الرئيسية / الشرق الأوسط / السلم الاجتماعي بين دولة الرفاه ودولة الريع النفطي “إشارة لحالة الجزائر”
السلم الاجتماعي بين دولة الرفاه ودولة الريع النفطي “إشارة لحالة الجزائر”
علم الجزائر

السلم الاجتماعي بين دولة الرفاه ودولة الريع النفطي “إشارة لحالة الجزائر”

اعداد : الدكتور لقرع بن علي –  أستاذ العلوم السياسية  – جامعة مستغانم، الجزائر

أصبح مفهوم السلم الاجتماعي متداولا بصفة كثيرة عندنا في الجزائر، فالجميع يتحدث عن هذا المفهوم سواء كانوا إعلاميين أو سياسيين أو أكاديميين. فماذا يقصد بالسلم الاجتماعي وهل هو شيء ايجابي أم سلبي؟

السلم الاجتماعي بكل بساطة هو توفير الاستقرار الاجتماعي داخل البلد بحيث ينعكس ذلك إيجابا على الوضع الداخلي للدولة سياسيا وأمنيا واقتصاديا. وهو يتضمن عدة أبعاد: بعد اثني يهدف إلى تحقيق السلم بين مختلف المكونات الاثنية والعرقية والدينية والطائفية للمجتمع، وهناك بعد طبقي أساسه تحقيق السلم بين طبقات المجتمع ولاسيما بين طبقة الفقراء وطبقة الأغنياء، وهنا تظهر أهمية الطبقة الوسطى والطبقة العمالية في تحقيق التوازن الطبقي وتأمين الاستقرار داخل المجتمع. وهناك كذلك بعد سياسي بشير إلى الاندماج بين المواطنين والنظام السياسي ومؤسسات الدولة. إن السلم الاجتماعي هو هدف تسعى لتحقيقه كل الدولة سواء كانت متقدمة أو متخلفة، والفرق يكمن فقط في الآليات والوسائل المستعملة لتحقيق هذا السلم الاجتماعي.

في دولة الرفاه الموجودة في الدول الأوربية المتقدمة وأمريكا الشمالية وباقي الدول المتطورة نجد أنها تعتمد على التنمية الاقتصادية وبناء النظم الديمقراطية، وتعتمد كذلك على الحوكمة وجودة الإدارة وجودة الخدمات لتحقيق الاستقرار المجتمعي. فمن خلال التنمية الاقتصادية المستدامة تتمكن الدولة من تجاوز أهم الأزمات التي تهدد استقرار المجتمع وأبرزها: أزمة البطالة، وأزمة الفقر، وأزمة السكن. كما أن التنمية الاقتصادية وتطور الصناعة والقطاعات الاقتصادية الأخرى ينعكس إيجابا على نوعية الخدمات التي توفرها الدولة لمواطنيها لاسيما الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية، بحيث تتمكن الدولة بفضل هذه الخدمات من توفير جودة الحياة لسكانها مما يجعلهم راضين عن السلطة الحاكمة وعن أدائها وكذلك تزيد ثقتهم في الدولة.

من ناحية أخرى، تبرز أهمية النظام الديمقراطي وما يوفره من قيم التعددية والمنافسة والانتخابات النزيهة، بحيث يساهم في توسيع مشاركة المواطنين في العملية السياسية واختيار طبيعة السلطة التي تحكم الدولة واختيار المؤسسات البرلمانية التي تمثلهم. وهذا الأمر يؤدي إلى زيادة شرعية السلطة السياسية ويؤدي كذلك إلى الانسجام بين الحاكم والمحكوم. فمادام أن هناك آليات مؤسساتية ديمقراطية تسمح للمواطنين بالاختيار الحر والنزيه وبالتعبير عن مطالبهم، فإنهم يبتعدون عن اعتماد أساليب العنف أو الاحتجاج العنيف في حراكهم المطلبي. وقد لاحظنا هذا الأمر مرارا وتكرارا في الدول المتقدمة خاصة الأوربية منها.

بدورها تؤدي الحوكمة إلى ترسيخ السلم الاجتماعي في دولة الرفاه، فآليات الحوكمة تساهم في تفعيل الأداء التنموي للمؤسسات السياسية والإدارية للدولة، وكذلك تساهم في تحسين إنتاجية القطاع الاقتصادي. فالحكم الراشد يتضمن مجموعة من الآليات التي تؤدي إلى ترشيد الإدارة وجودة الحكم مثل آليات المساءلة والشفافية وسيادة القانون واللامركزية الموسعة في اتخاذ القرار ووجود مجتمع مدني فاعل. وهكذا، فإن الحكم الراشد يمنح للمواطنين فرصة المشاركة في تسيير شؤون الدولة لاسيما على المستوى المحلي، ويصبح جميع الفاعلين مسؤولين عن إدارة شؤون الدولة والمجتمع.

إن التنمية الاقتصادية المستدامة، وبناء نظام ديمقراطي، ووجود حوكمة في على مستوى الإدارة والحكم يؤدي إلى بناء الدولة الذكية المستقرة اجتماعيا وسياسيا وأمنيا. فالسلم الاجتماعي هنا أساسه الإنتاج والكفاءة والضريبة، مما يجعل المواطنين يحصلون على جودة الحياة في حين تحصل السلطة السياسية على المساندة والتأييد.

وفي المقابل، نجد أن السلم الاجتماعي في الدولة الريعية النفطية يعتمد بصفة مطلقة على توزيع الريع. وهنا تكمن خطورة الوضع، فأسعار البترول مرتبطة بعوامل خارجية لا تتحكم فيها الدول المنتجة للنفط. فعندما ترتفع أسعاره في الأسواق الدولية تتمكن الدولة من مراكمة مبالغ ضخمة من العملة الصعبة مثلما حدث مع الجزائر عندما وصل احتياطها إلى 200 مليار دولار مع اواخر سنة 2013. وفي هذه الحالة نجد السلطة الحاكمة تفرط في الإنفاق العام من أجل شراء السلم الاجتماعي والحصول على شرعية مزيفة، فهي لا تعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية وفق معايير الانجاز المتمثلة في الإنتاج والكفاءة والضريبة بل تلجأ إلى توزيع الريع على السكان في شكل خدمات مجانية (مجانية التعليم، مجانية الصحة، مجانية السكن…الخ).

والدولة الريعية تعتمد بصورة مطلقة على الاستيراد لتوفير الحاجيات الأساسية لسكانها من غذاء وملبس وأدوية إضافة إلى استيراد السيارات والسلاح…الخ. فهي لا تركز على الاستثمار في القطاع الإنتاجي بل توظف أموال الريع في القطاع الخدماتي غير المنتج للثروة، ففي الجزائر مثلا نجد أن 45 بالمائة من ميزانية المخطط الخماسي 2005-2010 خصصت لتحسين ظروف معيشة السكان في حين تم تخصيص 8 بالمائة فقط من الاعتمادات المالية الخاصة بالبرنامج للقطاعات المنتجة للثروة (الصناعة، الزراعة، الصيد البحري، السياحة).

إذا كانت دولة الرفاه تعمل على بناء السلم الاجتماعي، فإن الدولة الريعية تعمل على شراء هذا السلم الاجتماعي بواسطة أموال النفط، فتقوم بتوزيع المزايا والمناصب والأموال على من يبدي لها الطاعة والولاء وتمنعها عن معارضيها ومنتقديها. وفي نفس الوقت توظيف الريع النفطي لإسكات الاحتجاجات الشعبية ومواجهة الحراك السياسي. حدث ذلك في الجزائر مع بداية 2011 عندما قامت احتجاجات في عديد مدن احتجاجا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية، لجأت السلطة إلى رصد مبالغ مالية ضخمة لدعم أسعار تلك المواد بهدف إخماد الاحتجاجات التي تزامنت مع الثورة التونسية.

وعندما تنخفض أسعار النفط تجد الدولة الريعية نفسها في مأزق كبير، فهي مطالبة بالاستمرار في شراء السلم الاجتماعي بواسطة الإنفاق العام وفي نفس الوقت هي مطالبة بترشيد النفقات. وفي غالب الأحيان تجد نفسها مجبرة على تبني سياسة التقشف، وهذا هو الحاصل حاليا في الجزائر وأغلب الدول العربية. فانخفاض أسعار النفط منذ صائفة 2014 جعل الدولة الجزائرية تفقد ثلثي مداخيلها، وبالتالي فهي لم تعد قادرة على المواصلة في نفس الحجم الانفاقي عندما كان سعر البترول في حدود 120 دولار للبرميل. وبالنتيجة هي لم تعد لديها القدرة المالية لشراء السلم الاجتماعي وإسكات الاحتجاجات الشعبية

إن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها الجزائر مؤخرا في بعض مدنها (بجاية وبعض مدن الوسط الجزائري)، تعبر بوضوح أن السلم الاجتماعي في هذا البلد هو سلم هش مرتبط بأسعار النفط وتقلباتها في الأسواق الدولية. وهذا الأمر يعتبر في حد ذاته عاملا مهما يفسّر لجوء السلطة الحاكمة إلى تبني نظرية المؤامرة والأيادي الخارجية في قراءتها للأحداث. فمع انخفاض احتياطي الصرف إلى 114 مليار دولار في ظرف سنتين ونصف فقط، ومع بقاء أسعار البترول في حدود 50 إلى 55 دولار للبرميل لم يعد بمقدور الحكومة الجزائرية أن تواصل نفس سياساتها السابقة في الإنفاق الضخم وفي شراء السلم الاجتماعي مع العلم أن قيمة التحويلات الاجتماعية المخصصة في قانون المالية لسنة 2017 بلغت 18 مليار دولار. وهنا يطرح التساؤل إلى أي مدى ستبقى الدولة في الجزائر قادرة على توفير هذا المبلغ الضخم لضمان الدعم الموجه لغالبية الفئات الاجتماعية؟

بناء على ما سبق ذكره، فإن التحديات الراهنة تفرض على الدولة الريعية في الجزائر أن تعتمد على مقاربة جديدة، وهي بناء السلم الاجتماعي على أسس الانجاز (العمل المنتج، الضريبة، الكفاءة) وليس شرائه بواسطة الريع النفطي. وهذا يعني أن الدولة مطالبة بالتحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي وفي نفس الوقت هي مطالبة ببناء نظام سياسي ديمقراطي يوظف آليات الحكامة في تسيير وإدارة شؤون الدولة والمجتمع.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى