عاجل
الرئيسية / مقالات / المشروطية الثالثة؛ في استفتاء 16 نيسان التركي
المشروطية الثالثة؛ في استفتاء 16 نيسان التركي
سيهانوك ديبو

المشروطية الثالثة؛ في استفتاء 16 نيسان التركي

بقلم الباحث السياسي : سيهانوك ديبو

 

في تركيا العثمانية؛ إذا كانت المشروطية الأولى 1876 التي أبقت فحواها -بما تتضمنه من إعلان دستور العثمانية الجديدة- مُعَطَّلة أو أحيل تفعيلها إلى المشروطية الثانية 1908 وإعلان الدستور بشكل ظاهر؛ مشروطة بحد ذاتهما إلى رغبة (الجماعة) المتنفِّذة في جمعية الاتحاد والترقي في اشتقاق دولة من القوموية التركية التي احتاجت كي تتكرس أكثر من خلال الإبادات المطبَّقة بحق الشعوب التاريخية في المناطق التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية كما حال الأرمن والسريان والكرد فيما بعد. وقد تحول هذا المسلك الإباداتي إلى المسار المؤسَس للنازية وميراث لها وإلهام تأثرّ بها هتلر في التطهير المطبق على اليهود؛ هذا اعتراف هتلر نفسه. ومن الصائب أيضاً القول بأنها كانت كذلك بالنسبة للظاهرة الفاشية الجديدة المسمى بالدولة الفاشية السوداء- داعش.

وقياساً على الذي جرى من إبادة وإنكار ومجازر بحق الشعوب المؤدية لأدوار تاريخية في الشرق الأوسط وتأسيس الحضارة منذ العصر النيوليتي منذ آلاف السنين كما حال الكرد؛ فإنه ومنذ إعلان الدولة التركية الحديثة وبمباركة ودعم منقطع النظير للقوى المهيمنة آنذاك التي كانت تدخل بحد ذاتها في المرحلة الثانية من مراحل الرأسمال العالمي الصناعي؛ الذي احتاج بدوره وكي يتمكن من القفز من أزمته الاقتصادية إلى أسس لا تشوبها شائبة بغية الدمار الشرق الأوسطي: مفهوم الوطن وفق صيغة الحداثة الصناعوية (الحدود الصارمة/ تقسيمات وخرائط مستحدثة)؛ السيادة المتمثلّة (بوحدة التراب)؛ الجغرافية المحجوزة؛ السوق الاصطناعي أو المفروض على السكان الذين لقوا أنفسوا بهوية جديدة (المواطنة المبتورة)، وأخيراً (قائدٌ؛ لمثل أنشودة الموت هذه)؛ يُسمى فيما بعد بالمُحَرِّرِ والخليفة الخامس وحامي الحمى….. وغيرها من صفات الانخداع وتبديّات لعبة الأمم. وقياساً على ذلك فإن تركيا أولُّ ما بدأت 1923كان من خلال الانتقال إلى الفاشية البيضاء، وكي تستمر: انتقلت إلى مرحلة الفاشية الخضراء فيما يسمي بالقوموية الدينوية، واليوم من المعقول جداً بأن تغدو النتيجة المرجحة من الاستفتاء غير القانوني الذي يجري في 16 نيسان الحالي في تركيا؛ بأنه تاريخ رسمي للفاشية السوداء في تركيا؛ من حيث أن الحداثة التركية القوموية ما تزال تصر على إنتاج نفسها من خلال مبدأها الأساسي (المستمر) بأنه بمقدورها أن تفني أي مصطلح أو ظاهرة مجرد قولها (افنَ وزُل). هذا الاستعصاء المجتمعي الذي تعانيه تركيا كنموذج مؤدي إلى وممثل لجميع الأنظمة الاستبدادية ستكون السبب نفسه في زوالها؛ من بعد ضربات الاستصغار التي ستتعرض لها من قبل الحركات الديمقراطية المجتمعية كما حال حركة الحرية الكردستانية والتي من غير المتفاجئ أن تتواجد مع قوى محلية وعالمية لم تكن على وفاق معهم. والتفسير المنطقي لذلك بالإمكان تعليله بالخاصيّة الاستثنائية للمنعطفات التي تنشئ أو تظهر في حالات الفوضى؛ كما الفوضى الحالية التي يمر بها العالم وبشكل مخصوص في الشرق الأوسط؛ من ناحية، ومن ناحية أخرى بالمتعلق بظهور فاشيات عابرة كونية كما فاشية داعش والذي يتحتم من تحالف ينشئ بين القوى المختلفة؛ شيء أشبه بالتحالف الذي تم تأسيسه على القوى المتناقضة (الظاهر على الأقل) ما بين ممثل النظام الشيوعي؛ الاتحاد السوفيتي، وكلاً من ممثلي الرأسمالية العالمية أمريكا وبريطانيا وبدور أقل فرنسا في الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية الكونية حينها أي النازية المستسقاة بدورها من الفاشية التركية والمتحالفة معها أساساً في الحرب العالمية الأولى.

المشروطية الثالثة أي تعديل النظام التركي من برلماني إلى رئاسي؛ تؤكد بأن ستصير وتتحقق؛ ليس لذلك علاقة مباشرة وحاسمة مع رغبة الطبقة التي ستدلي بصوتها نعم للتعديل، وخاصة من بعد الكم الهائل من الحقن المُهيِّج الذي تعرّضت لها من خارج تركيا؛ وأن يدفعها هذا الحقن كي يأتي ال (نعم) بشكل انسيابي. علماً بأن مزاج أي شعب يمكن التلاعب به في أقل من ثلاثين يوم؛ سيعني بأنه ليس إلا شعباً منحجزاً ويفتقد أدنى حالات التنظيم، كما يؤكد كذلك على أنه تعرف على قسم يسير لم يتعدى قشر المسألة الأساسية من الحرية كمفهوم وكمصطلح وكممارسة، وهذا يؤكد مرة أخرى بأن تأسيس الدولة/ الدول لا علاقة له بحق تقرير المصير وتحقيق الحرية للشعوب المظلومة أو المضطهدة. ومفهوم الدولة نفسه من يحتاج إلى التعديل الجذري بعد فشله لمئة عام مستمرة في الشرق الأوسط، والأخير كل ما يحتاجه إلى نموذج يحقق العيش المشترك وأخوة الشعوب وهذا يتم رصده بشكل متقدم من خلال الفيدراليات الديمقراطية. ونتيجة (نعم) سوف تكون؛ مرجحة بشكل أكيد؛ لأن قوى المال المالي والهيمنة العالمية التي دخلت مرحلتها الثالثة منذ العام 2003 تحتاج إلى ذلك؛ سيّما إذا ما أدركنا بأن البرجوازية التركية الشابة لم تزل شابة؛ يرعاها رأس المال غير التركي (الدونما القديمة والحديثة) وبمعية من مثّلَهما قبل مئة عام كلاً من سايكس وبيكو. وهذه الصيغة ما تزال مستمرة؛ لكن بأشكال مغايرة.

من عدم الدقة القول بأن جمعية الاتحاد والترقي وباقي الأحزاب التركية الأخرى ولأنها كانت تتنبأ بأن الامبراطورية العثمانية سوف تتفكك ويأفل نجمها، وأنها استبقت ذلك كي يَسْلَمَ (خمس) مساحة الامبراطورية حين ذاك الانهيار وذلك من خلال المشروطتين في أن تبقى تركيا، لكن وخلاف ذلك فمن المعقول بأن تُصاغ نتيجة مفادها بأن أردوغان يعلم بأنه سيكون آخر السلاطين من العثمانية الجديدة والقديمة؛ وأن الخمس المتبقي قبل مئة عام؛ يُطبخ لها أن تتقلص: النار ستبقى متقدة وتحتاج إلى عشرات السنين حتى تصل إلى نصف الخمس أو أكثر أو أقل؛ ذلك. أي أن تركيا ستتغير أيضاً؛ ولا يمكن أن تفلت من آثام مئة عام من الإبادات الفيزيائية والثقافية ضد شعوب المنطقة؛ والتي تتحول اليوم إلى دلائل يُستخدم بحقها بهدف التغيير. وأن أردوغان والمتنفذين في حزب العدالة والتنمية هم الأكثر خطورة على الشعب التركي؛ من خلال سياساتهم الإرهابية وعدائهم لمسائل التغيير الديمقراطي في عموم الشرق الأوسط؛ وبشكل فاضح في سوريا، بل وفي وقوفه الظاهر المعلن إلى جانب –دولة داعش الإرهابية- الكتلة التي يتم استئصالها اليوم على يد وحدات حماية الشعب وعموم فصائل قوات سوريا الديمقراطية وبدعم من قوات التحالف الدولي التي تقوده أمريكا.

إن عملية الاستفتاء برمتها غير شرعية؛ يكفي لذلك؛ أنه تم الدعوة إليها في وقت حالة الطوارئ؛ قبل كل شيء.

إذا كان غاية الرئيس التركي أردوغان أن يصبح متنفذاً وحاكماً استبدادياً بصلاحية مطلقة؛ ففي الحقيقة إن ذلك حصل منذ (فوز) حزب العدالة في الانتخابات البرلمانية المُعادة والتي أدت إلى تشكيل (الحكومة) منفرداً، والتهميش أو الانقلاب على النظام السياسي التركي من خلال ظهور داود أوغلو رئيس الوزراء التركي المستقيل/ المُقال كمنفّذ لتعليمات أردوغان، وأيضاً من خلال تحوله حينذاك إلى قائد (سلطان) يتحرك الجيش بأمرته واحتلاله لمناطق من شمال سوريا وقيام قاعدة عسكرية له في بعشيقة ومثيلات لها في إقليم كردستان العراق؛ بعد مسرحية الانقلاب الواقعي في منتصف حزيران العام الفائت، وبما رافقه من احتلال التركي العسكري الذي أتي بعده حوالي الشهرين.

  • ما الذي يريد أن يحققه أردوغان من خلال مشروطيته الثالثة علماً أنه يتصرف كحاكم وبصلاحيات مطلقة؟

مثل هذه السؤال ليس إلا مقدمة لأسئلة؛ بكل ما تحملها من أجوبة؛ ليست لها علاقة مباشرة بالغاية التي تتحقق من خلال التعديل إلى النظام الرئاسي؛ أي ليست لها العلاقة بنتيجة ال (نعم) المرجحة أن تتحقق بعد يومين. إنما الحاسم في هذه المسألة متعلق برمته بالمتغيرات التي تطرأ وستشهدها المنطقة برمتها ولن تُستثنى منها تركيا؛ والتي تعود في أسبابها الحاسمة أيضاً إلى قوة نضال حركة الحرية الكردستانية بما تحمله من مشروع ديمقراطي يوائم ويلائم فقط الشرق الأوسط على اعتباره الجغرافية الأكثر قدماً والتي انتجت أول حضارة ديمقراطية لها؛ وإلى أصولها ترجع كل أنواع الديمقراطيات في العالم؛ بما فيها الأوربية. وهذا بحد ذاته تفسير لحقيقة النقل/ الانتقال الكيفي أو الجبري للحضارات من خلال صراعاتها أو من خلال الاستيلاء عليها.

فصل من فصول الحرب العالمية الثالثة –المُجَسَمة- حتى اللحظة في جزء/ أجزاء من الشرق الأوسط.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى