الرئيسية / الشرق الأوسط / لماذا تبدو تركيا غير قادرة على منع مد الإرهاب رغم أن مرتكبو الهجمات واضحين للغاية ؟
لماذا تبدو تركيا غير قادرة على منع مد الإرهاب رغم أن مرتكبو الهجمات واضحين للغاية ؟
تركيا

لماذا تبدو تركيا غير قادرة على منع مد الإرهاب رغم أن مرتكبو الهجمات واضحين للغاية ؟

-المركز الديمقراطي العربي

اعتبر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان الاعتداء الدموي على ملهى ليلي الذي اعلن تنظيم “الدولة الاسلامية” مسؤوليته عنه يهدف الى اثارة الانقسام في المجتمع.

وقال اردوغان في اول كلمة يلقيها منذ الاعتداء الذي وقع ليلة رأس السنة في اسطنبول واسفر عن 39 قتيلا، ان هذا الهجوم “يهدف الى اثارة الانقسام والاستقطاب في المجتمع، هذا واضح جدا”. واضاف “سنبقى صامدين وسنحافظ على هدوئنا”.

وطمأن الرئيس الاسلامي المحافظ اطياف الشعب التركي لعدم وجود “خطر ممنهج يهدد نمط حياة أحد في تركيا. لن نسمح بحدوث ذلك. خلال 14 عاما من الحكم، لم نعط فرصة لحدوث ذلك”.

وتأتي تصريحاته حول الاعتداء الذي يبدو كصفعة بوجه علمانية تركيا في وقت يرى فيه محللون ان تنظيم “الدولة الاسلامية” يهدف الى تعميق الانقسامات داخل المجتمع التركي.

وعكس اردوغان ذلك بقوله ان “هذه الاعتداءات تهدف الى دفعنا لتفضيل عواطفنا على المنطق” داعيا إلى عدم الانجرار وراء ذلك.

ولطالما تعرض اردوغان نفسه الذي تولى السلطة عام 2003 كرئيس وزراء لاتهامات بمحاولة اسلمة تركيا وتعميق الانقسامات في المجتمع. الا ان السلطات مصرة على ان تركيا ستبقى متمسكة بعلمانيتها وان التغيير خلال فترة حكم اردوغان هدفه فقط منح المسلمين مزيدا من حرية العبادة.

تركيا في حالة استقطاب شديد حول الشخصية القوية لرئيسها رجب طيب أردوغان، إلى درجة أن الكتل المؤيدة لأردوغان والمعارضة له في البلاد تلوم بعضها البعض بدلاً من أن تسأل لماذا تحدث الهجمات الإرهابية، وكيف يمكن وقفها.

وهذا الأمر يثير قلقاً عميقاً حول تركيا وقدرتها على إحباط المزيد من الهجمات الارهابية من خلال قوة مؤسساتها ووحدة مواطنيها.

ويقول “سونر جاغابتاي” :من خلال حساباتي عانت تركيا من 33 هجوماً إرهابياً كبيراً منذ صيف عام 2015، من بينها الهجوم على ملهى ليلي في وسط اسطنبول في الواحد والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر، الذي أودى بحياة 399 شخصاً على الأقل. وترتبط هذه الهجمات، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 7300 شخصاً، بجماعتين إرهابيتين هما: تنظيم «الدولة الإسلامية» و«حزب العمال الكردستاني».

لدى «حزب العمال الكردستاني» ميل لضرب أهداف أمنية في هجماته. ومؤخراً، في 11 كانون الأول/ديسمبر، شن الحزب هجوماً انتحارياً مدمراً بسيارة ملغومة على حافلة تقل ضباط شرطة مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 388 شخصاً (من المدنيين والمسؤولين الأمنيين على السواء)، وجرح 1500 شخصاً آخر.

 [وقد أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» مسؤوليته عن الهجوم الذي وقع ليلة رأس السنة الجديدة في اسطنبول]. وفي الأسابيع الأخيرة، كان الإسلاميون في تركيا قد جادلوا بأن احتفالات ليلة رأس السنة الميلادية غير إسلامية.

وحيث جاء الحدث بمثابة صدمة في دولة ذات تراث مسيحي متجذر – [على الرغم من أن] سانت نيكولاس نفسه ولد في تركيا في أوائل العصر المسيحي – فقد قام الاسلاميون حتى بتنفيذ أحكام إعدام وهمية لسانتا كلوز في الأماكن العامة للاحتجاج ضد الاحتفالات بالعام الجديد، التي يخلطونها مع عيد الميلاد، ويعترضون عليها في عقيدتهم المشوّهة.

ونشرت “سي إن إن” مقالا للباحث “سونر جاغابتاي” هو زميل “باير فاميلي” ومدير برنامج الأبحاث التركية بمعهد واشنطن حيث يتساءل هو إذا كان مرتكبو الهجمات الإرهابية في تركيا واضحين للغاية، فلماذا تبدو تركيا غير قادرة على منع مد الإرهاب الذي تواجهه؟

ويقول الباحث “تكمن الإجابة في أن الأتراك منشغلين للغاية بمحاربة بعضهم البعض، بدلاً من التركيز معاً على محاربة الارهاب”.

منذ تولّي أردوغان السلطة للمرة الأولى كرئيس للوزراء في عام 2003 ثم أصبح رئيساً للبلاد في عام 2014، فاز في الانتخابات على أساس برنامج شعبوي يميني.

فقد قام بتشويه صورة الناخبين الذين لم يصوتوا له على الأرجح، واستهدافهم، وقمعهم بوحشية. وتشكل هذه المجموعات معاً، بما فيها اليساريين والليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين والعلويين (الذين هم مسلمين ليبراليين) والعلمانيين والأكراد، ما يقرب من نصف سكان البلاد.

وقد أدت استراتيجية أردوغان إلى قيام حالة استقطاب عميق في تركيا. فإلى جانب النمو الاقتصادي للبلاد في عهد أردوغان، جلبت له استراتيجيته مجموعة من الموالين اليمينيين، من بينهم القوميين الأتراك والمحافظين والإسلاميين، الذين يمثلون النصف الآخر من البلاد.

إن الكتلة المؤيدة لأردوغان تعشق الزعيم التركي وتعتقد أنه لا يمكن أن يخطيء. وفي الوقت نفسه، إن الكتلة المعارضة لأوردعان تكرهه وتعتقد أنه ليس بامكانه أن يفعل أي شئ بصورة صحيحة. وهذا أيضاً هو الموشورَ الذي من خلاله ينظر الأتراك، للأسف، إلى الهجمات الإرهابية والعنف المتصاعد.

  • كيفية منع موجة العنف؟

في أعقاب كل هجوم، يبدأ الأتراك بإلقاء اللوم على بعضهم البعض بدلاً من أن يقوموا بمناقشة الإخفاقات الأمنية التي ربما أسفرت عن وقوع الهجوم وما يمكن القيام به وما ينبغي عمله لمنع وقوع هجمات أخرى في المستقبل.

ولا يجري بتاتاً أي نقاش حول [الإيديولوجية الفاعلة] وراء السياسة الخارجية التي تؤدي إلى وقوع الهجمات، وعلى وجه التحديد يبدو أن حروب أنقرة المتزامنة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» و «حزب الاتحاد الديمقراطي» الذي هو حليف «حزب العمال الكردستاني» في سوريا تمتد إلى داخل تركيا، مع قيام تنظيم «الدولة الإسلامية» و«حزب العمال الكردستاني» بشن هجمات ذات طابع انتقامي لأن تركيا تحقق مكاسب ضدهم في سوريا.

وعوضاً عن ذلك، يحدد المشهد الاستقطابي في تركيا شكل الحوار في البلاد في أعقاب كل هجوم. فإذا شنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» هجوماً، يلقي الأتراك المعارضين لأردوغان اللوم عليه لعدم حمايتهم.

وإذا كان «حزب العمال الكردستاني» هو الذي نفذ الهجوم، يلقي الأتراك الموالين لأردوغان اللوم على المعارضة، وهكذا تدور الحلقة المفرغة إلى أن يقع الهجوم المروّع القادم بحسب “سونر جاغابتاي”.

لدى تركيا مؤسسات أمنية قومية قوية، ساعدت على ردع موجات إرهابية سابقة، بما فيها حالة تمرد كبيرة قام بها «حزب العمال الكردستاني» في التسعينيات.

وقد ساعدت المؤسسات نفسها أيضاً البلاد على تجاوز أزمات سابقة، مثل القتال المشابه لحرب أهلية في الشوارع وقع بين يمينيين متشددين وجماعات يسارية متشددة في السبعينيات.

ولكن، إذا لا ينخرط الأتراك في نقاش صادق حول كيفية منع مد العنف الذي يواجههم هذه المرة، فأنا أخشى أن لا تكون حتى هذه المؤسسات القوية كافية لوقف موجة الإرهاب وانقاذ البلاد من الدمار.

كل هجوم جديد يشنه «حزب العمال الكردستاني» وتنظيم «الدولة الإسلامية» يدق إسفين أعمق بين المجتمع التركي.

فعندما يهاجم «حزب العمال الكردستاني»، تقوم الكتلة الموالية للحكومة بإلقاء اللوم على المعارضة. وعندما يهاجم تنظيم «الدولة الإسلامية» ، تلقي المعارضة اللوم على الحكومة. على سبيل المثال، بعد الهجوم الذي شنته [عناصر] «حزب العمال الكردستاني» على جنود خارج أوقات عملهم، والذي أسفر عن مقتل 14 شخصاً في مدينة “قيصري” وسط الأناضول التركي، ألقى الغوغاء الموالين للحكومة قنابل حارقة على فروع «حزب ديمقراطية الشعوب» – المعارض الموالي للأكراد – في جميع أنحاء البلاد.

وبالمثل، في أعقاب الهجوم الذي شنه تنظيم «الدولة الإسلامية» في تموز/يوليو 2015 في مدينة “سروج”، الذي أسفر عن مقتل 32 شخصاً، اتهم المتظاهرون الحكومة لفشلها في منعه. وأعلن «صقور حرية كردستان» الذي يدور في فلك «حزب العمال الكردستاني» مسؤوليته عن التفجير المزدوج الذي وقع في اسطنبول في 10 كانون الأول/ديسمبر والذي قتل فيه 29 شخصاً على الأقل؛ ولن تؤدي هذه العمليات سوى إلى زيادة استغلال تنظيم «الدولة الإسلامية» و«حزب العمال الكردستاني» لهذه الأزمة.

كما يرى الباحث في مقال نشرته “واشنطن بوست” سوف تمتد الحرب في سوريا إلى تركيا، كما يتضح من الاغتيال ذات الذيول السياسية الذي طال السفير الروسي في تركيا يوم الاثنين والذي قام به ضابط شرطة مجاز كان قد صرخ “لا تنسوا حلب! لا تنسوا سوريا!”.

وتواجه البلاد كوكتيل سام من الاستقطاب السياسي والتهديد بالعنف اللذان من الممكن أن يتحوّلا إلى كارثة. كنتُ عموماً متفائلاً بشأن تركيا، ولكنني أشعر بالقلق هذه الأيام.

ويقول الباحث إني أؤمن بأن أردوغان يريد أن يجعل تركيا قوة عظمى. [وفي هذا الصدد]، كان رد أتاتورك على فقدان العظمة العثمانية هو العلمانية السلطوية: فقد جعل تركيا أكثر أوروبية من أوروبا نفسها لكي يُقدّم بلاده كدولة مرنة.

أما أردوغان فتمثل رده باستخدام الإسلام والحكم الاستبدادي، وهي الاستراتيجية التي تهدد بتفكيك تركيا الحديثة.

ومع ذلك، فمن خلال سعيه لتحقيق النمو الاقتصادي والوصول بالدخل التركي إلى المستوى القائم في أوروبا، أصبح أردوغان أقرب إلى حلم أتاتورك من أي زعيم تركي آخر. وإذا كان بإمكانه أن يخفف من أجندته السياسية، سوف يدخل اردوغان التاريخ باعتباره واحداً من القادة الأكثر تميزاً وتأثيراً في تركيا.

وإذا لا يستطيع القيام بذلك، فسوف يُذكر بوصفه الزعيم التركي الذي قاد بلاده إلى الحضيض. إن الخيار بيد أردوغان.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى