الرئيسية / عروض كتب / تلخيص كتاب : “الإسلام والخلافة” للدكتور علي حسن الخربوطلي
تلخيص كتاب : “الإسلام والخلافة” للدكتور علي حسن الخربوطلي
كتاب

تلخيص كتاب : “الإسلام والخلافة” للدكتور علي حسن الخربوطلي

لخصه الباحث: الحسن الفرياضي – المركز الديمقراطي العربي

 

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 وبعد:

فقد وجهت نظري للتعامل مع مجموعة من المظان في السياسة الشرعية، وبعد الاطلاع على زمرة من هذه المؤلفات القيمة في هذا المجال استوقفني عنوان هذا الكتاب الذي نحن بصدد تلخيصه وهو : “الإسلام والخلافة” للدكتور علي حسن الخربوطلي، لان هذا الكتاب عبارة عن دراسة علمية منهجية لتاريخ الدول الكبرى الزاهرة التي شهدها العالم الإسلامي منذ ظهور الإسلام الى أوائل القرن العشرين الميلادي، ويجعل الكتاب (الخلافة) محورا لهذه الدراسة، ثم يتناول فلسفة الخلافة من جميع جوانبها، ونظريات الأحزاب والفرق الإسلامية حولها ثم يتناول مراحل الخلافة جميعا، حيث تناول: أولا مرحلة الخلفاء الراشدين، التي شهدت أربعة من أعظم الخلفاء المسلمين، وصلوا الى قمة الرشد السياسي والإداري.

ثم بعد ذلك مرحلة الخلافة الأموية حيث انحصرت الخلافة في البيت الأموي، وأصبحت تتبع مبدأ الوراثة، وانتقلت الى بلاد الشام، واصطبغت بطابع يميزها عن خلافة الراشدين، ثم بعد ذلك تحدث عن مرحلة جديدة هي مرحلة الخلافة العباسية التي عاشت أكثر من خمسة قرون، ثم تحدث كذلك عن الخلافة الفاطمية في المغرب ثم في مصر، وهي خلافة علوية شيعية ثم اختتم بالخلافة العثمانية وهي آخر الخلافات الإسلامية، حيث أعلن كمال أتاتورك سنة 1924 م، إلغاء السلطنة العثمانية سنة 1918 م، وإنشاء الجمهورية التركية فكان هذا أخر عهد العالم الإسلامي بالخلافة.

وبعد العزم توكلت على الله في مدارسته والوقوف على أبرز ما تضمنه من حقائق وقضايا الخلافة في الإسلام، رغبة في الاستزادة من العلم أولا، ووعيا بأهمية دراسة تاريخ الخلافة الإسلامية ثانيا.

موضوعات الكتاب:

يقع كتاب، “الإسلام والخلافة” في مقدمة، ومجموعة من الفصول، كالأتي:

 

الفصل الأول، في قيام الدولة الإسلامية:

حيث ناقش فيه عددا من الحقائق التاريخية في العصر الجاهلي، فأشار الى أن العرب قبل ظهور الإسلام لم يكن لهم حكومة ترعى مصالحهم الداخلية والخارجية، وإنما كانوا قبائل متفرقة متعادية، وفي نزاع وصراع دائمين، وفي فوضى سياسية واجتماعية ودينية بعيدة المدى، ثم ظهر الإسلام فخلق دولة عربية إسلامية ووحد كلمة العرب وعرفوا معنى النظام والأمن والاستقرار ونجح الإسلام أن يجمع شمل العرب المتفرقين المتنابذين، ومن التفصيلات التي ذكرها الكاتب في هذا الموضوع:

أولا – أشكال الحياة السياسية والاجتماعية قبل الإسلام:

1 . الحياة السياسية قبل الإسلام: ذكر المؤلف أنها كانت تضم ثلاثة أشكال، حتمتها الطبيعة والبيئة والظروف الجغرافية، وهذه كالتي:

  • الشكل الاول: الدولة كوحدة سياسية في اليمن.
  • الشكل الثاني: المدينة كوحدة سياسية في اقليم الحجاز، حيث ظهرت عدة مدن كبرى مثل مكة والطائف.
  • الشكل الثالث: القبيلة كوحدة سياسية واجتماعية معا في الصحاري والبوادي وهم القسم الغالب.

2 . الحياة الاجتماعية قبل الاسلام: ذكر المؤلف ان العرب كانوا في العصر الجاهلي ينقسمون من الناحية العنصرية الى قسمين:

  • القسم الاول يمثله عرب الشمال اي سكان الحجاز، وهم نسل اسماعيل بن ابراهيم، ويسمون العدنانيين او المعديين.
  • القسم الثاني يمثله عرب الجنوب وهم سكان اليمن، ويسمون القحطانيين، أي أنهم من نسل قحطان.

وكشف المؤلف أن الخلاف الجوهري بين القسمين هو الحضارة، حيث عاش القسم الجنوبي حياة متحضرة ، وعيشة استقرارية نتيجة خصوبة بلادهم واشتغالهم بالزراعة، بينما آهل الشمال تغلب عليهم البداوة وحياة الترحال، وأشار المؤلف الى هذا التمييز كان في النزاع الدائم حول موارد المياه بين أهل المدينة من الأوس والخزرج وهم يمنيون وبين أهل المدينة وهم عدنانيون، كما كان سببا في الصراع حول الشرف والرئاسة بين القبائل المتقاربة في الأنساب والمكان كما كان بين بني هاشم وبني أمية بمكة، وبين عبس وذبيان من قيس، وبين بكر وتغلب من ربيعة.

ثانيا . اثر الاسلام في تحقيق الوحدة الاجتماعية والسياسية: تطرق المؤلف في المسالة الى أن الإسلام جاء والعرب قبائل موزعة، وأحياء متخاصمة لا يجمعهم دين ولا سلطان ولا شريعة اجتماعية عادلة منظمة، فعمل الإسلام على تحقيق مجموعة من الأغراض، منها:

  • إقامة حضارة اجتماعية جديدة خالية من الفساد الذي وقعت فيه حضارة الفرس والروم.
  • تحقيق المساواة بين تلك الشعوب والقبائل المتنازعة في العصر الجاهلي، والرفع من كرامة الفرد والمجتمع الى المكان اللائق بها حيث السمو في العقيدة والكمال في النظام وروح الجماعة.
  • تحقيق العدالة الاجتماعية بأوسع معانيها بالنسبة للأفراد والجماعات.
  • دعم التعاون على البر والخير والإصلاح وتوثيق الصلة بين الفرد والجماعة بالتكافل والمحبة والوئام والسلام.
  • المحافظة على الأمن والنظام بين الناس، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات.
  • تشريع الكثير من النظم الاجتماعية التي تزيد قوة المجتمع ووحدته، كالحج والزكاة وصلاة الجماعة والإحسان ومحاربة الرذائل الاجتماعية، وإزالة الفوارق الاجتماعية بين الناس.
  • تحريم دعوة العصبية واستبدل بها دعوة الدين والطاعة لحاكم واحد يلزم شريعة الله.

وبذلك يكون الإسلام قد نجح في أن يجمع بين القبائل العربية في حكومة مركزية قوية، فزالت الحزازات القديمة والثارات التي بين القبائل، فخضعوا لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأوامر القران الكريم بعد أن كانوا يدينون لرؤساء متفرقين.

الفصل الثاني، في فلسفة الخلافة:

ناقش فيه المؤلف مجموعة من المباحث المتعلقة بقضية الخلافة من تعريفها عند الفقهاء وفي القران الكريم والحديث النبوي، كما أشار فيه الى الفرق بين فكرة الخلافة في الإسلام وبين الإمبراطورية الرومانية المقدسة، كما تحدث فيه أيضا عن شروط اختيار الخليفة، وحقوقه وواجباته وألقابه وامتيازاته وأعوانه، وفي تفصيل  ذلك ما يلي:

أولا .  معنى الخلافة: أشار الى أن المقصود بها: أنها رياسة في أمور الدين والدنيا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنزلة الخليفة من الأمة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم له الولاية العامة على المسلمين، وعليهم طاعته التامة وله الحق القيام على دينهم فيقيم فيهم حدوده وينفذ شرائعه وله حق القيام على شؤون دنياهم أيضا بيده زمام الأمة فكل ولاية مستمدة منه وكل خطة دينية أو دنيوية متفرعة عن منصبه فهو الحاكم الزمني وهو الحاكم الروحي.

ثانيا . الخلافة في القران الكريم والحديث النبوي: ثم انتقل بعد ذلك في هذا المبحث للحديث عن الآيات القرانية والأحاديث النبوية التي تعبر عن الخلافة فذكر منها ما يلي:

  • آيات قرآنية تعبر عن الخلافة بعبارات عامة ليس فيها تخصيص أو تحديد، ومن هذه الآيات: أية وردت في سورة النور، وهي قوله تعالى: (وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم)، ومنها أيضا من سورة الأنعام، قوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما أتاكم)
  • واستعملت كلمة الخليفة استعمالا متشابها وبمعنى أضيق حينما وبخ الله سبحانه وتعالى قبيلة عاد على شركها وكفرها برسالة هود، حيث يقول هود لقومه في سورة الأعراف: (اوعجبتم ان جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح).
  • واستعملت كذلك كلمة خلفاء للدلالة على عدد من الناس : (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا الاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين)
  • وفي الآية 26 من سورة “ص” : (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)، وفي الآية 30 من سورة البقرة: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها)، وكلمة الخليفة الواردة في هاتين الآيتين لا يقصد منها معنى الحكم وهو الذي فسرت به فيما بعد.

كما ذكر أن هناك بعض الأحاديث الموضوعة ومدسوسة على الرسول صلى الله عليه وسلم تتناول الخلافة، منها ما يلي:

  • حديث (الأئمة من قريش)
  • حيث (لا يزال على الناس وال من قريش)
  • حديث (الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في الحبشة).
  • حديث (الأئمة من قريش، أبرارها أمراء وفجارها أمراء)

وبعد أن استطرد المؤلف في ذكر الآيات والأحاديث التي تتناول الخلافة توصل الى انه ليس في القران الكريم ولا في السنة النبوية نص يعترف بوجود الخلافة والإمامة العظمى، وقال بان العلماء السابقون يقرون بانعدام نص في الكتاب بهذا المعنى ويردون الأمر كله الى الإجماع وان كان القران يأمر بان يطيعوا أولي الأمر في بعض الآيات مثل قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وقال انه حتى إن صح حديث (الأئمة من قريش)، وهي قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم، وجب حمله على انه من باب الإخبار بالغيب لا من باب الأمر باتخاذ الخلفاء من قريش.

ثالثا . الخلافة والإمبراطورية الرومانية: أشار المؤلف في هذا المبحث الى أن الخلافة ونظامها لا يشبهان نظام الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي نشأت في أوروبا في العصور الوسطى كما يعتقد ذلك كثير من المستشرقين، وقال بأنه رغم وجود فكرة أو مبدأ السيطرة العالمية بين المذهبين، إلا أنهما يختلفان فيما بينهما من عدة أوجه، ذكر منها:

  • أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة لم تكن مستحدثة الوجود وإنما هي منبعثة عن إمبراطورية وثنية سابقة، كما نجد فيها حاكمين احدهما (زمني) وهو الإمبراطور، والأخر (روحي) وهو البابا، أما الخلافة فنظامها مستحدث، ووليد ظروف وأحوال نشأت عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخليفة الى ذلك حاكم سياسي وديني، ولكن وظيفته الدينية لا تتعدى المحافظة على الشؤون الدينية المقررة في الإسلام، وليس له وظائف كالتي ينعم بها البابا من عصمة وغفران الخطايا، وإنما هذه الأشياء عند المسلمين تتعلق بين المرء وربه.
  • الخلافة مع صفتها الدينية الضيقة ليست وظيفة دينية بحيث تعطى الخليفة سلطة دينية ترفعه عن غيره من المسلمين.
  • وكذلك تختلف الخلافة عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة من حيث أن الأخيرة انهارت واندثرت، وليس هناك اليوم احد في الدول الأوروبية يفكر في بعثها، أما الخلافة فإنها إذا لم تكن قائمة مثلا عند المسلمين بعد أن تم إلغاؤها في تركيا سنة 1924 م، إلا أنها مقدسة محترمة عند المسلمين وظل المسلمون بعد إلغائها عدة سنوات يطالبون بإحيائها.
  • كذلك تختلف الخلافة عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة من حيث العقيدة، فالعقيدة الإسلامية المتعلقة بالله وصفاته تختلف اختلافا عظيما عن الصفات الإلهية في الدين المسيحي، فالإسلامي يعتبر صفات الله شيئا خاصا بالله، دون غيره من المخلوقات، لا يشركه فيها احد ولا يتعلق ببعضها احد.
  • وتختلف معه أيضا في إلغاء الوسطية بين العبد وخالقه، بخلاف الدين المسيحي.
  • وليس يوجد في الإسلام انفصال بين الدين والدولة كما هو في المسيحية.

رابعا . شروط الخليفة: من جملة الشروط التي ذكرها للخليفة أن يكون متصفا بها ما يلي:

1 . أن يكون عالما علما يكفيه في تحصيل الاجتهاد بنفسه في كل الأمور، حتى ينفرد برأيه عن هدى وصواب واستدلال، لان التقليد والخضوع لرأي الغير نقص، والإمارة تقتضي الكمال.

2 . العدل والنزاهة، ويراد بالعدل أن يكون الخليفة صاحب استقامة في السيرة والسلوك متجنبا للمعاصي.

3 . الكفاية، أي أن يكون الخليفة جريئا على إقامة الحدود، كفيلا بحمل الناس عليها، عارفا بالدهاء قويا على معاناة السياسة، ليصبح له بذلك ما جعل له من حماية الدين وجهاد العدو واقامه الأحكام وتدبير المصالح.

4 . سلامة الحواس والأعضاء من النقص مما يؤثر في عمله.

5 . وذكر أن الشرط الخامس الذي أضافه بعض الفقهاء في اشتراط النسب القرشي، قال: وقع فيه الخلاف، فمنهم من يوجب ذلك، ومنهم من يضع لذلك شروطا، ويرى فريق ثالث من الفقهاء وهو الراجح عنده أن الخلافة من حق كل مسلم على أن يكون ذا عصبية أي ذا قوة، لان الإسلام ابعد الأديان عن التحيز وتفضيل جماعة على أخرى من المسلمين وخاصة أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل رسوله الى قريش دون غيرها وإنما أرسله هاديا ونذيرا الى البشرية عامة.

وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش السلطان العثماني سليم الأول.

خامسا . حقوق الخليفة:

  • يتولى شؤون الإمامة الكبرى وهي الصلاة والقضاء والجهاد والحسبة.
  • له الهيمنة على كل صغيرة وكبيرة حيث له الحق أن يتصرف في أقدار المسلمين، وفي أمورهم الدينية والدنيوية، ويطيعونه في ما يكلفهم به من الأمر إلا أمرا ضد أحكام الدين.
  • له الحق في عقد المعاهدات وإعلان الحروب، وله الحق أن يولي من يشاء ويعزل من يشاء حتى في أحرج الأوقات، كما عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد، وولى مكانه أبا عبيدة ليتم فتح بلاد الشام.
  • له الحق أن يتفرد برأيه حتى ولو كان جميع المسلمين ضد رأيه، أو كان أهل الحل والعقد من المسلمين يناقضون فكرته، كما حصل فعلا مع أبي بكر حين أراد محاربة مانعي الزكاة، وخالفه في ذلك كل الصحابة حتى عمر بن الخطاب وزيره ومستشاره.
  • ومن حق الخليفة أن يحكم مدى الحياة.

سادسا . واجبات الخليفة: ذكر الماوردي عشرة واجبات في كتابه الأحكام السلطانية، وهي كالأتي:

  • حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما اجمع عليه سلف الأمة.
  • تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين.
  • حماية البيضة عن الحريم.
  • إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.
  • تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة.
  • جهاد من عاند الإسلام حتى يسلم أو يدخل في الذمة.
  • جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع.
  • تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف، ولا تقتير ودفعه في وقته دون تأخير.
  • استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء.
  • أن يباشر بنفسه مشاركة الأمور، وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة.

سابعا . ألقاب الخليفة: أطلق على الخليفة ثلاثة ألقاب، (الخليفة، وأمير المؤمنين، والإمام).

  • الخليفة: ورد في القران أكثر من مرة، ولكنه لم يرد بالمعنى الذي صار استعماله في عهد الدولة الإسلامية، وأول من استعمل هذا اللقب، الخليفة الأول أبي بكر، باعتباره خلف رسول الله (ص) في منصبه.
  • أمير المؤمنين: لما تولى عمر كانوا يخاطبونه أول الأمر قائلين: (يا خليفة خليفة رسول الله (ص))، وكان هذا اللقب تقيل على الأذان، فدعت الحاجة الى استعمال لقب أخر أسهل وأفضل، فاستعملوا (أمير المؤمنين).
  • الإمام: هذه الكلمة كانت تعني في أول الأمر ما تعنيه كلمة “خليفة”، ولم تستعمل عند أهل السنة إلا قليلا، بينما استعملها الشيعة أكثر منهم، فأطلقوها على أئمتهم من ولد علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت محمد (ص).

ثامنا . امتيازات الخليفة: تنقسم إلى قسمين:

1 . الامتيازات العملية، مثل: البيعة، والخطبة، والسكة.

2- الامتيازات الشكلية، مثل: البردة، والخاتم، والقصيب، والطراز.

الفصل الثالث: الخلافة في ميزان الأحزاب الإسلامية.

أولا . كيف يختار الخليفة: يختار الخليفة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم: الدين يركز عليهم الإمام السابق في مهام أموره الشورية، ويقطنون عاصمة الخلافة غالبا، معروفون بالإسلام الصحيح، وحسن الجهاد في سبيل الله بالعلم والعمل، ومهيمنون على شؤون الدولة روحيا وفكريا، وقد يكونون ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة أو أكثر، وهؤلاء أهل الشورى الذين أرادهم القران الكريم بقوله: (وأمرهم شورى بينهم)، وقوله تعالى: (وشاورهم في الأمر).

ويحصل هذا الانتخاب على درجتين:

الأولى: الانتخاب من تلك الجماعة (أي جماعة الحل والعقد)، جماعة صغيرة العدد وتسمى جماعة أهل الشورى.

الثانية: الإعلان والتصديق عن هذا الانتخاب بالبيعة العامة في المسجد الجامع، مع تبيان السياسة الجديدة بكلمة من الخليفة الجديد، وهي تشبه خطبة العرش.

ومن يخالف الأغلبية المطلقة من أهل الحل والعقد، أو أي شخص من عامة المسلمين، أو لم يقبل نتيجة الانتخابات، وكان خطرا على الدولة الإسلامية والحكم الجديد، فانه يقتل بحد السيف، كما أمر عمر بن الخطاب صيبا الرومي بذلك حين وضع نظام الشورى.

ثانيا . الأنصار والمهاجرون والخلافة: شعر المسلمون من لحظة وفاة الرسول (ص)، بضرورة التفكير فيمن يخلفه، فأسرع الأنصار قبل دفنه الى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة ليبتوا في الأمر، وكان رأيهم أن يكون الخليف منهم، وحجتهم أن النبي (ص) لما هاجر من مكة الى المدينة نصره الأنصار، وكانوا معه حتى خضعت له جزيرة العرب، وتوفي النبي (ص) وهو راض عنهم.

ولما علم المهاجرون باجتماع الأنصار، صرع إليه أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فدار بينهم جدال طويل، ووقف أبو بكر يخطب في الأنصار بشرح وجه نظر المهاجرين، ويثبت أنهم أجدر بالخلافة من الأنصار، وكانت حجته أنهم أول من امن برسول الله (ص)، وفي أخر الاجتماع قام عمر فبسط يده فبايع أبي بكر، ثم بايعه المهاجرون والأنصار، إلا سعيد بن عبادة زعيم الأنصار ومرشحهم للخلافة، الذي امتنع عن هذه البيعة لأبي بكر، وظل على موقفه حتى مات أبو بكر، وتولى عمر بن الخطاب الخلافة فخرج سعد الى الشام حيث مات بها.

ثالثا . الشيعة والخلافة: اختلف الكتاب في بدء التشيع لعلي بن أبي طالب، فمنهم من يرى أن التشيع بدأ بعد وفاة الرسول (ص)، وذهب البعض الأخر الى أن الفكرة تكونت يوم مصرع عثمان بن عفان، ورأى فريق ثالث أن التشيع قد ظهر زمن فتنة طلحة والزبير في البصرة في العراق.

ورجح الكاتب أن تكون بداية التشيع بعد أن ألت الخلافة الى أبي بكر دون علي بن أبي طالب، لان علي لم يكن حاضر في اجتماع سقيفة بني ساعدة، فقد كان هو وأهل بيته مشغولين بالإعداد لدفن رسول الله (ص)، فلما علم بالبيعة لأبي بكر أبدى عدم موافقته، لأنه يرى أن تنحصر الخلافة في بيت رسول الله، وكان اقرب الناس الى الرسول عمه العباس بن عبد المطلب، وابن عمه علي بن أبي طالب.

وتتلخص أراء الشيعة في الخلافة في أن الخلافة:

  • يجب أن تكون في ال البيت وفي سلالة علي.
  • لا يحبذون فكرة الانتخاب في اختيار الخليفة، ويرون أن تكون الخلافة لعلي ثم لأولاده من بعده عن طريق الوراثة.
  • الإمامة ركن من أركان الدين، وقاعدة الإسلام، وليست من المصالح العامة التي تفوض الى نظرة الأمة باختيار جماعة المسلمين وانتخابهم.
  • تطور فكرة التشيع:

بدأت فكرة التشيع بسيطة واضحة ومحدودة المبادئ، فكان كل من وافق أن عليا رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله (ص)، وأحقهم بالإمامة، فهو شيعي، لكن سرعان ما تطورت هذه المبادئ الشيعية بمرور الزمن وتغير الظروف السياسية حيث ظهرت عدة فرق أشهرها:

السبيئة (الغلاة): الذين يزعمون أن عليا لم يمت، وان البرق سيفه، وان الرعد صوته.

الامامية: الذين يقولون بعودة “الإمام المنتظر”.

الكيسانية: الذين يقولون بان الدين طاعة الرجل، فحملهم ذلك على ترك الأركان والقضايا الشرعية بعد الوصول الى طاعة الرجل.

الزيدية: وهم أكثر الفرق الشيعية اعتدالا، يقولون بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فعلى الرغم من أن عليا أفضل من أبي بكر وعمر إلا أن بيعتهما صحيحة، وهذه الفرقة أيضا لا تؤمن بالخرافات التي ألصقت في الإمام فجعلت له جزءا إلهيا.

الهاشمية: التي تفرعت عن الكيسانية، هذه الفرقة ساهمت في ضم صفوف الشيعة سواء كانوا غلاة أو معتدلين، وحاولوا التوفيق بين الإسلام والعقائد غير الإسلامية.

رابعا . الخوارج والخلافة: كان من ابرز عوامل ظهور حزب الخوارج هو قبول علي رضي الله عنه التحكيم في موقعة صفين، فهم جماعة جند علي، ينكرون أن يحكم أحدا في كتاب الله، ورأوا أن قبول علي التحكيم يعتبر منه كفرا وظلالا، لان التحكيم يتضمن شك كل من الفريقين المتحاربين في أيهما المحق، ولا محل لهذا الشك، فقد حاربوا وهم مقتنعون بان الحق في جانبهم، ولذا رأوا من الواجب متابعة القتال حتى ينزل الله حكمه، فيحقق النصر لأحد الفريقين على الأخر.

ومن المبادئ الأساسية للخوارج في الخلافة:

  • القول بصحة خلافة أبي بكر وعمر لصحة انتخابهما، كما اقروا بصحة خلافة عثمان في سنيه الأولى، وبصحة خلافة علي، لكنهم قالوا انه أخطأ في التحكيم وحكموا عليه بالكفر كما كفروا طلحة والزبير وعائشة والحاكمين.
  • جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش.
  • جوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا، وان احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا أو حرا أو نبطيا أو قرشيا.

خامسا . المعتزلة والخلافة: نشأت المعتزلة كطائفة دينية لا دخل لها في السياسة، لكن اقتحمت هذا الميدان فكونت رأيا في الخلافة، حيث تتفق مع مبدأ الزيدية، لان زيد كان تلميذ واصل بن عطاء رأس المعتزلة، فاقتبس منه الاعتزال فصار أصحابه كلهم معتزلة، كما تتفق المعتزلة مع الخوارج، حيث نادئ  المعتزلة بان اختيار الخليفة مفوض الى المسلمين.

سادسا . المرجئة والخلافة: ظهر حزب المرجئة بعد ظهور حزبي الشيعة والخوارج، واشتد النزاع والجدال بينهما، فالخوارج يكفرون عليا وعثمان والحكمين، والشيعة تكفر أبي بكر وعمر وعثمان، وكلاهما يكفر الأمويين، والأمويون يرونهم خارجين عن الطاعة، وكانت المرجئة ترى أن الخوارج والشيعة والأمويين، وبعضهم مخطئ، والبعض على الحق، ولكن من الصعب تبيان ذلك، ويرجئون أمورهم الى يوم القيامة.

كما تتفق المرجئة مع فرقة الزيدية الشيعية في رأيهم في الإمام، فيحتمون أن يكون من قريش، ويختلفون معهم في الاعتراف بشرعية حكومة الأمويين، بينما يعمل الشيعة على مناهضة هذه الحكومة.

الفصل الرابع: فجر الخلافة.

أولا . خلافة أبي بكر:  تمت هذه الحكومة بعد الجدال والنقاش العنيف الذي ثار بين المهاجرين والأنصار فسميت هذه البيعة ب:”البيعة الخاصة”، إذ لم يبايع فيها سوى عدد قليل من المسلمين الذين سمحت ظروفهم لهم بحضور اجتماع السقيفة، أما البيعة العامة التي بايع فيها جمهور المسلمين أبا بكر فكانت في اليوم التالي في المسجد الجامع إلا علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم، حيث انصرفوا الى بيوتهم دون مبايعتهم لأبي بكر لأنهم كانوا يعتقدون أن عليا هو الأولى بهذه البيعة.

ومن الملاحظات التي أشار إليها الكاتب حول هذه البيعة، نلخصها كالأتي:

1- عامل السن هو الذي جعل المسلمين يفضلون أبي بكر على علي لان العرب لا يزالون متأثرين بما جرت عادتهم عليه في العصر الجاهلي، وهو تقديم الأكبر سنا في اختيار شيخ القبيلة، والدليل على ذلك ما قاله أبو عبيدة بن الجراح لعلي حين أبى البيعة لأبي بكر، إذ قال: (يا ابن عم انك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك واشد احتمالا واستطلاعا، فسلم لأبي بكر هذا الأمر).

2- خلافة أبي بكر فيها صور من أمر الحكومة والدستور، حيث اعترف أبي بكر في خطبة توليه الخلافة بوجود دستور تسير عليه الحكومة، وهو كتاب الله، حيث يقول: (أطيعوني ما أطعت الله، فان عصيته فلا طاعة لي عليكم). وهذا فيه أيضا دلالة على انه للأمة حق مراقبة الحكومة.

3- لم يؤلف أبي بكر للأمة هيئة نيابية تنوب عن الأمة في مراقبة أعماله كما يقضي القران، وهذا الإغفال جر أسوا النتائج في عهد الخليفة الثالث، حيث تغلب مروان بن الحاكم على إرادة عثمان بن عفان وانتهى الأمر بالفتنة المشهورة ومصرع عثمان.

4- المتأمل كذلك في خطبة أبي بكر يرى بأنها خالية من ذكر الشورى التي فرضها الله على الحكومة الإسلامية في قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، لان قوله: (وان اسات فقوموني) لا يدل على الشورى تمام الدلالة، لان الشورى في الآية تعني أنهم لا يبرمون أمرا إلا بعد التشاور فيه.

ثانيا . خلافة عمر: قبل أن يموت أبو بكر كان قد حدد نظاما للخلافة، لأنه كان يخشى من انتشار الفوضى، وزيادة الاضطرابات، وخاصة أن ظروف الدولة حرجة، حيث كانت الانقسامات بعد وفاة النبي (ص) في صفوف المسلمين، والجيوش العربية تواجه الجيوش الفارسية والرومانية، لذلك رأى أبو بكر أن يعهد بالخلافة من بعده الى عمر بن الخطاب، فاستشار كبار الصحابة، وبعض المهاجرين والأنصار فاجمعوا على الثناء عليه، وكانت بيعة عمر بهذه الطريقة صحيحة لان في هذا الاختيار أمرين هامين:

أولهما: أن أبا بكر علق خلافة عمر على رضا الناس.

ثانيهما: أن أبا بكر لم ينتخب أحدا من أبنائه، أو أقربائه، بل انتخب شخصا اجمع الناس على احترامه.

غير أن هذه الطريقة لا تخلو من العيوب، إذ قد يخطئ الخليف أو يحسن الظن بمن هو جدير بثقته.

ثالثا . خلافة عثمان: قبل أن يموت عمر، كان قد حدد نظاما للخلافة، حيث لجا الى طريقتي الانتخاب والتعيين معا في من يخلفه، حيث عين ستة من صحابة رسول الله (ص)، وفي الوقت نفسه فسح المجال للمسلمين ليختاروا واحدا منهم، وهؤلاء الستة، هم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف.

وقد كان رفض اقتراح البعض عليه من إدخال ولده عبد الله بين المرشحين للخلافة، وبعد وفاته انتهى أمر الشورى باختيار عثمان.

وقد تكون هذه الطريقة التي أشار بها عمر في اختيار الخليفة صالحة لو أنها وجدت البيئة الصالحة لها، ويزعم البعض أنها ناقصة، لأنها ضيقت دارة الناخبين الى حد بعيد، فجعلتهم في ستة ، كما أدت الى ظهور التنافس بين عثمان وعلي، أو بعبارة أخرى بين بني هاشم وبني أمية، وانقسم المسلمون بسبب ذلك إلى أمويين وهاشميين أو علويين.

رابعا . خلافة علي: ظهرت مشكلة الخلافة من جديد بعد مقتل عثمان، حيث أصبح أهل الشورى بعد موت عبد الرحمن بن عوف، ومقتل عثمان أربعة، وهم: سعد بن أبي وقاص، وعلي وطلحة والزبير، لكن سعد بن أبي وقاص اعتزل الأمر وتجنب الفتنة، فلم يبقى إذا إلا علي وطلحة و والزبير. وقد اختلف الثوار فيمن يختارون من بينهم، فرغب أهل مصر في علي، ورغب أهل الكوفة في الزبير، بينما كان هوى أهل البصرة مع طلحة، وكان كل فريق يعرض على صاحبهم الخلافة فيمتنعون ويأبون، فرأى الثوار أنهم لن يستطيعوا وحدهم أن يقيموا للناس إماما، وانه لابد أن يعينهم المهاجرون والأنصار على ذلك بترشيح احد هؤلاء الثلاثة، ولما رأى الثوار أن الغالبية العظمى تميل الى تولية علي، حيث قامت عامة الناس فبايعوا عليا إلا سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وطلحة والزبير حيث امتنعوا على مبايعته، ونظرا لان طلحة والزبير لهما من يشايعهما أرغمهما الثوار على البيعة، ثم قامت البيعة لعلي.

خامسا . حكومة الخلفاء الراشدين: كان الحكم في عهد الخلفاء الراشدين اقرب الى الأمور الدينية، وهو في الواقع حكم الفطرة والبساطة دون تقعيد، فكان الخليفة صاحب التنفيذ والتشريع، وكان الحاكم والقاضي والمنفذ لما يصدره من أوامر وما يشرعه من حدود.

وكان الخليفة يعهد الى بعض الصحابة ببعض واجباته مثل القضاء وأمانة بيت المال، وكانت الدولة في عهد الخلفاء الراشدين مؤلفة من ولايات، لكل ولاية أمير، وكان الأمير يقيم الصلاة، ويقضي في القضايا، ويقيم الحدود، فكان كالخليفة حاكما وقاضيا.

وكان يساعد الخليفة مجلس من كبار المسنين هم أهل الشورى، وكان يتألف من كبار الصحابة، وفي غالب الأحيان كان يساعد هذا المجلس أعيان المدينة وزعماء البدو الوافدون إليها، فضلا عن انه كان في مقدور كل فرد ممن يحضر المسجد أن يدلي برأيه.

سادسا . حكم الولايات في عهد الخلفاء الراشدين: اتسعت الدولة العربية الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين نتيجة الفتوحات، فقسم عمر الدولة الى ثماني ولايات، وهي: مكة والمدينة والشام والجزيرة (وهي بلاد ما بين النهرين)، والبصرة، والكوفة ومصر وفلسطين، وقسمت فلسطين الى قسمين: الى ايلة والى الرملة، كما قسمت مصر الى قسمين: الى مصر العليا، ومصر السفلى.

وكان كبار الموظفين في الولايات هم: الوالي والعامل والقاضي وكاتب الديوان وصاحب بيت المال، وكان لكل ولاية مقر دائم للحكومة يسمى بدار الإمارة، كما كان لها أمناء دائمون يسمون بالديوان، وكان لكل مقاطعة حاكما يسمى بالعامل، وقاضيها الذي يفصل في أقضية المقاطعة، والوالي الذي يحكم جميع موظفي المقاطعة.

سابعا . القضاء في عهد الخلفاء الراشدين: كان القضاء في عهد الخلفاء الراشدين مستقلا محترم الجانب، وكان القاضي يحكم في بعض الأحيان بحسب ما يوحى اليه اجتهاده.

وكان يشترط في القاضي أن يكون ذكرا بالغا، مكتمل القوى العقلية ومواطنا حرا مسلم العقيدة، غير متهم في دينه أو مرؤته، سليم السمع والبصر، واسع الإلمام بالفقه والشريعة، معروف بالسداد والاستقامة، وكان القضاة يمنحون مرتبات سخية حتى لا تدفعهم الحاجة الى اخذ الرشا، ولم تكن هناك ولا شكوى واحدة طوال عهد خلفاء الراشدين تدل على أن احد القضاة قبل أية رشوة أو تصرف تصرفا يدل على التحيز والهوى.

الفصل الخامس: الخلافة الأموية في دمشق.

أولا . قيام الخلافة الأموية: كان العداء قائما بين بني هاشم وبني أمية مند العصر الجاهلي، فقد تنافسوا حول المناصب الكبرى، وكان نزول الوحي على محمد الهاشمي سببا في زيادة المجد والرفعة لبني هاشم، وهو ما دفع بنو أمية الى البحث عن النفوذ، فأتيحت لهم هذه الفرصة حينما فاز عثمان دون علي بالخلافة، لكن سرعان ما عادت الصدمة للأمويين حينما قتل عثمان، فقد خشوا أن ينقل الحكم الى الهاشميين الى الأبد، فبدا معاوية صراعه لعلي تحت ستار المطالبة بثار عثمان، وستطاع معاوية أن يسيطر على الشام ومصر، وبدا الصراع بين علي ومعاوية، وانتهى بانتصار معاوية وقيام الخلافة الأموية في دمشق.

ثانيا . مميزات الخلافة الأموية: قامت الخلافة الأموية على نظام ولاية العهد، فتحول نظام الخلافة الراشدة الذي يعتمد على الشورى ويستند الى الدين، الى نظام ملكي يقوم على أساس التوريث، ولعل السبب في ذلك هو تأثير معاوية بالنظام الذي كان سائدا في الدولتين البزنطية والساسانية.

ثالثا . معاول الهدم ونهاية الخلافة الأموية:

1 . الشيعة: لم تعترف الشيعة بحق يزيد بن معاوية في الخلافة حيث رأوا في خلافته أمرا مخالفا للدين ومبادئ الشيعة السياسية، التي تقر بان علي هو أولى بالخلافة ثم الحسن ثم الحسين، وكل إمام منهما وصى لسلفه بالخلافة، مما يوجب عليهم مكافحة هذه الخلافة حتى يعود الحق لأهله.

  1. الخوارج: كان الخوارج لا يعترفون بحق قريش في الخلافة، ولا يقبلون مبدأ الوراثة الذي سار عليه الخلفاء الأمويون، بل هم يريدون انتخابا عاما يشمل جميع المسلمين، وقد نادى الخوارج بتكفير مرتكب الكبيرة، وكانوا يرمون من وراء ذلك الى محاربة الأمويين مما جعل الدولة الأموية تحاربهم بسيف الدين وتقارعهم بحجج الإسلام.

3 . الموالي: وهم أهالي الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية الذين اسلموا وانضموا الى العرب، لكن العرب ترفعوا واعتبروا انفسهم فوقهم جبلية وخلقة وفضلا، ما دفع هذه الفئة الى الثورة على الحكم الأموي خصوصا عندما ظهر بين الموالي الفرس نزعة قومية تدفعهم الى إحياء المجد الفارسي القديم.

فقد تكاتفت هذه المعاول الثلاثة: الشيعة والخوارج والموالي، مع معاول أخرى ثانوية على هدم الدولة الأموية، مما أدى الى غروب شمس هذه الدولة.

رابعا . أسباب سقوط الخلافة الأموية:

  • تعصب الأمويين للعرب واضطهادهم الموالي.
  • العصبية القبلية، وتتجلى بين فرعي قريش الكبيرين بني هاشم وبني أمية، حيث انقسمت القبائل بين مؤيد ومعارض لأحد هذين الفرعين.
  • نظام ولاية العهد، حيث ارتكب كثير من الخلفاء الأمويين خطا فادحا حينما عهدوا بالخلافة الى أكثر من واحد، مما أدى انقسام البيت الأموي.
  • ضعف الخلفاء المتأخرين من بني أمية حيث تولى ثلاثة خلفاء العرش في عامين وهم الوليد الثاني وزيد الثالث وإبراهيم بن الوليد.
  • اتساع الدولة الأموية، مما جعل سيطرة العاصمة دمشق على الأطراف ضئيلة.
  • المعارضة الإقليمية والمعارضة السياسية والدينية.

خامسا . حكومة الخلافة الأموية: ظهرت في بني أمية مناصب جديدة بالإضافة الى المناصب التي كانت موجودة في دولة الخلفاء الراشدين، مثل الحرس وديوان الخاتم والبريد وديوان الخراج.

وكان الأمويون قد قسموا الدولة الى خمسة ولايات كبرى، وهي: الحجاز واليمن ومصر والعراق ثم افريقية الشمالية.

سادسا . حكم الولايات في العصر الأموي: ترتكز أنواع الإمارات في العصر الأموي في الشكلين: إمارة عامة وإمارة خاصة.

أما الإمارة العامة فانقسمت بدورها الى نوعين: إمارة استكفاء وإمارة استيلاء:

إمارة الاستكفاء (التفويض): وهي التي كان يعقدها الخليفة لمن يختاره من رجاله الأكفاء، فيفوض إليهم إمارة إقليم.

إمارة الاستيلاء: هي أن يعقد الخليفة لأمير على إقليم اضطرارا بعد أن يستولي الأمير على هذا الإقليم بالقوة، فكان الخليفة يثبته في إمارته.

أما الإمارة الخاصة: فهي أن يكون الأمير مقصورا على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة والدفاع عن الحريم ضمن حدود معينة.

سابعا . كبار الموظفين في العصر الأموي:

  • الأمير او الولي: له مطلق السلطات التي كان يتمتع بها الخليفة.
  • عامل الصلاة: يقتصر عمله على الصلاة.
  • عامل الخراج: كان من أهم العمال يعمل مع الأمير في ادارة شؤون الولاية السياسية والإدارية والمالية وكان أحيانا بمثابة الرقيب على أعمال الأمير يرسل التقارير السياسية والإدارية والمالية الى دار الخلافة في دمشق.
  • عمال الصدقة: وهم غير عمال الخراج إذ أن الصدقة لا يعني أن يدخل في مال الخراج.
  • الكاتب: وهم خمسة كاتب الرسائل وكاتب الخراج وكاتب الجند وكاتب الشرطة وكاتب القاضي.
  • الحاجب: أول من اتخذ الحاجب من الخلفاء معاوية بعد أن حاول الخوارج اغتياله، ومن واجبات الحاجب إدخال الناس على الخليفة حسب مراكزهم الاجتماعي وأهمية عملهم.

ثامنا . القضاء في العصر الأموي: لم يهتم الخلفاء الأمويون بشيء من شؤون التشريع، إلا ما كان في عهد عمر بن عبد العزيز، أو ما يتم تدريسه في المدارس وبعض حلقات الدروس، ولم يبذل الأمويون محاولة  صيغ تشريعاتهم صيغة رسمية، ولذلك لم يرق التشريع في هذا العصر كما كان الحال في عهد العباسيين.

كما كان القضاة في العصر الأموي مستقلين ولم يتأثرون بميول الدولة الحاكمة، وكانوا مطلقي التصرف، وكلمتهم نافذة حتى على الولاة وعمال الخراج.

تاسعا . الحسبة وقضاء المظالم: كانت سلطة القاضي موزعة بينه وبين المحتسب وقاضي المظالم:

فوظيفة القاضي كانت فض النزاعات المرتبطة بالدين بوجه عام.

ووظيفة المحتسب كانت النظر فيما يتعلق بالنظام العام وفي الجنايات واحيانا مما يحتاج الفصل فيها الى السرعة.

ووظيفة قاض المظالم هي الفصل فيما استعصى من الاحكام على القاضي والمحتسب.

عاشرا . الشرطة: هم الجند الذي يعتمد عليهم الخليفة أو الوالي في استتباب الأمن وحفظ النظام والقبض على الجناة والمفسدين وما الى ذلك من الأعمال الإدارية التي تكفل سلامة الجمهور وطمأنينتهم.

الفصل السادس: الخلافة العباسية في بغداد.

أولا . الخلافة العباسية بين العصرين: جرت عادة المؤرخين الى تقسيم الخلافة العباسية الى عصرين:

الأول: العصر العباسي الأول ويبدأ منذ قيام الخلافة العباسية في العراق بعد سقوط الخلافة الأموية سنة 132 هـ ، وقد استمر هذا العصر مائة عام تميز بصبغة فارسية في جميع النواحي سواء في سياسة أو إدارة أو اجتماعية أو ثقافية.

الثاني: يبدأ سنة 222 هـ بتولي (المتوكل على الله) الخلافة وانتهى هذا العصر بسقوط الدولة العباسية على أيدي المغول سنة 656 هـ ، وتميز هذا العصر بسيطرة العناصر الأجنبية وخاصة الأتراك والفرس، واستبدادهم بالمناصب الدينية والعسكرية وحرمان العرب منها رغم أنهم كانوا مادة الإسلام وقوام الدولة مما أدى الى ضعف عصبيتهم وانصراف قلوبهم عن تأييد الدولة.

وجرت العادة كذلك على تقسيم العصر العباسي الثاني الى أربعة عصور: عصر نفوذ الأتراك (232 هـ – 324 هـ)، وعصر امرة الأمراء (324 – 334 هـ) وعصر بني بويه (334 – 447 هـ) ثم عصر السلجوقي (447 – 656 هـ)

ثانيا . مميزات الخلافة العباسية:

1- نظام الخلافة: وضع أبو جعفر المنصور أساس النظام السياسي الذي سارت عليه الدولة العباسية وهو النظام الذي كان منتشرا في الشرق، حيث كان الخليفة يقوم على رأس الحكومة باعتباره مصدر كل السلطات، وكان من حقه أن يعهد بممارسة سلطته الى وزير، وسلطته القضائية الى قاض، ووظيفة الحربية الى قائد أو أمير، ولكن الخليفة نفسه رغم كل هذا العهد كان يظل أبدا الملجأ الأخير في شؤون الحكومة لان الخليفة العباسي في نظرهم يحكم بتفوض من الله لا من الشعب ويتجلى هذا واضحا في قول ابي جعفر المنصور: (إنما أنا سلطان الله في أرضه)، وذلك يخالف ما كان عليه الخلفاء الراشدون الذين استمدوا سلطانهم من الشعب ويدل على ذلك قول أبي بكر عقب توليه الخلافة: (إن أحسنت فأعينوني وان اسات فقوموني).

فكان بذلك نظام الخلافة العباسية نظاما استبداديا وكان الخليفة العباسي يلقب بالإمام، توكيدا للمعنى الديني في خلافة العباسيين.

2- نظام ولاية العهد: اتبع العباسيون النظام الملكي الوراثي الذي أحدثه الأمويين قبل أن كان نظام الشورى في عهد الخلفاء الراشدون.

3- نظام الوزارة: اقتبس العباسيون نظام الوزارة من النظام الفارسي حيث لم يكن هذا المنصب معروفا قبل العباسيين لا في دولة بني أمية ولا في غيرها من الدول، وكان الوزير في عهدهم مساعد الخليفة الأيمن يقضي باسمه في جميع شؤون الدولة، فكان بذلك ينوب عن الخليفة في حكم البلاد، وكان معظم وزراء الخلفاء العباسيين من الفرس، وأول الوزراء في العصر العباسي أبو سلمة الحلال، وكان أشهر الوزراء هم وزراء البرامكة الذين برزوا في عصر هارون الرشيد واستأثروا بالنفوذ دون الخليفة.

4- النظم الحكومية في العصر العباسي : كان من أهم الموظفين في الولايات الإسلامية في العصر العباسي: الوزراء وكان الوزير يجمع جميع الإدارات، وموظفين يعاونون الوزير للإشراف على الدواوين المختلفة وإدارة شؤونها ويسمون كتاب الدواوين، ثم الحاجب والعامل وصاحب بيت المال وصاحب البريد والقاضي ثم الوالي.

ثالثا . غروب الخلافة العباسية وسقوط بغداد في أيدي المغول: استطاع (علاء الدين تكش) أن يحكم بلاد خوارزم بعد أن ثأر على أخوه الطفل الصغير، وتمكن من القضاء على الحكم السلجوقي لبلاد العراق سنة 596 هـ ، وبعد وفاته خلفه ابنه قطب الدين محمد الذي طلب من الخليفة الناصر أن يذكر اسمه في الخطبة بدلا من السلاجقة، لكن الخليفة رفض طلبه مما أدى الى غضب قطب الدين، فاستصدر فتوى بخلع الخليفة، ما دفع الخليفة الناصر الى الاستعانة بالمغول ضده، لكن الخليفة تناسى أن المغول ليسوا مسلمين، وظن أن بعد بلاد المغول يكفيه شرهم، فبدأ الزحف المغولي واجتاح بخارى وسمرقند وبلاد ما وراء النهر ونيسابور والري وحمدان واذربيجان وجرجان وارمينة.

وبعد تولي المستعصم الخلافة دخل هولاكو بغداد على رأس جيش من المغول يتألف من 30 الف مغولي، واسر الخليفة العباسي المستعصم وأولاده، ثم قتلهم، كما ذبح كثير من المسلمين كما تذبح الشياه، وأشعل النيران في بغداد، وهدم معظم المساجد ومقابر الخلفاء، فارتبك المسلمون عندما لم يعد هناك خليفة، حيث أسقطت الخلافة العباسية بسقوط بغداد في أيدي المغول.

الفصل السابع: الخلافة الفاطمية.

أولا . تطور الدعوة الشيعية: الشيعة هم المتشيعون لعلي بن أبي طالب وأولاده، فقد رأوا أن علي هو أحق المسلمين بالخلافة بعد وفاة الرسول، وان أولاده أحق الناس بان يخلفوه، لذلك اعتبر الشيعة أبا بكر وعمر وعثمان مغتصبين لحق علي في الخلافة.

وفي خلافة معاوية سنة ( 40 هـ) قام باضطهاد الشيعة، كما أقدم ابنه يزيد على قتل زعيم الشيعة الحسين بن علي في كربلاء، فظهر حزب الكيسانية للأخذ بثار الحسين بزعامة أبي هاشم، ولما شعر أبو هاشم بقرب وفاته تنازل عن الإمامة لمحمد بن علي العباسي سنة (98هـ)، وبذلك تحولت الإمامة من البيت العلوي الى البيت العباسي.

وبدأت الدعوة العباسية سرية منذ سنة (100هـ)، فكان الدعاة يرحلون بين الأقطار الإسلامية متظاهرين بالحج أو التجارة، وفي أواخر العصر الأموي تعاون العلويين والعباسيون، وكلهم هاشميون للقضاء على عدوهم المشترك الدولة الأموية، لكن العباسيين بعد فوزهم استبدوا بالسلطة دون العلويين، ولذا بدأت مرحلة جديدة من صراع العلويين والعباسيين، فظهر زعماء علويين يحاولون انتزاع الخلافة من أبناء عمومتهم العباسيين، فكان أولهم جعفر الصادق بن محمد الباقر علي زين العابدين بن الحسين، الذي نادى بانحصار الخلافة في أولاد الحسين بن علي دون الحسن بن علي، وتعرف هذه الطائفة باسم الامامية.

فاتخذت الدعوة الشيعية في عصر الدولة العباسية شكلا سريا، لينجو العلويين من اضطهاد العباسين لهم، وفي عهد الخليفة المأموم تتبع العباسيون الإمام عبد الله المهدي فاضطر الى الهرب مع ابنه وولي عهده احمد الى قرية سلمية قرب حمص بالشام فأصبحت هذه القرية مركز الدعوة الشيعية.

وفي عهد الإمام الحسين بن احمد، بعث أبا عبيد الله الشيعي الى المغرب، واستطاع هذا الأخير بتأييد من الكتانيون أن يستولي على عدة مدن بالمغرب، وساعده في ذلك ضعف دولة الاغالبة، ونجح أبو عبد الله أخيرا في القضاء على دولة الاغالبة تماما.

ثانيا . عوامل نجاح الدعوة الشيعية بالمغرب:

  • ضعف الدولة العباسية.
  • إن التشيع كان قد انتشر في بلاد المغرب على يد الإمام إدريس بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي فر من أيدي العباسيين فأقام الدولة الادارسة.
  • لان البربر اشتهروا بالطاعة وحب النظام.
  • لان البربر أشعروا أن العرب رغم قلتهم احتكروا موارد بلادهم ولم يعطوهم حقوقهم بل فرضوا عليهم الضرائب الباهظة، لذلك رحب البربر بالانضمام الى كل حركة مناؤئة للدولة العباسية للخلاص من ظلم الذي يعانون منه.

ثالثا . قيام الدولة الفاطمية في المغرب: أصبح الشيعيون سنة (291هـ) لهم السلطة الحقيقية في بلاد المغرب غرب مدينة القيروان، وازداد انتشار الدعوة الفاطمية يوما بعد يوم، ورأى أبو عبد الله الشيعي بعد نجاحه الواسع أن الظروف قد حانت لقدوم عبيد الله المهدي من الشام الى بلاد المغرب، لكن نجح العباسيون في القبض عليه في طريقه لما وصل الى سجلماسة فاسجنوه سنة (296هـ)، ولم يحل سجن المهدي من عزيمة عبد الله الشيعي، حيث استمر في السيطرة على مدن المغرب، فقطع الخطبة للخليفة العباسي في القيروان عاصمة افريقية، وضرب عملة جديدة وألغى العملة العباسية، فكان بذلك يقضي على كل معالم السيادة العباسية، وتوج أبو عبد الله نصره بان قاد جيشا كبيرا أطلق سراح المهدي من سجنه بالقوة وأسرع الوالي العباسي بالفرار.

وبعد مغادرة عبيد الله المهدي السجن تلقى البيعة في سجلماسة ثم القيروان ثم رقادة، ثم استقر بالقيروان واتخذها عاصمته في ربيع الثاني سنة (297 هـ)، ولقب المهدي بأمير المؤمنين وخطب له على منابر بلاد المغرب جميعا، واقبل الناس على اعتناق مذهب الإسماعيلية، وولى المهدي ولاته على مدن المغرب ونظم الدواوين والضرائب وبدا قيام الدولة الفاطمية بالمغرب.

رابعا . الخلافاء الفاطميون ببلاد المغرب: عبيد الله المهدي (298 – 322 هـ)، ثم أبو القاسم محمد الذي لقب بالقائم بأمر الله، ثم المنصور ثم المعز لدين الله (341هـ) الذي نجح أخيرا في فتح مصر، ثم العزيز بالله (365-386 هـ)، ثم الحاكم بأمر الله، ثم الطاهر بن الحاكم (411 – 427 هـ)، ثم المستنصر (427 – 487 هـ)، ثم المستعلي بالله (487 – 495 هـ)، ثم الآمر بأحكام الله (490 – 524 هـ)، ثم الحافظ لدين الله (524-544 هـ).

خامسا . نهاية الخلافة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية: بدأت شمس الدولة الفاطمية في الغروب، منذ وفاة الحافظ سنة (544 هـ) وتولية الظافر، حيث استمر الصراع على الوزارة في عهد الخلافة الجديد الظافر، حتى استنجد الوزير ابن السلار خلال صراعه مع الوزير ابن مصال بنور الدين حاكم دمشق وحلب ليساعده ضد خصمه، وكان هذا بمثابة السماح لنور الدين بالتدخل في شؤون مصر الداخلية، فظهرت مصر بمظهر الضعيف والعجز عن صد هجمات الصليبين الذين بدؤوا يشنون الهجوم على مصر ولذا بدأ التنافس بين الصليبين ونور الدين حول غزو مصر.

وبعد أن تولى صلاح الدين الأيوبي الوزارة في خلافة العاضد، وضع لنفسه سياسة مرسومة ترمي الى القضاء على الدولة الفاطمية الشيعية وإقامة دولة أيوبية سنية، ولكنه لم يتعجل في تنفيذ هذه السياسة ورأى أن تتم على خطوات طويلة، فبدا بإضعاف حزب الخليفة الفاطمي العاضد، وعمل في نفس الوقت على إرضاء الشعب المصري، فملأ مناصب الدولة برجاله الذين يثق بهم، وبعد نجاح صلاح الدين في صد الصليبين وإنهاء حصارهم لدمياط بدأ ينشئ تدريجيا المدارس السنية على المذهب الشافعي، وبعد مرض الخليفة العاضد الذي ألزمه فراشه بالقصر اصدر صلاح الدين أوامر لجميع خطباء المساجد بقطع الخطبة للخليفة الفاطمي، فنفذوا أمره، وتم بذلك إسدال الستار على الدولة الفاطمية في هدوء وسلام دون كفاح أو معارضة.

سادسا . مميزات الخلافة الفاطمية: قلدت الدولة الفاطمية الدولة العباسية في نظام حكومتها وسائر شؤونها إلا فيما يتعلق منها بالدين فإنهم أيدوا كل ما يوافق مذهب الشيعة من إيثار العلويين وتقديمهم والعمل بأقوال أئمتهم، فقامت على تقديس الإمام وعصمته، فعمدوا الى تأسيس المدار الخاصة لتعليم عقائد المذهب الذي يقوم على تقديس الأئمة.

كما لقيت نظرية الحق المالكي المقدس التي كانت سائدة في بلاد الفرس في عهد ال ساسان والتي أخذها عنهم الخلفاء العباسيون فيما بعد قبولا عند الخلفاء الفاطميين، وأصبح الإمام في نظر الناس ظل الله في الأرض كما أصبح شخصا مقدسا.

وكان الخلفاء الفاطميون يلقبون بألقاب كثيرة منها الخليفة الفاطمي أو العلوي وأمير المؤمنين، ومن الألقاب المحببة الى الإسماعيلية إمام الزمان وصاحب الزمان والسلطان والشريف.

وحذا الفاطميون حذو الأمويين والعباسيين في تولية أبنائهم العهد، فكان الخليفة إذا شعر بدنو اجله يعهد بالخلافة الى احد أبنائه ثم تتجدد هذه البيعة بعد وفاته.

سابعا . الحكومة الفاطمية: شملت الحكومة عدة دواوين أشهرها ديوان الجيش وديوان الكسوة والطراز وديوان الاحباس وديوان الرواتب.

ومن كبار الموظفين صاحب الإنشاء والمكاتبات، ويرأس ديوان الإنشاء، ومنهم أيضا أمير الباب أو الوزير الصغير يقوم بتقديم السفراء الى الخليفة، ومنهم قاضي القضاة يشرف على القضاء والسكة، ومنهم داعي الدعاة يشرف على الدعوة الفاطمية والعلم، ومنهم المحتسب وظيفته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم صاحب بيت المال يشبه وزير المالية اليوم، ومنهم صاحب الرسائل، ومنهم أيضا صاحب المظلة، وحامل السيف، وحامل الرمح، وحامل الدواة، وولي القاهرة، وولي مصر أي الفسطاط.

الفصل التاسع: الخلافة الأموية في بلاد الأندلس.

أولا . قيام الإمارة الأموية في قرطبة: كان غروب شمس الخلافة الأموية في دمشق الشام على يد العباسيين إيذانا بشروق الخلافة الأموية من جديد في قرطبة بالأندلس، فقد بدأ العباسيون عهدهم بإنزال القتل والتعذيب بالأسرة الأموية، واستطاع عدد قليل منهم الهرب الى بعض الأمصار الإسلامية النائية، وكان من بين هؤلاء عبد الرحمن بن معاوية وهو حفيد عاشر خلفاء دمشق، فقد استطاع أن يستولي على المدن الأندلسية مدينة بعد مدينة وكون امراة أموية مركزها قرطبة.

حكم عبد الرحمن الملقب ب: (الدخيل) أولا باسم الدولة العباسية، وكان له ابن عم يقال له عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، شديد العصبية للأمويين واسع الأمل في إرجاع خلافتهم وقد حارب في نصرة ابن عمه حروبا ثبتت له بها الدولة الأموية في بلاد الأندلس.

ومن أشهر الأمراء الأمويين عبر تاريخ هذه الخلافة، نذكر: هشام بن عبد الرحمن (172هـ)، الحكم بن هشام (180هـ)، عبد الرحمن الثاني بن الحكم (206هـ)، عبد الرحمن بن الناصر.

لما شعر عبد الرحمن الناصر بأنه يملك القوة، وجد أن لقب أمير الذي تلقب به أسلافه أصبح لا يناسب ما وصل إليه من قوة وعظمة وخاصة أن الخلافة العباسية أصابها ضعف شديد إذ سيطر الأتراك على الخلفاء العباسيين وأصبحت سلطة الخليفة العباسي لا تتعدى مدينة بغداد، ورغم ضعف الخليفة العباسي إلا انه كان لا يزال يستعمل هذه الألقاب الضخمة، ووجد انه ليس اقل من العباسيين والفاطميين أثرا في الدفاع عن العالم الإسلامي ضد أوربا المسيحية، ولهذه الأسباب رأى أن يعلن الناصر نفسه (خليفة)، ويتلقب بأمير المؤمنين سنة (317هـ)، وكتب الى ولاته بذلك، بذلك أصبح في العالم الإسلامي ثلاث خلافات: الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في المغرب، والخلافة الأموية في قرطبة، وأصبح الناصر لا يعترف بالنظرية القديمة التي تشترط السيادة على الحرمين لمن يدعي الخلافة وإمارة المؤمنين.

ثانيا . غروب الخلافة الأموية في الأندلس: جاءت نهاية الخلافة الأموية في قرطبة على يد بني حمود سنة (407هـ)، فقد كان علي بن حمود بن أبي العيش ينتمي إلى إدريس بن عبد الله العلوي مؤسس دولة الادارسة بالمغرب، يتولى حكم مدينة سبتة، كما كان أخوه القاسم بن حمود يتولى حكم الجزيرة الخضراء في جنوب الأندلس، وطمع علي بن حمود في أن يحكم في قرطبة سنة (407هـ) فقتل المستعين وقضى على الخلافة الأموية، وحكم بنو حمود الأندلس نحو أربعين سنة تخللها صحوات عاد فيها الملك الى بعض أفراد البيت الأموي.

ثالثا . مميزات الخلافة الأموية: كانت الإدارة في الخلافة الأموية بالأندلس بنيت على الأسس التي وضعها الخليفة عبد الرحمن الداخل، فأصبح كبار الموظفين هم الوزراء، ثم ميزوا واحدا منهم يلقب الحاجب، فأصبح شبيها كرئيس الوزراء، والى جانب ذلك لم يفصل الأمويون بين الإدارة والجيش، فلم تعد هناك قيادة عامة للجيش، وإنما كانت هناك قيادة للعمالات، أما رئاسة الجيش فكانت للأمير نفسه، ومن هنا لم يتسع المجال لأحد من القواد ليستبد بالدولة كما حدث في الدولة العباسية.

كما اختار الأمويون عددا من الفقهاء يشاورونهم في الأحكام وأطلقوا على كل منهم لقب فقيه مشاور، ولم يجعلوا منهم مع ذلك هيئة كيان، بل كانوا يشاورون من يرون مشاورتهم منهم دون تفريق، وعمل هؤلاء الفقهاء على القضاء على كل مذهب مخالف لمذهبهم، وكانوا مالكية المذهب، فلم يعد في البلاد مذهب أخر مخالف لهذا المذهب، مما أدى إلى توحيد البلاد.

الفصل العاشر: الخلافة العثمانية في قسطنطينية.

أولا . قيام الخلافة العثمانية في قسطنطينية: يذهب معظم المصادر العربية، والإفرنجية الى أن الخليفة العباسي (المتوكل على الله)، قد تنازل عن الخلافة للسلطان العثماني سليم الأول بعد فتح مصر سنة 1517 م، وبهذه الصورة انتقلت الخلافة الإسلامية من العباسيين الى العثمانيين.

لكن هناك أدلة تاريخية لا تؤيد تنازل الخليفة العباسي عن الخلافة للسلطان سليم، وتذهب الى أن هذه القصة ما هي إلا أسطورة تكونت بعد فتح مصر، وبعد وفاة السلطان سليم بمدة غير قصيرة.

لقد كان السلاطين العثمانيون أول من تلقبوا بلقب الخلافة دون أن يكونوا من قبيلة قريش، ورغم ذلك فان الأئمة الحنفية يرون صحة خلافة بني عثمان، إذ في رأيهم أن الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق، هي:

1- حق السيف: بمعنى أن طالب الخلافة يجب أن يقوم بدعوته أنصار لا يقوى عليهم مناظر أخر على وجه الأرض.

2- حق الانتخاب: أي مصادقة آهل العقد.

3- الوصية: وهي وصاية الخليفة لمن يخلفه بعد موته.

4- حماية الحرمين.

5- الاحتفاظ بالأمانات: وهي المخلفات النبوية المحفوظة في الالستاتة.

وقد كانت هذه الحقوق كلها موجودة في شأن السلطان سليم يوم التمس الخلافة بعد فتح مصر.

ثانيا . موقف السلاطين العثمانيين بعد سليم من الخلافة: لم يهتم السلاطين العثمانيون الذين حكموا بعد سليم بألقاب (الخليفة)، و(أمير المؤمنين)، فقد كان السلاطين العثمانيون متأثرين بالمذهب الحنفي، وهو مذهب الدولة الرسمي، الذي يذهب الى أن الخلافة لم تدم أكثر من ثلاثين سنة، أي الى أن قتل علي بن أبي طالب، ثم بدأت الحكومة الملكية.

وفي القرن (18م) اضطر السلاطين العثمانيين استعمال لقب “خليفة” حينما احتاجوا الى استعماله في سياستهم الخارجية، خلال معاملاتهم مع الدول المسيحية، لذلك لم يظهر سلاطين العثمانيين اتخاذ لقب الخلافة بالمعنى القديم، الذي يقصد به السيطرة على المسلمين كافة إلا في القرن التاسع عشر في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فقد ظهر هذا اللقب بصفة رسمية في دستور (مدحت باشا) الصادر في 24 ديسمبر 1876 م، فقد نصت المادة الثالثة على أن السلطنة العثمانية تؤول الى اكبر أعضاء البيت العثماني، ونصت المادة الرابعة على أن صاحب الجلالة السلطان خليفة المسلمين، هو حامي الإسلام.

ثالثا . غروب الخلافة العثمانية: لقد تولى السلطان عبد الحميد الثاني العرش في وقت حفلت فيه الدولة العثمانية بالكوارث والنكبات، فقد أعلنت الثورة في الهرسك، ووقعت حرب مع الصر، والجبل الأسود، وفي السنة التالية (1877 م)، أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية، وأدت معاهدة برلين الى ضم البوسنة والهرسك الى النمسا، وحصلت رومانيا وصربيا والجبل الأسود على الاستقلال التام، وأصبحت بلغاريا دولة مستقلة مع الاعتراف بسيادة اسمية للدولة العثمانية.

وفي ذلك الحين زادت أطماع الدول الأوروبية في الولايات العربية الخاضعة للعثمانيين، وسعت وراء نيل امتيازات واسعة، وتدخلت لتأييد بعض الطوائف، مما اضعف الدولة العثمانية، مثل أطماع الفرنسيين في سوريا ولبنان وشمال افريقيا، والانكليز في مصر والسودان والعراق والخليج الفارسي والبحر الأحمر، والألمان في استغلال المرافق الاقتصادية للدولة، والايطاليين في ليبيا.

ولما خاف المسلمون ان يسيطر الأوروبيون على العالم الإسلامي جميعه، فكروا في جمع كلمتهم للوقوف أمام التيار الأوروبي، فنشأت فكرة الجامعة الإسلامية، يتزعمها جمال الدين الأفغاني، فظل العرب المسلمون يعتبرون الدولة العثمانية دولتهم ويستسلمون لحكمها، لأنها دولة الخلافة الإسلامية، كما ظل العرب المسيحيون يشعرون بأنها غريبة عنهم، لأنها تعتبرهم رعايا، ويتجهون نحو الدول الأوروبية لأنها تحميهم في كثير من المناسبات.

وخلال مطلع القرن العشرون ظهرت فكرة القومية العربية لتحويل أنظار المسلمين عن الدولة العثمانية، وأنظار المسيحيين عن الدول الأوروبية لكي تجمع كلمتهم حول العروبة التي تستمد قوتها من اللغة والتاريخ.

وفي سنة (1908 م) استولت (جمعية الاتحاد والترقي) على الحكم، وخلعت السلطان عبد الحميد وأعلنت الدستور وأخذت فكرة الخلافة في العلام الإسلامي تضعف رويدا رويدا حتى اختفت تماما، فقد شاركت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى الى جانب ألمانيا ضد الحلفاء، ثم ساءت أحوالها فاحتل الحلفاء سواحل بحر مرمرة واسطنبول، وفي 11 أكتوبر 1922 عقدت (هدنة مودانيا) التي نصت على جلاء الحلفاء عن هذه البلاد، ثم بعد ذلك أعلن المجلس الوطني الكبير في 29 أكتوبر 1923 إلغاء السلطنة العثمانية، وإعلان الجمهورية، وانتخاب مصطفى كمال رئيسا لها، وتم عزل السلطان وحيد الدين، وانتخب البرلمان ابن عمه (عبد المجيد) خليفة على المسلمين، وجر من كل سلطة حقيقية في النواحي السياسية والإدارية، وان كان قد سمح له بارتداء بردة الرسول (ص) إلا انه حرم من قوة السيف وأصبحت مهامه شكلية، ثم رأى الأتراك أن بقاء الخليفة قد يثير حوله حركات رجعية وان فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية في الإسلام لا يتفق ونظام الخلافة، فالغوا الخلافة في 2 مارس 1924 بصفة نهائية.

Share Button

عن المركز الديمقراطى العربى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


− one = 1

إلى الأعلى
 

Please log in to vote

You need to log in to vote. If you already had an account, you may log in here

Alternatively, if you do not have an account yet you can create one here.

Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On PinterestVisit Us On LinkedinCheck Our Feed