن إيران وسعت تهديداتها إلى خارج منطقة الخليج رابطة  ذلك بما أعلنه قائد الحرس الثوري  الجنرال على جعفري  عن إقامة قواعد بحرية إضافية في بحر عمان، وهي تدخل أيضاً في إطار استمرار الاستعدادات الإيرانية لمواجهة موقف العنصر أو الدولة المنبوذة في ضوء تطورات صراعها مع المجتمع الدولي بسبب الملف النووي الإيراني. فالتغلغل الإيراني في شرق القارة السمراء يعني في ذات الوقت أن طهران تهدف إلى توسيع دائرة استعدادها لخوض الحرب مع الغرب، مستغلة في ذلك الجماعات العسكرية الموجود في المنطقة والمثيرة للشبهات تحت ذريعة محاربة القرصنة.

على نفس الطريق والمنوال اتخذت إيران من المنطقة ملاذا لمدها المذهبي وقبلة جديدة لنفوذها الشيعي مستغلة في ذلك المذهب الصوفي الذي يتشابه إلى حد كبير مع المذهب الشيعي خاصة في قضية تعظيم الزعامات، فمتطرفي الصوفية يجدون قواسم مشتركة مع إيران، مثل محاربة الفكر الوهابي السلفي المهيمن على الساحة الدينية الاجتماعية.

وعلى هذا الأساس قامت السفارة الإيرانية في العصمة الصومالية بخطوة فتح وايجاد قنوات اتصال مع الطائفة أو  الخلايا الصوفية في البلاد بمكوناتها السياسية والمسلحة وكذا شيوخ الزوايا، وعملت على تقديم الدعم اللازم ليصبحوا فاعلا رئيسيا في المعادلة المجتمعية والسياسية في البلاد.

العناصر المكونة للصوفية بين الدين والسياسة والعمل المسلح

لنعرج إذا في هذا الإطار على المكونات الصوفية في مقديشو والتي اتخذت إيران منها صديق المصلحة ومفتاح الولوج لنشر وإيجاد أرضية خصبة للمشروع الشيعي وإيصال مد التشيع في العالم:

  • مشايخها وقادة الطرق الصوفية كالطريقة القادرية والطريقة الأحمدية، والعمل على تم ربطها بالمؤسسات الإنسانية الإيرانية كمؤسسة الإمام الخوميني الخيرية من خلال الدعم اللامتناهي لأنشطتهم والتنسيق معهم للحصول عن طريق عقد حفلات ضخمة للمولد النبوي كل عام.
  • ‌ الجناح السياسي للصوفية المتثمل في تنظيم أهل السنة والجماعة والذي كان لهم تمثيل وزاري في مجلس الوزراء ما قبل عهد الرئيس الحالي حسن شيخ محمود، ولهم عدد من أعضاء البرلمان الفيدرالي الحالي، وتتعامل السفارة الإيرانية في مقديشو معهم كطرف سياسي أساسي في البلاد، حيث تم استضافة قيادات عليا من التنظيم ونواب برلمانيين في طهران في زيارات سرية تتسم بطابع التنسيق السياسي بين الصوفيين وإيران.
  • ‌  الجناح العسكري للصوفية والمتمثل في مسلحي تنظيم أهل السنة والجماعة المتمركز في المناطق الوسطى باعتبارها قوية وذات وزن من الناحية العسكرية ولا يمكن إغفال أن هذا الجناح العسكري للتنظيم منفصل من الجيش الوطني في تلك المنطقة.

وما يمكن الوقوف عن والاستغراب منه هو أن إيران هي الدولة الوحيدة التي زار وفد من سفارتها في مقديشو تلك المنطقة نهاية عام 2014، والتقى القيادات العسكرية والسياسية لأهل السنة والجماعة، مستغلا بذلك الزيارة لإطلاق جملة المشاريع الاقتصادية والإنسانية في تلك المناطق من البلاد. وليس بعيد أن يتوسع نشاط هذا الجناح العسكري المنحصر حاليًا في المناطق الوسطى ويتحول إلى لاعب رئيسي وأساسي في المشهد الصومالي.

الإستراتيجية العسكرية الإيرانية في إريتريا:

الجدير بالذكر أن الإستراتيجية الإيرانية في اريتريا على تعتمد نهجا محددا بل وسعت مداخلها لإرساء البقاء وحتمية النفوذ فمن جهة أخرى تحدثت بعض المصادر عن أن إيران تمكنت بشكل سري من بناء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر، معتمدة على الغواصات لنقل المعدات العسكرية إلى إريتريا، بعدما تزايدت السفن البحرية الدولية لمطاردة شبح القراصنة ومخافة أن تقع سفنها التجارية المحملة بالسلاح في أيدي القراصنة. ويؤكد أحد التقارير الأمنية أن استخدام الغواصات كان السبيل الأنجع بعد استحال ظاهرة خطف السفن الإيرانية وتحديدًا بعدما نجح القراصنة في خطف إحدى السفن.

وما يمكن الحديث عنه هو أن إيران قد أعلنت في وقت سابق استعداها لمحاربة القراصنة وبالفعل أرسلت سفينة إلى هناك بمهمة عسكرية وخلال أشهر قليلة تحول هذا الموقع الاستراتيجي عند باب المندب وخليج عدن إلى أكبر قاعدة بحرية إيرانية خارج مضيق هرمز.

لننتقل إذا إلى جانب آخر من هذه الإستراتيجية وهو جانب اللقاءات رفيعة المستوى والتي استهلها لقاء الرئيس الإريتري أسياسى أفورقى مع أحمدي نجاد أثناء زيارته لإيران في مايو 2014، استقبل بحفاوة جد بالغة نظرا لتشابه  وجهات النظر حول القضايا الإقليمية وسبل التصدي للهيمنة، مستغلين تواجدهما بالحرص على التعاون في ميادين الصناعة والزراعة والطاقة موقعين بذلك اتفاقية التفاهم، والتي فتحت إيران نحو إريتريا والقرن الإفريقي

الاختراق الإيراني انطلق ! : كيف ؟

ليكن واضحا في الذهن أن هذا الاختراق انطلق من صفقة نفطية تقوم على منح إيران الحق اللامشروط للإشراف على شركة تكرير النفط الإريترية المعروفة باسم مصفاة عصب حيث ارتكزت بنود الاتفاقية مبدئيا على قيام الإيرانيين بتكرير النفط في مصفاة عصب وإعادة استيراده إلى إيران التي تستورد أكثر من 40% من نفطها المكرر.

الواضح أنه للوهلة الأولى توهم المراقبون أن الاتفاقية نفطية واقتصادية فقط وأنها قائمة للتعاون بين البديلة لكن سرعان ما انقلب الوضع تجاه بناء قاعدة عسكرية بحرية من هذا المنطلق أرسلت إيران قواتها الخاصة التابعة لـفيلق القدس بحجة تأمين الحماية لمصفاة النفط، وقد تم كشف الحقيقة من طرف الاستخبارات التي كانت تعمل على الحد من نشاط القراصنة من خلال أن إيران تجاوز تواجدها العسكري ونوعية مقوماتها العسكرية حجة حماية المصالح النفطية.

كما كشفت عدة مصادر استخبارية غربية أن إيران قد انتقلت بهذه الخطوة من تهديد الخليج والعالم بإغلاق مضيق هرمز إلى توسيع دائرة تهديداتها إلى خارج الخليج، ولاحظت أن إقامة القاعدة البحرية الإيرانية في عصب قد جاءت بعد أسابيع قليلة من إعلان إيران عن إقامة قواعد بحرية إضافية في بحر عمان وهى تدخل في إطار استمرار الاستعدادات الإيرانية لمواجهة عسكرية على ضوء تطورات صراعها مع العالم حول البرنامج النووي.

وما يمكن التطرق إليه أن كل هذه المعطيات تزامن وجودها مع تفعيل نشاطات فيلق القدس في أكثر من دولة خاصة مع الاهتمام بالسودان إذ أشارت إحدى التقارير إلى أنه تم استئناف التعاون الإيراني السودان في جانبه العسكري بعودة الخبراء الإيرانيين إلى الخرطوم.

توسع الطموحات الإيرانية لما بعد الصومال وإريتريا:

مما لا يمكن أن نغفل عنه في هذا التصور أن التمدد والنفوذ الشيعي قد بدأ بالتوسع لما بعد إريتريا وجنوب اليمن مما يجعل حتمية وجود تهديد محدق خاصة مع احتمال أو بمعنى أدق فتح جبهة جديدة هناك وتوسيع الطموحات الإيرانية التوسعية، إذ لا زال هذا التواجد المشبه فيه أو المشكوك محط أنظار القوى الدولية على رأسها واشنطن الخائفة من اكتساب إيراني جديد للقوة العسكرية والنووية وكذا وجهة رصد العديد من الدول الأخرى، بيد أن هذا بدأ بالتزايد نظرا للدور في قطاع غزة ودعم حزب الله في حربه على لبنان، وما زاد الطين بلا العلاقات المتوترة بين طهران والرياض والتي كان آخرها القطيعة الدبلوماسية نظرا لاختلاف وجهات النظر بين القوتين الإقليميتين في الشرق الأوسط.

وهنا لا بد من التطرق إلى الدور الأساسي والمهم في الأزمة السورية، من منطلق أن طهران أحد أهم القوى الإقليمية الفاعلة على الساحة نظرا لوزنها ونفوذها وإن لم نقل صلة حركاتها كحزب الله بالفوضى في السورية.

خاتمة:

في خاتمة التحليل لا بد من الحديث بجدية عن مركز إيران في ميزان القوى العالمية باعتبارها أحد أهم الدول النووية وهو ما يؤكد حتمية أنها تستغل امتلاكها للبرنامج النووي كورقة سيطرة ونفوذ في بعض المرات إن لم  نقل جلها، فالتواجد والنفوذ الإيراني في شرق إفريقيا جاء نتيجة وجهات متعددة، تمثلت أولها في استكمالها لمشروعها المذهبي الشيعي وتوسيع دائرة الشيعة، وثانيهما أن الصومال وإريتريا تطلان على أحد أهم المصبات المائية مما يجعل الفرصة سامحة أمام إيران للولوج لإفريقيا شمال وما وراء الصحراء.

وما يمكن استنتاجه أن كل هذه التوجهات الخفية لإيران في المنطقة كانت تسير وفق نزعة اقتصادية لعبت فيها القوى الناعمة كتحريك الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية دورا هاما في تحريكها

المراجع:

1.      ——، “إيران في إفريقيا.. القوّة الناعمة والأرض الرّخوة”، مجلة العرب الدولية، أنظر الرابط:

http://arb.majalla.com/2013/01/article55242177/%D8%.

  1. نسرين قصاب، “القرن الأفريقي والاستراتيجية الإيرانية”، جريدة العرب، يوم: 15/05/2014. العدد 9559.
  2. فهد ياسين، “الدور الإيراني في الصومال، البحث عن موطئ قدم”، مركز الجزيرة للدراسات، أنظر الرابط:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/08/2015818103039934112.html.

4.      أنور أحمد ميو، ” التشيع في الصومال ..حقيقة أم خيال”، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، أنظر الرابط:

http://mogadishucenter.com/2015/04/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D8.

  1. أحمد غريب، “النشاط العسكري الإيراني في القرن الإفريقي وحقيقة المخاوف الإسرائيلية”، مركز قاوم، أنظر الرابط:

http://ar.qawim.net/index.php?option=com_content&task=view&id=4864

Share Button

عن المركز الديمقراطى العربى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


7 × seven =

إلى الأعلى
 

Please log in to vote

You need to log in to vote. If you already had an account, you may log in here

Alternatively, if you do not have an account yet you can create one here.

Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On PinterestVisit Us On LinkedinCheck Our Feed