البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثية

قانون العدالة الانتقالية في تونس بين استئصال النظام السابق واستقطابه

العدد الأول لسنة “2017 ” من مجلة العلوم السياسية والقانون

احدى اصدارات المركز الديمقراطي العربي

 

اعداد : نوال لصلج –  أستاذة بقسم العلوم السياسية ٬ جامعة سكيكدة (الجزائر)                                                                                       

الملخص

تعالج هذه المقالة إشكالية تطبيق العدالة الانتقالية في تونس بعد إسقاط النظام السابق في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ( ثورة الربيع العربي ) أين تم تتويج مطالب الشعب التونسي بإصدار قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية التي تهدف إلى تفكيك منظومـــــــــة الاستبداد والفســــــاد السياســـــي والاقتصادي وحفظ الذاكرة الوطنية المتعلقة بتاريخ تونس المستقلة في مجال حقوق الانسان ، ولكن هذا القانون يطرح العديد من الاشكاليات لاسيما في الفترة الأخيرة من الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية أين تم السماح للعديد من الوجوه السابقة من الترشح في الانتخابات التشريعية 2014  والرئاسية ، فهل هذا يعني أن قانون العدالة الانتقالية في تونس قانون وسطي بين الاستئصال والاستقطاب ؟

الكلمات المفتاحية : العدالة الانتقالية ، إسقاط النظام ، الثورة ، استئصال النظام ،استقطاب النظام .

La loi de la justice transitoinnelle en Tunisie entre l’extermination de l’ancien régime et sa polarisation.

Résumé

Cet article traite la problématique de l’application de la justice transitoire en Tunisie après le renversement de l’ancien régime a l’époque du président déchu Zine El Abidine BENALI ( la révolution du printemps arabe) , ou les demandes du peuple tunisiens ont été couronnées par la promulgation du statut numéro 53 pour l’année 2013 relatif a enfoncer la justice transitoire qui a pour objectif la dissociation du système de despotisme et la dégradation politique et économique et la conservation de la mémoire nationale concernant l’histoire de la Tunisie indépendante dans le domaine des droits de l’homme ,mais ce statut pose de nombreuses problématiques notamment durant la dernière période des élections législatives et présidentielles où il a été permis à plusieurs personnalités d’être des candidats dans les élections législatives et présidentielles ,est-ce cela veut dire la loi de la justice transitoire en Tunisie est une loi centrale entre l’extermination et la polarisation ?

Les mots clés : la justice transitoire, le renversement du régime, la révolution, l’extermination du régime, la polarisation du régime.

*أستاذة بقسم العلوم السياسية ٬ جامعة سكيكدة (الجزائر)

مقدمــة

يمر العالم العربي بأحداث ساخنة وتطورات متسارعة انتهت بإسقاط رؤوس الأنظمة السابقة في كل من تونس ومصر ، مع بقاء الصراعات مستمرة في كل من اليمن وسوريا وليبيا .

فالمنطقة العربية لم يسبق لها وأن مرت بمثل تلك الثورات والعواصف منذ ثورة 52 في مصر ويرجع السبب في ذلك إلى الأنظمة القمعية الفاسدة التي أدت إلى سخط عام لدى الفئات الاجتماعية المختلفة خصوصا الشباب ، وهكذا وجدت التربة الخصبة للاحتجاجات الشعبية الواسعـــــــة والمطالبــــــــــة بالإصلاحــــــــــات السياسيــــــة والاقتصادية ، فكان الزلزال الذي أصطلح عليه ” بالربيع العربي “،  تكلل هذا الأخير في تونس بإسقاط نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بعد 28 يوم من قيام الثورة ، مع العلم أن المتتبع للتاريخ السياسي الحديث في تونس يجد أن هناك نوعان من الانتفاضة الشعبية([1]) ، الأولى انتفاضــــــة تتعلق بمقاومــــــة الاحتلال الفرنســـــي والتي استمرت حتى نيل الاستقلال ، والثانية انتفاضة جاءت في الغالب كرد فعل مباشر على قرار حكومي خاطئ أو متعسف ، كانت خاطفة وسريعة الانطفاء مثل التي حدثت في 26 يناير 1978 إبان الإضراب العام لعمال تونس والإتحاد العام التونسي للشغل([2]) ، أيضا الانتفاضة التي سميت “بثورة الخبز” التي انطلقت في 27 ديسمبر 1983([3]).

     وتعرف الثورة التونسية أو ما يسمى بثورة الكرامة أو ثورة الأحرار أو ثورة الياسمين، أو ثورة 14 يناير 2011 …. ، على أنها ثورة شعبية اندلعت إثر قيام الشاب ” محمد البوعزيزي “ بإضرام النار في جسده في 17 ديسمبر 2010 بعدما يأس من ظروف البطالة ، مما أدى هذا الحادث المأساوي إلى اندلاع شرارة المظاهرات في اليوم التالي صباح 18 ديسمبر ، وخــروج آلاف التونسيـــين الرافضين للقـــهــــــــــر والظــــلــم  والبطالة  والفساد  في مؤسسات الدولة ، ونتج عن هذه المظاهرات التي شملت مدن عديدة في تونس أولها مدينة سيدي بوزيد  سقوط العديد من القتلى والجرحى من المتظاهرين نتيجة تصادم مع قوات الأمن .

وتوجت الثورة التونسية بخلع النظام السابق والتأسيس للانتقال من نظام قمعي ومستبد إلى نظام آخر مخالف من ناحية التوجهات والإيديولوجيات ، وهذا الانتقال الناجح إلى الاستقرار والديمقراطية يستلزم تبني إجراءات وتدابير رشيدة لمواجهة تلك التداعيات ، الذي توج بإصدار قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها ، بهدف تفكيك منظومـــــــــة الاستبداد والفساد السياسي والاقتصادي وحفظ الذاكرة الوطنية ، ولكن هذا القانون يطرح مشكلة عويصة تتمثل في تحديد الطريقة التي يجب التعامل بها مع فلول وبقايا النظام السابق ، فهل تم استيعاب النظام السابق الساقط في النظام الجديد ودمجه حفاظا على الاستقرار والوحدة الوطنية ، أم يتم عزله وإقصاؤه واجتثاثه كما فعلت دول أخرى من قبلها كما هو الحال في العراق ؟ أو بعبارة أخرى فهل يعني أن قانون العدالة الانتقالية هو قانون وسطي بين الاستئصال والاستقطاب ؟

للإجابة عن هذه الاشكالية قمنا بتقسيم موضوع بحثنا إلى ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : مسار العدالة الانتقالية في تونس

قبل إصدار القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المتعلق بالعدالة الانتقالية ، قطعت تونس شوطا كبيرا من المراحل الهامة منها انتخاب المجلس الوطني التأسيسي وإنشاء وزارة حقوق الانسان والعدالة الانتقاليـــة لأنه من غير المجدي أن يفتح ملف العدالة الانتقالية مباشرة بعد الثورة ، فلا بد من فترة تريث يلتئم فيها الجــــرح وتثبت المؤسسات ،لأن مسألة العدالة الانتقالية ليست مجرد شعار فرضته أجواء الثورة ، بقدر ما هي مدخل سياسي لإعادة هيكلة الحياة العامة ، لذلك فإن تونس قبل إعداد قانون العدالة الانتقالية مرت بمراحل ومحطات هامة سنقوم بتفصيلها من خلال تقسيمها إلى مطلبين :

المطلب الأول: مرحلة ما قبل إعداد مشروع العدالة الانتقالية

     بعد الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ، أعلن المجلس الدستوري التونسي عن شغور منصب رئيس الجمهورية وفق ما يقتضيه الفصل 57 من الدستور التونسي السابق ، وتولى فؤاد لمبزع رئيس البرلمان التونسي السابق مهام الرئاسة مؤقتا ، على أن تجرى انتخابات رئاسية جديدة في موعــــد أقصاه 60 يوما والذي كلف بدوره رئيس الوزراء الأسبق السيد/ محمد الغنوشي بتشكيل وزارة جديدة ، وتم الإعلان في 17 يناير 2011 عن تشكيل حكومة وطنية احتفظ فيها أربعة وزراء من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم (سابقا) بحقائبهم ، لكن هذه الحكومة قوبلت برفض شعبي واحتجاجات نقابية وشعبية وذلك بتاريخ 20 يناير 2011 ، مما أسفر عن حل المكتب السياسي للحزب نفسـه والإفــــــــــراج عـــــن السجنـــــاء السياسيين والسماح بعودة المعارضين السياسيين المنفيين مثل راشد الغنوشي من لندن ، منصف المرزوقي من باريس وغيرهم إلى البلاد ، كما أصدرت الحكومة الانتقالية التونسية عفوا عاما عن كل السجناء السياسيين الذين أودعوا في السجون إبان عهد الرئيس السابق المخلوع .

وفي 27 فبراير 2011 قدم رئيس الحكومة المؤقتة محمد الغنوشي استقالته في مؤتمر صحفي إثر مقتل 05 أشخاص في تجدد المصادمات بين الشرطة والمتظاهرين ، وكلف الرئيس المؤقت السيد /فؤاد لمبزع سياسي آخر وهو الباجي قائد السبسي بمنصب رئيس الوزراء ([4]) ، في 03 مارس 2011 أعلن الرئيس التونسي بالنيابة فؤاد لمبزع عن تحديد 24 يوليو 2011 موعدا لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي المكلف بإعداد دستور جديد للبلاد محل دستور 1959 ، لكن لأسباب لوجيستية تم تأجيل موعد انتخابات المجلس التأسيسي إلى 16 أكتوبر 2011 .

المطلب الثاني: مرحلة إعداد مشروع قانون العدالة الانتقالية

     بمناسبة انتخاب المجلس الوطني التأسيسي طويت صفحة حكم بن علي ، وفتح بالمقابل ملف محاسبة الذين تورطوا في عهده ، لأن الإرادة الثورية التونسيــــــة ليست مقرونــــــــة فقط بإنهاء 23 عامــــــــا مــــــن الاضطهـــاد والدكتاتورية ومعرفة الحقيقة وتضميد جراح ضحايا النظام السابق .

وكان الفصل 15 من المرسوم عدد 35 لسنة 2011 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي قد استثنى من تحملوا مسؤوليات في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل ومنعهـــــــــم مـــــن الترشح للانتخابات وكل من ناشد الرئيس السابق الترشح لفترة رئاسية جديدة لسنة 2014([5]) ، تشمل المسؤوليات في صلب هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي : رئاسة أو عضوية الديوان السياسي ، عضوية اللجنة المركزية ، المسؤولية السياسية بالإدارة المركزية (الأمناء القارون ، الأمناء المساعدون ، مدير الديوان ، الأمين العام للإتحاد التونسي لمنظمات الشباب ، مدير مركز الدراسات والتكوين ) ، الانتماء إلى المكتب الوطني لطلبة التجمع الدستوري الديمقراطي ، عضوية لجان التنسيق ، عضوية الجامعات الترابية والمهنية ، رئاسة الشعب الترابية والمهنية([6])

وتضمن برنامج عمل الحكومة المؤقتة بعد الثورة موضوع “العدالة الانتقالية ” كأحد الاولويات الأصح في عملها وتم تشكيل ثلاثة لجان للتحقيق في أهم الوقائع والأحداث التي أفضت إلى الثورة  ، نشأت أولها لجنة للتحقيق في فساد نظام الرئيس المخلوع ، ولجنة ثانية لدراسة الإصلاحات اللازمة فــــــــي مؤسســات الدولة ولجنة ثالثة لملاحقة المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت على المتظاهرين إبان الثورة ([7]) وذلك بموجب المرسوم عدد 07 و 08 لسنة 2011([8]) ، كما تم انتخاب لجنتان بموجب النظام الداخلي للمجلس الوطني التأسيسي خاصتين لمتابعة القضايا الوطنية المستعجلة وذات الأولوية وهما :

  • لجنة شهداء وجرحى الثورة وتفعيل العفو التشريعي العام : تتولى المتابعة والإشراف على المسائل المتعلقة باستحقاقات شهداء وجرحى الثورة والتعويض وتنفيذ قانون التشريعي العام وتعويض ضحايا الاستبداد منذ الاستقلال ، لها حق الإطلاع على جميع الملفات والوثائق داخل جميع الإدارات .
  • لجنة الاصلاح الاداري ومكافحة الفساد : تتولى المتابعة والإشراف على المسائل المتعلقة بالفساد المالي والإداري ، واسترجاع الأموال العمومية المنهوبة ومتابعة سبل تطور الادارة ، وتعصيرها وإصلاح الوظيفة العمومية ، لها كذلك حق الاطلاع على جميع الملفات والوثائق داخل جميع الإدارات .

وتعد لجنتا المتابعة تقريرا شهريا تبين فيه نتائج أشغالها وتوصياتها ترفعه إلى مكتب المجلس الذي يعرضه وجوبا على الجلسة العامة ، تتكون هاتان اللجنتان من 22 عضوا على الأكثر يتم توزيع المقاعد طبقا للفصل 08 من النظام الداخلي للمجلس الوطني التأسيسي([9]) ، كما تم رفع دعاوى قضائية عديدة أيضا ضد المتورطين فــــي الفساد والرشــــــــوة ، بالإضافـــة إلــــى انتهاكات حقــوق الإنســان ذات الصلــة بالثــــورة  وبالمقابل صدر عفو عن الأشخاص اللذين اعتقلهم النظام السابق ، وأعطيت تعويضات محدودة لضحايا الديكتاتورية من بينهم شهداء وجرحى الثورة عن طريق صندوق شهداء أو جرحى الثورة و ضحايا الاستبداد بالإضافة إلى ذلك صادقت السلطات على العديد من الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان([10]) .

وعلى الرغم من هذه الخطوات ، إلا أنه كان واضحا أن هذا البلد بحاجة إلى مجموعة من آليات العدالة الانتقالية ، لأن التدابير المرتجلة التي اتخذت بعــد الثورة لــم تستجب تمامــا لاحتياجات الضحايا أو المواطنين الآخرين وحقوقهم .

المبحث الثاني :الاطار القانوني والمؤسساتي للعدالة الانتقالية    

نظرا للتداعيات التي انجرت عن فتح ملف المحاسبة بعد نجاح الثورة  وطي صفحة نظام حكم بن علي باتت الحاجة إلى نهج شامل للعدالة الانتقالية أكثر بروزا بعد انطلاق الحوار الوطني التونسي وإنشاء لجنة فنية للإشراف على هذا الحوار ، الذي كشفت نقاشاته عن المدى الذي يريد التونسيون الذهاب إليه في سرد الحقيقة بشأن الماضي ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وتعويض الضحايا ، وإصلاح مؤسسات الدولة لاسيما مؤسسة القضاء ، حيث بات التونسيين مدركين لأهمية العدالة الانتقالية كأداة لمساعدة المجتمع في التعامل مع الماضي التونسي ، فقد نصت المادة 24 من القانون الاساسي عدد 06 لسنة 2011 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط على أن ” يسن المجلس الوطني التأسيسي قانونا أساسيا ينظم العدالة الانتقالية ويضبط أسسها ومجال اختصاصها “([11]) ، وهكذا أصبح هناك التزام بسن قانون يرسم مخطط عملية العدالة الانتقالية في تونس ، وتم تقديم هذا المشروع من قبل هيئة الحقيقة والكرامة وصادق عليه المجلس الوطني التأسيسي ، مع العلم أن تونس قد احتضنت قبل إقرارها هذا القانون العديد من الندوات والورشات  في إطار وطني حول العدالة الانتقالية بهذا الخصوص ، وكانت تجربة المغرب حاضرة فيها بقوة ، حيث ساهم فـــــــي تأطير اللقـــــــــاءات العـــــــــديد مــــــن الباحثــين والحقوقيين المغاربة ، ومن أبرز اللقاءات هناك الجلسة الافتتاحية لندوة إطلاق الحوار حول العدالة الانتقالية بتونس التي نظمت بالعاصمة التونسية في أبريل 2012 ، وفي ديسمبر عام 2013 صوت المجلس الوطني التأسيسي في تونس بالموافقة بالإجماع تقريبا على قانون العدالة الانتقالية وهو ما يعتبر تطورا تاريخيا في المنطقة وتحول نحو مجتمع ديمقراطي .

المطلب الأول :الإطار القانوني

بموجب الفصل الأول من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 تم تعريف العدالة الانتقالية على أنها “مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم و معالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسئولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقـق المصالحـة الوطنيــــــــــــة ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الانسان “ ([12]) ، وعليه يتضح من خلال التعريف أن العدالة الانتقالية تتكون من شقين :الأول هو العدالة justice وهي من المثل العليا للمساءلة والإنصاف في حماية الحقوق وإحقاقها ومنع التجاوزات والمعاقبة عليها ، أما الانتقال أو التحول فهو منحصر في فترة من التغييرات السياسية تتميز باتخاذ تدابير قانونية وحقوقية لمواجهة  وتصحيح جرائم ارتكبت عن طريق نظام قمعي سابق  مما يعني أن التحول أو الانتقال مرتبط في مفهوم العدالة الانتقالية من مجتمع أقل تحررا إلى مجتمع أكثر ديمقراطية وتحررا([13]) .

والتعريف الوارد بقانون العدالة الانتقالية في تونس يقتصر مفهوم العدالة الانتقالية على انتهاكات حقوق الانسان (فهمها ومعالجتها وكشف حقيقتها ومساءلة المسئولين عنها وتعويض الضحايا) وبالتالي يبــــــــــــدو وكأنه يستبعد مثلا موضوع الفساد واسترداد الأموال المنهوبة من أنظمة الفساد والاستبداد التي اطاحتها الثورة سواء كانت هذه الأموال في الداخل أم في الخارج .

ويرى الفقه أن مفهوم العدالة الانتقالية لا يزال من المفاهيم الغامضة أو المتلبسة وخصوصا لما يشوبه من ابهام  بما يتعلق في الجزء الثاني من المصطلح أي “الانتقالية ” لاسيما في حالة مقارنتها مع العدالة التقليدية المرتبطة بأحكام القضاء واللجوء إلى المحاكم بأنواعها ودرجاتها ، ولكنها تشترك معها فــــــي إحقــــاق الحـــــــــــــــــــــــــق وإعادته إلى أصحابه في كشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا ، خصوصا لما له علاقة بالقضايا السياسية والمدنية العامة ، ولكن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية المتواترة في كونها تعنى بالفترات الانتقالية ، مثل الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح أو حرب أهلية إلى حالة السلم والانتقال الديمقراطــــــــــــــــــــــــي  أو من حالة انهيار النظام القانوني إلى إعادة بنائه بالتوافق مع إعادة بناء الدولة ،  والانتقال من حكم تسلطي دكتاتوري إلى حالة الانفراج السياسي .

وقد يتبادر إلى الذهن أن اختيار طريقة العدالة الانتقالية يتناقض مع طريقة العدالة الجنائية سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي ، فــــــي حين أن اختيار الطريـــــــق الثانـــــــــي خصوصا بالنسبة للضحايا ومسألة إفلات المرتكبين من العقاب([14]).

ويظل مفهوم العدالة الانتقالية مفهوم نسبي يتغير بتغير الزمان والمكان بما يمكن تطبيقه في بلد ما يصعب تطبيقه في بلد آخر ، بالنظر إلــــــــى اختلاف الظـــــــــروف السياسية الاقتصاديـــــة والاجتماعية بيــــــن البلاد وبالتالي لا يجوز النظر إلى العدالة الانتقالية على أنها نوع خاص من العدالة ، فالعدالة الانتقالية ليست علما محددا أو قواعد أو أعرافا موحدة وجامدة ، ولكن ينظر إليها بحسبانها عملية لتحقيق قدر من العدالة الممكنة في ظل تحول أو انتقال بين مرحلة سياسية وأخرى في مجتمع ينشد الخلاص من “إرث الماضي ” .

ونسبية مفهوم العدالة الانتقالية يمكن أن تتأثر بدرجة القمع والاستبداد التي اتصف بها النظام السابق أو ما ارتكبه مسئولوه من انتهاكات ، وهو الأمر الذي يؤثر بطبيعة الحال على نوعية الآليات و طبيعة الاجراءات التي سوف يتم التعويل عليها لتطبيق العدالة الانتقالية([15]) .

أما فيما يخص تكييف مصطلح العدالة الانتقالية فهو لا يندرج تحت فقه العلوم السياسية أو السياسة الدولية والسياسة المقارنة بل تتم دراسته تحت بنود حقوق الانسان ، فضلا على أنه قد يتعدى ذلك ليتناول أحد المبادئ القانونية تطورا وفاعلية ، لذلك يرى البعض أن العدالة الانتقالية ما هي إلا أحد فروع القانون الدولــــي كما يرى آخرون أن العدالة الانتقالية تنتمي بشكل واضح إلى حقل القانون الجنائي ، بيد أن إمعان النظر يدفعنا إلى الاعتقاد بأن العدالة الانتقالية تمثل مفهوما له ذاتيته وطبيعته الخاصة ويتطلب تطبيقه الإلمام بفروع القوانين السابق الاشارة إليها ، مع إدراك الجوانب المختلفة السياسيـــــــــــــة ، الاجتماعيــــــــــــــــــــــة ، الثقافيـــــــــــــة ، الاقتصاديــــــــــــة والأرجح أن مفهوم العدالة الانتقالية يشكل مظلة يجمع العديد من العلوم يصبغ أساسا بالصبغة القانونية التي تمنحه الشرعية اللازمة([16]).

ووفقا للقانون الأساسي المتعلق بالعدالة الانتقالية في تونس، فان العدالة الانتقالية تقوم على العديد من المبادئ والركائز التالية :

– الكشف عن الحقيقة : وهو حق يكفله القانون لكل المواطنين مع مراعاة مصلحة الضحايا وكرامتهم دون المساس بحماية المعطيات الشخصية ، والانتهاك وفقا لهذا القانون هو كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان صادر عن أجهزة الدولة أو مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها ، وإن لم تكن لهم الصفة أو الصلاحية التي تخول لهم ذلك ، كما يشمل كل اعتداء جسيم على حق من حقوق الإنسان تقوم به مجموعات منظمة ، أما الكشف عن الحقيقة هو جملة الوسائل والإجراءات والأبحاث المعتمدة لفك منظومة الاستبداد ، وذلك بتحديد كــــــــل الانتهـــــــاكات وضبطها ومعرفـــــــة أسبابهـــــــــا وظروفهــــــا ومصـــــــدرها والملابسات المحيطة بها والنتائج المترتبة عليها ، وفي حالات الوفاة والفقدان والاختفاء القسري معرفة مصير الضحــــــــــــــــــــايا وأماكن وجودهم وهوية مرتكبي الافعال التي أدت إليها والمسئولين عنها ، ويؤخذ بعين الاعتبار عند الكشف عن الحقيقة خصوصية وقع الانتهاكات على كبار الســــن والنساء والأطفال والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصـــــــــــــــة والمرضى والفئات الهشة ([17]).

–  حفظ الذاكرة : هي حق لكل الاجيال المتعاقبة مــــــن التونسيات والتونسيين  كما يعتبر واجب تتحملـــــــــه الدولـــــــة وكل المؤسسات التابعة لها أو تحت إشرافها لاستخلاص العبر وتخليد ذكرى الضحايا([18]) ، والهدف من النص على حفظ الذاكرة حتى يعرف الشعب تاريخ اضطهاده والاحتياط على وجه الخصوص من ظهور نظريات تحرف الوقائع أو تنفيها([19]) ، هذا من جهة ومن جهة ثانية صعوبة تجاهل الماضي ، حيث أثبتت غالبية التجارب التاريخية السابقة في هذا المجال أنه من المستحيل تجاهل الماضــي أو نسيانــــــه ، فهو عـــــــــــادة يظهــــر ويطفو على السطح فيأخذ شكل ما يسمى “بفوران الذاكرة و تواترها ” ، حيث يظهر الغضب وعدم الرضا تحت سطح الحياة السياسية  بالتالي ينفلتان من وقت لآخر([20]).

–  المساءلة والمحاسبة : تتمثل في مجموع الآليات التي تحول دون الافلات من العقاب أو التفصي من المسؤولية ، وهي من اختصاص الهيئات والسلطات القضائية والإدارية حسب التشريعات الجاري بها العمــــــــــــــــــل ويتم بموجب أوامر إحداث دوائر قضائية متخصصة بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف تتكون من قضاة يقع اختيارهم من بين لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية ، يتم تكوينهم تكوينا خصوصيا في مجال العدالة الانتقالية .

وتنظر الدوائر المذكورة في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان على معنى أحكام هذا القانون ومن بين هذه الانتهاكات :

  • القتل العمد
  • الاغتصاب وأي شكل من أشكال العنف الجنسي
  • التعذيب
  • الاختفاء القسري
  • الاعدام دون توافر ضمانات المحاكمة العادلة

كما تتعهد هذه الدوائر النظر في الانتهاكات المتعلقة بتزوير الانتخابات وبالفساد المالي والاعتداء على المال العام ، والدفع إلى الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية المحالة عليها من الهيئة ، ولا تسقط بمرور الزمن الدعاوى الناجمة عن الانتهاكات المذكورة بالفصل 08 من هذا القانون([21]).

–  جبر الضرر ورد الاعتبار  :عرف الفصل 10 من القانون الاساسي المتعلق بالعدالة الانتقالية في تونس الضحية على أنه كل من لحقه ضرر جراء تعرضه للانتهاك على معنى هذا القانون سواء كان فردا أو جماعة أو شخصا معنويا ، وتعد ضحية أفراد الأسرة الذين لحقهم ضرر لقرابتهم بالضحية على معنى قواعد القانون العام وكل شخص حصل له ضرر أثناء تدخله لمساعدة الضحية أو لمنع تعرضه للانتهاك ، كما يشمل هذا التعريف كل منطقة تعرضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج .

وأعتبر هذا القانون أن جبر ضحايا الانتهاكات حق يكفله القانون ، والدولة مسئولة على توفير أشكال الجبر الكافي والفعل بما يتناسب مع جسامة الانتهاك ووضعية كل ضحية ، على أن يؤخذ بعين الاعتبار الامكانيات المتوفرة لدى الدولة عند التنفيذ ، ويقوم جبر الضرر على التعويض المـــــادي والمعنوي  ورد الاعتبــــار والاعتــــــذار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج ، ويمكن أن يكون فرديا أو جماعيا ويأخذ بعين الاعتبار وضعية كبار السن والنساء والأطفال المعوقيـــــــن وذوي الاحتياجـــــــــات الخاصـــــة والمرضــــــى والفئات الهشــــــــــــــة ، وتكفل الدولة العناية الفورية والتعويض الوقتي لمن يحتاج ذلك من الفئات المذكورة سابقا دون انتظار صدور القرارات والأحكام المتعلقة بجبر الضرر ، ويلقى على عاتق الدولة التكفل بمصاريف التقاضي في كل قضايا حقوق الانسان([22]).

–  إصلاح المؤسسات : يهدف إصلاح المؤسسات إلى تفكيك منظومة الفساد والقمع والاستبداد ومعالجتها بشكل يضمن عدم تكرار الانتهاكات واحترام حقوق الإنسان وإرساء دولة القانون ، و يقتضي إصلاح المؤسسات خاصة مراجعة التشريعات وغربلة مؤسسات الدولة ومرافقتها ممن ثبتت مسؤوليتـــه فـي الفساد والانتهاكـــــــــــــــــــــــــات وتحديث مناهجها وإعادة هيكلتها وتأهيل أعوانها طبقا لأحكام الفصل 43 من هذا القانون .

–  المصالحة :تهدف المصالحة لتعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولـــة القانــــــون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة ، ولا تعني المصالحة الافلات من العقاب وعدم محاسبة المسئولين عن الانتهاكات([23]).

المطلب الثاني :الإطار المؤسسي للعدالة الانتقالية

     لقد استلهمت التجربة التونسية من التجربة المغربية الإطار المؤسسي للعدالة الانتقالية ، بحيث نص القانون التونسي الجديد على إحداث “هيئة الحقيقة والكرامة “إقتداء بهيئة الانصاف والمصالحة التي أطلقها المغرب قبل أزيد من 10 سنوات .

وهيئة الحقيقة والكرامة في تونس هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري يكون مقرّها تونس العاصمة ، ويمكن أن تعقد جلساتها في أي مكان داخل تراب الجمهورية ، كما يمكن لها تحويل مقرّها إذا دعت الضرورة لذلك إلى أي مكان آخر داخل تراب الجمهورية ، ويغطي عمل الهيئة الفترة الممتدة من الأول شهر جويلية 1955 إلى حين صدور هذا القانون([24]) ، وحددت مدة عمل الهيئة بأربع سنوات بداية من تاريخ تسمية أعضاء الهيئة قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة سنة بقرار معلل من الهيئة يرفع إلى المجلس المكلف بالتشريع قبل ثلاثة أشهر من نهاية مدة عملها ، وتتألف هذه الهيئة من 15 عضوا على ألا تقل نسبة الجنسين عن 1/3 يقع اختيارهم من قبل المجلس المكلف بالتشريع مــــن بين الشخصيات المشهـــــود لها بالحيـــــاد والنزاهة والكفاءة يكون من بين أعضاء هذه الهيئة وجوبا :

_ ممثلان عن جمعيات الضحايا ، وممثلان عن الجمعيات المدافعة عن حقوق الانسان ترشحهم جمعياتهم .

_ وتختار بقية الأعضاء من الترشحات الفردية في الاختصاصات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية (كالقانون العلوم الاجتماعية ، الانسانية ، الطب ، الارشيف ، الاعلام ، الاتصال ، على أن يكون من بينهم وجوبا قاضي عدلي وقاضي إداري  ومحام مختص في العلوم الشرعية ومختص في العلوم المالية([25]).

أما عن شروط الترشح لعضوية هذه الهيئة فقد نص عليها الفصلين 21 و 22 من القانون الأساسي المتعلق بالعدالة الانتقالية ،  كما نص القانون على إحداث صندوق أطلق عليه بـ” صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد ” الذي يضبط طرق تنظيمه وتمويله بأمر تطبيقا لنص الفصل 41 من القانون الأساسي المتعلق بالعدالة الانتقالية ، تتولى الهيئة إحداث لجنة أطلق عليها بـ”لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسسات ” كما تحدث لجنة للتحكيم والمصالحة في صلب الهيئة يعود إليها النظر والبت في ملف الانتهاكات على معنى هذا القانون بعد الحصول على موافقــــــــــة الضحيـــــة وبناء علــــــــى قواعــــــــــد العدالــــــــــــــــــــــــــة والإنصـــــــــــــــــاف والمعايير الدولية المعتمدة بصرف النظر عن انقراض الدعوى وسقوط العقاب([26]) .

المبحث الثالث :تقييم العدالة الانتقالية في تونس

إن موضوع العدالة الانتقالية في تونس يتخذ موقف وسطي بين القيام بإجراءات هامة ومهمة في استئصال النظام السابق عن طريق القيام بإصلاحات على المستوى المؤسسي كهيئة الأمن والقضاء ، وبين استقطاب النظام السابق من خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية و نجاح حزب نداء تونس في التشريعيات والرئاسيات ، مما نتج عنه تخوف على الساحة السياسية من عودة أزلام النظام السابق ، وهو ما سنقوم بتفصيله من خلا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين :

المطلب الأول :استئصال النظام السابق

     لقد قامت الحكومة المؤقتة الأولى والحكومة التي تولت الأمر عقب انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر الأول باتخاذ خطوات إيجابية عديدة لإنهاء كل انتهاكات الماضي ، غير أن مؤسسات الدولة التي طالما سهلت أو ارتكبت انتهاكات حقوق الانسان يجب أن يتم إصلاحها بطريقة تكفل التحقيق السليم في الانتهاكات السابقة وتوفير الضمانات الفعالة لمنع تكرارها .

أوضحت الحكومة المؤقتة نية تونس الجديدة نحو التمسك بحقوق الانسان عن طريق المصادقة على الاتفاقيات الدولية الأساسية لحقوق الانسان بما في ذلك البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهنية ، والعهد الدولي الخاص بحماية جميع الاشخاص من الاختفاء القسري ، وتشريع روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية ،  كذلك أصدرت السلطات في أغسطس قانونا لتحسين تنظيم القضاء ، في الوقت ذاته واصل القضاء الضغط لإدخال إصلاحات على النظام القضائي من أجل السماح باستقلال قضائي أكبر والحد من تدخل الجهاز التنفيذي للحكومة .

كما اتخذت خطوات هامة لتخفيف القيود الثقيلة على حرية التعبير عن الرأي والتجمع ، وفي نوفمبر أزال قانون الصحافة الجديد وقانون حرية الاتصالات المسموعة والمرئيـــــة والقيود المفروضـــــــــة علـــــــــــى الصحف وسمح للصحافيين بحريات أكبر ، بما في ذلك إلغاء أحكام السجن كعقوبة على التشهير الذي تم استخدامه استخداما واسعا من قبل حكومة بن علي لإخضاع المعارضين .

وفي الفترة السابقة على انتخاب الجمعية التأسيسية أقامت السلطات مؤسسات مستقلة للإشراف على الانتخابات  وسمحت بالتسجيل القانوني لعشرات من المنظمات غير الحكومية والأحزاب السياسية التي كان محظورا تسجيلها فيما سبق من بينها حزب النهضة الاسلامي وحزب العمال الشيوعي التونسي ، وبدأت في يونيو محاكمات الرئيس السابق بن علي وأعضاء أسرته غيابيا في قضايا الفساد والمخدرات ، وفي وقت لاحق من الشهر نفسه صدر حكم على بن علي بالسجن 35 عاما لارتكابه جرائم الاختلاس والتلاعب بأموال الدولة ، وفي يوليو صدر عليه حكم آخر بالسجن 15 عاما لجرائم تتعلق بحيازة المخدرات والأسلحة ([27]).

     وقد شهدت حقوق المرأة بعض التحسن ، فسحبت الحكومة المؤقتة في أغسطس عددا من التحفظات على الاتفاقية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، على الرغم من تأكيدها على الحاجة إلى احترام المواد الواردة في الدستور التونسي التي تحيل إلى الشريعة الاسلامية .

أما في مجال النصوص القانونية فقد صدرت العديد من المراسيم الهامة مثال :المرسوم عدد 01 لسنة 2011 مؤرخ في 19 فيفري 2011 المتعلق بالعفو العام ، والمرسوم عدد 40 لسنة 2011 المؤرخ في 19 ماي 2011 المتعلق بجبر الأضرار الناتجة عن الاضطرابات والتحركات الشعبية التي شهدتها البلاد ، والمرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 المتعلق بمصادرة أمــــــــوال وممتلكات منقولــــــــة وعقاريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة والمرسوم عدد 15 لسنة 2011 المؤرخ في 26 مارس 2011 المتعلق بإحداث لجنة وطنية لاسترجاع الأموال الموجودة بالخارج والمكتسبة بصورة غير مشروعة ، والمرسوم عدد 68 لسنة 2011 المؤرخ في 14 جويلية 2011 المتعلق بإحداث لجنة وطنية للتصرف في الأموال والممتلكات المعنية بالمصادرة أو الاسترجاع لفائدة الدولة ، والأمر عدد 22 لسنة 2012 المؤرخ في 19 جانفــــــي 2012 المتعـــــلق بإحداث وضبـــــط مشمولات وزارة حقـــــوق الانســــــــــان والعدالة الانتقالية ([28]) ، كما نص الفصل 148 فقرة 09 من الدستور التونسي على أن ” تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلقـــــة بهــــا  ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو وجود عفو سابق أو بحجة اتصال القضاء ، أو بسقوط الجريمة ، أو العقاب بمرور الزمن ”

المطلب الثاني:استقطاب النظام السابق

     يبدو من خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية أن العقلية الثورية في تونس قد استوعبت بدل أن تستأصل ، حيث تمت الاستفادة من الخبرات السابقة ودمجها حفاظا على الاستقرار والوحدة الوطنية ، مستلهمة العبرة من تجربة العراق في مجال العدالة الانتقالية حينما قامت بعزل وإقصاء واجتثاث حزب البعث فكانت النتيجة وخيمة على البلاد ، فبعد سنوات من التحرير المزعوم مازال العراق يعيش على صفيح ساخن نظرا لعمليات التهميش والإقصاء والانتقام التي اتبعها النظام الجديد بوسائل فاشية ، وبذلك تكون تونس قد طبقت مقولة “فلاديمير لينين” قائد الثورة البلشفية على القياصرة عام 1917 بقوله مقولة مأثورة حول طريقة التعامل مع بقايا العهد القديم ” دعونا نبني النظام الجديد بحجارة النظام القديم “، على اعتبار أن القديم يمتلك خبرات يمكن الاستفادة منها وتوجيهها بدل عزلها وإقصائها وخسارة خبراتها ، ناهيك عن أنها قد تشكل قنبلة موقوتة للمستقــبل إذ يمكن أن تضع العصي في عجلات النظام الجديد ، بل يمكن أن تمهد لانقلابات فيما لو لم يتم استيعابها بطريقة مرضية .

طبعا لا أحد يلوم شعب ثائر يريد الاقتصاص من جلاديه وطغاته بأشد الوسائل وهذا حق مشروع خاصة في وضع كما هو الحال في تونس تفنن فيه الطغاة وأجهزتهم وأمنهم وجيوشهم في اضطهاد شعوبهم وسحقها و تعذيبها والدوس على كرامتها ، لكن من ناحية أخرى يجب التدقيق في المحاسبة وإلا تحولنا من عدالة انتقالية إلى عدالة انتقامية ، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار شريحة كبيرة من أفراد الشعب التونسي انضوت تحت لواء الحزب الحاكم السابق ليس محبة فيه وإيمانا بأهدافه بل الحفاظ على رقابهم ولقمة عيشهم ( [29]) .

الخاتمـــة

نستنتج مما سبق أن تونس إلى حد الساعة تعتبر أكثر دول الربيع العربي تقدما من حيث إجراءات العدالة الانتقالية التي أدرجت كإحدى أولويات الحكومة المؤقتة ، فالتجربة التونسية لها خصوصية ذاتية متميزة من حيث أنها مشت بخطى بطيئة و متأنية إلى غاية إصلاح المؤسسات و تثبيتها ، فأهم شيء عمدت إليه تونس بعد الثورة هو إصلاح الجهاز الأمني منها قيام وزارة الداخلية التونسية بإلغاء إدارة أمن الدولة سابقا أو ما يسمى بالبوليس السياسي نظرا لمسؤوليتها عن الانتهاكات أو التورط فيها  ، والتمسك بإبعاد المؤسسة العسكرية عن الصراع السياسي ، كما عبرت تونس إلى الانتقال السلمي للحكم الديمقراطي عبر انتخابات وطنية تعتبر حرة ونزيهة على نطاق واسع سبقته بإرساء الدستور الجديد 2014 ، وكرست حقوق المرأة من خلال تمثيلها في هيئة الحقيقة والكرامة وهذه تعد خطوة إيجابية .

لكن ومع ذلك فهذا لا يمنع من بروز سلبيات منها سلسلة الاغتيالات التي مرت ولا تزال تمر بها تونس بعد الثورة منها اغتيال الحقوقي اليساري الراديكالي شكري بلعيد وبعده محمد البراهمي من الحركة الشعبية مما أوقع الترويكا في أزمة سياسية ، أما بالنسبة للجنة تقصي الحقائق فقد نشرت بعض نتائج تحقيقاتها الأولية لكنها لم تنشر تقريرها النهائي إلى غاية ديسمبر 2011 ، أما قانون العدالة فإنه يفتقد إلى العديد من الضوابط منها الالتباس الواضح بين صلاحيات هيئة الحقيقة والكرامة ولجنــــــــــة الفحص الوظيفــــــي وإصلاح المؤسسات وهذا كله يرجع إلى عدم وجود كوادر وطنية متخصصة في مجال العدالة الانتقالية .

قائمـة المراجـع

أ – الدساتير

1 – الدستور التونسي 2014 .

ب- القوانين والمراسيم

– القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها ، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، عدد 105، الصادر في 31 ديسمبر 2013.

– مرسوم عدد 35 لسنة 2011 ،المؤرخ في 10 ماي 2011 ، المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي ، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ،  عدد 33 ، مؤرخ في 10 ماي 2011 .

–  الأمر عدد 1089 لسنة 2011 ،المؤرخ في 03 أوت 2011 المتعلق بتحديد المسؤوليات صلب هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي طبقا للفصل 15 من المرسوم عدد 35 لسنة 2011 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي ،الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، عدد 59 ، مؤرخ في 09 أوت 2011 .

– مرسوم عدد 08 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011 المتعلق بإحداث اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر إلى حين زوال موجبها .

– مرسوم عدد 07 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011 المتعلق بإحداث لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة و الفساد .

– النظام الداخلي للمجلس الوطني التأسيسي التونسي .

ج- الكتــــب

– وفاء لطفي ،الثورة والربيع العربي (إطلالة نظرية )،جامعة القاهرة ،دون تاريخ طبع.

– عادل ماجد ، معايير تطبيق العدالة الانتقالية في العالم العربي ،المؤسسة الألمانية للتعاون القانوني الدولي IRZ  ،شركة ناس للطباعة ،الطبعة الثانية ،القاهرة ،ديسمبر 2013.

– رمزي سلامة ، التغيير في العالم العربي ( 2010 ـ2012 ) ، الثورة التونسية ،(دراسة تحليلية )،قطاع البحوث والمعلومات إدارة الدراسات والبحوث ،مجلس الأمة الكويتي ،أغسطس 2011.

د – المقــــالات

– أحمد شوقي بن يوب ،العدالة الانتقالية ( المفهوم ،النشأة والتجارب ) ورقة نظرية مقدمة في بيروت ،الموقع الالكتروني :معهد الربيع العربي.

– مروة نظير ،الاستراتيجيات الهجين (الأجيال المتعاقبة لمفهوم وتطبيقات العدالة الانتقالية) ،مجلة السياسة الدولية ،أكتوبر 2013.

– عبد الحسن شعبان ،العدالة الانتقالية (مقاربات عربية للتجربة الدولية )،حلقة نقاشية عقدت في مقر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بتاريخ 08 ماي 2013.

– فيصل القاسم ،هل نستأصل بقايا الأنظمة الساقطة أم نستوعبها،معهد الربيع العربي ،أنظر الموقع الالكتروني :Tlibya@gmail.com.

ه – الرسائل

–  مهند إبراهيم فايز العضين ،العدالة الانتقالية ( دراسة نظرية تطبيقية )، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية ،جامعة القاهرة 2010.

و- المعاهد المتخصصة

– منظمة العفو الدولية ، عام الثورات( حالة حقوق الانسان في الشرق الاوسط وشمال إفريقيا )، الطبعة الأولى،2012.

– المعهد العربي لحقوق الإنسان ،مشروع المبادئ التوجيهية للعدالة الانتقالية في الوطن العربي ،البرنامج الإقليمي لحقوق الانسان و بناء السلام ،شركة IMPRIMART ، 2012.

– مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ،العدالة الانتقالية والعزل السياسي ،الموقع الالكتروني : http://www.cihrs.org

أطلع عليه بتاريخ :03/11/2014.

–  تقرير برنامج المركز الدولي للعدالة الانتقالية تونس 2014 ICTJ .

(1) تعرف الانتفاضة على أنها حالة من التمرد أو الاحتجاج أو حتى المقاومة الايجابية العلنية و العنيفة دون أن تتمكن من النجاح في تغيير النظام بسبب قهـــــر السلطة لها وشدة عنفها ، أما الثورة فهي تغيير جذري ذو أبعاد سياسية واقتصادية و اجتماعية واسعة وعميقة وهي أسلوب من أساليب التغيير الاجتماعي ، يؤدي إلى انهيار النظام القائم وبزوع نظام جديد .

لتفصيل أكثر أنظر :أ / وفاء لطفي ، الثورة والربيع العربي (إطلالة نظرية )، جامعة القاهرة ، دون تاريخ طبع ، ص 02

(2) ففي يوم الخميس 26 يناير 1978 ،أعلن الإتحاد التونسي للشغل الإضراب العام للبلاد للدفاع عن حرية العمل النقابي في وجه الحزب الحاكم ،الأمر الذي أدى إلى مواجهات و صدمات في الشارع سقط خلالها العشرات أو ما يعرف “بالخميس الأسود ” أنظر أد/ رمزي سلامة ، التغيير في العالم العربي ( 2010 ـ 2012 ) ، الثورة التونسية (دراسة تحليلية )، قطاع البحوث والمعلومات إدارة الدراسات والبحوث ، مجلس الأمة الكويتي ،أغسطس 2011 ، ص 10 .

(3) اندلعت انتفاضة الخبز في أواخر 1983 و انتهت في 06 يناير 1984 كاحتجاج شعبي على الزيادة في أسعار عدة مواد استهلاكية مدعمّة من الدولة وعلى رأسها الخبز وحدثت فيها مظاهرات احتجاجية اقتضت إعلان حالة الطوارئ ومنع التجوال ، ولم يهدأ هذا الوضع إلا بعد خطاب الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ، أنظر أد/ رمزي سلامة مرجع سابق ، ص 10 .

 (1) الباجي قائد السبسي سياسي مخضرم سابق من عهد الحقبة البورقيبية ثم نظام بن علي فقد تولى منصب وزير الخارجية ثم الداخلية ثم الدفاع في عهد أول رئيس لتونس المستقلة الحبيب بورقيبة ، وفي عهد بن علي نائبا ثم رئيسا لمجلس النواب حتى سنة 1991 .

(1) مرسوم عدد 35 لسنة 2011 ، المؤرخ في 10 ماي 2011 ،المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي ، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، عدد 33 ، مؤرخ في 10 ماي 2011 .

([6]) أنظر الفصل الثاني من الأمر عدد 1089 لسنة 2011 ، المؤرخ في 03 أوت 2011 المتعلق بتحديد المسؤوليات صلب هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي طبقا للفصل 15 من المرسوم عدد 35 لسنة 2011 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيســــــــــــي الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، عدد 59 ،مؤرخ في 09 أوت 2011 .

(3) أ د /عادل ماجد ، معايير تطبيق العدالة الانتقالية في العالم العربي ،المؤسسة الألمانية للتعاون القانوني الدولي IRZ  ، شركة ناس للطباعة ، الطبعة الثانية ، القاهرة ديسمبر 2013 ، ص 39.

 (4) مرسوم عدد 08 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011 المتعلق بإحداث اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها ، والمرسوم عدد 07 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011 المتعلق بإحداث لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد .

 (1)  أنظر الفصل 72 من النظام الداخلي للمجلس الوطني التأسيسي المعدل .

 (2)  تقرير برنامج المركز الدولي للعدالة الانتقالية تونس 2014 ICTJ .

 (3)  الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، عدد 97  ،ا لصادر في 20 و 23 ديسمبر 2011 ، ص 3115.

 (1) الفصل الأول من القانون الأساسي عدد  53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها ، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 105 ، الصادر في 31 ديسمبر 2013 ، ص 4335 .

(2) مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ، العدالة الانتقالية والعزل السياسي ، الموقع الإلكتروني: http://www.cihrs.org   أطلع عليه بتاريخ :03/11/2014.

([14]) عبد الحسن شعبان ، العدالة الانتقالية (مقاربات عربية للتجربة الدولية ) ،  حلقة نقاشية عقدت في مقر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بتاريخ 08 ماي 2013 ص 99 .

(2) أد /عادل ماجد ، معايير تطبيق العدالة الانتقالية في العالم العربي ، مرجع سابق ، ص 40 ،41.

([16] ) د/مروة نظير ، الاستراتيجيات الهجين (الأجيال المتعاقبة لمفهوم وتطبيقات العدالة الانتقالية) ، مجلة السياسة  الدولية ، أكتوبر 2013، ص 06 .

([17] ) أنظر الفصول :03 ، 03 ، 04  من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013 ، مرجع سابق .

([18])  الفصل 05 من نفس المصدر الآنف الذكر .

(3) أحمد شوقي بن يوب ، العدالة الانتقالية ( المفهوم ، النشأة والتجارب ) ورقة نظرية مقدمة في بيروت ، معهد الربيع العربي ، ص 142.

 (4) مهند إبراهيم فايز العضين ، العدالة الانتقالية ( دراسة نظرية تطبيقية )، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية ، جامعة القاهرة 2010 ، ص 22  .

 (1) أنظر الفصول : 06 ،07 ،08 ،09 من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013 ، مرجع سابق  .

 (2) أنظر الفصول :11 ، 12 ، 13 من نفس المصدر الآنف الذكر .

 (1) أنظر الفصلين: 14 ، 15 من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013 ، مرجع سابق  .

 (2) وهو ما أنتقده الباجي قائد السبسي بقوله أن قانون العدالة الانتقالية هو قانون تصفية حسابات وغير عادل ، أنظر : جريدة العربي الجديد ، مسار العدالة الانتقالي بتونس في خطر ،21 نوفمبر 2014 .

 (3) الفصول: 17 ، 18 ،19 ، 20 من قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 ، مرجع سابق  .

 (1 ) أنظر الفصلين: 43 ، 45 من قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 ، مرجع سابق  .

 (1) منظمة العفو الدولية ، عام الثورات( حالة حقوق الانسان في الشرق الاوسط وشمال إفريقيا )، الطبعة الأولى ، 2012 ، ص 03.

 (2 ) المعهد العربي لحقوق الإنسان ،مشروع المبادئ التوجيهية للعدالة الانتقالية في الوطن العربي ، البرنامج الإقليمي لحقوق الانسان وبناء السلام ، شركة IMPRIMART  2012 ، ص 10.

 (1) د/فيصل القاسم ، هل نستأصل بقايا الأنظمة الساقطة أم نستوعبها ، معهد الربيع العربي ، أنظر الموقع الالكتروني  :Tlibya@gmail.com

 

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق