الرئيسية / الشرق الأوسط / تقدير استراتيجي: عهد جديد في العلاقات العراقية – التركية
تقدير استراتيجي: عهد جديد في العلاقات العراقية – التركية
تركيا - العراق

تقدير استراتيجي: عهد جديد في العلاقات العراقية – التركية

اعداد : د. فراس الياس – باحث مختص بالشان التركي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مدخل:

تعود جذور العلاقات العراقية – التركية إلى اوائل القرن العشرين، والتي كانتتحكمها جملة عوامل وأسس تاريخية واقتصادية وثقافية وأمنية نابعة من علاقات الصداقة وحسن الجوار وتشابك المصالح الثنائية ،على الرغم من تخلخل العلاقات في بعض الاحيان مراحل من القطيعة .

وعلى هذا الأساس حملت العلاقات ما بين البلدين ابعاد دولية واقليمية ،فالدائرة العراقية لها اهمية كبيرة اقليميا وعالميا ،بحكم الموقع الجيوستراتيجي المهم ، والموارد الاقتصادية الهائله ،مما اكسبها الدور المهم وعلى مختلف الصعد.

كذلك الدائره التركية وما تحمله من مكانة كبيرة على الصعيد الاقليمي والعالمي ،فتركيا إحدى الدول الرئيسة التي تجاور العراق والشرق الأوسط، وتمتاز بثقلها الديموغرافي وقوة جيوبوليتيكية ذات وزن سياسي واقتصادي مؤثر ، نالت بفضل مظاهرها الجغرافية ميزات جعلت منها قوة اقليمية ترغب في أن يكون لها دور قيادي ضمن حيز واسع ( دور دولي ) يتجاوز حدود المنطقة ويرسم سمات اتجاهات سياستها الخارجية نحوه ، هذا فضلاً عن قوة علاقاتها مع الغرب وعضويتها في حلف الناتو مما يجعلها من محددات الحركة والتوازن وعنصراً مهما في الاستراتيجية العراقية.

كذلك تنطوي العلاقات ما بين البلدين على مجالات للتعاون من جهة ومشكلات وتعقيدات ( مصادر تهديد) من جهة اخرى .

مكانة العراق في الثوابت السياسية التركية:

تقوم السياسة الخارجية التركية تجاه العراق على ركيزتين أساسيَّتين، هما: الأمن الجيوسياسي والأمن الاقتصادي، ومنذ غزو العراق في عام 2003 وحتى اليوم دأبت تركيا على التأكيد دومًا على هذه الثوابت في أي استحقاق يتعلق بالعراق وهي:(1)

  • وحدة العراق (الأمن الجيوسياسي): تَعتبر الحكومةُ التركية الحفاظ على وحدة العراق ثابتاً من ثوابت الأمن القومي للبلاد، وذلك على اعتبار أنَّ تقسيمه من الممكن أن يفتح الباب واسعًا أمام تقسيمات أخرى في المنطقة قد لا تستثني تركيا نفسها، خاصة إذا ما تمَّ رسم هذا الانقسام على طول الخط الكردي في المنطقة (بالإضافة إلى مصير كركوك والعنصر التركماني).
  • الاستقرار في العراق (الأمن الاقتصادي): استقرار العراق بالنسبة إلى أنقرة مكسب استراتيجي على الصعيد السياسي والاقتصادي، وعلى صعيد الاستثمار وأمن الطاقة، وذلك نظراً إلى ما يملكه الطرفان من مقوِّمات تساعد على تحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدين، فالعراق بحاجة إلى عمل هائل في البنية التحتية بعشرات مليارات الدولارات، وتركيا تمتلك قطاع مقاولات ضخمًا، وتحتلُّ المرتبة الثانية في العالم بعد الصين بالنسبة إلى قطاع الإنشاءات، ناهيك عن قطاع خاص حيوي يمكنه أن يُسهم بشكل فعَّال في مساعدة العراق بما يعود بالنفع على تركيا أيضًا.
  • كما أن عِراقًا مستقرّاً ومزدهراً يعني الإسهام في تحقيق أمن الطاقة التركي، وارتفاعاً في دخل الفرد العراقي، مما يعني بدوره المزيد من الاستهلاك للبلد الذي يُشَكِّل -في وضعه الحالي غير المستقر- ثاني أكبر سوق للصادرات التركية بعد ألمانيا؛ مما يُؤَهِّل العراق لأن يصبح أكبر شريك تجاري لأنقرة مستقبلاً، وأن يتضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين بسهولة مرتين أو ثلاثًا خلال عشر سنوات.

العلاقات مع اقليم كردستان العراق:

يُعد توسيع نطاق تعاطي تركيا مع “حكومة إقليم كردستان” مناورة مهمة من الناحية الاستراتيجية، من شأنها أن تعزّز قيام تحالف جديد في المنطقة خاصة إذا واصل بارزاني توجيه الأكراد السوريين تجاه محور تركيا-“حكومة إقليم كردستان”. بيد، لا تخلو العلاقات من عقبات.

لا تزال هناك بعض الريبة التي تنتاب أنقرة من كردستان العراق، كما لا يتفق الطرفان حول كل قضية، وعلى أي حال لا يمكن حتى للتحولات الإقليمية الأكثر عمقاً أن تغير من الحقيقة بأن معسكرات “حزب العمال الكردستاني” لا تزال تعمل في إقليم “حكومة إقليم كردستان”، ومن جانبها يبدو أن “حكومة إقليم كردستان” تشعر بالحساسية من تعزيز العلاقات مع تركيا خوفاً من استفزاز جارتها إيران التي لها ثقلها في المنطقة.

كما أن هناك عقبة محتملة أخرى تتمثل في رغبة “حكومة إقليم كردستان” في قيام أنقرة بإطلاق حوار مع “حزب العمال الكردستاني” مما يعد أمراً بالغ الصعوبة في ظل المشهد السياسي التركي الحالي، ومع ذلك، فقد بدأ قادة من كلا الطرفين يفضلون قيام علاقات أوثق بين الجانبين، وبصورة غير علنية يرى المسؤولون الأتراك بأنه في حالة انجراف بغداد بعيداً عن المصالح التركية، فقد تقرر أنقرة “أخذ كردستان تحت جناحيها”، وتوافق “حكومة إقليم كردستان” على ذلك – حيث تردد أن بارزاني نفسه قد اقترح هذا النوع من العلاقة المتبناة [من قبل تركيا]، ونظراً لأن بغداد تقوم بشراء الطائرات المقاتلة الجديدة من طراز F-16 من الولايات المتحدة، فمن الممكن وضع هذا التعهد على المحك، ومن جانبه عبّر بارزاني عن مخاوفه من  احتمالية استخدام بغداد لهذه الطائرات ضد “حكومة إقليم كردستان” في المستقبل، كما أن المسؤولين الأتراك والأكراد أشاروا إلى أن أنقرة ستكون مستعدة للدفاع عن “حكومة إقليم كردستان” في حال تدخل بغداد بقوة للاعتراض على الحكم الذاتي الكردي.

وبالنسبة لأنقرة، تتجه السياسة التركية منذ أمد بعيد نحو منع احتمالية منح “حكومة إقليم كردستان” مزيد من الاستقلال وهو الموقف غير التقليدي بالمرة، بيد أنه بسبب نضج علاقتها مع “حكومة الإقليم” وظهور التصدعات العرقية المحتملة في سوريا، أصبحت المواقف التركية أكثر اتزاناً.

وعلى وجه الخصوص، تدرك أنقرة مدى اعتماد الاقتصاد المتنامي لـ “حكومة إقليم كردستان” على تركيا، وهو ما يعد دافعاً قوياً لأربيل للعمل ضمن المعايير التركية، ووفقاً لمسؤولين أكراد فإن تركيا هي الشريك التجاري الرئيسي لـ “حكومة إقليم كردستان”- حيث يبلغ حجم التجارة بينهما 7.7 مليار دولار، كما أن 80 في المائة من واردات السلع الاستهلاكية الكردية تأتي من تركيا، وتنعكس هذه الأرقام في كل مكان توجد فيه سلع ومحلات تجارية تركية في أربيل، حيث يتردد بأنه يتم التكلم باللغة التركية على نطاق واسع في دوائر الأعمال التجارية ومحلات البيع بالتجزئة، وقد أخذت العلاقات الاقتصادية تتطور بشكل كبير منذ 2010 حينما كانت تعمل حوالي 730 شركة تركية في شمال العراق، وبحلول نيسان/أبريل 2012، أعلن وزير التجارة في “حكومة إقليم كردستان” سنان جلبي بأن عدد هذه الشركات قد وصل إلى 1023 شركة وهو يفوق عن أي بلد آخر، وقد عززت “حكومة إقليم كردستان” من نشاط هذا الزخم الاقتصادي بتقديمها حوافز ضريبية سخية لشركات تركية، تصل في بعض الأحيان إلى الإعفاء الضريبي للسنوات الخمس الأولى من أعمالها التجارية، وبالإضافة إلى ذلك، وافقت أنقرة وأربيل مؤخراً على فتح معبرين إضافيين على الحدود لتخفيف عبور الناس وتدفق المنتجات بين الجانبين.

وبالنسبة لـ “حكومة إقليم كردستان”، يعد المنطق الاقتصادي وحده كافياً لتبرير هذه السياسة، وعلى أية حال، فمن نواحٍ عديدة تعتبر تركيا خياراً أفضل من بغداد كبوابة للاقتصاد العالمي، وفي الوقت نفسه، تؤكد هذه العلاقة التجارية أن الاستقرار الاقتصادي في كردستان والنجاح السياسي المترتب عنه يتوقفان إلى حد كبير على حسن نية السلطات التركية، وفي ضوء هذه الحقيقة والتهديد المتصور التي تشعر به “حكومة إقليم كردستان” من بغداد، بوسعنا أن نقول أنه من خلال تعاون الأكراد العراقيين مع تركيا سيحصلون على حوافز أكثر من أي وقت مضى.

ومن وجهة نظر تركيا إن فوائد العلاقة القوية مع “حكومة إقليم كردستان” هي في تزايد أيضاً، وكما موضح سابقاً، تمتعت تركيا بعلاقات مستقرة مع سوريا وإيران قبل ثورات “الربيع العربي” ولكن سرعان ما تحولت علاقات الجوار تلك إلى خصومة عقب اندلاع تلك الانتفاضات، والنتيجة المباشرة لهذا التحول هو أن أنقرة تواجه الآن احتمال قيام العديد من الدول المجاورة –  ولا سيما سوريا –  برعاية “حزب العمال الكردستاني”، كما أن التحالف مع “حكومة إقليم كردستان” يمنح تركيا وسيلة من شأنها أن تمنع ظهور كيان كردي معادي آخر في دولة مجاورة.

وفي الواقع، قد تؤثر قضية “حزب العمال الكردستاني” سلباً على العلاقات بغض النظر عن التطورات الجارية في سوريا، فالتصعيد الأخير في وتيرة هجمات “حزب العمال الكردستاني” قد جعل عام 2012 الأكثر دموية في تركيا منذ عام 1999 عندما ألقت أنقرة القبض على زعيم الجماعة سابقاً (عبد الله أوجلان) ، ونتيجة لذلك أصبح الغضب الشعبي عاملاً مقنعاً في تفكير الحزب الحاكم في الانتخابات القادمة، ونظراً لتقاعس “حكومة إقليم كردستان” في التصدي لـ “حزب العمال الكردستاني”، فقد تنظر السلطات التركية إلى الأكراد العراقيين كمتواطئين في أعمال العنف التي يقوم بها هذا الحزب، ومع أن “حزب العمال الكردستاني” يتمركز داخل أراضي “حكومة إقليم كردستان”، إلا أن معقل الحزب الضيق في جبال قنديل لا يقع تحت سيطرة أربيل، ويتجاهل الكثير من الأتراك هذه التفاصيل بسبب مواقفهم الراسخة تجاه كردستان العراق.

وعلى الرغم من هذا الغموض السائد، لا تزال أنقرة تعتقد بأن مصالحها الأساسية تُخدم بشكل أفضل في ظل وجود عراق موحد، وطالما ظلت “حكومة إقليم كردستان” وبغداد على خلاف حول مستقبل العراق وطالما كان هناك تهديد بقيام كيان يكون تحت إدارة “حزب العمال الكردستاني” في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، فسوف تواصل تركيا سعيها لإقامة علاقات وثيقة مع “حكومة إقليم كردستان” والبارزاني، فالتفاعل المعقد بين هذه القوى سوف يحدد سياق سياسات أنقرة في العراق لبعض الوقت في المستقبل، ويحتمل أن ينذر بحدوث تحولات جوهرية في العلاقات التركية العراقية سلباً أو إيجاباً.(2)

أزمة الموصل والوجود العسكري التركي في شمال العراق:

لابد من القول إن الموصل تعني الشيء الكبير بالنسبة لتركيا، فمن ناحية أولى، كانت المدينة العراقية منذ أقل من مئة عام جزءاً من الامبراطورية العثمانية، وقد احتلتها القوات البريطانية بعد توقيع «هدنة مودروس» في العام 1918 بين الامبراطورية العثمانية والحلفاء، والتي نصت على توقف الحرب بين القوات البريطانية والعثمانية، ولهذا اعتبر العثمانيون ما حصل يومها خرقاً للهدنة، دون أن تنجح باستعادة الموصل ، ولاحقاً عندما وقعت تركيا «اتفاقية لوزان» في العام 1923، والتي تعتبر النهاية الرسمية للامبراطورية العثمانية والاعتراف بالجمهورية التركية الجديدة وفق الحدود الجديدة المتفق عليها، بقيت قضية الموصل خارج المعاهدة لتبت فيها «عصبة الأمم»، التي أرسلت بدورها لجنة تقصي حقائق أوصت بأن تبقى المدينة تابعة للعراق، وقد وافقت تركيا على ذلك ووقعت اتفاقية ترسيم حدود مع العراق في العام 1926، وبقيت الموصل تابعة للعراق الذي كان قد غير اسم المحافظة إلى محافظة نينوى.

وبعد السيطرة على مدينة الموصل من قبل تنظيم داعش في 10 /6/ 2014 ، تم احتجاز موظفي القنصلية التركية من قبل التنظيم ، ودامت أزمة المختطفين الأتراك حتى العشرين من سبتمبر من نفس العام، حيث تم إطلاق سراحهم، وصرح رئيس الوزراء التركي آنذاك أحمد داود أوغلو، عقب استقبال المختطفين في مدينة أورفا ومنها إلى العاصمة أنقرة، بأن “الاستخبارات التركية تمكنت من نقل المختطفين من بعد منتصف الليل وإدخالهم الأراضي التركية صباح اليوم”، وتجاوزت تركيا الأزمة المذكورة بدون عواقب تمس بسيادتها، ولكن على صعيد آخر، استمر تهديدها السياسي وخسائرها الاقتصادية بالمثول والتفاقم.

وبالحديث عن طبيعة الوجود التركي في شمال العراق ، يمكن القول أن تواجد القوات التركية على أطراف المدينة ، يشير الى أن المهمة الأساسية لهذه القوات يأتي ضمن إطارين ، الأول هو قيام هذه القوات بتقديم الدعم والإستشارة والعمل كقوات ساندة لقوات الحشد الوطني التابعة لأثيل النجيفي المقرب منها والداعم لها اثناء الشروع في عملية التحرير ، اما الثاني فهو من أجل ضمان النفوذ والارتباط في المرحلة المقبلة ، ولأبد من القول إنه على الرغم من صعوبة إستشراف ماذا سيحدث وماذا ستكون عليه الامور ، إلا أن الثبات هو أن تركيا لايمكن ان تتوانى بكل مامن شئنه حفظ مصالحها السياسية في هذه المدينة ، حتى وان كلفها ذلك الدخول في صدام سياسي بل وحتى عسكري مع الحكومة العراقية ، وإنطلاقا من مجموعة من الأسباب هي :

  • مذهبي : لايمكن النفي إن هناك استقطاباً طائفياً مغلف بغلاف سياسي يسيطر على منظومة العلاقات بين البلدين ، فالحكومة العراقية ترى في تركيا مدافعاً عن (السنة) الى جانب العربية السعودية ، وإن تواجد قواتهاعلى حدود مدينة الموصل جاء بدوافع جيوسياسية تخص الأمن التركي في المقام الاول ، نظراً لإرتباط هذه المدينة بحدود طويلة مع شمال شرق سوريا التي تسعى الى فرض منطقة عازلة فيه.
  • جغرافياً : فتركيا تسعى إلى فرض سيطرتها على هذه المنطقة الجغرافية لارتباطها بالمجال الحيوي التركي ، خصوصا مدينة تلعفر التي تسعى الى الحفاظ على طابعها القومي بعيدا عن اية تفرعات مذهبية ، كونها لا تريد اية مدينة تحكمها اغلبية شيعية بسيطة ، وبالتالي تكون خارج حسابات (إقليم الموصل السني) الذي اذا ماكتب له النجاح فأنه سيكون متوافقا من حسابات تركية الاقليمية، وهذا مايزيد من احتمالية انغماس تركيا في الشأن الموصلي خلال المرحلة القادمة.
  • امنية : تتعلق بطبيعة تطورات الاوضاع على الساحة السورية ، خصوصا فيما يتعلق باكراد سوريا (وحدات حماية الشعب الكرديPYD ذراع حزب العمال الكردستاني في سوريا) وسيطرتهم على معبر ربيعة الحدودي ، وبالتالي هذا يعني استمرارية تهديدهم للامن التركي ، خصوصا مع تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني في سنجار والتي ترتبط جغرافياً بجنوب تركيا عبر سلسلة جبال قنديل ، والتي يتم استثمارها لنقل الاسلحة والمعدات لعناصر حزب العمال داخل تركيا من اجل ادامة الصراع مع الامن التركي ، وهذا يعني ان الدور التركي مرشح لمزيد من التدخل في الموصل على الأقل سياسياً من اجل جعل المدينة بعيدة عن اي نفوذ كردي شيعي ، قد يشكل ضغطاً عليها في المستقبل .
  • إقتصادي: تأثر الاقتصاد التركي بشكل ملموس من الاهتزاز الأمني في منطقة الشرق الأوسط، واتخاذ دور أساسي في تحرير الموصل دون شريك عسكري يعني المزيد من التضاؤل في المؤشرات الاقتصادية ويعني التكاليف الاقتصادية الضخمة التي لا يمكن لتركيا تحملها في الوقت الحالي.
  • سياسية : يمكن القول ان تركيا في مرحلة مابعد الانقلاب الفاشل ليست كما قبلها ، اذ انها ستتجه الى مزيد من التشدد والواقعية في سياستها الخارجية خصوصا فيما يتعلق بتواجد قواتها على اطراف مدينة الموصل ، وبالتالي فان مشاركة هذه القوات او انسحابها سوف يكون مرتبط بمقدار ما ستشهده العلاقات العراقية التركية من تطور .

الازمة السورية:

في مارس من عام 2011 اندلعت الثورة السورية، وعلى الرغم من أن الجانب التركي حاول طوال عدَّة أشهر إقناع الأسد بأنَّ تفادي تداعيات انفجار الثورة لا يزال ممكنًا، وذلك من خلال عملية إصلاح عاجلة وشاملة، فإن الأسد رفض النصائح التركية، وعندها تدهورت العلاقة بين الجانبين وأعلنت تركيا عن دعمها للثورة السورية، ورفضها لسياسات القتل التي يمارسها، ومع توجه الأسد أكثر فأكثر إلى الاعتماد الكلي على الدعم الإيراني، دفعت الأخيرة باتجاه إنشاء تكتُّل إقليمي، وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على سلوك الحكومة العراقية أيضاً،وهو ما ادخل الازمة السورية في نفق مظلم كونها اصبحت كثقب اسود يستقطب كل القوى الاقليمية لتصفية حساباتها على الساحة السورية.

الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم ومستقبل العلاقة مع العراق:

تأتي زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم إلى بغدادبعد مرحلة من السجالات والخلافات المتبادلة بين البلدين على خلفية وجود القوات التركية في معسكر بعشيقة شمالي العراق ، فضلاً عن موضوعات تخص الحشد الشعبي و حزب العمال الكردستانيالمعارض لأنقرة ، والتي من المتوقع ان تكون على رأس  أجندة أعمال يلدرم.

مدلول الزيارة:

يمكن القول إن هذه الزيارة والهدف منها يمثل عودة تركيا الى سياسة تصفير الأزمات مع دول الجوار، فضلا عن كونها تطميناً عراقياً لتركيا حيال إبعاد الحشد الشعبي عن المشاركة في اقتحام المدن في محافظة نينوى، ويمكن القول أنه من المفيد لتركيا من تتجه الى تحسين علاقاتها مع دول الجوار الإقليمي ومنه العراق ، نظراً لتشابك المصالح والتهديدات الأمنية والتي يأتي على رأسها مكافحة تنظيم داعش في سوريا والعراق  ، وإيجاد ترتيبات أمنية اقليمية تحفظ حقوق ومصالح البلدين.

متغيرات جيوامنية إقليمية جديدة:

لابد من الاشارة إلى أن هناك تطورات أقليمية جديدة فرضت على تركيا اعادة النظر في علاقاتها مع دول الاقليم بشكل عام ومنها العراق ، ويأتي في مقدمتها :

  • المرونة التي ابدتها الحكومة العراقية في تفهمها للمخاطر الامنية التي تحيط بالامن القومي التركية ، والتي يأتي على رأسها ابدأ الحكومة العراقية عدم الرضا على تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني على أراضيها وتحديدا في جبل سنجار ،  فمثلما شكل هذا الحزب تهديدا حقيقيا للامن التركي ، شكل في جانب اخر تقويضا للسيادة العراقية من خلال استغلاله لهذه المنطقة الرخوة ، وبالتلي فأن هذا يمثل مشتركا حقيقيا نحو الانطلاق لارساء علاقات تعزز الامن المشترك من خلال مكافحة هذا الحزب.
  • إن التقارب بين روسيا وتركيا وإيران، في الملف السوري وتوجه تركيا نحو “أوراسيا”، كل ذلك ولد قناعة لدى القادة الأتراك بضرورة تطبيع العلاقات بين أنقرة وبغداد.
  • إن تركيا تدرك جيدا انه بدون تحسين العلاقات مع الحكومة العراقية سوف تواجه ضغوط كبيرة على الساحة السورية ، وتحديدا فيما يخص الشريط الحدودي الذي يربط العراق بسوريا ، والذي يستغله عناصر حزب العمال الكردستاني وكذلك تنظيم داعش لنقل المعدات والتسهيلات العسكرية ، والتي تحد كثيرا من عملية درع الفرات التي تقوم بها القوات التركية في شمال العراق ، وهذا يتطلب من تركيا بمراجعة نفسها في العلاقة مع بغداد.

خطوات متوقعة

يتوقع أن تثمر زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم للعراق عن مجموعة من الخطوات ومن أهمها :

  • ايجاد مشتركات سياسية للملفات محل التوتر بين البلدين كـ( الوجود التركي في شمال العراق ، الحشد الشعبي ومشاركته المتوقعة في الازمة السورية ، ومستقبل مدينة الموصل في مرحلة مابعد داعش)
  • فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية.
  • تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي ، وتبادل للمعلومات بخصوص مكافحة تنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني.
  • اقتراح إقامة تعاون عسكري وأمني بين البلدين.
  • اقتراح مساعدة العراق في النهوض الاقتصادي من خلال استغلال موارده وثرواته بشكل أفضل.
  • إبرام عدد من البروتوكولات، لا سيما ما يتعلق بالملف السياسي والاقتصادي والتعليمي.
  • من المتوقع ايضا أن يتم حسم قضية المياه التي تشكل عائقا أمام اللجنة المشتركة بين البلدين، فضلا عن ملف استثمار غاز كركوك والبصرة.

المصادر:

  • علي حسين باكير ، العراق في حسابات تركيا الاستراتيجية والتوجهات المستقبلية، في 19 يناير 2015. http://www.turkpress.co/node/4966
  • Soner Cagaptayand Tyler Evans,Turkey’s Changing Relations with Iraq:Kurdistan Up, Baghdad Down,The Washington Institute,pOLICY ANALYSIS. http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/turkeys-changing-relations-with-iraq-kurdistan-up-baghdad-down
Share Button

عن المركز الديمقراطى العربى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


3 + three =

إلى الأعلى
 

Please log in to vote

You need to log in to vote. If you already had an account, you may log in here

Alternatively, if you do not have an account yet you can create one here.

Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On PinterestVisit Us On LinkedinCheck Our Feed