الرئيسية / الشرق الأوسط / أزمة العلاقات المصرية – السودانية
أزمة العلاقات المصرية – السودانية
مصر والسودان

أزمة العلاقات المصرية – السودانية

اعداد: السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر
– المركز الديمقراطي العربي
تمر العلاقات المصرية / السودانية بأزمة تعتبر الأطول في تاريخ العلاقات الثنائية منذ حصول السودان علي الإستقلال من مصر في يناير 1956 وفقاً لما إنتهي إليه إتفاقية الحكم الذاتي للسودان المُوقعة بين بريطانيا ومصر في 12 فبراير 1953 , فقد سبق أن مرت العلاقات بأول أزماتها الرئيسية إبان التفاوض مع حكومة السودان عامي 1958 – 1959 للإقامة السد العالي ونجحت مصر في الحصول علي موافقة بل وتعاون حكومة الخرطوم إبان حكم الرئيس السوداني السابق إبراهيم عبود لتنفيذ هذا المشروع بل وتجاوزت الحكومتان هذه الأزمة بتوقيع إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل بالقاهرة في 8 نوفمبر 1959 وهي الإتفاقية الوحيدة المُوقعة بين دولتين من دول حوض النيل العشر والتي تضمنت تحديد حصة كل من مصر والسودان من مياه النيل وكانت 55,5 مليار متر مكعب / عام و18,5 مليار متر مكعب / عام لكل علي التوالي , ثم كانت الأزمة الثانية تلك التي بدأت بعد الإنقلاب العسكري في السودان في 30 يونيو 1989بقيادة العقيد عمر حسن البشير ودعم من جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة الدكتور حسن الترابي , وهي الأزمة التي يمكن للبعض أن يعزي الأزمة الحالية بأنها إمتداد طبيعي لها , كما يمكن للبعض الآخر أن يعتقد أن الأزمة الحالية تطور غير طبيعي للأزمة السابقة التي بدأت تأخذ منحي إقترب من المواجهة العسكرية بسبب النزاع علي منطقة حلايب بعد دخول عناصر القوات المسلحة المصرية بعد أن نشرت القوات المسلحة المصرية قوة تابعة لها هناك في مارس 1992 أستطاعت أحكام  سيطرتها علي الحدود وفقاً لخط 22 درجة شمالاً .
إن أزمة العلاقات الثنائية تتكون في الواقع من ثلاث شرائح مُدمجة أو علي الأقل مُتداخلة وهي :
(1) النزاع علي حلايب  :
تبلغ مساحة ما يُطلق عليه إعلامياً مثلث حلايب ما بين 20,580 كم مربع إلي 35,600 كم مربع أي ضعفي مساحة جزيرة قبرص بشقيها التركي واليوناني البالغة 9,251 كم مربع , ويطل هذا المثلث علي البحر الأحمر في الركن الجنوبي الغربي من حدود مصر مع السودان بالصحراء الشرقية التي تبلغ مساحتها 220 ألف كم مربع  تمثل نحو 22% من المساحة الكلية لمصر  ,والمثلث تابع إدارياً لمحافظة البحر الأحمر .
النزاع في حلايب صناعة بريطانية بإمتياز وكانت بدايته منذ أن نازعت بريطانيا مصر في مسألة السيادة علي السودان , ولنا أن نقرر مبدئياً أنه لم يحدث أن إعترفت مصر قبل 12 فبراير 1953 تاريخ توقيع الإتفاق المصري البريطاني بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان بالحدود بينها وبين السودان , ومع ذلك يمكن القول أن مصر بتراخيها بل وإهمالها لأطرافها الجغرافية ساهمت بل شكلت الطبقة الأولي من هذا النزاع ويبدو ذلك في قصور مصر في إستخدام التصرفات السيادية بما يؤكد رغبتها في ممارسة سيادتها علي مثلث حلايب ومن بين أوضح الأمثلة علي ذلك أن الإستفتاء الذي أجرته مصر في  23 يوليو 1956 علي تولي جمال عبد الناصر رئاسة مصر لم يشمل منطقتي حلايب و قري شمال وادي حلفا , وهناك أمثلة أخري مختلفة .
كان ملف حلايب هو نقطة الضعف الرئيسية في جسد العلاقات الثنائية وبالرغم من أن البعض يعزو كثير من التصرفات السلبية من قبل الحكومة السودانية بسبب سيطرة القوات المسلحة المصرية علي الوضع داخل إقليم أو منطقة حلايب , ومن بين هذه التصرفات الإستيلاء علي جامعة القاهرة فرع الخرطوم وأيلولتها لوزارة التعليم السودانية وتغيير مسماها ليكون جامعة النيلين والإستيلاء علي بعض دور الري المصري وتصفية البعثة التعليمية المصرية ومدارسها بالخرطوم وبورسودان وغيرهما والتضييق علي عمل فروع الشركات المصرية في السودان والأهم تعليق إجتماعات اللجنة الفنية الدائمة لمياه النيل , إلا أن هناك من يعزي الضربة الأولي ضد العلاقات الثنائية للسودان عندما أصدرالحكومة قانون التعليم التعليم عام 1991 والذي بموجبه بدأت عملية سودنة التعليم السوداني بوضع كافة المدارس تحت إشراف وزارة التعليم السودانية فصودرت مدارس البعثة التعليمية المصرية تباعاً منذ ديسمبر 1992 ثم جامعة القاهرة فرع الخرطوم في مارس1993 التي ضُمت لتكون جزءاً من منظومة التعليم العالي السوداني طبقاً للقرار الجمهوري الصادر في 6 مارس 1994 بشأن التعليم في السودان , إلا أن ذلك لم يكن ليعني أن مصر لم تصدر عنها ردود أفعال سلبية كفرض تأشيرة دخول مسبقة علي السودان والمضي قدماً قي إسباغ الطابع السيادي المصري علي منطقة حلايب وإنشاء مكتب شئون القبائل بالمنطقة ألخ ناهيك عن الإبتعاد عن ملف التفاوض والحرب بشأن قضية جنوب السودان والإبتعاد عنه بمسافة كافية لترسيخ إنطباع تجاهل مصر لمجريات أمور السودان وهو ما ترجمته الأطراف الدولية بأنه تخلي وليس تجاهل مصري للسودان شماله وجنوبه معاً .
أثناء زيارة اللواء / الزبير محمد صالح نائب رئيس مجلس ثورة الإنقاذ ونائب رئيس الوزراء ولقاءه بالرئيس المصري بالقاهرة في 10 فبراير 1992 تم الإتفاق علي تشكيل ما سُمي ” باللجنة الفنية لبحث مشكلة حلايب ” وجرت ثلاث جولات تفاوضية منفصلة بشأن تسوية النزاع علي حلايب وقد عقدت هذه اللجنة أول إجتماع لها بالقاهرة في 16 مارس 1992 برئاسة د أسامة الباز وكيل أول وزارة الخارجية وكان الأإجتماع الثاني لها في القاهرة في الفترة من 27 إلي 31 أكتوبر 1992ثم الثالت والأخيربالخرطوم في الفترة من 22 إلي 24 فبراير 1993 , ولم تحقق هذه الجولات الثلاث تسوية أو حتي إقتراب حقيقي من نقطة دخول إلي لب النزاع لأسباب مختلفة , وأستمر هذا النزاع مفتوحاً وبدون تسوية للآن .
إكتسب النزاع المصري / السوداني علي حلايب درجة أعلي من الخطورة والتأثير السلبي علي مجمل ملفات العلاقات الثنائية المصرية / السودانية بعد إبرام مصر والسعودية في إبرام اتفاق بين الحكومة المصرية والمملكة العربية السعودية بتاريخ 9/4/2016 أُتفق بموجبه علي تنازل مصر عن جزيرتى تيران وصنافير ضمن الاتفاق على تعيين الحدود البحرية بين البلدين , وبتضافر السيطرة العسكرية المصرية علي منطقة حلايب مع ” تسوية ” مصر لنزاع أقل حدة مع السعودية بشأن تنازعهما علي السيادة علي جزيرتي تيران وصنافير علي أهميتهما للعسكرية المصرية إذا ما قيست هذه الأهمية مع منطقة حلايب التي لا تتسم بأي قدر من الأهمية العسكرية وإنقطاع علاقتها بالمواجهة مع إسرائيل . (تُحذف إن رؤي أن ذلك مناسب)
(2) مياه النيل  : 
أزمة مصر بشأن مياه النيل الذي يجري من منابعه في الهضبة الإثيوبية وبحيرة Victoria  بأوغندا لمسافة 6700 كم وتبلغ مساحة حوضه 2.900.000 كم مربع يمد مصر عندما يصلها بنحو 96% من إجمالي مواردها المائية ,و النسبة المُتبقية من الإستهلاك مصدرها المياه الجوفية وتبلغ 4,8مليار متر مكعب سنوياً بالوادي والدلتا بالإضافة إلي 0, 57 مليار متر مكعب من الأراضي الصحراوية بالصحراء الشرقية والغربية , هي في الواقع أزمة شاملة مكوناتها التباين في المفاهيم القانونية وفي القدرة علي الإستخدام والإنتفاع الأقصي من مياه النهر والتي كانت مصر سباقة فيه بصفة ملموسة وفي التناول والتوظيف السياسي لقضية المياه , وهنا يكمن الجزء الأخطر من هذه الأزمة التي بدأت منذ أن رفضت تنزانيا ( جوليوس نيريري الذي دعمه الرئيس عبد الناصر قبل إستقلال تنجانيقا) وإثيوبيا الإعتراف بإتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل الموقعة بين مصر والسودان عام 1959 وأستمرت هذه الأزمة بوتيرة مكتومة ومنخفضة إلي أن أعلنت إثيوبيا لأول مرة عن نيتها لتنفيذ مشروع سد النهضة عام 2001 وهو المشروع الذي من المُقدر أن يؤثر ويضر بوارد مصر من مياه النيل , وكانت إثيوبيا قد عرضت علي البنك الدولي من خلال لجنة مستقلة شاركت مصر فيها  دراسة أكدت جدوي إقامته , وأن ذلك تأسيساً علي قاعدة أو مبدأ ” الكل رابح” أو Win – Win , وجددت إثيوبيا الإعلان عن تنفيذ هذا المشروع عقب ثورة 25 يناير مباشر وتحديدا في أبريل 2011 بإعتبار أن ذلك أفضل توقيت لإثيوبيا كي تبدأ العمل في السد خاصة وأنها مهدت له بتوقيع 6 من دول حوض النيل بدءاً من عام 20100 – فيما عدا مصر والسودان وجنوب السودان – علي الإتفاق الإطاري لدول حوض النيل والذي أسقط الإعتراف بالحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل والتي نصت عليها إتفاقيتي 1929 و1959 , وقد أضاف ملف سد النهضة مسافة جديدة في تباين الموقف الحقيقي للسودان إزاء قضية مياه النيل وهو التباين الذي كشف عنه بوضوح نموذج الصراع الذي تبنته القاهرة والخرطوم لإدارة علاقاتهما كل بحسب أوراق الضغط التي بيده , وقد ظل السودان الرسمي يساند وجهة النظر المصرية التي رأت في إقامة هذا السد بالمواصفات التي يجري العمل بها ضرراً علي مصالحه المائية , لكن وفي تطور مفاجئ وقبل نهاية عام 2013تحول الموقف السوداني وعلي أعلي مستوي إلي دعم وتأييد لإقامة إثيوبيا لسد النهضة علي النيل الأزرق ففي خطاب جماهيري للرئيس السوداني / عمر البشير  في 4 ديسمبر 2014 بمناسبة تدشينه ورئيس الوزراء الإثيوبي لشبكة الربط الكهربائي بين البلدين بولاية القضارف المُتاخمة للحدود مع إثيوبيا أشار إلي ” أن السودان يدعم إقامة هذا السد لأنها (أي السودان) ستحظي بنصيب كبير من الكهرباء المُولدة من السد ” وأوضح  قائلاً ” ساندنا سد النهضة لقناعتنا الراسخة أن فيه فائدة لكل الإقليم بما فيها مصر وسنعمل عبر اللجنة الثلاثية الدولية لتقييم سد النهضة يداً بيد لما فيه مصلحة شعوب المنطقة ” , وفي إشارة لها أكثر من مدلول قال ” نحن أصلاً شعب واحد والسودان هو جزء من الحبشة الكبري التي كانت تضم الصومال وإرتريا وجيبوتي وإثيوبيا لكن الحدود التي وضعها المُستعمر هي التي فرقتنا  ” .
كان موقف السودان من قضية مياه النيل مختلفاً وبشكل معلن عن الموقف المصري , ولم يكن هذا الموقف كله مبنياً علي المسار السلبي للعلاقات الثنائية الذي بدأ يأخذ منحي خطر في مارس 1992 بسبب النزاع علي حلايب الذي لا يخرج عن كونه مظهر من مظاهر الصراع  , فهناك فريق في وزارة الري السودانية مدعوم من نخبة من السياسيين السودانيين لا يعتقدون في وجهة النظر المصرية المعلنة بشأن مياه النيل والأدلة علي ذلك متعددة منها مثلاً أنه في 23 أكتوبر 2004 تقدم عدد من النواب بالبرلمان السوداني بطلب لمراجعة إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل الموقعة مع مصر في نوفمبر 1959 , وأوضح أحد هؤلاء هذا الطلب بقوله ” إن هذه الإتفاقية غير عادلة ولذلك أتساءل لماذا ننتظر الغد لمراجعتها ” , ومن ثم فموقف السودان الإيجابي من سد النهضة مقدمات تبنيه والتجاوب معه كانت متوفرة , بالرغم من أن هناك من مسئولي الري بالسودان من يعتقدون إعتقاداً جازماً في خطورة سد النهضة علي المصالح المائية السودانية إلا أن المساحة المُتاحة لهؤلاء في صناعة القرار المائي شأن بقضية مياه النيل لا توفر لهم نصاباً يجيز لهم ذلك , فالقضية تم تسيسها منذ وقت طويل بالسودان , وفي الواقع لابد أيضاً من تقرير حقيقة مفادها أن إثيوبيا إستفادت من الصراع المصري / السوداني في تعزيز العلاقات الثنائية بدون تواجد منافس حقيقي لها في السودان وهذا المنافس التقليدي لم يكن سوي مصر التي خسرت معظم إن لم يكن كل مصالحها في السودان .
صحيح أن السودان لم يُوقع بعد علي الإتفاقية الإطارية التي طُرحت علي دول حوض النيل للتوقيع عليها في عنتيبي عام 2010 ووقعتها دول الحوض تباعاً وصدقت عليها برلمانات بعض هذه الدول بإستثناء مصر والسودان وجنوب السودان , إلا أن الصحيح أيضاً أن الموقف السوداني من سد النهضة بهذه الدرجة من التباين عن الموقف المصري منه لا يمكن معه إلا الإعتقاد بأنه يكاد وأن يكون توقيعاً مُؤجلاً أوغير مباشر علي الإتفاقية الإطارية أو إتفاق عنتيبي , أما موقف جنوب السودان فبالرغم من أن حكومة جنوب السودان لم تُوقع بعد علي الإتفاق الإطاري إلا أنها تفعل ما يؤدي للإضرار بأمن مصر المائي لكن بطريقة مختلفة فإحجام جنوب السودان حتي الآن عن إستئناف شق قناة جونجلي البالغ طولها 170 كم والتي توقف العمل فيها بسبب تدمير التمرد الجنوبي للحفارعام 1983ولم يكن مُتبقياً إلا القليل علي إتمامها إلا 30 أو 40 كم منع مصر والسودان من شق القناة لتجميع الفواقد بها ومن ثم الحصول علي زيادة في مواردهما المائية كانت ستوفرها هذه القناة بإستغلال فواقدها البالغة 18 مليار متر مكعب / عام , ومن المُتوقع أن تنضم حكومة جنوب السودان للتوقيع علي الإتفاق الإطاري بعد زوال مهددات الحرب الأهلية لنظام Kiir , ومما يؤكد ذلك أنه عقب الإعلان عن إستقلال جنوب السودان صرح وزير المياه بحكومتها أن بلاده ستوقع علي الإتفاق الإطاري في أقرب فرصة , لكن تدهور الموقف السياسي والإنقسام في حكومة الوحدة الوطنية الإنتقالية التي يرأسها سيلفا كير وتمرد نائبه ريك مشار وبدء الحرب الأهلية بجنوب السودان في ديسمبر 2013 أدي إلي تراجع قدرة جنوب السودان علي الإستغلال السياسي لقضية مياه النيل ضد مصر , ومن المُرجح ألا تحفظ حكومة سيلفا كير لمصر دعمها له ضد نائبه ريك مشار المدعوم من حكومة الخرطوم بعد إستقرار الأوضاع في صالح كير , وهو أمر مُستبعد علي المدي القصير لكنه سيحدث لأن معظم مصالح جنوب السودان مع الإقليم المباشر لها وخاصة كينيا وإثيوبيا وأوغندا بل والسودان الشمالي  , وسيحدث ذلك من كير وأي نظام يخلفه في جنوب السودان , إن 90% من ثقل موقفنا في قضية المياه مع السودان الشمالي وليس الجنوبي .
إن ملف مياه النيل يشكل الشريحة الأخطر بين شرائح أزمة مصر مع السودان فوفقاً لوزارة الري المصرية فستواجه مصر شحاً مائياً في مدي عام 2017 .
(3) الأمـــن الـــقومي:
بالرغم من أن هذه الشريحة من الشرائح الثلاث لأزمة العلاقات الثنائية  تعد منطقياً حاصل جمع (1) و (2) إلا أن خطورتها وتلامسها مع ملفات مصرية أخري عسكرية وإجتماعية بل وديموجرافية بالمفهوم الإستراتيجي للكلمة يجعلها أحياناً متغير مستقل بقدر ما هي أيضاً متغير تابع .
إن النقص الذي طرأ في نظرية الأمن القومي المصري بقيام دولة جنوب السودان بعد إنفصال الجنوب عن السودان في 9 يوليو 2011 كان يجب أن يُعوض بإستعادة المنسوب الطبيعي للعلاقات الثنائية مع الخرطوم , ومن المُعتقد أننا نخطئ لو تصورنا أن المخاطر المائية هي الأكبر أوهي وحدها فقط مدعاة للقلق الأمني المصري فالذي يتجاوزها هو أنه قد أُضيفت مساحة حرة لإسرائيل بدعم أمريكي للعبث وتهديد المصالح المصرية مائية وغير مائية في الإتجاه الجنوبي كله إنطلاقاً من جنوب السودان ومنها إلي مصالحنا في القرن الأفريقي الكبير  .
علي مصر تغيير سياستها من جنوب السودان بإخراج نفسها طواعية من معادلة الصراع الجاري هناك بين الرئيس سيلفا كير ونائبه المُنشق عنه ريك مشار واللذين دشنا حرباً أهلية جديدة بدأت في منتصف ديسمبر 2013 ومُستمرة حتي يومنا هذا وأختارت مصر فيها دعم الرئيس كير الذي أسس حكومته علي أسس قبلية مهينة لباقي القبائل الجنوبية مما أدي إلي تداعي حكومة الوحدة الوطنية بجوبا وأنكمش الظل الإداري للدولة بجنوب السودان ولم يعد يصل لسكان الجنوب إلا الرصاص لقتلهم في واقعة تطهير عرقي ترصدها الأمم المتحدة ويبدو الدعم المصري مؤكداً فمن بين صوره إمتناع مصر عن التصويت لصالح مشروع قرار أمريكي بفرض حظر علي السلاح لأطراف الحرب الأهلية بالجنوب , ولذلك فعلي مصر إستهداف السعي للتنسيق مع الخرطوم في شأن تحركها السياسي والأمني والإقتصادي مع دولة الجنوب لأن الخرطوم الآن ومستقبلاً وللأبد هي الحليف الطبيعي لمصر لإسباب وعوامل موضوعية ولا علاقة لذلك بتغير طبيعة نظم الحكم , فإنفصال جنوب السودان ونشوء دولة به يؤثر سلباً علي علاقتنا بالسودان , فنشأة دولة جنوب السودان لاشك في أنها ستعتبر عبئاً أمنياً وسياسياً علي  مصر والسودان بدرجة قد تختلف لكنها مُؤثرة سلباً  .
إن إعلان الرئيس البشير في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين بثته وكالة الأنباء السودانية في 4 أبريل 2017 والذي أشار فيه إلي  ” إنه لا سقف للتعاون بيننا في المجال الأمني إذ إن أمن أثيوبيا هو أمن السودان؛ وأمن السودان هو أمن أثيوبيا ” , وهو ما أمن رئيس الوزراء الأثيوبي ديسالين عليه بقوله ” إن ما يمس أثيوبيا ينعكس على السودان ، وإن ما يمس السودان ينعكس على إثيوبيا , لذلك فإن البلدين مصممان على التعاون الوثيق في هذه المجالات كلها ” , هذا الإعلان يعني بكل وضوح إنكار الرئيس السوداني وحدة الأمن القومي المصري / السوداني وما يتأسس أو تأسس علي هذه الوحدة من مصالح ومواقف , ومن ثم فهناك أزمة بالفعل فيما يتعلق بقضية وحدة الأمن القومي لمصر والسودان بعد هذا التصريح الخطير من الرئيس السوداني , ومن ثم فجزء من جهد مصر لحل الأزمة مع السودان يجب أن يُوجه إلي إستعادة المفهوم المشترك لنظريتي الأمن القومي للبلدين فذلك هو السبيل الأنسب لحل أزمتي حلايب ومياه النيل وهو طريق صعب تعرض لتدمير مُتبادل منذ عام 1991 .
أخيراً :
فإن أي جهد يُبذل في إتجاه تناول ثم حل أزمة العلاقات يجب أن ينتهي إلي توثيق مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية مع إدراك ووعي بأن إثيوبيا ستعرقل أي جهد مصري في هذا الشأن لمنع مصر من إستعادة مكانتها بالسودان بالإضافة إلي أن هناك قطاع كبير نسبياً تكون في النخبة السياسية والإقتصادية بالسودان ليس من مصلحته ذلك , كما أن القوي الدولية وعلي راسها الولايات المتحدة هي الأخري وبوسائل مختلفة لن تكون راغبة في ذلك , وعلينا مصارحة أنفسنا بذلك لإدراك طبيعة المعركة وأطرافها الفاعلين , والذي علينا تضمينه في الوثيقة التي سينتهي إليها أي جهد دبلوماسي لتسوية الأزمة مع السودان إعلان للمبادئ تتأسس عليه العلاقات الثتائية ويتناول علي سبيل العلاج ببدائل العناصر الثلاث للأزمة مع التأكيدعلي الإلتزام المتساوي بهذه المبادئ وكذلك وضع وتنفيذ إجراءات لبناء الثقة من بينها البحث في حل مرض للطرفين بشأن التنازع علي حلايب فتلك هي قضية الأجل القصير ومن بدائل تسويتها جعلها منطقة تكامل كما سبق وأشار إلي ذلك بعض الدبلوماسيين السودانيين وبقوة الدفع في هذا الملف يمكن الإنتقال لملفي مياه النيل ووحدة الأمن القومي .
القاهرة / تحريراً في 20 أبريل 2017
Share Button

عن المركز الديمقراطى العربى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


5 × four =

إلى الأعلى
 

Please log in to vote

You need to log in to vote. If you already had an account, you may log in here

Alternatively, if you do not have an account yet you can create one here.

Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On PinterestVisit Us On LinkedinCheck Our Feed