الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثيةالعلاقات الدولية

الصراع في كابيندا والإنتقائية في السياسة الأمريكية

اعداد السفير: بلال المصري – سـفـيـر مصر السابق لدي ألأنجولا وساوتومي والنيجر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مــقــدمـــة :

عادة ما يؤدي الدخول في مجال السياسات المُقارنة إلي إضطراب في حركة الأفكار المُستقرة أو التقليدية وهو مسلك علمي ترفضه بقوة الحكومات التي تفرض أو تطبق سياسات أساسها دعائي , إذ أن دخول المرء بجماع ذهنه في هذا المجال الذي تنعدم فيه جاذبية السياسات المُعلبة التي تسوقها هذه الدولة أو تلك أملاً منها في خداع خصومها أو أعداءها أو الرأي العام الداخلي أو العالمي قد يعرضه والحالة هذه لإتهامات جزافية تتراوح ما بين تهمتي التضليل والإنحياز وهي المسافة التي تعمل فيها بالفعل أغلب حكومات العالم المعاصر ومن المفارقات أنها نفسها لا ترضي أن يشاركها أحد في إحتكار حيازتها لتلك المسافة , ومع أن هذا الدخول بهذا المعني مُخاطرة إلا أنها مخاطرة تستحق العناء لأنها وإن لم تقص جانباً وتماماً الجدل والتشكيك في صحة نتائج المقارنة , إلا أنها في حالات معينة تنال من مصداقية واضعي السياسات موضوع المقارنة وتنزع عنهم صفتي النبل السفلي والشجاعة التي مصدرها جبن قادة الدول ومنتهي ضعف ضميرهم الوطني .

من الحالات التي يمكن تناولها من خلال نظرة مقارنة حالة الصراع الجاري في كابيندا منذ ما قبل 11 نوفمبر 1975 تاريخ إعلان إستقلال أنجولا حتي يومنا هذا , وهو صراع تخوضه جبهة تحرير جيب كابيندا ضد حكومة لواندا لنيل حق تقرير المصير , لكن القوي الدولية الرئيسية في عالمنا لم تتناوله بمثل ما تناولت به صراعات أخري إنتهت بنيل قوي التمرد الأخري حق تقرير المصير فالإستقلال عن الوطن الأم , وبالطبع هناك من الأسباب لدي أي من هذه القوي الدولية تحكم حركتها بإتجاه الصراع في كابيندا الذي بينه وبين الصراعات الأخري التي تطالب قوي التمرد فيها بحق تقرير المصير الكثير من القواسم المُشتركة لدرجة أن عقد مقارنة بين الصراع في كابيندا وصراع كالذي كان بين الحكومة السودانية ومتمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLAتحت قيادة جون جارانج والذي بدأ عام 1955 أمر لا يتسم بأي درجة من الصعوبة , ومن المعروف أن الصراع في جنوب السودان إنتهي بتوقيع التمرد وحكومة السودان إتفاقية السلام الشامل في كينيا في يناير 2005 والتي تضمنت مادة بموجبها أمكن للجنوبيين ممارسة حق تقرير المصير في 9 يناير 2011 ومن ثم إعلان إستقلال جنوب السودان وإقامة دولته في 9 يوليو 2011, فيما ما يزال الصراع في كابيندا مُستمر بوتيرة اللاحرب واللاسلم .

سيلحظ القارئ من سرد الجزء من الصراع الكابيندي / الأنجولي المُتعلق بالموقف الأمريكي منه أن هناك تبايناً شديد الوضوح بين الموقف الأمريكي من هذا الصراع  ومثيله إزاء متمردي جنوب السودان والحكومات والنظم التي تداولت السلطة في السودان , ففي صراع جنوب السودان تري الإدارات الأمريكية المُتعاقبة تقوم بدور الداعم المُحرض ثم المُنشئ لدولة الجنوب السوداني , أما في حالة الصراع الكابيندي فهي تلعب دور المحايد المُسكن والمتعاون مع حكومة لواندا .

من بين أهم الدلائل علي إتباع الإدارات المتعاقبة بالولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفاءها الغربي لمبدأ الإنتقائية في الصراع بين حكومات السودان المُتعاقبة وقوي التمرد المختلفة بجنوب السودان , وهو مبدأ مُورس ضد السودان بمزيج من التواطؤ والخداع السياسي وكان من مكوناته من بين عوامل إقتصادية وسياسية العامل الديني الكامن في العقلية التراثية الغربية , وكان ما أفادني به السيد/ موسي ضرار رئيس لجنة الحسبة في المجلس الوطني السوداني (البرلمان) وهو أحد الشخصيات السودانية المحترمة في لقائي معه بالخرطوم في 24 ديسمبر 1997 دليل لا يقبل الشك علي هذه الإنتقائية مما أكد لي وقتئذ وربما للآخرين الآن القدر الواضح من الإنتقائية غير الموضوعية بالمرة في السياسية الأمريكية , فقد قال سيادته  “أنه وفقاً لإتفاقية الخرطوم للسلام والتي وقعتها حكومة الخرطوم في 21 أبريل 1997 مع 6 فصائل مُنشقة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان يقودها Riek Machar (كان آنئذ قائد الجبهة الديموقراطية المُتحدة للإنقاذ وحركة إستقلال جنوب السودان) والتي نصت في أحد موادها علي إحداث تنمية في جنوب السودان خلال الفترة الإنتقالية ومداها 4 سنوات , وقد قامت الحكومة السودانية عقب توقيعها لهذه الإتفاقية بإجراء إتصالات مع بيوت المال والتمويل الغربية لتمويل مشروعات التنمية المطلوبة بالجنوب , لكن حدث تراجع غربي في هذا الشأن بسبب المخاوف التي أبدتها الحكومة السودانية من بقاء المديونية قبل مؤسسات التمويل الغربية عليها حتي بعد إنفصال الجنوب , وهو ما أصرت عليه هذه المؤسسات ” , حدث ذلك مع السودان وهو يحاول معالجة أحد الأسباب التي يدعيها المتمردون وهو غياب التنمية في جنوب السودان مع أن الخرطوم نفسها في هذا الوقت كانت تعاني من نفس السبب , وعلي الجانب الآخر نري في حالة الصراع في كابيندا بينما نري شركة  Chevron الأمريكية تبادر بالإعلان في مارس 2006عن برنامج لتنمية إقليم كابيندا رصدت الشركة له مبلغ 1,1 مليار دولار لتمويل تنفيذ إقامة مركز أعمال في كابيندا وبرنامج لتحفيز الصناعات المرتبطة بالبحر ألخ  , وسيتضح أكثر في العرض التالي ما يوسع رؤية الإنتقائية في السلوك السياسي الأمريكي , وسوف لا أتعرض للمواقف الإقليمية ولا موقف منظمة الوحدة الأفريقية ولا مواقف القوي الدولية الأخري كالصين وروسيا والبرتغال وفرنسا (التي تستضيف علي أراضيها حكومة كابيندا في المنفي والتي تعد علاقاتها بأنجولا شديدة التعقيد وحاول الرئيس ساركوزي فض الإشتباك فيها لكن يبدو أنه لم ينجح كما أعتقد هو) فالتباين في تناول هذه القوي للصراع في كابيندا ومثيله في جنوب السودان أوضح ما يكون في حالة الموقف الأمريكي حيال هذين الصراعين  .

أولاً: تعريف بإقليم كابيندا ووضعيته :

إقليم أو محافظة Cabinda بمنطقة وسط أفريقيا جنوب خط الإستواء يفصلها عن أنجولا نهر الكونجو الواقع شمال أنجولا وهو يشكل حدودها أيضاً مع جمهورية الكونجو الديموقراطية التي تمتد لألفي كم , والبيانات بشأن مساحة إقليم كابيندا مُتضاربة لكنها تتراوح ما بين 7,823 كم مربع و 12,000 كم مربع تقريباً (تقريباً نصف مساحة ولاية Connecticut الأمريكية ومجمل مساحة جمهورية جامبيا) وتعتبرها الحكومة الأنجولية جزءاً لا يتجزأ من نظامها الإداري فهي محافظة من بين 18 محافظة تتكون منها جمهورية أنجولا , وهذا الإقليم / المحافظة يقع خارج حدود أنجولا إذ أنه جيب مُحاط من جميع الإتجاهات بأراضي الكونجوليتين فيحده من الشمال والشمال الشرقي جمهورية الكونجو(برازافيل) بحدود طولها201 كم ومن الشرق والجنوب جمهورية الكونجو الديموقراطية(كنشاسا) بحدود طولها 220 كم ويطل بساحل طوله 150 كم علي المحيط الأطلنطي , ويفصل قطاع من أراضي جمهورية الكونجو الديموقراطية عرضه نحو 60 كم إقليم كابيندا عن حدود أنجولا مع الكونجو الديموقراطية , ومدينةCabinda هي عاصمة الإقليم (بعد مؤتمر برلين أعتبرت مدينة Tchiowa عاصمة للإقليم)  ووفقاً للتقسيم الإداري الأنجولي فإن مقاطعة كابيندا تتكون من 4 محليات هي عاصمة الإقليم Cabinda و Belize و Landana و Buco Zau   .

المناخ في كابيندا إستوائي رطب وخلال العام هناك فصلين الأول جاف بارد في الفترة من يونيو حتي سبتمبر والثاني حار مطير في الفترة من أكتوبر حتي منتصف مايو , وتغطي الغابات أراضي الإقليم وهي كثيفة في منطقة Maiombe وتعتبر الأنسب لحركة كر وفر عناصر المقاومة الكابيندية في عملياتها العسكرية ضد القوات المسلحة الأنجولية FAA  .

تعداد سكان إقليم كابيندا إحصائياته متضاربة وربما غير مُعبرة عن الواقع خاصة وأن هذا الإقليم مُعرض لمد وجزر ديموجرافي بسبب الأعمال العسكرية بين الجيش الأنجولي النظامي والمقاومة الكابيندية المسلحة منذ إستقلال أنجولا في 11 نوفمبرعام 1975 حتي الآن , مع ملاحظة أن الفارق الزمني بين الأرقام المنشورة عن تعداد السكان بالإقليم مُتباعد نسبيا , فوفقاً لأرقام منشورة عام 1958 بلغ سكانه حوالي 800,000 نسمة بينما تشير أرقام التعداد الرسمي الذي أجرته الحكومة الأنجولية عام 1995إلي أن عدد السكان هناك حوالي 600,000 نسمة يوجد منهم بالإقليم 400,000 بينما فر بسبب القتال الدائر إلي خارج جيب كابيندا نحو 200,000 نسمة نزحوا إلي دول الجوار وبصفة خاصة الكونجوليتين  , فيما اشار تقرير صادر عام 2006 عن منظمة Human Rights Watch إلي أن عدد السكان بالإقليم يبلغ حوالي 300,000 نسمة (بطبيعة الحال فإن إجراء تعداد سكاني في الظروف السائدة في كابيندا لا يمكن إعتباره تعداداً مُنضبطاً بالمعايير الفنية الدولية تماماً كما لم يُعتبرالتعداد السكاني القومي الرابع الذي أجرته الحكومة السودانية في 15 أبريل 1993 تعداداً مُعبراً عن الواقع في ولايات جنوب السودان بدليل أن وزير المالية السوداني في مؤتمر صحفي عُقد بالخرطوم في 22 أغسطس 1993 وهو يُعلن نتائجه أشار إلي ” أن المناطق – بجنوب السودان حيث تجري العمليات العسكرية – التي لم يتم التعداد فيها أو لم يجر فيها التعداد بشكل فني كامل شملت كل من محافظات كادوجلي بولاية كردفان بصورة جزئية وجونجلي والوحدة والسوباط بأعالي النيل وجوجريال وأويل والبحيرات بولاية بحر الغزال وياي ويامبيو بالولاية الإستوائية وهي جميعاً سيتم إحصاءها حالما يتوفر الأمن بها) .

اللغة المحلية السائدة بالإقليم هي لغة Fiote أو Ibinda بجانب الفرنسية التي يتحدثها 80% من السكان فيما يستخدم 20% منهم البرتغالية التي تعد رغم ذلك اللغة الرسمية بالإقليم , وينتمي ما لا يقل عن 75% من سكان هذا الإقليم إلي المذهب الكاثوليكي .

ثانياً : خلفية مُختصرة للصراع في كابيندا :

بدأ الصراع في كابيندا في التبلور بعد أن تمكنت قوات الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA من السيطرة علي الإقليم بدخولها إياه من نقطة إرتكازها بمدينة Pointe-Noire بالكونجو برازافيل خلال يومي 2 و3 نوفمبر 1974 وأستطاعت إحتلاله عسكرياً بدعم عسكري من الكوبيين والسوفييت  قبل الإعلان عن إستقلال أنجولا في 11 نوفمبر 1975عن البرتغال بموجب إتفاقية Alvor التي وقعتها الأخيرة في 15 يناير 1975 مع حركات التحرير الأنجولية الثلاث وهي الحركة الوطنية لتحرير أنجولاFNLA والحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA والإتحاد الوطني للتحرير التام لأنجولا UNITA , وبمقتضي هذه الإتفاقية تم إلحاق إقليم كابيندا بأنجولا وكان أن بدأ الصراع في إقليم كابيندا الذي تقع مطالبات قوي المقاومة فيه ضد ما تصفه بالإحتلال الأنجولي ما بين الحصول علي الإستقلال عن أنجولا وبين ممارسة حق تقرير والحكم الذاتي علي غرار سوابق أفريقية كان آخرها ممارسة شعب جنوب السودان حق تقرير مصيره وفقاً لإتفاقية السلام الشامل المُوقعة بين الجيش الشعبي لتحرير السودانSudan People’s Liberation Army  بقيادة جون جارانج وحكومة السودان في كينيا في يناير 2005 , وتُؤسس حركات المقاومة الكابيندية وأهمها جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC موقفها الرافض للوضع الراهن بتبعيتها لأنجولا علي أساسين هما :

(1) الأساس القانوني والتاريخي :

بعد أن وضعت البرتغال أقدامها بكابيندا وقعت ثلاث معاهدات متتابعة مع ملوك وأمراء الإقليم أولها معاهدة Chimfuma عام 1883 فمعاهدة Chicamba عام 1884 ثم أهمهم والتي تتأسس عليها وجهة نظر المقاومة الكابيندية الرافضة للسيادة الأنجولية علي هذا الإقليم معاهدة Simulambuco المُوقعة بين التاج البرتغالي وأمراء هذا الإقليم  في فبراير 1885 والتي بموجبها وكنتيجة لمؤتمر برلين الذي تقاسمت فيه قوي الإستعمار التقليدي غنائم سطوتها الإستعمارية في أفريقيا , أعلنت البرتغال لأول مرة عام 1885 عن سيادتها علي كابيندا بإعتبارها ” محمية ” وهو وضع مشابه للوضع الذي فرضته فرنسا علي تونس والمغرب لكنه كان وضعاً مختلفاً عن الذي كانت عليه أنجولا فقد إعتبرها البرتغاليين ” مُستعمرة ” منذ عام 1842 , وتأكد هذا الإختلاف في وضعية كل منهما بعد الإنقلاب العسكري الذي أطاح في عام 1910 بالعرش البرتغالي للملك Manuel II وإعلان الجمهورية Estado Novo ووضع دستور جديد للبلاد عام 1933 في عهد António de Oliveira Salazar الذي أبقي علي تلك الوضعية المختلفة لكابيندا أي وضعية المحمية مقابل وضعية المُستعمرة لأنجولا وذلك في الفصل الأول عن الأمة البرتغالية Nacao Portuguesa مادة أولي إلا أنه وإزاء تصاعد الإتجاه الإستقلالي عن البرتغال في هذا الإقليم والذي بدأ عام 1946قامت السلطات الإستعمارية بطرد كثير ممن تبنوا هذا الإتجاه ونفيهم إلي منطقة Baia dos Tigres بجنوب أنجولا , إلا أنه وإزاء رغبة البرتغال في توحيد إدارتها لأنجولا وكابيندا فقد قامت بدمجهما تحت إدارة عسكرية مُوحدة عام 1956, ومع ذلك ففي أعقاب إنتهاء نظام الديكتاتور Salazarista بدا أن الحكومة البرتغالية الجديدة علي إستعداد للتعامل مع المسألة الكابيندية ففي 30 يونيو 1974 سُمح لجبهة تحرير جيب كابيندا FLEC أن تُؤسس مقراً لها في Tchiowaبكابيندا , وفي الأول من أغسطس من عام 1974 طرح وزير خارجية حكومة Spinoza بالبرتغال مسألة تصفية المستعمرات البرتغالية بالأمم المتحدة وأعلن بمقرها عن أن حكومته تنوي تنظيم إستفتاء لتقرير مصير كابيندا , لكن هذه العملية عُلقت لاحقاً عندما سقطت حكومة Spinoza في 30 سبتمبر 1974 وكان قادة الحكومة البرتغالية الجديدة متعاطفين مع الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA التي دخلت الإقليم وأحتلت عاصمته كابيندا وموانئه ونادت بسيادتها التامة عليه , ثم ترسخت هذه الوضعية عندما أُلحقت كابيندا بالإقليم الأنجولي لاحقاً فوفقاً لإتفاق Alvor الموقع بين البرتغال والأحزاب الأنجولية الثلاثMPLA   وUNITA  و FNLA في 15 يناير 1975أستبعدت جبهة تحرير جيب كابيندا من المفاوضات التي أدت لتوقيع هذا الإتفاق الذي نص علي منح البرتغال الإستقلال لأنجولا في 11 نوفمبر 1975 و أشير إلي كابيندا في هذا الإتفاق علي أنها جزء لا يتجزأ من أنجولا , وقد تميزت فترة ما بعد الإلحاق الفعلي لكابيندا بأنجولا بالظلم والفساد والرشوة والمحسوبية وإنتهاك الحقوق السياسية والإنسانية للسكان في كابيندا ودخل الإقليم فترة طويلة من عدم الإستقرار خاصة وأن حكومة MPLA القائمة في لواندا حظيت بدعم مُؤثر من الإتحاد السوفيتي خاصة بعد توقيعها معه معاهدة صداقة في أكتوبر 1976 وكذلك دُعمت من كوبا وألمانيا الديموقراطية (الشرقية) وبدأت رحلة إستنزاف لموارد كابيندا الطبيعية من الأخشاب والبترول واللذين مول بهما حزب MPLA إحتياجاته من السلاح في مواجهة حزب الإتحاد الوطني للتحرير التام لأنجولا UNITA فيما يُعرف بالحرب الأهلية الأنجولية 1975 – أبريل  2002 وهي الحرب الأهلية التي شهدت بسبب الصراع بين القوتين الأعظم بالعالم علي أراضي أنجولا إستقطاباً إقليميا كانت كابيندا أحد مظاهره , ففي سبتمبر 1997 أرسلت حكومة حزب MPLA تعزيزات عسكرية توجهت إلي بلدتيMassabi  و  Micongo المتاخمتين لحدود كابيندا مع الكونجو برازافيل لعبور الحدود صوب Ncuto  بالكونجو برازافيل , ثم وفي 14 أكتوبر 1997 عبرت القوات الأنجولية حدود كابيندا بإتجاه الكونجو برازافيل الداعمة لمتمردي جبهة تحرير جيب كابيندا لإحتلال مدينة Pointe – noire وبالفعل إستطاعت هذه القوات إحتلال مقر الجبهة بها ودمرته .

رأي الكابينديون هذا الإلحاق إلحاقاً باطلاً بإعتبار أن مؤتمر برلين 1884- 1885 إعتبر كابيندا جزءاً من حوض نهر الكونجو التقليدي Conventional basin (كانت كابيندا تُسمي آنئذ ” الكونجو البرتغالية “) ومع ذلك فهم لم يخضعوا أبداً للحكم البرتغالي والأنجولي من بعده , وبناء علي ذلك تعتبر المقاومة الكابيندية أن بلادهم منفصلة جغرافياً وطبقاً للقانون الدولي عن أنجولا , وقد أُثيرت المسألة الكابيندية عند إنعقاد قمة منظمة الوحدة الأفريقية بالقاهرة عام 1964 وكانت كابيندا وأنجولا آنئذ مدرجتان علي قائمة برنامج تصفية الإستعمار وكان ترتيب كابيندا فيه هو الدولة 39 فيما كانت أنجولا الدولة 35 فالمقاومة الكابيندية رفعت السلاح في وجه البرتغاليين بعد تأسيس جبهة مُوحدة لتحرير جيب كابيندا في مدينة Pointe-Noire بالكونجو برازافيل في المؤتمر الذي عُقد هناك في الفترة من 2 إلي 4 أغسطس 1963 والذي تقرر فيه  إتحاد ثلاث كيانات مُقاومة هي حركة تحرير جيب كابيندا MLEC و لجنة العمل من أجل الإتحاد الوطني لكابيندا CAUNC وتحالف مايومبي Alliama لمقاومة الإستعمار البرتغالي , وعلي كل الأحوال فالموضوع برمته مازال خلافياً , فالحكومة الأنجولية وآخرين يرون أن كابيندا في هذا الوقت لم يكن لها إعتراف دولي وبالتالي فإن اي سيادة أخري غير التي لأنجولا معدومة , ويُرد علي ذلك بالقول بأن أنجولا نفسها في هذا الزمن لم تكن إلا مُستعمرة فكيف لها أن تدعي بأي مستوي من السيادة علي كابيندا والحالة هذه ؟ , كما أن  المقاومة الكابيندية تؤسس دعواها الإستقلالية علي وضع كابيندا المُتميز من وجهة نظر التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي عن أنجولا , إذ أن ممالك كابيندا الثلاث عقدت مع البرتغال ثلاث معاهدات في الفترة من 1883 حتي 1885 آخرهم معاهدة Simulambuco , بينما لم ترتبط البرتغال بأي معاهدة من هذا النوع مع أنجولا التي كانت مُستعمرة بلا سيادة  مما يؤكد خصوصية أو تميز وضعية هذا الإقليم عن أنجولا   .

بناء علي ما تقدم فقد إعترفت منظمة الأمم والشعوب غير المُمثلة UNPO- وهي منظمة غير حكومية تأسست في فبراير 1991مقرها Bruxelles معنية بدعم الشعوب الأصلية Indigenous peoples والأقليات والكيانات المحتلة أوغير المُعترف – بكابيندا كأمة غير مُمثلة في أبريل من عام 1997 , ومنظمة UNPO يمكن للبعض أن يضعها في سياق الداعم للديموقراطية كما يمكن للبعض الآخر وضعها في السياق التحريضي فقد كان من بين من أعضاءها أقاليم حصلت فيما بعد علي الإستقلال عن الوطن الأم منها تيمور الشرقية وإستونيا ولاتفيا وجيورجيا و Palau الواقعة شرق الفلبين وأرمينيا والشيشان وغيرهم , وقامت كوادر هذه المنظمة بتدريب مجموعات ناشطة من هذه الأقاليم وغيرها علي الدعوة الفعالة لقضية الإستقلال عن الوطن الأم وبالفعل وكما هو معروف حصل عدد من هذه الكيانات / الأقاليم علي الإستقلال بالإنفصال عن الدولة الأم وأنضمت كعضو كامل العضوية بالأمم المتحدة .

(2) الأساس الثقافي والإثني :

ينتمي سكان كابيندا إلي إثنية Kikongo وهي جماعة إثنية لغوية معاً مختلفة عن تلك الجماعات الأثنية بأنجولا , وإن كان سكان محافظتي Zaire و Uije الأنجوليتين ينتمون إلي إثنية Kikongo أيضاً , لكن ذلك لم يمنع – من وجهة نظر كابيندية – من إحتفاظ سكان كابيندا بوحدتهم الثقافية واللغوية وتطويرهم لثقافة متباينة عن تلك السائدة بأنجولا , وعموماً فإن جبهة FLEC ومن وراءها معظم الكابينديين يضعون أنفسهم موضع المختلفين المُغايرين لسكان أنجولا , وهو ما يعارضه الأنجوليين بتأكيدهم علي أن هناك بالفعل إختلافات ثقافية في مقاطعات أنجولا الثماني عشر , فسكرتير عام حزب MPLA الحاكم وكثير من السياسيين والنخبة الأنجولية يرون أن الإختلاف الثقافي واللغوي لا يقيم وحده منطقاً لممارسة تقرير المصير فهو في رأيهم سبب غير كاف لهكذا مطالبة لأن بعض إن لم يكن كل مقاطعات أنجولا الثماني عشر لها هويات ثقافية مميزة (لم يُؤخذ بهذا الرأي في حالة جنوب السودان وكانت أنجولا داعمة للتمرد الجنوبي) .

وفقاً لهذه الأسس تتمسك جبهة تحرير جيب كابيندا ومن وراءها كنيستها ومنظمات المجتمع المدني وأهمها Mpalabanda  بطرح خيارات الإستقلال وتقرير المصير منذ ما قبل حصول أنجولا علي الإستقلال في 11 نوفمبر 1975 وحتي يومنا هذا , ولهذا فقد بادرت جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC بالتحرك سريعاً نحو البرتغال بإعتبارها القوة الإستعمارية المُسيطرة علي أنجولا وكابيندا معاً لبحث مستقبل كابيندا وأجرت محادثات في لشبونة في 10 يوليو 1974 في هذا الشأن , * ( وفقاً لما ورد بوثيقة صادرة عن اللجنة الدائمة لحزب MPLA مكتب دار السلام في 12 فبراير 1974) وبالرغم من أن جهود جبهة FLEC لنيل الإستقلال من البرتغال ثم بعد ذلك من أنجولا لم تحرز نتيجة إيجابية , إلا أن الجبهة لم تستسلم للأمر الواقع De facto كما لم يخضع أو يسلم معظم الشعب الكابيندي للإرادة السياسية الأنجولية بالتبعية للإقليم الأنجولي سواء في فترة الحماية البرتغالية من 1885 حتي 1975 أو بعد قرار السلطة الإستعمارية البرتغالية في لواندا عام 1956 بتبعية كابيندا للقيادة العسكرية الإستعمارية في لواندا , ولهذا وإستجابة للنداء الذي وجهته جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC فقد قاطع الشعب الكابيندي الإنتخابات العامة متعددة الأحزاب والوحيدة التي أُجريت في عموم أنجولا في سبتمبر 1992 والتي فاز فيها حزب MPLA بالأغلبية البرلمانية , أما علي مستوي الإنتخابات الرئاسية التي جرت في نفس العام فلم يفز أياً من المرشحين حيث لم يحز أيهما علي الأغلبية المطلوبة فحزب MPLA لم يحز رئيسه Dos Santos إلا علي نسبة 49,6% فيما حصل منافسه Savimbi رئيس حزب UNITAعلي 40% .

ثالثاً : مُستجدات الصراع الأنجولي / الكابيندي :

وجه Manuel Nzita  ” رئيس جبهة تحرير جيب كابيندا – القوات المسلحة لكابيندا ” خطاب تهنئة لشعبي كابيندا وأنجولا بمناسبة قدوم العام الميلادي الجديد 2017 نشرته صحيفة Folha 8 الأنجولية المعارضة في 24 ديسمبر 2016 , من أهم ما تضمنه :

*  سواء إعترفت الحكومة الأنجولية بجبهة تحرير جيب كابيندا أم لا , فإن المجتمع الدولي مُدرك تماماً للمشاكل الخطيرة التي يعاني منها شعبنا .

* إن الحكومة الأنجولية مازالت مُستمرة في إخفاء حقيقة الموقف المُحزن في كابيندا وذلك لأسباب دعائية , وإذا ما كان الموقف بهذا الإقليم مُستقراً كما تصفه السلطات الأنجولية , فلماذا إذن لا تتحلي حكومة لواندا بالشجاعة وتتيح لوسائل الإعلام الوطنية والدولية زيارة كابيندا وتفقد أحوالها بحرية ؟ إلا أنها بدلاً من ذلك تتناول كابيندا كأنها ” حالة سرية ” .

* إن جبهة تحرير جيب كابيندا والمجتمع المدني في كابيندا وعدد من الأحزاب الأنجولية دعوا دائماً لإيلاء إهتمام للحاجة إلي إجراء إستفتاء في كابيندا , وهو ما نعتقد أنه أفضل وسيلة لحل المشكلة الكابيندية بصفة مُستديمة حتي يختار شعب كابيندا مصيره , وهو الشعب الذي يناضل من أجل الحرية والحقوق الأساسية والمحافظة علي ثقافة وحماية هوية ما يزيد عن 600,000 كابيندي .

* إن العلاقات الموجودة بين كابيندا وأنجولا مُعقدة بأكثر مما تظهرها النسخة الرسمية المُبسطة التي تقدمها لواندا , فكابيندا ظلت دائماً لما يزيد عن ألفي عام كياناً ممُيزاً ومُنفصلاً فهذا هو التاريخ الذي ليس بإمكان أحد أن يُغيره .

* إن قادة الحكومة الأنجولية يتظاهرون بالإعتراف بالطبيعة المُتفردة وخصوصية الإقليم الكابيندي وأفضل دليل علي هذا الزيف الإتفاق المُوقع في أغسطس 2006بين حكومة أنجولا و Bento Bembe ( الرئيس السابق والمُنشق لمنتدي الحوار الكابيندي الذراع السياسي لجبهة تحرير جيب كابينداFLEC  ) .

* وطنت نفسي منذ أن توليت رئاسة الجبهة علي تجنب أي تحريض علي الحرب بالرغم من الإنتهاكات التي لا تنقطع من قبل حكومة حزب MPLA , وقد توجهت بلا تباطؤ إلي البحث عن حل سلمي , وأعتقد أنه بالتحلي بالحكمة والشجاعة والرؤية بعيدة النظر يمكن إرساء السلام بين كابيندا وأنجولا وإقامة علاقة مصلحة مُتبادلة قائمة علي الإحترام والصداقة , ولذلك فسوف تستمر جبهة تحرير جيب كابيندا في المعركة من أجل الحرية ونوال حق تقرير المصير بما يفي بتوقعات الكابينديين ويساهم في إستقرار ووحدة جمهورية أنجولا .

من جهة أخري كان Nzita Henriques Tiago الرئيس والمؤسس (الراحل) لجبهة تحرير جيب كابيندا FLEC قد أعلن في وقت سابق علي ما تقدم وتحديداً في 18 فبراير 2016 عن إستئناف النضال المُسلح في كابيندا حتي يوافق الرئيس الأنجوليJosé Eduardo dos Santos علي التفاوض المباشر معه أو مبعوثيه للتوصل إلي حل بشأن عدم الإستقرار السياسي والعسكري بكابيندا , وأضاف Nzita Henriques Tiago قوله إن ” الموقف بكابيندا مازال متوتراً سياسياً وعسكرياً ومازالت السلطات الأنجولية رافضة لمناقشة القضية الكابيندية , ولقد تعرضت أنا شخصياً لإنتقاد جراء سياسة الإنفتاح والحوار التي أتبعها , وإني لأتفهم النقد المتنامي لي لأن أنجولا سترفض الإستجابة البناءة لنهج الحوار . ثم وفي تصعيد آخر وجهت القيادة السياسية والعسكرية بجبهة تحرير جيب كابيندا تحذيراً أشارت فيه إلي ” إلي كل هؤلاء الذين لديهم مصالح في كابيندا ومنهم علي نحو خاص شركة Chevron الأمريكية للبترول , عليهم أن يحثوا ويضغطوا علي الحكومة الأنجولية لإيجاد حل سلمي لهذا الصراع , وأن وقف إطلاق النار بكابيندا سيكون ممكناً فقط حينما يوافق الرئيس الأنجولي علي تفاوض مفتوح مع القيادة السياسية والعسكرية لجبهة  FLEC / FAC  , لأنه وبدون حوار صريح ومفتوح لن نستطيع حل مشاكل كابيندا ” .

نشرت صحيفة Folha 8 الأنجولية في إفتتاحية عددها بتاريخ 28 ديسمبر 2016 أن المتحدثة باسم ” البعثة الدبلوماسية لجبهة تحرير جيب كابيندا FLEC ” في بلجيكا السيدة Janeta Matondo وجهت مناشدة لأمين عام الأمم المتحدة António Guterres أعربت فيها عن رضاءها والمجتمع الدولي عن تصويت أنجولا لصالح القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن المستوطنات الإسرائيلية , وقالت ” أن المجتمع الدولي بهذا القرار يكون قد قام بخطوة ملموسة نحو إنهاء النفاق فيما يتعلق بمسألة تصفية الإستعمار, وتحدونا الرغبة في بدء الأمم المتحدة العمل والتصرف بمسئولية أكثر للمطالبة بإنهاء الإستعمار في أي جزء من أجزاء العالم وعلي نحو خاص في كابيندا ” , وأضافت  ” إن الأمم المتحدة يجب عليها إحترام وتطبيق حق تقرير المصير لصالح كل الشعوب المظلومة التي تريد الحصول علي حرية تقرير مصيرها طبقاً للميثاق العالمي لحقوق الإنسان والشعوب , وعليه فنحن نطالب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة António Guterres وهو صديق كبير لديكتاتور أنجولا والذي يعرف أفضل من أي أحد آخر غيره ملف شعب كابيندا , هذا الشعب الذي قام   Guterresبعمل كل شيئ من أجل إنهاء وضعية اللجوء التي مازال شعب كابيندا يعاني منها , وعلي السيد  Guterresأن يطلب صراحة من الرفيق José Eduardo dos Santos (الرئيس الأنجولي) إنهاء إحتلاله لكابيندا وإقتراح حل للتصويت عليه ” , وفي تبريرها لما آل إليه تصويت القوي الكبري في مجلس الأمن الدولي قالت السيدة Matondo  ” إن معركة المصالح قد أرتنا إلي أي مدي بلغه النفاق في نماذج التصويت داخل الأمم المتحدة حيث تسحق القوي الكبري حق الشعوب الصغيرة التي بلا حول  ولا قوة وذلك وفقاً لمصالح هذه القوي ” .

من جهة أخري وتصعيداً للتناول السياسي الدبلوماسي للقضية الكابيندية نشرت ” جبهة تحرير دولة كابيندا- قوات كابيندا المُسلحة ” مذكرة مُؤرخة في 24 أبريل 2017 مُوقعة من رئيسها Nzita Emmanuel  تحت عنوان ” المسألة الكابيندية والعبودية في الزمن الحديث ” , عرضت بإختصار لتطور الصراع والتفاوض بشأن كابيندا منذ الإستعمار البرتغالي للإقليم البترولي ثم بعد تولي حزب الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA السلطة في لواندا منذ إعلان الإستقلال عن البرتغال في 11 نوفمبر 1975وحتي وقتنا الحاضر , وأنتهت بالإشارة إلي ” أنه وبعد نحو 54 عاماً من إنشاء ” جبهة تحرير دولة كابيندا – قوات كابيندا المسلحة ” فإن صبرنا قد بلغ ذروته وأن الوقت قد حان لإيجاد حل ” للمسألة الكابيندية ” ولذا فنحن نطالب العالم الحر المُحب للسلام والعدل بالتفكير في حماية شعب كابيندا بوضع كل الحقائق علي الطاولة , ونحن نرجو النظر بعين العطف لمذكرتنا تلك التي تتطلب إهتماماً خاصاً حتي يحصل شعب كابيندا الذي تخلي عنه المجتمع الدولي علي تقرير مصيره ” وأشارت هذه المذكرة إلي حالة جنوب السودان الذي حصل علي حق تقرير المصير وأعلن عن إستقلاله عن السودان في 9 يوليو 2011 بإعتبار ذلك نموذجاً يُحتذي .

أصدر حزب UNITA أكبر أحزاب المعارضة الأنجولية بياناً تزامن مع إحتفال أنجولا بيوم السلام في 4 أبريل 2016 أشار فيه إلي أنه لا يمكن الحديث عن السلام في أنجولا طالما إستمر الصراع في كابيندا ودعا إلي منتدي وطني للسلام والمصالحة لمناقشة الوضع في كابيندا , ومن جانبها رحبت جبهة تحرير جيب كابيندا القوات المسلحة لكابيندا FLEC-FAC  بهذه المبادرة وأهابت بحزب UNITA وإئتلاف CASA-CE بمناقشة هذا الأمر في البرلمان الأنجولي .

هذا هو الشق السياسي من مستجدات الصراع الدائر في كابيندا منذ ما قبل نوفمبر 1975 حتي يومنا هذا , أما الشق العسكري القتالي منه فهو وإن كان محدوداً إلا أن ذلك بسبب التغير الحاد في مواقف القوي الإقليمية مثل موقف الكونجو الديموقراطية وتحديداً منذ سقوط نظام الرئيس Mobutu عام 1996 أكبر داعم إقليمي ولوقت طويل لجبهة تحرير جيب كابيندا FLEC والذي تناقص دعمه قبل سقوطه بفترة ليست بالقصيرة , كذلك فقد أدت التغيرات السياسية في الكونجو برازافيل والجابون وهما من أهم النظم التي إحتضتت عناصر جبهة تحرير كابيندا FLEC إلي تناقص الدعم لهذه الجبهة , من جهة أخري فقد أدي سقوط  وتفكك الإتحاد السوفييتي ومنظومة حلف وارسو في ديسمبر 1991 – وهذا هو العامل الرئيسي المُؤثرعلي الإقليم المحيط بكابيندا – إلي التأثير في مجال الصراع الكابيندي الذي خلا من أدوار القوي الدولية كروسيا وكوبا والإقليمية كالكونجو الديموقراطية والكونجو برازافيل , كما أن التقارب الأمريكي الأنجولي بعد نهاية الحرب الأهلية الأنجولية بموجب توقيع حزبي MPLA و UNITAطرفي الحرب الأهلية مذكرة تفاهم Luena Memorandum في أبريل 2002 بعد إغتيال Savimbi زعيم حركة في الغابة في 22 فبراير 2002 , أدي إلي زيادة قدرة حكومة MPLA علي إدارة الصراع في كابيندا بأقصي قدر من الكفاءة العسكرية والسياسية بالتالي , ذلك أن الولايات المتحدة كان وما يزال من أهم مصالحها الإستراتيجية الطاقة أي البترول وكانت الشركات البترولية الأمريكية تقوم علي إستغلاله وضخه للولايات المتحدة منذ 1975 وحتي وقتنا الراهن بإتفاقيات صلبة مُستقرة مع حكومة أنجولا سواء إبان تبني حزب MPLA الفكر الماركسي اللينيني أو فكر إقتصاديات السوق الحر الرأسمالي بعد تفكك الإتحاد السوفييتي والمنظومة الشيوعية والإشتراكية معاً عام 1991 والأعوام التالية , ومع ذلك فسأكتفي بالإشارة فيما يلي إلي بعض العمليات العسكرية التي شنتها في العامين المُنصرمين جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC- FAC ضد القوات الحكومية الأنجولية المُرابطة في كابيندا والتي يبلغ تعدادها بالإقليم وفقاً للتقديرات 45,000 جندي , ووفقاً لما أكده الناشط السياسي الكابينديJosé Marcos Mavungo فإن هذه القوات تتمركزعلي محورين هما  Massabi – Bitcheque و Belize – Bitcheque  , ومع أن جبهة تحرير جيب كابيندا مازالت تقوم بعمليات عسكرية بإسلوب حرب العصابات ضد القوات الحكومية الأنجولية إلا أن المراقبين لا يصنفون هذه العمليات علي أنها  حاسمة إلا أنها في تقديرهم تسبغ علي الموقف في كابيندا طابعاً صراعياً يعتبر ضرورياً لدعم الموقف السياسي لجبهة تحرير كابيندا  :

* أشارت وكالة الأنباء الفرنسية إلي تلقيها بيان صادر عن جبهة تحرير جيب كابيندا يشير إلي قيامها بهجوم ضد القوات الأنجولية بكابيندا في 13 مارس 2016 أسفر عن مقتل  أكثر من 10 جنود أنجوليين , تلاه هجوم آخر في 16 مارس في بلدة Buco-Zau بكابيندا أسفر عن مقتل 20 جندي أنجولي .

* أذاعت جبهة FLEC-FAC في 16 أبريل 2016 بياناً أشارت فيه إلي مسئوليتها عن مقتل100 جندي أنجولي منذ فبراير 2016 وحتي إذاعة البيان ووقوع 3 إصابات في صفوفها .

* نُشر بيان عن جبهة FLEC / FAC في 18 أبريل 2016 أشار إلي قتل 47 وجرح آخرين من جنود القوات المُسلحة الأنجولية في9 و12 أبريل بمنطقتي Necuto  و Dingeبكابيندا ولم تؤكد أو تنفي جهة أنجولية ذلك , لكن البيان أشار إلي أن أن الوضع العام بكابيندا مازال هشاً ومتوتراً وأن الجبهة في حالة حرب داعية الحكومة الأنجولية إلي مفاوضات مباشرة معها .

* أشارت إذاعة صوت أمريكا إلي تلقيها بيان وقعه  Zacarias Soni قائد المنطقة الرابعة العسكرية لجبهة FLEC / FAC في 30 يونيو 2016 تضمن الإشارة إلي  مسئولية الجبهة عن مقتل 7 جنود أنجوليين والأسف لمقتل 2 من عناصر الجبهة في معارك وقعت في 25 و26 يونيو 2016 بمنطقة Cabildo قرب الحدود مع الكونجو الديموقراطية , ولم تعقب السلطات الأنجولية أو تنفي كعادتها ما ورد بهذا البيان لكنها دأبت علي إنكار أي هجمات علي قواتها بإقليم كابيندا .

* تضمن بيان للجبهة بتاريخ 28 نوفمبر 2011 مسئوليتها عن مقتل 9 من عناصر القوات الحكومية  في 19 سبتمبر وكذلك مقتل 18 جنود أنجوليين في هجوم في نوفمبر 2016 .

* نشرت صحيفة Folha 8 ووكالة الأنباء البرتغالية Lusa بياناً  في 24 يناير 2017 أُرسل إليهما من جبهة FLEC / FAC يشير إلي مقتل جنديين من القوات الأنجولية بمنطقة Chibango علي أيدي عناصر الجبهة  , وأشارت هذه الصحيفة إلي أن الجبهة كانت قد أصدرت بياناً في 8 ديسمبر 2016 أشارت فيه إلي مسئوليتها عن مقتل 6 جنود أنجوليين وإلي أن الحكومة الأنجولية ما فتأت تبدي نيتها في القيام بعمليات عسكرية مُكثفة بكابيندا وترفض الحديث مع الجبهة وتدعي إستقرار الإقليم وذلك من واقع تصريحات مسئوليها العسكريين ووزراءها وآخرهم وزير الداخلية في أكتوبر 2016 ولهذا وإزاء حالة الإنكار تلك فإن الجبهة تحمل حكومة لواندا مسئولية حماية الأجانب بكابيندا , وأن الحرب بهذا الإقليم ستستمر إلي أن تنخرط حكومة أنجولا في مفاوضات معها لإيجاد حل سلمي وسلام دائم  .

* أشار موقع Salte Afrique في 15 فبراير 2017 نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية إشارتها إلي ما أعلنه Jean-Claude Nzita الناطق باسم جبهة تحرير جيب كابينندا – القوات المُسلحة من أن الإشتباكات بين جبهة تحرير جيب كابيندا والقوات المسلحة الأنجولية بكابيندا أسفرت عن مقتل 9 من العسكريين الأنجوليين فيما قُتل عنصرين من قوات الجبهة وأشار إلي 4 إشتباكات أخري بمناطق مختلفة داخل كابيندا منذ بداية فبراير أسفرت عن وقوع 18 قتيل بصفوف الجيش الأنجولي .

* أصدرت الجبهة بياناً مُوقعاً من قائدها Alfonso Nzau في 2 مارس 2017 تعلن فيه مسئوليتها عن عدة هجمات ضد القوات الأنجولية في غضون خمسة عشر يوماً أسفرت عن مقتل 10 جنود أنجوليين  .

* أصدرت الجبهة بياناً نُشر في 14 أبريل 2017 أشار إلي مقتل 3 من جنود القوات الأنجولية في كمين     في Ntando Tchinama بمنطقة Massabi , وأن مجموع قتلي القوات الأنجولية بلغ خلال أبريل 2017 نحوة 13 جندي .

من المهم الإشارة إلي أن أنجولاً مُقبلة علي تغيير ما قد لا يمكن التكهن بمدي تأثيره علي قضية كابيندا لكنه مبدئياً تغيير يفتح الباب أمام عدد من التوقعات المختلفة بشأن أنجولا نفسها وبالتالي قضية كابيندا , فالرئيس الأنجولي José Eduardo dos Santos قرر وبعد 38 عاماً من توليه السلطة التخلي عنها والإكتفاء برئاسة حزب الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA وإتاحة الفرصة لمرشح آخر من حزبه هو João Lourenço للتقدم نحو الإنتخابات الرئاسية الأنجولية عام 2018 , وفي تقديري ومن خلال معايشتي إبان عملي سفيراً لمصر لدي أنجولا في الفترة من 2003 حتي 2007 فإنه حتي إن صدق الرئيس الأنجولي في هذا القرار ولم يتكرر نموذجPutin – Medvedev  مرة أخري فإن ثوابت الأمن القومي الأنجولي ستمنع أي قيادة سياسية جديدة في أنجولا من إتخاذ قرار من شأنه أن يفتح أمام  التفاوض مع جبهة تحرير جيب كابيندا طريقاً يؤدي إلي تقرير المصير , وهو الموقف الذي يلتقي فيه أكبر أحزاب أنجولا MPLA الحاكم وحزب UNITA المعارض , وغاية ما يمكن للمفاوض الأنجولي أن يقدمه للكابينديين حكماً ذاتياً محدوداً, ولن يتغير هذا الوضع إلا بتغير أوزان أطراف الصراع نفسها , وتغير موازي في مواقف القوي الكبري خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي مازالت علي حيادها وتسكينها للصراع وتعاونها مع حكومة MPLA  .

رابعاً : تطورالتناول الأمريكي لقضية كابيندا :

إتسم النظام السياسي الأنجولي مُمثلاً في حزب الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA منذ ما قبل الإستقلال عن البرتغال في 11 نوفمبر 1975بغلبة الميول الماركسية اللينينية علي عقيدته السياسية وكان من المنطقي أن تُصنف الولايات المتحدة هذا النظام الذي قبض علي السلطة في أنجولا وخاض غمار الحرب الأهلية1975 – 2002 ضد حزب UNITA خصمه المدعوم من الولايات المتحدة وحلفاءها الأفارقة خاصة زائير (الكونجو الديموقراطية والنظام العنصري في جنوب أفريقيا آنئذ) علي أنه نظام شيوعي , لكن ذلك لم يحدث لسبب بسيط وهو أن شركة Chevron كانت تستغل بترول كابيندا الذي يمثل اكثر من 75% من مجمل الإنتاج البترولي لأنجولا ( الذي بلغ عام 2006 نحو مليون برميل/ يوم) , وكان هذا الإقليم في قبضة قوات MPLA مدعومة بفيلق الكوبي ومستشارين عسكريين سوفييت , وكانت حكومة حزب MPLA تمول إحتياجاتها العسكرية من السوفييت بالإضافة إلي مُجمل تكاليف الفيلق الكوبي من عوائد البترول الأنجولي ومعظمة كما أشرت يُستخرج من أراضي وساحل كابيندا حيث تقوم شركةCabinda Gulf Oil الأمريكية بإستخراجه وإستغلاله وضخه من حقوله .

تعتبر جلسة الإستماع للجنة الفرعية لأفريقيا المنبثقة عن لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي للكونجرس التاسع والتسعون في دورته الأولي والتي إستغرق إنعقادها الفترة من 31 أكتوبر حتي 12 نوفمبر 1985, تعتبر ترجمة دقيقة للموقف الأمريكي من الحرب الأهلية الأنجولية ومن القضية الكابيندية أيضاً فقد كان عنوان محضر جلسة الإستماع تلك ” أنجولا : تدخل أم تفاوض ؟ ” , وربما كان في إيراد بعض العبارات المنسوبة لقائليها في هذه الجلسة مؤشراً دالاً بوضوح علي الموقف الأمريكي وذلك علي النحو الآتي :

1- ” …. إنه لمن الواضح أن الكوبيين دُعوا لأنجولا كما دُعي السوفييت إلي أفغانستان , والحقيقة أننا نحن في الولايات المتحدة وبوزارة الخارجية نؤيد أهداف السياسة السوفييتية الخارجية في أنجولا , . إن السوفييت يُدفع لهم 2 بليون دولار بالعملة الصعبة مقابل مساعدتهم العسكرية (لأنجولا) وللعناية وتغذية 45,000من القوات الكوبية والمستشارين , ومعظم هذا المبلغ النقدي يمكننا أن نشكر كرم شركة Chevron  بشأنه ” .

” … الحقيقة أن الولايات المتحدة تساعد السوفييت علي البقاء في أنجولا بالسماح لـ Eximbank بإمداد هذا البلد (أنجولا) ولصناعة البترول به بالقروض , والحقيقة أن الخارجية الأمريكية سمحت بأن يحدث هذا ورفضت تصنيف أنجولا علي أنها بلداً شيوعيأ أو حتي بلداً مُسيطراً عليه بقبضة كاسترو ” .

( من بيان Howard E.Wolfe رئيس اللجنة الفرعية لأفريقيا )

2- “…. ولكي نكون مُنصفين , فإن الولايات المتحدة يجب أن تمد UNITA بالعون لفطم Savimbi  عن علاقاته مع جنوب أفريقيا وعلي نحو أو آخر وإن بدرجة قليلة لموازنة مبلغ البليون دولار الذي يتلقاه حزب MPLA من فرع Chevron وعندما نجد الطريقين مع  MPLA و UNITA اصابا النجاح , فإننا سوف نكون في مركز يتيح لنا تشجيع الفاشيين علي الجانبين علي المصالحة ومستعدين لمناقشة مسألة حكومة إئتلافية بجدية  ” .

(من بيان Richard E.Bisseli رئيس التحرير التنفيذي لـ The Washington Quarterly والمدرس المساعد بجامعة Georgetown الحكومية)

3- ” …. لقد لفت السيناتور Proxmire مؤخراً إنتباهنا لحقيقة أن شركة Gulf Oil لديها إستثماراً ضخماً في أنجولا بإعتبارها أحد ملاك شركة .Cabinda Oil Co التي تعمل خارج أنجولا (أي في كابيندا) , ولاحظ السيناتور Proxmire أن أرباح شركة Cabinda Gulf Oil تمد الزعماء الشيوعيين بأنجولا بعوائد ضريبية تبلغ مئات الملايين من الدولارات , وهذه العوائد تذهب لدعم القوات الكوبية في أنجولا والمستشارين من القادمين من الإتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية ” .

“… إن السلوك الإقتصادي للحكومة الماركسية بلواندا تجاه الأمريكيين والمؤسسات الأجنبية يؤكد خطورة محاولة الحكم علي الأنظمة والأحزاب وفقاً لمضمامينها الإيدولوجية لأنها مضامين غالباً ما تكون مُضللة ”  .

(من بيان Jose S. Sorzano رئيس الموسسة الوطنية الكوبية / الأمريكية)

4- ” …علي العكس من تنبؤات عام 1975 إبان عهد الرئيس Ford ووزير الخارجية Kissinger التي أشارت إلي أن نصراً يحرزه حزب MPLA في الحرب الأهلية الأنجولية سيُؤدي إلي قطع السبيل أمام الولايات المتحدة نحو موارد أنجولا , فها هي الولايات المتحدة قد أصبحت الشريك الأكبر تجارياً (لأنجولا) إذ بلغ مجمل تجارة البلدين في السنوات الأخيرة ما يربو عن بليون دولار سنوياً  ” .

( من بيان  Gerald J. Benderمن جامعة العلاقات الدولية بكاليفورنيا الجنوبية )

5- ” …. في الحقيقة أن مجمل تاريخ الحركة ( السياسية في أنجولا) يشير إلي أن الإيدولوجية لم تكن أساس النزاع بين Savimbi وNito و Roberto , لكن هذا النزاع  وبالفعل مرجعه صراعات القيادة وإلي حد ما صعوبات أساسها عرقي بين الفرقاء الثلاث ” .

( من بيان Mathew F. McHugh نائب ولاية نيويورك بالكونجرس)

6- “…. من المعروف بصفة عامة أن نصراً يحرزه حزب UNITA ليس مُجدياً وسيعمل علي إستمرار عدم الإستقرار الإقليمي , وأشارت الورقة أيضاً إلي أن الوجود الكوبي لا يستند علي دخل البترول بحال من الأحوال , بالرغم من أن دوائر شركةCabinda Gulf Oil بأنجولا تؤكد علي أنه بدون إيرادات البترول فإن النظام الحالي بأنجولا سينهار ”  .

(من بيان Ted Weiss نائب عن ولاية نيويورك بالكونجرس)

يتضح مما تقدم إقتطافه من نصوص جلسات إستماع الكونجرس المُشار إليها ثلاث حقائق رئيسية هي :

(1) أن كابيندا كانت منصة ثابتة في العلاقات الأمريكية مع حكومة MPLA ولذلك لم تشأ الإدارة ولا الخارجية الأمريكية تصنيف حكومة لوانداعلي أنها حكومة شيوعية بالرغم من إرتباطاتها بالإتحاد السوفيتي وأقوي حلفاءه خارج حلف وارسو أي كوبا , وذلك بالرغم من أن حكومة لواندا كانت تعلن عن نهجها الموافق للنهج السوفييتي رسمياً ويعبر عنه بوضوح برنامج حزب MPLA الأنجولي الحاكم وعندما بدأت عملي سفيراً بأنجولا في عام 2003 كانت الشعارات الشيوعية مازالت واضحة علي جدران وحوائط بعض المباني في العاصمة لواندا .

(2) أن الإدارة الأمريكية إعتبرت الوجود الكوبي عبارة عن فرقة حراسة لمنشآت شركة بترول Cabinda Gulf Oil والتي هي فرع لشركة Chevron الأمريكية وأن الإتحاد السوفيتي وكوبا معاً إلي حد ما معنيتان بالحفاظ علي المصالح الأمريكية هناك لأنه من خلال عوائد هذا البترول تمول حكومة MPLA بقاء القوات الكوبية والكل مُستفيد في الحسابات الختامية .

(3) لم تتضمن مداخلات أي من المشاركين في جلسات الإستماع أي تناول لكابيندا بإعتبارها قضية أو نزاع أو مشكلة , وهو ما يسوقنا إلي القول إلي أن علاقة حزب MPLA بالولايات المتحدة كانت قائمة علي مصالح مُشتركة حرص الجانبين علي إستمرارها وتثبيتها وتقويتها وكان الموقف الأمريكي الذي رصدته من عام 2003 أي عقب إنتهاء الحرب الأهلية بأنجولا عام 2002 حتي عام 2007 بشأن هذه القضية بصفة عامة إيجابياً بالنسبة لحكومة حزب MPLA الحاكم التي يقودها الرئيس José Eduardo dos Santos  للآن منذ وفاة Agostinho Neto أول رئيس لأنجولا في موسكو في 10 سبتمبر 1979 .

إتصالاً بما تقدم فلا شك أنه من المهم جداً عقد مقارنة بين الصراع في كابيندا والصراع الذي كان في جنوب السودان علي الأقل لنفي أو تأكيد موقع بعض المفاهيم الرئيسية في السياسة الدولية مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير والشفافية والحوكمة ألخ إذ إننا بالمقارنة نتأكد يقيناً أن السياسة الأمريكية معملية فلديها ما يشبه المركبات الكيميائية التي يمكن أن تحول هذه المفاهيم وغيرها من الحالة الصلبة إلي الغازية فتطير في الفضاء كالدخان أو تحافظ علي صلابتها كما فعلت في حالة صراع متمردي جنوب السودان مع حكومة الخرطوم , وإتصالاً بذلك أُؤكد أن بيان تطورعلاقة الولايات المتحدة بالصراع في كابيندا أمر أصبح أقل صعوبة بعد تدني حدة الحرب الباردة بدرجة تكفي للقول علي سبيل اليقين بأن هذه المفاهيم  لم تكن يوماً مانعاً يُعتد به في تحديد أي من الخيارات والبدائل المُتاحة أمام الإدارات المُتعاقبة بعليها أن تطبقه وهي تتناول صراع كهذا أو صراع جنوب السودان , ويتجدر الإشارة مبدئياً إلي أنه قبل وأثناء وبعد إنتهاء الحرب الأهلية الأنجولية كان من الصعب إلي حد كبير علي أي من القوي الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة أن تعتبر أن للصراع في كابيندا أولوية تتقدم علي أولوية الصراع في أنجولا نفسها وهي في خضم حرب أهلية شرسة طويلة بين 3 أطراف داخلية تداخلت مع مصالح القوي الدولية والإقليمية , وبإنتهاء هذه الحرب التي لم تتشح بأي قيم أخلاقية بل حركتها المصالح الداخلية والدولية المُجردة زال إلي حد ما قدر كبير من الضبابية غشي الموقف الأمريكي من قضية كابيندا , وتأكد مجدداً مبدأ الإنتقائية الذي تتبناه وتعمل به الإدارات الأمريكية المُتعاقبة حيال الصراعات بغض النظر عن طبيعتها , ولبيان ذلك فمن الضروري من أجل رؤية أوسع مدي للتناول الأمريكي للصراع الجاري حتي اليوم في كابيندا بين الحكومة الأنجولية وجبهة تحرير جيب كابيندا والمجتمع المدني وكنيسة كابيندا تعقب تطور الموقف الأمريكي من هذه القضية وذلك علي النحو الآتي :

عملت الإدارة الأمريكية في مرحلة ما قبل حصول أنجولا علي الإستقلال علي منع وصول حزب MPLA للحكم وساعدها علي ذلك الرئيس الزائيري Mobutu لكن لأسباب مختلفة منها الدعم السوفيتي والكوبي لهذا الحزب وقد فشلتا في تحقيق الهدف , بل إن حزب MPLA دعم مركزي الإقتصادي والعسكري عندما تحركت قواته بإتجاه إقليم كابيندا في أغسطس 1975 قبل الإعلان عن إستقلال أنجولا التي تشمل أنجولا وكابيندا معاً وفقاً لإتفاقية Alvor الموقعة مع القوي الحزبية الأنجولية الثلاث في يناير 1975 , وكان علي الولايات المتحدة التي لها إستثمارات بترولية ضخمة في كابيندا أن تؤسس موقفها إزاء الإقليم بكل دقة وضعاً في الإعتبار إرتباطات حزب MPLA الذي يتبني النظرية الماركسية / اللينينية في نظامه السياسي بالسوفييت وحلفاءهم بالإضافة إلي كوبا .

في هذه الظروف بدأت الإتصالات الأمريكية الرسمية مع عناصر جبهة FLEC ورئيسها N’ZITA TIAGO مبكراً ذلك أن الولايات المتحدة ممثلة في شركة GULF OIL CORPORATION كانت لديها إستثمارات مهمة بالإقليم  وتعمل علي إستغلال البترول في بداية سبعينات القرن الماضي في حوالي 30 بئر بترول بحري , ولذلك كان هناك إهتمام أمريكي جدي ومتابعة دقيقة للأوضاع في كابيندا , فوفقاً لما ورد ببرقيتين سربتهما WikiLeaks أولاهما مؤرخة في 11 سبتمبر 1974 أشارت إلي لقاء السفير الأمريكي في كينشاسا بـ Luis Ranque Franque و ANTONIO SOZINHO سكرتيره للشئون الخارجية وعرضا للقضية الكابيندية ولدعم الرئيس الزائيري موبوتو وأوضح Franqu أن مجموعته ليست مناهضة للمصالح الأمريكية والبرتغالية في كابيندا لكنها ليست مستعدة لأن تشاركها أنجولا في ثروات كابيندا وطلب أن تحث الإدارة الأمريكية حكومة أنجولا (المُرتقبة) لبدء محادثات معه , أما ثانيهما فمؤرخة في 26 سبمبر 1974 صادرة عن الخارجية الأمريكية أشارت إلي ان القنصل الأمريكي إلتقي زعيم جبهة FLEC وبعض عناصرها مثل ALEXANDRE TATY و PINHEIRO DA SILVA و Ranque Franque  و Auguto Tchioufou , وكان التقدير الأمريكي في هذا الوقت المبكر جداً أن جبهة FLEC ذات شعبية بين سكان الإقليم (وهو وضع مازال قائماً) وإن كانت أمانتهم الفكرية مشكوك فيهاDUBIOUS   وأن الإتحاد الديموقراطي من أجل الشعب الكابيندي والحزب الديموقراطي الكابيندي كلاهما عمره قصير وأن قوات حزب MPLA التي تقوم بعمليات في الإقليم لا تحظي بتأييد يُذكر من الكابينديين , إلا أن قادة الأحزاب الأنجولية التي تقاوم الإستعمار البرتغالي وهما AUGUSTINHO NETO رئيس MPLA و HOLDEN ROBERT رئيس FNLA كانا يعارضان إستقلال كابيندا (أشار إعلان مبادئMOMBASA الذي كان أحد ثلاث إتفاقات بين القوي الأنجولية الثلاث وهي الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا FNLA والحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLLA والإتحاد الوطني للإستقلال التام لأنجولا UNITA والذي صدر في 5 يناير1975, في مادته الأولي إلي إقرار وتمسك هذه القوي بمبدأ صيانة التكامل الترابي لأنجولا وإعتبار كابيندا جزءاً مُتكاملاً مع الأراضي الأنجولية) , كما كان الأمريكيون يرون أن الكابينديين لا يؤسسون رغبتهم الإستقلالية علي عوامل تاريخية وعرقية فحسب بل أيضاً علي شكهم في أن عوائد البترول سوف تعود عليهم وألا تغلق عليها أقفال خزائن لواندا , وكانت لدي الامريكيين معلومات من جبهة تحرير جيب كابينداFLEC  تشير إلي أنه لو حصل الأنجوليين علي الإستقلال ووصل AUGUSTINHO NETO إلي سدة الرئاسة الأنجولية فسيؤمم شركةGULF OIL CORPORATION , وتأكد ذلك وفقاً لوثيقة صادرة عن اللجنة الدائمة لحزب MPLA مكتب دار السلام في 12 فبراير  1974 أشارت إلي أن حزب MPLA أعلن في فبراير 1974 أنه عندما يتحقق الإستقلال فإن كل الشركات العاملة بالنطاق البحري لأنجولا وبالإقليم البري لها ستُطرد وتُصادر ممتلكاتها وحمل الحزب هذه الشركات مسئولية التعرض لأخطار الحرب بل وقام بالإتصال بالدول والمنظمات الصديقة كي تقوم بتدريب الكوادر الأنجولية في مجال صناعة البترول , كما أنه ووفقاً لوثيقة أخري كانت في حوزة أحدي الجامعات البرتغالية فإن هذا الإعلان لم يكن مُوجهاً فحسب للشركات التي كانت تعمل بالفعل بأنجولا بل أيضاً لتلك التي لديها نية العمل بها مُستقبلاً والتي رخصت لها السلطة الإستعمارية البرتغالية بذلك , وكانت الشركات العاملة وقت إصدار MPLA إعلانها ذاك :

  • شركة Gulf Oil Corp والتي كانت حائزة علي إحتكار إستخراج وإستغلال البترول بساحل كابيندا بواسطة فرعها شركة Cabinda Gulf Oil Corp   .
  • شركة ARGO Petroleum Corp. ومقرها بـ Los Angelos التي حازت في نهاية 1973 كل إمتياز الخليج البري لكابيندا .
  • شركة    Socieeda Portuguesa de Exploracao de Petroles Angolوهي فرع لـ Sacor .
  • شركة ANSA   وتمثل هذه الشركة مصالح جنوب أفريقيا .
  • شركة CFP   Comp. Franc .de Petroles – Total CAP  .
  • شركة PETROANGOL   Comp . de Petrole d,Angola ) .
  • شركة PET ( PETROFINA , Belgique 60% ” gouvernement Angolais ” 33%,Autres 6,2%)
  • شركة Texaco  .

وكانت الشركات التالية هي التي تقدمت بطلبات للحصول علي إمتيازات   :

14 إمتياز لشركة  Ashlandو22 إمتياز لشركةBritish Petroleum Development LTD  و24 إمتياز لشركةCompangnie Francaise des Petroles – Total \ Angol   و35 إمتياز لشركة Diversa  و24 إمتياز لشركةDiversa International de Exploracao de Petroleos \ Angol    و15 إمتياز لشركة Etosha Petroleum Company   و17 إمتياز لشركة Ferjoma Importacao Exploracao Ltd  و17 إمتياز لشركةGibraltar Angola Minerals Co.  و28 إمتياز لشركة Mobile Oil Portuguesa و30 إمتياز لشركة Occidental  و26 إمتياز لشركة Oceanic Exploration Co.   و 9 إمتيازات لشركة Place Gas Oil Co. و13 إمتياز لشركةRimalpi  و18 إمتياز لشركة Societa Planet Angola Oil Corp.  و27 إمتياز لشركةSocieta Portuguesa de Exploracao de Petroles \ Angol   و20 إمتياز لشركة Shell Portuguesa S.A.R.L  و11 إمتياز لشركةStandard Oil Corp. و23 إمتياز لشركة Tenneco Angola Inc. و10 إمتيازات لشركةUltramar Co . Ltd .   و21 إمتياز لشركة Victor Manuel R. Vilhena Rebelo  .

وهذه القائمة من شركات البترول العاملة بكابيندا وتلك التي حصلت علي ترخيص من سلطات الإستعمار البرتغالي توضح إلي أي مدي كانت كابيندا موطناً لإستثمارات غربية كثيفة , وتثبت التطورات اللاحقة فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية مع الحكومة الأنجولية التي تولاها بصفة منفردة حزب MPLA أن الإستثمارات الأمريكية والغربية كانت مُصانة في كابيندا بل وزادت .

لم تكن شركات البترول الأمريكية تمثل الحضور الأمريكي المبكر الوحيد في كابيندا , قبالإضافة إليه هناك وجود آخر لكنه ديني الطابع تمثل في المجلس البريسبتالي بكابيندا  Conseil presbytéral de Cabinda وله إرتباطات وثيقة بأهم الكنائس الأمريكية وهي الكنيسة الـ  Presbytéral, وقد قام هذا المجلس بتوجيه رسالة للرئيس الأنجولي Dos Santos في فبراير 1993 تضمنت إدانته والمجموعة المُوقعة علي الرسالة العنف الذي تمارسة القوات الأنجولية ضد السكان .

بطبيعة الحال فلم يكن غائباً عن الأمريكيين وهم يتابعون الصراع في كابيندا عن كثب إمكانية تعرض إستثماراتهم البترولية في أنجولا وكابيندا لخطر ما * ( صدر بيان عن حزب UNITA الذي تدعمه الولايات المتحدة بعد سيطرته عام 1993علي مدينةSoyo المتاخمة للحدود مع الكونجو كينشاسا تزامناً مع خطف 17 من العاملين الأجانب بالبترول تضمن الإشارة إلي أن قواته ستتجه من Soyo إلي كابيندا وستقوم  بتخريب منشآت البترول هناك وهو ما حذرت الولايات المتحدة من مغبة فعله) علي الأقل لأنهم يعلمون أن حزب MPLA يتبني الفكر الماركسي اللينيني والإقليم مُعرض والحالة هذه لمواجهات بين عناصر المقاومة الكابيندية والقوات المسلحة الأنجولية , ولذلك وفي وقت مبكر إتصل الأمريكيين بحزب MPLA لتسوية هذا الأمر , والشاهد علي ذلك أن مصالح الولايات المتحدة في كابيندا بقيت ثابتة بل وفي ظل ما يمكن وصفه  بحراسة الفيلق الكوبي الذي إجتاح الإقليم في مواجهة تهديدات زائير التي لم تطمح في البترول الكابيندي بقدر ما كانت تريد توسيع إطلالتها الضيقة علي المحيط الأطلنطي ولذلك ووفقاً لبرقية الخارجية الأمريكية المُشار إليها  فقد كان أمام زائير ثلاث خيارات الأول إبتلاع كابيندا والثاني أن تكون حامي لكابيندا المُستقلة  (علي غرار النموذج الجزائري مع البوليزاريو) والثالث حث البرتغال و/ أو أنجولا لمنح كابيندا وضعية خاصة , وكانت الولايات المتحدة وهي تؤسس لسياسة حيال كابيندا في هذا الوقت المبكر تضع في إعتبارها قدر الدعم والتأييد الذي سيحظي به الإنفصاليين الكابينديين وأنه بناء علي ذلك ستحدد الولايات المتحدة مسافتها الفاصلة عن القضية الكابيندية نفسها وبالتبعية المسافة التي بينها وبين طرفيها .

شاب العلاقات الأنجولية / الأمريكية بعض الغموض والإلتباس نتيجة إستمرار الحرب الأهلية الأنجولية 1975 – 2002 فقد تداخلت أدوارأطرافها وهي الأحزاب الرئيسيىة الثلاث المدعومة من القوي الدولية إبان الحرب الباردة 1945 – 1990 ومن ثم فقد كانت هناك إمكانية لأن تهدد الأعمال العسكرية المتبادلة فيما بينها الإستثمارات الأمريكية البترولية في داخل إقليم كابيندا , لكن وبنهاية الحرب الباردة تقدمت العلاقات الأمريكية / الأنجولية للأمام مما دفع وزيرة الخارجية الأمريكية Madeleine Albrightلزيارة كابيندا في إطار زيارتها لأنجولا في ديسمبر 1997, ومن هناك صرحت من أحد مواقع البترول التابعة لشركة Chevron بأن بترول كابيندا يعادل 7% من مجمل واردات الولايات المتحدة من البترول وهو أيضاً يعادل 3 مرات ما تستورده من الكويت في مستهل التسعينات , فإذا ما تصورنا أن الولايات المتحدة دخلت الحرب عام 1990 من أجل بترول الكويت فما هو موقفها في أنجولا – كابيندا ؟ .

بإنتهاء الحرب الأهلية في أنجولا بعد توقيع مذكرة تفاهم  Luena Memorandum في 4 أبريل 2002 بدأت مرحلة جديدة في العلاقات الامريكية / الانجولية لم يكن البترول الأنجولي فقط والذي أفاد George Person مدير أفريقيا والشرق الاوسط بوزارة الطاقة الأمريكية بشأنه اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية بمجلس النواب في جلسة إستماع في 20 أكتوبر 2005بأن إمدادات أنجولا منه للولايات المتحدة ستتضاعف في السنوات الخمس القادمة وأنه يمثل 4% من مجمل الواردات البترولية الأمريكية , لم يكن هو  المكون الوحيد في العلاقات الأمريكية / الأنجولية , فهناك برامج العون الأمريكي لأنجولا من خلال USAID والتي بلغت في الفترة من 2002 حتي نهاية 2005 نحو 400 مليون دولار , يُضاف إلي ذلك الدور العسكري والأمني الذي يمكن أن تلعبه أنجولا – في إطار الإستراتيجية الأمريكية لأفريقيا – بما لديها من قدرة تمويلية ليس في الجنوب الأفريقي فحسب بل في منطقتي الوسط الأفريقي وخليج غينيا * ( إنتهز رئيس جمهورية غينيا الإستوائية Teodor Obiang Nguema فرصة زيارته لأنجولا بمناسبة مرور 30 عام علي إستقلال أنجولا في نوفمبر 2005 , ليطلب من القيادة الأنجولية دعماً عسكرياً لبلاده في مواجهة التهديدات الدائمة داخل بلاده وتحديداً إمكانية حدوث إنقلاب عسكري أو نشوب حرب أهلية , وعلمت وقتذاك من مصدر أنجولي أن هناك إحتمالاً قوياً بقبول أنجولا إرسال قوة في نهاية 2005 أو مستهل 2006 إلي مالابو تحت غطاء مد يد العون للرئيس Obiang للحفاظ علي الأمن في بلاده , وهكذا فعلت أنجولا لاحقاً في حالة زيمبابوي حيث تواترت معلومات في مارس 2007 عن دعمها للرئيس موجابي بقوة شبه عسكرية ونفت لواندا ذلك , كما أن حكومة أنجولا إعترفت علناً بدعم نظام الرئيس جباجبو في ساحل العاج  وأعترف السفير الأنجولي في أبيدجان بذلك في تصريحات صحفية , وكان دور أنجولا في نطاق خليج غينيا مُتطابق مع الهدف الأمريكي  المُتجه إلي حماية مصالحها البترولية مع دول خليج غينيا البترولية الثماني خاصة بعد أن إنضمت أنجولا عام للجنة خليج غينيا التي تضم هذه الدول ثم أصبحت مقراً لهذه اللجنة بموجب قرار أتخذه مؤتمر قمة رؤساء دول لجنة خليج غينيا  في ليبرفيل في 25 أغسطس 2006 .

تابعت السفارة الأمريكية بلواندا عن كثب التحركات الأنجولية مع رئيس منتدي الحوار الكابيندي Bento Bembe ( رئيس منتدي الحوار الكابيندي FCD الذي إنشق عن جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC ووقع في أول أغسطس 2006 مذكرة تفاهم بشأن المصالحة والسلام في كابيندا مع الحكومة الأنجولية لا تخرج عن كونها حكماً ذاتياً ضيقاً للإقليم) بعد خروجه بطريقة ما من هولندا بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن مطالبة السلطات الهولندية بتنفيذ ما تضمنته مذكرة توقيف أمريكية صدرت في شأن تسليمه للولايات المتحدة له بإعتباره مطلوباً لدي السلطات الأمريكية لإقترافه عملاً إرهابياً بحق مواطن أمريكي كان يعمل بكابيندا , ففبل نحو إسبوعين من توقيع أنجولا لمذكرة التفاهم مع Bento Bembe أي في أول أغسطس 2006 , كانت لدي السفارة الأمريكية في لواندا فكرة مُسبقة عن هذه المذكرة فقد أشارت البرقية الصادرة عن السفارة الأمريكية في لواندا والمُؤرخة في 17 يوليو 2006 والمُسربة بواسطة WikiLeaks إلي النص النهائي لإتفاق سلام كابيندا Peace Accord بعد أن وُوفق عليه وُوقع في برازافيل من قبل الموالين للسيد Bembe وممثل الحكومة الأنجولية بإعتباره مذكرة تفاهم بشأن قضية كابيندا وأشارت هذه المذكرة إلي 6 مكونات للقضية أهمها ما يتعلق بالوضعية الإقتصادية والسياسية الخاصة لكابيندا , ونقاط أخري كمنح العفو عن العناصر العسكرية لجبهة تحرير جيب كابيندا  ووقف العداءات ونزع سلاح الجبهة وخفض تواجد القوات الأنجولية في الإقليم ( وهي تزداد بالفعل بدون حاجة لإتفاق مع أي طرف) وإعادة دمج مسلحي الجبهة في مواقع مختلفة بالحكومة الأنجولية , وأوردت السفيرة الأمريكية في برقيتها المُشار إليها ما قاله وزير الإدارة المحلية  Virgilio Fontes Pereira(والذي وقع علي المذكرة لاحقاً) بأنهم وصلوا في جهودهم بصدد الإتفاق إلي نقطة اللاعودة عن السلام , ثم أشارت السفيرة في برقيتها إلي أن التوقيع النهائي علي المذكرة سيجري في محافظة Namibe وسيعلن عن ذلك في وقته وهو ما حدث بالفعل , لكن يُلاحظ أن كل من وزير الإدارة المحلية Helder Vieira Dias ورئيس منتدي الحوار الكابيندي Antonio Bento Bembe وقعا بالفعل علي مذكرة التفاهم في برازافيل في 15 يوليو 2006 في ضيافة رئيس منظمة الإتحاد الأفريقي رئيس الكونجو Denis Sassou Nguesso بمعني أن ما جري في Namibe كان حفلاً للتوقيع تم مُسبقاً قبل التوقيع النهائي الذي حضرته بصحبة السفراء المعتمدين في لواندا في محافظة Namib بجنوب أنجولا في أول أغسطس 2006, لكن السفيرة الأمريكية سجلت ملاحظات مهمة علي ما تقدم فأشارت إلي أنه وبالرغم من أن مسألة الوضعية الإقتصادية والسياسية الخاصة لكابيندا كانت أحد مكونات ست بمذكرة التفاهم , إلا أن التفاصيل المتعلقة بهذه الوضعية ما زالت بعد غير مُحددة , ونقلت عن الوزير Pereira قوله بأن ” أن الوضعية لا تشير إلي نهاية للمحادثات , ” لكنها أداة تؤكد التنمية بالإقليم ” , ونقلت السفيرة عن الصحيفة الحكوميةJornal de Angola إشارتها إلي أن رئيس منتدي الحوار تقدم ببعض الطلبات بشأن مسألة الوضعية الخاصة لكن الحكومة الأنجولية رأتها غير ممكنة دستورياً , وبالطبع ففي تقديري أن ما قاله الوزير Pereira يؤكد أن الوضعية الخاصة ستظل غامضة لأنها غير مُحددة , ومن المثير للتأمل أن Jornal de Angola أشار إلي أن الحكومة ومنتدي الحوار الكابيندي سيوقعان في 17 يوليو 2006 إتفاقاً لوقف إطلاق النار بكابيندا , ووجه الإثارة أن منتدي الحوار الكابيندي لا نشاطاً عسكرياً ملموساً له بكابيندا وناله الضعف بإعتباره ذراعاً سياسياً لجبهة تحرير جيب كابيندا  – القوات المُسلحة لكابيندا FLEC-FAC نتيجة إنقسامه عن هذه الجبهة .

كان الإهتمام الأمريكي والمتابعة الحثيثة من قبل السفارة الأمريكية بلواندا لهذه التطورات واضحاً فقد أشارت شبكة IBINDA التابعة لجبهة FLEC في 20 يونيو 2006 إلي أن منتدي الحوار الكابيندي بقيادة المُنشق Antonio Bento Bembe يحييCynthia Efierd السفيرة الأمريكية بلوندا لإعلانها الموقف العلني الرسمي للولايات المتحدة بالثناء علي الإنخراط في عملية البحث عن السلام  في كابيندا .

أصدرت الخارجية الأمريكية في اليوم التالي لتوقيع مذكرة السلام والمصالحة في كابيندا بياناً تضمن توجيه التحية لتوقيعها واصفاً التوقيع بأنه أمر ذا مغزي في إطار الترويج للسلام والمصالحة في أنجولا وأن الولايات المتحدة تأمل في أن تُحاط علماً بتفاصيل المذكرة , وفي الواقع وطبقاً لما كان لدي من معلومات من مصادر مختلفة من كافة الأطراف الأنجولية والأجنبية فإن السفارة الأمريكية كانت علي علم دقيق ومنتظم بتطورات المحادثات مع Bento Bembe كما أن سفارتها في باريس كانت علي علم بموقف جبهة FLEC ” أو جمهورية كابيندا في المنفي ” في باريس ورأي رئيسها Nzita Henriques Tiago وما يتعلق بالوضعية الخاصة لكابيندا وبتنفيذ بعض مكوناتها , من جهة أخري أشار مدير شئون الجنوب الأفريقي بالخارجية الأمريكيةDan Mozena في جلسة إستماع بالكونجرس في الأسبوع الثالث من أغسطس 2006 إلي أن إتفاق سلام في كابيندا من شأنه أن يعزز السلام في أنجولا والمنطقة , بل إن شركة Chevron أيضاً كانت علي علم مسبق بالإتصالات التمهيدية بين حكومة أنجولا و Antonio Bento Bembe رئيس منتدي الحوار الكابيندي المُنشق , ولذلك لم يكن ما أعلنه مديرها في 26 مارس 2006 من أن شركته رصدت مليار دولار للتنمية في كابيندا أمراً غير مُتوقع أو تم بمعزل عن هذا الإتفاق خاصة وأن تصريح مدير Chevron  يعد من التصريحات النادرة لهذه الشركة فيما يتعلق بقضية كابيندا بل وسياسات الحكومة الأنجولية لأسباب معظمها مفهوم , لكن تزامن تصريح مدير  Chevron مع الإتصالات التمهيدية علي التوقيع علي مذكرة التفاهم والتي كانت تجريها حكومة انجولا مع Antonio Bento Bembe في هولندا بعد أن تسلمته من السلطات الشرطية الهولندية بتعاون أمريكي ثم في برازافيل والتي أدت في النهاية إلي توقيع مذكرة تفاهم المصالحة في كابيندا في الأول من أغسطس 2006 بمدينةNamib  أقصي جنوب أنجولا  يعني أن شركة Chevron معنية بهذه الخطوة السياسية مباشرة , وعلي كل حال فقد كان الموقف الأمريكي واضحاً إلي حد كبير في التصريحات التي أدلت بها سفيرة الولايات المتحدة لدي أنجولا السيدة CYNTHIA EFIRD في شأن القضية الكابيندية ومن أهم تصريحاتها :

* التصريح  الذي أدلت به في مارس2006 الذي أشارت فيه إلي أن الصراع في كابيندا يمكن أن يُحل لو قُطع العون الخارجي ( عن جبهة تحرير جيب كابيندا) وجري التفاوض مع منظمات شرعية .

* التصريح الذي أدلت به في 12 يونيو 2006 أثناء حضورها حفل تنصيب أسقف كابيندا الجديد (الذي ترفضه كنيسة كابيندا وجبهة FLEC) بأن الإدارة الأمريكية منخرطة في البحث عن السلام في كابيندا مُشددة علي ضرورة رفض العنف خاصة من قبل منظمات المجتمع المدني (تقصد منظمة Mpalabanda المدعومة من كنيسة كابيندا) ورفضت السفيرة لدي سؤالها الإتهامات المُوجهة لبلادها ومفادها أن الإهتمام الأمريكي بكابيندا مؤسس علي إنتاجها لنحو 75% من الإنتاج البترولي لأنجولا , ذلك أنها أوضحت أنه ومن أجل إنتاج مستقر من البترول فمن الضروري حيازة السلام والمصالحة والديموقراطية معاً وأردفت قولها ” أنه لا تنمية بدون سلام ” .

من جهة أخري أوصت السفارة الأمريكية بلواندا ببرقيتها المؤرخة في 30 يونيو 2006 والتي سُربت عن طريق WikiLeaks بالتأكيد علي السياسة الأمريكية الثابتة حيال القضية وهي دعم الحل السياسي الذي يحفظ التكامل الإقليمي لأنجولا ويشجع العمليات الديموقراطية ويحترم حقوق الإنسان وأن أي حل يجب أن ينتج عن عملية تفاوضية لا عن العنف .

إذن من الواضح طبقاً لما تقدم أن موقف حكومة الولايات المتحدة من الصراع في كابيندا يتجه إلي تبني وجهة نظر الحكومة الأنجولية ومن ثم فالصراع في كابيندا لا يحتاج والحالة هذه لتدخل أمريكي أو دوليمباشر أو غير مباشر , بل إن الولايات المتحدة التي أصدرت خارجيتها تقريراً عن مركز حقوق الإنسان في أنجولا دافعت سفيرتها هناك عنه في تصريح لها نشرته الصحافة المحلية بلواندا في 21 مارس 2006 أشارت فيه إلي أنها تحدثت مع حاكم كابيندا (حيث معظم إنتهاكات حقوق الإنسان) عن قضايا حقوق الإنسان وأنه أفادها بأنهم في حاجة لتكوين كوادر في مجال التحقيق الجنائي (؟) وأنه وفي هذا الإطار سيتوجه شرطيون أنجوليون لبتسوانا للتأهيل في هذا الشأن (؟) , وأضافت في موضع آخر أن هناك تحسناً في مركز حقوق الإنسان في أنجولا وأشارت إلي إجازة الحكومة الأنجولية لمعاهدتين ضد الفساد كدليل علي ذلك التحسن , ولهذا فالموقف الامريكي في حالة أنجولا / كابيندا يختلف عن الموقف الأمريكي من بعض القضايا الدولية الأخري , أما فيما يتعلق بمذكرة التفاهم التي وقعتها حكومة أنجولا بشأن السلام في كابيندا فإن التحفظ الأمريكي الوحيد في شأنها يتعلق بمدي شمول مضمون هذه المذكرة لأطراف عملية السلام الأنجولية في كابيندا , فالولايات المتحدة تري أنه ولتحقيق سلام مستقر في الإقليم فإن هناك ضرورة لأن تشمل عملية السلام به القوة الفاعلة بالإقليم وهي تحديداً جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC وكنيسة كابيندا ومنظمة Mpalabanda , وإتساقاً مع هذه الرؤية الأمريكية للصراع فلم تدرج الخارجية الأمريكية جبهة تحرير جيب أنجولا – القوات المسلحة لكابيندا  FLEC/FAC حتي 30 سبتمبر 2015علي قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية , ولهذه النقطة دلالة مهمة علي الموقف الأمريكي في عمقه الحقيقي ,  فالموقف الأمريكي من الصراع في كابيندا لا يقتصر علي عملية السلام التي تضطلع بها الحكومة الأنجولية إذ أن المصالح الأمريكية في الإقليم لكثافتها تتطلب من الولايات المتحدة تناول عملية السلام من منظور المصالح العليا للولايات المتحدة بغض النظر عن الإتفاق أو عدم الإتفاق مع المدخل الأنجولي , وسأسوق مثالين عن الموقف الأمريكي من تنمية إقليم كابيندا قد يُستدل من خلالهما علي وجود قدر من الإختلاف بين النظرة الأمريكية والنظرة الأنجولية فيما يتعلق بتنمية بكابيندا :

المثال الأول :

أوردت وكالة أنباء أنجولاANGOP  في 27 مارس 2006 بالإحالة علي Jim Blackwell المدير العام لشركة Chevron الأمريكية للبترول قوله أن الشركة أقرت في برامجها عن هذا العام برنامج للعون للمشروعات الصغيرة الأنجولية بما يزيد عن مليار دولار , بحيث يُوجه هذا المبلغ لإقامة مركز أعمال في كابيندا وبرنامج لتحفيز الصناعات المرتبطة بالبحر , وأوضح آفاق عمل شركته خلال عام 2006 مُضيفاً أن هذا الدعم سيُوجه أيضاً لتوسيع عمليات بنك Novo Banco بمقاطعة كابيندا وأنه سيتم تحديد وتوصيف الفرص الخاصة بإقامة مشروعات مُشتركة مع مشروعات محلية حيث تعد Chevron بمثابة القائم علي تنفيذ أغلب أعمال Novo Banco , كما أن المبلغ الذي رصدته الشركة وهو 1,1 مليار دولار سيخدم في إقامة 3 بني صحية أساسية و7 مدارس ومتابعة تقديم العون في كابيندا ومقاطعتين أخريين بداخل أنجولا هما Zaire وLuana , وبعد نحو 7 أشهر من إعلان Chevron عن رصدها لمبلغ 1,1 مليار دولار لبرنامج تنموي في كابيندا أوردت وكالة أنباء عموم أفريقيا All Africa في 17 أكتوبر 2006 أن الحكومة المحلية لكابيندا والمؤسسة الوطنية الأنجولية للبترول SonAngol وشركة Chevron سيُوقعون الأربعاء 18 أكتوبر 2006 في حضور حاكم كابيندا Anibal Rocha علي بروتوكول تفاهم لتنفيذ برنامج التنمية الإقتصادية لكابيندا يغطي الفترة من 2004 – 2023 , وإتصالاً بذلك فقد أوردت وكالة الأنباء الأنجولية ANGOP في 17 أكتوبر 2006 بياناً صادراً عن الحكومة المحلية بكابيندا إشارت فيه إلي أن البروتوكول المُشار إليه سيدعم مالياً ما يُسمي بالحوافز الإجتماعية للبترول المُجازة من الحكومة الأنجولية لكابيندا , وكان تقديري وفقاً لمتابعتي أن الأمريكيين وتحديداً شركة Chevron لديها بالفعل بنامج تنموي تنفذه في كابيندا لكنه ليس بمبلغ 1,1 بليون دولار وليس مُوجهاً للإقليم الكابيندي وإنما لتنمية تخدم مباشرة نمو أعمال Chevron .

لابد من الإشارة – قبل تناول مبادرة شركة Chevron بشأن تنمية كابيندا – إلي ما سبق وأعلنه حاكم كابيندا يوم 2 يونيو 2004 من أن مجلس الوزراء الأنجولي صادق في نفس هذا اليوم علي تطبيق خطة تنمية إجتماعية وإقتصادية لكابيندا وأن هذه الخطة مداها ست سنوات تبدأ بصفة فورية وأن تحديد تمويلها سيتم بمعرفة وزارة المالية الأنجولية وتوضع تفاصيلها بمعرفة الحكومة ومنظمات المجتمع المدني بكابيندا , ومنذ يونيو 2004 حتي توقيع الحكومة الأنجولية مع فصيل Bento Bembeمذكرة التفاهم من أجل السلام والمصالحة في كابيندا في أول أغسطس 2006 والتي أقرت وضعية خاصة لكابيندا تشبه الوضعية التي تطبقها البرتغال علي جزيرتي des Açores وMadère البرتغاليتين , لم تُتخذ أية إجراءات تنفيذية لهذه الخطة لأنها محض عبارات دعائية من النوع الإستهلاكي من قبل حكومة أنجولا , بدليل أن الحكومة الأنجولية وشركة SonAngol الأنجولية و شركة Chevron الأمريكية وقعوا بروتوكول تفاهم لتنفيذ برنامج للتنمية الإقتصادية لكابيندا في 18 أكتوبر 2006  , ولأن الصراع مازال متقداً بنفس وتيرته السابقة علي مثل هذه الإعلانات الدعائية .

من المُفترض أن المبادرة التي أعلنتها شركة  Chevron لتنمية كابيندا كانت محلاً لأخذ ورد مُسبق بين الحكومة الأنجولية والولايات المتحدة , نظراً لأنها تكشف عن تباين ما في الموقف الامريكي إزاء قضيتين أولاهما إعادة إعمار أنجولا بعد إنتهاء الحرب الأهلية في أبريل 2002 وهو ما رفضته الإدارة الأمريكية والمانحين الدوليين وأكده الرئيس الأنجولي في أحد تصريحاته العلنية للصحافة الأنجولية وثانيهما قضية تنمية كابيندا التي تتركز فيها المصالح البترولية الأمريكية والغربية والتي عرضتChevron إعمارها أو تنميتها , فالولايات المتحدة التي أعرضت عن الإستجابة لدعوة الرئيس الأنجولي لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار أنجولا بعد إنتهاء الحرب الأهلية الأنجولية المُدمرة 1975 حتي أبريل 2002 وتبادر عبر شركة Chevron بالإعلان عن رصد 1,1 مليار دولار لتمويل برنامج تنمية بكابيندا تؤكد من خلال هذين الموقفين المُتباينين دقة حسابات المصالح الأمريكية فكابيندا علاقتها مباشرة بإستراتيجية الطاقة الأمريكية أم أنجولا فهي وإن كانت صاحبة السيادة علي كابيندا إلا أنها في حاجة للدعم السياسي الأمريكي بشأن قضية كابيندا التي تقع في أول سلم الأولويات الإقتصادية الأنجولية ولن يضير حكومة أنجولا رفض الولايات المتحدة لإعادة إعمار أنجولا مقابل الأهم لأنجولا وهو عزل قضية كابيندا عن القدرات الأمريكية لتصعيد الصراع الكابيندي ليصل لبهو الأمم المتحدة كما وصلت قضايا لصراعات أخري كصراع جنوب السودان مع حكومة الخرطوم , ولذلك فالموقف الأمريكي إزاء القضية الكابيندية من هذا الباب يعبر حقيقةً عن إرادة أمريكية غير مُكتملة إزاء هذه القضية  فهذه الإرادة يشوبها بعض الغموض وبشكل مقصود وهو ما سيتضح عند إيراد المثال الثاني .

من بين ما يُظهر بوضوح إزدواجية المنطق من الجانبين الأنجولي والأمريكي معاً في شأن قضية كابيندا أن أنجولا التي كررت حكومتها علي أعلي مستوي بعد توقيع مذكرة تفاهم Luena Memorandum في 4 أبريل 2002 – التي أنهت الحرب الأهلية بها – الدعوة لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار أنجولا علي غرار حالتي أفغانستان والعراق , رفضت الولايات المتحدة والمانحين تلبية دعوتها لعقده , وهو ما عبرت أنجولا عن إستياءها منه , ففي فبراير 2004 أدلي وزير خارجية أنجولا بتصريح لوكالةIRIN عقب عودته من نيويورك أوضح فيه أن المجتمع الدولي ومؤسساته المانحة يمارسان تمييزاً ضد أنجولا التي تطالب بعقد مؤتمر للمانحين لمساعدتها علي مواجهة تبعات الحرب الأهلية الطويلة التي خاضتها وأن أنجولا كانت تأمل في أن تحظي بذات المعاملة التي تلقتها دول أخري مرت بظروف مشابهة , وكرر أمين عام وزارة الخارجية نفس المعني أثناء حضوري حفل إفتتاح المبني الجديد للسفارة الأمريكية في لواندا في 14 أكتوبر 2005 عندما قال ضمن كلمته ” إن هناك ضرورة لعقد مؤتمر المانحين لإعادة إعمار أنجولا ” وذلك بالرغم من أن الرئيس الأنجولي أعلن في 30 سبتمبر 2005ضمن كلمته أمام اللجنة المركزية لحزب MPLA الحاكم الذي يرأسه ” أن ممثلي اللجنة التنفيذية للإتحاد الأوروبي أخبرونا أنه لم يعد من الضروري عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار أنجولا , لأن أنجولا لديها موارد معدنية , لذا أيها السادة علينا أن نخطو خطواتنا , وهذا هو السبب الذي يدعونا لتوثيق تعاوننا الثنائي والإستثمارات الخاصة لإعادة تأهيل بنانا الأساسية ” , ومع ذلك فقد بادرت Chevron بالإعلان عن برنامج لتنمية كابيندا وتفاعلت معها الحكومة الأنجولية متناسية الموقف الأمريكي والأوروبي السلبي من دعوتها لمؤتمر دولي لإعادة إعمار أنجولا , وكان هذا الموقف تحديداً من هؤلاء بمثابة الإشارة السلبية الرئيسية لإنتقال النفوذ الإقتصادي الصيني في أنجولا لمرحلة مثيرة لقلق الولايات المتحدة وحلفاؤها , ففي حديث هاتفي أجرته في 15 مايو 2007 وكالة الأنباء البرتغالية مع  Frank G . Wisner المبعوث الأمريكي لكوسوفو ونائب مدير المجموعة الأمريكية الدولية وأحد رؤساء لجنة مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي , أوضح ما يلي بشأن التحرك الصيني في أفريقيا وأنجولا : أن الولايات المتحدة كما ورد في تقرير أمريكي عنوانه ” أولويات العلاقات الأنجولية الأمريكية ” أشار إلي أن المنافسة الصينية لابد لها أن تكون في بيئة من الشفافية ووفقاً لقواعد اللعبة , وأن الولايات المتحدة ليست بقلقة من الوجود أو المنافسة الصينية في أنجولا لكنها ودت لو أن معاملات أنجولا والصين إتسمت   بالشفافية وأن مجموعة العمل التي كُلفت بوضع التقرير المُشار إليه أهابت بالحكومة الأمريكية بالإضطلاع بمسئولياتها بإجراء حديث مع جمهورية الصين الشعبية في هذا الشأن , لأن الولايات المتحدة والصين لهما مصالح في أفريقيا وأنجولا ولابد من البحث عن سبيل لموائمة هذه المصالح والتعاون وتبادل الخبرات)  .

إن توافق الرأي بين أنجولا والولايات المتحدة في شأن تنمية كابيندا كسبيل لمواجهة قوي التمرد الكابيندي مُمثلة في جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC كان في نفس الوقت تطويراً وترجمة حقيقية لمستوي غير مسبوق لمجمل العلاقات الثنائية الأنجولية الأمريكية , فبقدر ما كانت الولايات المتحدة غير مُتحمسة لعقد المؤتمر الدولي لإعادة إعمار أنجولا , بقدر ما كانت واعية بحجم مصالحها البترولية في كابيندا والتي كانت ومازالت في نفس الوقت مصلحة مُشتركة مع أنجولا , ولذلك نجد سفيرة الولايات المتحدة لدي أنجولا تصرح لصحيفة Jornal de Angola الحكومية في مقابلة معها نُشرت في 15 يناير 2006 تشير إلي ” أن بلادها ستتعاون مع أنجولا خلال 2006 في حل المشاكل الأفريقية وتمتين السلام في أنجولا ووسط أفريقيا وأن التعاون الأمريكي الأنجولي يسير في إتجاهين مختلفين إزاء ما يتعلق بالعملية الديموقراطية في أفريقيا وأنجولا , وأن الولايات المتحدة تأمل في نجاح المفاوضات بين أنجولا وصندوق النقد الدولي عام 2006(عُلقت هذه المفاوضات بقرارأنجولي فيما بعد لتشدد الصندوق) وأن الأكثر أهمية من عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار أنجولا عقد مؤتمر للمستثمرين الأنجوليين والأجانب ” , ومما يشير إلي عدم الإقتناع الأمريكي بمبررات أنجولا لعقد هذا المؤتمر ما صرحت به السفيرة الأمريكية لدي أنجولا لإذاعة صوت أمريكا في يناير 2006 عندما أشارت إلي إستعداد الولايات المتحدة لتقديم عون مالي للتحضير للعملية الإنتخابية في أنجولا فيما لو طلبت السلطات الأنجولية ذلك وأوضحت أن هذا الدعم سيُوضع في متناول الأمم المتحدة أو أي منظمة دولية أخري لمواجهة متطلبات العملية الإنتخابية الأنجولية (المُختلف آنئذعلي تاريخ عقدها) , وبطبيعة الحال كان تقديري وقتذاك أن تصريح السفيرة الأمريكية ما هو إلا لإرواء ظمأ أحزاب المعارضة الأنجولية خاصة حزبي UNITA  وFNLA  لتداول حقيقي للسلطة في أنجولا التي يحتكرها حزب MPLA منذ 1975 للآن ولو بدفع أمريكي , كما أن هذا التصريح يخدم في الترويج لإدعاء أمريكي متكرر ومطلي بألوان جذابة عن أن واشنطن مع إنتقال وتداول حقيقي للسلطة في أنجولا بل وأي بلد أفريقي آخر , والدليل علي القدر الكبير من الزيف في الإدعاء الأمريكي أن الولايات المتحدة نفسها رفضت طلباً متزامناً أسر به رئيس جمهورية بنين للسفير الأمريكي في كوتونو برغبته في دعم مالي من الولايات المتحدة لتنظيم إنتخابات الرئاسة البينينية , وبررت الولايات المتحدة رفضها لذلك الطلب البينيني بإعتبارها إياه شأناً داخلياً , علي حين بادرت هي أي الولايات المتحدة بعرض دعمها المالي للعملية الإنتخابية الأنجولية في هذه الآونة , وفي الواقع فإنه ولكي نتجنب تفاصيل سلسلة طويلة من التناقضات الأمريكية فيما يتعلق بالموقف الأمريكي الحقيقي والإنتقائي فيما يتعلق بالديموقراطية كمبدأ , علينا أن نطمئن لحقيقة أمريكية تعتبر مؤشراً لإتجاه الإدارات الأمريكية المُتعاقبة في هذا الشأن وهي أنه بإستنزال المصالح الأمريكية علي أرض الواقع فإنه سيكون من اليسير وصف الموقف الأمريكي من الإنتخابات الأنجولية والبنينية وغيرهما بالمصلحية والبراجماتية فالبترول الأنجولي له صلة بتركيبة الموقف الأمريكي في الحالتين , ووثائق الأمن القومي الأمريكي لا تخفي ذلك بالمرة فهي تُعلي من قيمة المصالح الإستراتيجية الأمريكية وأن دونها كل شيئ .

المثال الثاني :

تحاول أنجولا دائماً التغلب علي العزلة الجغرافية لإقليم كابيندا عنها خاصة وأن لهذه العزلة تكاليف باهظة علي الخزانة العامة لأنجولا وعلي مستوي إحكام الأداء العسكري للقوات المسلحة الأنجولية وأخيراً علي القدرة علي ربط هذا الإقليم عضوياً بكل أنشطة وخطط الدولة الأنجولية مما سيؤدي – حال التغلب عليها – إلي خفض مخاطر إستمرار التوتر في الإقليم وربما علي المدي البعيد تخلي جبهة تحرير جيب كابيندا عن خيارات تقرير المصير أو الإستقلال أو الحكم الذاتي الموسع والرضي بالوضعية الخاصة للإقليم والتي تعتبر مفهوماً غائماً غير مُحدد بمعيار منضبط خاصة لأن الإقليم بالفعل وضمناً له وضعية خاصة لكن ليس لسكانه بل لشركات البترول وللقوات المسلحة الأنجولية , وعلي وجه العموم فقد بذلت حكومة أنجولا محاولات عدة منها مثلاً ما أعلنهAndre Luis Brandao وزير النقل الأنجولي في جابرون (بتسوانا) في 16 أغسطس 2005 عن مشروع إقامة خط سكك حيدية بطول 480 كم يربط لواندا بمقاطعة كابيندا , وأوضح الوزير الأنجولي أن إجتماع SADC (تجمع تنمية الجنوب الأفريقي) أقر في إجتماعه الحالي في جابرون (والذي كان الوزير يشارك فيه) هذا المشروع الذي طرحته الحكومة الأنجولية في نهاية عام 2004 بوصفه مشروعاً إقليمياً , مُوضحاً أن تكلفته تبلغ 4,1 مليار دولار وأنه سيُقام بالتكامل مع شبكة السكك الحديدية الأنجولية  (بأنجولا ثلاث خطوط سكك حديدية أهمهم خط سكك حديد بنجيلا وطوله 1,333 كم ويربط ميناء Lobito الأنجولي علي المحيط الأطلسي حتي بلدة Lulu بمقاطعة Moxico المُتاخمة للحدود الشرقية لأنجولا) وسيمتد حتي حدود كل من زامبيا والكونجو الديموقراطية ونامبيا , وبالطبع كان تقديري آنئذ أن إقرار دول SADC وعلي رأسها جنوب أفريقيا للمشروع يعني إقرار من كل هذه الدول بمبدأ وحدة الأراضي الأنجولية كما أن المشروع يتسق مع المبدأ الذي تعتنقه الحكومة الأنجولية وهو مبدأ الوطن الواحد ( أنجولا وكابيندا) وهو نفس المبدأ الذي تتبناه الصين الشعبية مع تايوان , وقد يمكن إستنباط مآل هذا المشروع مما سيلي بيانه  .

إتصالاً بذلك وفي محاولة موازية أو ربما بديلة لإستراتيجية أنجولا الهادفة إلي ربط إقليم كابيندا بأنجولا , إجتمع وزير الأشغال العامة الأنجولي ورجل النظام القوي Higino Carneiro في مايو 2007 بوزير تخطيط الكونجو الديموقراطية بمدينة Soyoالأنجولية بحضور حاكم مقاطعة Zaire الأنجولية وناقشوا معاً نية الحكومة الأنجولية إقامة جسر يربط مقاطعة كابيندا الأنجولية الواقعة بين الكونجوليتين بمدينة Soyo , وتكهنت بعض الأوساط الدبلوماسية في لواندا بأن الصين الشعبية وراء فكرة هذا المشروع الذي من المُرجح والحالة هذه أن تنفذه أحدي المؤسسات الصينية المُتخصصة خاصة علي ضوء نهوض مؤسسات البناء الصينية الضخمة بمشروعات بناء وتشييد متعددة بأنجولا منذ نهاية الحرب الأهلية بأنجولا 1975- 2002 .

أوردت وكالة أنباء أنجولا ANGOP من مدينة كابيندا في 23 يونيو 2007 تصريحاً بهذا المعني أدلي به Joanes Andre مدير البنية الأساسية بوزارة الأشغال العامة الأنجولية بمقره بمدينة Soyo بمقاطعة Zaire الأنجولية والذي يشغل في نفس الوقت منصب رئيس الفريق الفني الموكول إليه مشروع الربط الإستراتيجي لوصل مقاطعة كابيندا الأنجولية بأنجولا عبر الكونجو الديموقراطية , وقد عُقد الإجتماع الفني الأول للجانبين الأنجولي والكونجولي في مدينة  Soyo في 23 يونيو 2007ومثل الكونجو الديموقراطية فيه Kimbemba Mazungo مستشار الرئيس الكونجولي كابيلا , فيما مثل أنجولا Joanes Andre , وتركزت أعمال الإجتماع علي مناقشة فنية للمشروع الذي أخذ مُسمي Cabinda Link والذي يتلخص في تنفيذ الربط البري بين مدينة Soyo الأنجولا القريبة من الحدود الكونجولية وبين كابيندا الواقعة بين الكونجوليتين بواسطة جسر يعبر نهر الكونجو وصولاً لكابيندا , وأشار مدير البنية الأساسية الأنجولي أن المشروع تبلغ تكلفته تحت العجز والزيادة 2 مليار دولار و229 مليون و18 ألف دولار أمريكي , مُوضحاً أن الموافقة علي هذا المشروع مُتبادلة حيث إختار الجانبين البديل B للمشروع بإعتبار أنه يوفر أفضل التسهيلات وأسرع في التنفيذ كما أنه يحقق ربطاً بكابيندا مروراً ببلدة Muanda بالكونجو من نقطة إنطلاقة بمدية Soyo الأنجولية من خلال المحور النهري Banana- Soyo , كما أن البديل  B يعد الأكثر أهمية وتميزاً لأنجولا بالإضافة إلي عنصر التكلفة الأقل نسبياً , وأضاف أن الجانب الأنجولي إقترح أن يأخذ علي عاتقه علي هامش إنشاء المشروع  أعمال تحسين الطريق الذي يربط ميناء Boma الكونجولي مُنوهاً بأن ما يزيد عن 85 كم من الطريق ما بين Muanda – Boma سيجري إعادة تأهيله في إطار ذلك المشروع وأن الوثيقة النهائية للمشروع وُقعت منذ يومان وسيتم عرضها علي المستوي الأعلي لإقرارها , أما بخصوص البدائل الثلاث الأخريA  وD و C فخلاصة ما تتضمنته أن البديل A يتضمن إمتداداً بطول 71 كم منهم 38 كم بالكونجو الديموقراطية ويبلغ طول الجسر 17 كم , أما البديل  D فالإمتداد فيه يبلغ حوالي 240 كم منهم 115 كم في الكونجو الديموقراطية أما البديل C فإمتداده يقع في 260 كم منهم 119 كم في الأراضي الكونجولية ,  وأشار أخيراً إلي أن المشروع سيُناط تنفيذه إلي المؤسسة الصينية للطرق والكباري لتنفذه في مدي 4 سنوات .

عقدت الحكومة الأنجولية مؤتمراً فنياً دوليا في يونيو 2007 بشأن مشروع الربط ما بين كابيندا وأنجولا مروراً بالكونجو الديموقراطية Soyo-Congo-Cabinda Transportation Link , ونتيجة لذلك تقدمت عدة شركات لتنفيذ الربط منها دار الهندسة (مملوكة لأردني ولها فرع قوي في لواندا) , كذلك فقد نشرت وكالة الأنباء الأنجولية Agencia Angola Press  في 24 مايو 2007 أن  بنك Export-Import Bank الصيني يقدم قرضاً مقابل البترول الأنجولي بمبلغ 3 بليون و579 مليون دولار عام 2007 لأنجولا لتمويل عدة مشروعات للبنية الأساسية بأنجولا لكن لم يُعرف علي وجه الدقة إن كانت هذه الأموال سيُرصد جزء منها لمشروع ربط كابيندا بأنجولا أو Soyo Highway Project أو أنها مرتبطة بقرض آخر بمبلغ 2 مليار دولار قدمته الصين أيضاً ,(يبدأ الربط من مدينة  Soyoبمحافظة Zaire الأنجولية عبوراً لجمهورية الكونجو الديموقراطية وصولاً لمقاطعة كابيندا) وأشار إلي المشروع سيبدأ العمل فيه  في 25 سبتمبر 2008, وفي عام 2010 توجهت الحكومة الأنجولية لليابان طلباً لتمويل إضافي للمشروع وبالتحديد لتمويل الجسر الذي سيعبر فوق نهر الكونجو .

متابعة لهذا التطور المُؤثر في إستراتيجية أنجولا إزاء كابيندا إلتقيت بسفير الكونجو الديموقراطية في لواندا في 14 أغسطس 2007 وتناولت هذا الموضوع في سياق حديث عن موضوعات مختلفة فأشار إلي أن هناك جدية من الجانبين بشأن هذا المشروع الإستراتيجي وأنه كان علي قائمة عدة موضوعات في مباحثات الرئيسين الأنجولي والكونجولي بمناسبة زيارة الأخير للواندا في 30 يوليو 2007 * ( أعقبها زيارة لرئيس هيئة أركان جيش الكونجو الديموقراطية علي رأس وفد من 7 من كبار العسكريين للواندا في 23 أغسطس 2007 إستمرت لأسبوع وبحث الجانبانت فيها الموقف الأمني علي الحدود المشتركة وتأمين النظام الكونجولي) , لكن السفير الكونجولي كشف لي عن أن شركتي Chevron الأمريكية وTotal  الفرنسية عارضتا هذا المشروع بدعوي تعارضه مع مشروع مد خطوط أنابيب بترول عبر نهر الكونجو الفاصل بين أنجولا والكونجو الديموقراطية , وأن هذه الذريعة التي طرحتها الشركتان قُوبلت بالرفض من جانب الرئاستين الأنجولية والكونجولية وأقترحت الرئاستان مد خطوط البترول علي جانب الجسر الذي ستنفذه شركة صينية بتكلفة تُقدر بثلاثة بلايين دولار أمريكي .

كان تقديري بالنسبة لهذا المشروع عندما كان مجرد نية لدي الحكومة الأنجولية أنه سيكون لزاماً عليها تجاوز عقبات مُحتملة أهمها موقف شركات البترول الكبري العاملة في كابيندا خاصة شركة Chevron , كما كان تقديري أن حكومة كينشاسا ستوافق علي المشروع نظراً لإعتماد نظام كابيلا علي الحماية العسكرية والأمنية الأنجولية , بالرغم من أنه ووفقاً لماضي التنافسية السياسية بين كينشاسا ولواندا لم يكن من بين أهداف كينشاسا في سياستها الإقليمية إبان عهد  Mobutu تقوية لواندا بمدها بأسباب القوة في كابيندا التي تعتبر نقطة ضعف في الأمن القومي الأنجولي لأن الجسر سيتيح فرصة لأيدي العسكرية الأنجولية للوصول السهل المنتظم لداخل الإقليم بالتغلب علي العقبة اللوجيستيكية الكبري وهي عزلة الإقليم الكابيندي عن جغرافية أنجولا , ومن ثم فسيعني ذلك تمدد القوة الأنجولية إلي داخل الكونجو الديموقراطية نفسها فكابيندا جيب يقع داخل أراضي الكونجوليتين .

لكن بينما كان مشروع الربط يسير قدماً حدث تطور ذا علاقة بهذا الموضوع مؤخراً إذ نشرت وكالة الأنباء الأنجولية في 4 مارس 2016 أن ما لا يقل عن 54 من سائقي الشاحنات الأنجوليين الذين ينقلون علي متنها بضائع متنوعة لمقاطعة كابيندا عبوراً من أراضي الكونجو الديموقراطية تقطعت بهم السبل في الأيام العشر الماضية بنقطة حدود Nóqui الواقعة بمحافظة Zaire بشمال أنجولا والمتاخمة لمحلية ميناء Matadi بالكونجو كينشاسا , نظراً لرفع السلطات الكونجولية رسوم الوارد علي هذه البضاعة over-invoice حيث تطالب السلطات السائقين دفع مبلغ يتراوح ما بين 8000 دولار إلي 12,000 دولار حتي يُصرح لهم بالعبور إلي كابيندا, وأفاد João Bartolomeu قنصل أنجولا بالكونجو أنه إتصل بالسلطات الكونجولية في João Bartolomeu لعرض المسألة وأنه ينتظر الرد ويعتبر هذا المنفذ البري الكونجولي هو السبيل الوحيد لنقل إحتياجات كابيندا التي لا ميناء عميق بها .

إذن فالموقف الأمريكي من تسوية قضية كابيندا بالرغم من أنه بوجه عام موات لإستراتيجية الحكومة الأنجولية إلا أنه يعبر عن إرادة أمريكية غير مُكتملة عمداً لإبقاءه عند مستوي ما من التسخين , فالولايات المتحدة أميل إلي تسكين الصراع بكابيندا مع تحييد وليس إلغاء خطر جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC والتي لها إتصالات محدودة مع الجهات المعنية بالإدرة الأمريكية , لذلك فالصراع الكابيندي / الأنجولي مازال من وجهة النظر الأمريكية مفتوحاً حتي وإن إعتبرنا أن الولايات المتحدة تتفق مع وجهة النظر الأنجولية في تسويته علي غرار النموذج البرتغالي في إدارة جزيرتي des Açores وMadère البرتغاليتين علي أساس من تمتعهما بوضعية خاصة , فالسفيرة الأمريكية بلواندا صرحت – كما سبقت الإشارة – علناً تعليقاً علي توقيع الحكومة الأنجولية وفصيل Bento Bembe المُنشق عن جبهة تحرير جيب كابيندا بأنه من الملائم شمول الإتفاق لجبهة FLEC وهو منطق معقول في كل الأحوال لكن الإدارة الأمريكية تعلم أن الحد الأدني للمطالب الكابيندية التي تجمع عليها القوي الثلاث الفاعلة في الإقليم وهي جبهة FLEC وكنيسة كابيندا ومنظمة Mpalabanda تتراوح ما بين الحكم الذاتي المُوسع وهو خيار شبه مُستبعد حالياً أو ممارسة تقرير المصير أو الإستقلال وهو ما ترفضه منذ ما قبل نوفمبر 1975 القوي السياسية الرئيسية في أنجولا علي رأسها حزب MPLA الحاكم , ويكفي تأمل موقف شركتي Chevron الأمريكية و Total الفرنسية من مشروع الجسر الرابط لكابيندا بأنجولا لإستنباط الرؤية الأمريكية والفرنسية الحقيقية للصراع في كابيندا , ومعلوم القوة المُؤثرة دائماً والمُوجهة أحياناً لجماعتيLobby  الضغط البترولية في الولايات المتحدة وفرنسا إلي الحد الذي يمكنهما من المشاركة في رسم أغلب السياسات الإستراتيجية بل والمشاركة في صنع بعض القرارات الكبري (ويعبر عن ذلك كما لم يُعبر من قبل حالتي الغزو الأمريكي للعراق والغزو الأمريكي / الفرنسي – بشكل رئيسي –  لليبيا)

مقارنة مُوجزة للموقف الأمريكي من الصراعين في جنوب السودان وكابيندا

بالرغم من أنه قد يكون هناك قدر محدود من عدم التطابق بين الصراع في جنوب السودان في شرق أفريقيا والصراع في كابيندا بالجنوب الأفريقي , إلا أن الصراعين بينهما مساحة مُشتركة كبيرة نسبياً , ففي كابيندا كما في جنوب السودان كان الهدف المعلن من جبهتي التحرير أو المقاومة أو التمرد هو الإنفصال كما إتسم الصراع في الحالتين بالطابع المسلح في معظم فتراته والسياسي بوتيرة متقطعة , لكن يُلاحظ أنه بينما تدخلت قوي دولية مختلفة في صراع جنوب السودان علناً سياسياً وعسكرياً لم تقترب أي منها لتناول الصراع في كابيندا سياسياً أو عسكرياً إلا بقدر محدود من قبل فرنسا التي تتواجد علي أراضيها حكومة كابيندا في المنفي ومن البرتغال وبلجيكا وبكلاهما تمثيل مقيم لجبهة تحرير جيب كابيندا , وربما كانت هذه الجبهة تتلقي دعماً عسكريا غير مباشر وعن طريق ملتو من أي من هذه الدول وبشكل يدعو إلي الإعتقاد بأن الملف الكابيندي ملف إستخباري بإمتياز بهذه الدول الداعمة , ومع هذا فهناك مبرر لتأمل المشترك والمختلف بين صراعي كابيندا وجنوب السودان  وموقف الولايات المتحدة إزاءهما .

الصراع في جنوب السودان :

منشأ الصراع في جنوب السودان يعود إلي إستغلال بريطانيا لنفوذها علي مصر بعد إحتلالها عام 1882 , عندما شاركت مصر في السيادة علي السودان بموجب الوفاق بين حكومة جلالة ملكة الإنكليز وحكومة الجناب العالي خديو مصر بشأن إدارة السودان في المستقبل والذي وقعه رئيس مجلس النظار المصري بطرس غالي عن مصر واللورد كرومر المندوب السامي لبريطانيا في مصر في 19يناير 1899, وقد أتاح هذا الوفاق لبريطانيا مشاركة مصر في حكم السودان حكماً ثنائياً وظلت إرادة مصر في السودان تضعف إلي أن أصدرت الحكومة البريطانية قرار المناطق المُقفلة Closed Districts عام 1922 والذي أغلق جنوب السودان أمام الشماليين والمصريين إلا إذا كان لديهم إذناً بذلك من سلطات الحاكم العام الإنجليزي للسودان وقد إنتهت قانونية هذا الأمر في 16 ديسمبر 1946 حين إتخذت بريطانيا قراراً بضم جنوب السودان إلي شماله , وبعد إستسلام مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 لمعظم وجهات نظر الجانب البريطاني بشأن وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري التي تمسك بها الحكم الملكي المصري وأصدر بشأنها قانوناً عام 1951 يقضي بتسمية ملك مصر ” ملكاً لمصر والسودان ” وأعترفت عدد من الدول بهذه التسمية بالفعل إلي أن أطاح إنقلاب بعض ضباط الجيش المصري في 23 يوليو 1952 علي الحكم الملكي القائم ووقعوا مع بريطانيا في 12فبراير 1953 بالقاهرة علي إتفاق الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان الذي بعد تفاعلات سلبية وضيق حيز الرؤية لحكومة 23 يولية جري إستفتاء تقرير المصير للسودان الذي أختار – بفعل الدور البريطاني المُتآمر وتولي بعض الهواة حكم مصر – الإنفصال عن مصر فأُعلن إستقلال السودان في الأول من يناير  1956لكن قبل تحقق إستقلال السودان حاول البريطانيين إبعاد الجنوب عن عملية تقرير المصير التي كان هناك ثمة إحتمال مُرجح بأن يختار السودانيين الوحدة عن مصر , ففي مؤتمر جوبا في 11 يونيو 1947 وافق زعماء الجنوب علي مبدأ الوحدة مع شمال السودان وهو ما تأكد عندما إشترك مندوبين جنوبيين وعددهم 13 مندوب في المجلس التشريعي لجنوب السودان وفقاً لإتفاق الحكم الذاتي لعام 1953 , ولذلك حدث التمرد الجنوبي بحامية عسكرية بجنوب السودان قوامها عناصر جنوبية علي الحكومة المركزية في الخرطوم عام 1955 وأندلعت بعد ذلك شرارة الحرب الأهلية في السودان والتي تأسست علي ذرائع دينية ولغوية وثقافية وعرقية وإقتصادية وسياسية , وأستمرت هذه الحرب الأهلية منذ ذلك التاريخ وتخللتها محاولة لم تمتد طويلاً لإستعادة السلام بإتفاقية أديس أبابا عام 1972 لكنها سرعان ما ذابت فاعليتها مع أحداث سلبية منها إصدار الرئيس النميري مرسوماً بتقسيم الجنوب إلي ثلاث ولايات بالإضافة إلي سريان   إشاعة في الجنوب مؤداها أن المصريين يشقون قناة جونجلي لإستعمار الجنوب , هذا بالإضافة إلي تدخلات ومؤامرات حاكتها أجهزة المخابرات الغربية لتصعيد وتيرة الحرب الأهلية بين جنوب السودان وشماله والتي إنتهت إلي توقيع حكومة السودان لإتفاقية السلام الشامل مع جون جارانج زعيم جبهة تحرير السودان في كينيا عام 2005 وتضمنت مادة تتعلق بممارسة الجنوبيين لحق تقرير المصير وهو ما تم بالفعل في 9 يناير 2011 وأختار سكان الجنوب الإنفصال وبعد ستة أشهر – وفقاً لنص بالإتفاقية – أُعلن عن إستقلال الجنوب في 9 يوليو 2011 , وأنتهي صراع الجنوب بهذه النهاية .

كانت الضغوط خاصة الأمريكية علي الخرطوم هائلة ومتصاعدة لحمل مجلس قيادة ثورة الإنقاذ المُتبني للإتجاه الإسلامي والذي أطاح بحكومة منتحبة في 30 يونيو 1989 علي فصل الجنوب ولذلك عينت الإدارة الأمريكية السيدة ميلسا ويلز – إبان عهد الرئيس كلينتون – مبعوثا خاصاً للسودان وتبعها آخرين , ثم أصدرت الحكومة الأمريكية فيما بعد قانون السلام في السودان وهو لا يختلف في جوهره عن قانون تحرير العراق بالتوازي مع فرض مقاطعة إقتصادية ومالية علي السودان شاركت فيها للأسف دول عربية وتتابع الضغط الأمريكي وإستعانت الولايات المتحدة بضغوط مارستها أيضاً دول الجوار تبلورت في الدور الذي قامت به منظمة السلطة عبر الحكومية للتنمية IGAD كواجهة غير مباشرة للدور الأمريكي إنتهت بتوقيع الحكومة السودانية علي إتفاقية السلام الشامل عام 2005  .

علي الجانب الآخر فإن الصراع في كابيندا كان مختلفاً بعض الشيئ عن الصراع في جنوب السودان فكابيندا إنتمي سكانها إلي قبيلة واحدة لها إمتداد في محافظتين أنجوليتين كما أنها لم تُؤسس صراعها مع أنجولا علي أساس ديني فالسكان بهما كاثوليك , فيما بجنوب السودان وشماله قبائل مختلفة يزيد عددها عن المائة في بعض التقديرات كما أن الحركة الشعبية لتحرير السودان بررت صراعها مع شمال السودان بالتمييز والتمايز العرقي والديني أي علي أساس كون الجنوبيين قبائل أفريقية ومسيحيون ( رغم أنه وفقاً لآخر تعداد قبل إستقلال السودان كانت نسبة مسلمي جنوب السودان 18% والمسيحيين 17% ) وهو مبرر سقط ببداية الحرب الأهلية بين الجنوبيين أنفسهم لأسباب قبلية (بوبصفة خاصة بين قبائل الدنكا والنوير والشلك) وسياسية في 15 ديسمبر 2013 بعد إستقلال جنوب السودان عن السودان بعامين تقريباً  , أما بشأن بداية الصراع في كابيندا فهو قد بدأ قبل إستقلال أنجولا أي قبل 11 نوفمبر 1975 بمقاومة المُستعمر البرتغالي , أما الجنوبيين فلم يقاوموا المستعمر البريطاني لأسباب مختلفة لكنهم شقوا عصا الطاعة علي الحكومة المركزية بالخرطوم عام 1955عندما كان السودان قيد الحكم الثاني الأنجلو مصري منذ 1899 وحتي توقيع إتفاقية الحكم الذاتي المُوقعة بين بريطانيا ومصر في 12 فبراير 1953 التي نصت علي منح السودانيين حق تقرير المصير في نهاية 1955 وهو ما أدي إلي إختيارهم الإنفصال عن مصر وإعلان دولة السودان في أول يناير 1956 وكانت هناك عوامل – كما أشرت – أدت لهذه النتيجة أهمها المؤامرات البريطانية وموقف حزب الأمة وأخطاء مجلس قيادة ” الثورة المصرية ” الذي في سبيل رغبته في تحقيق الجلاء البريطاني عن قاعدة بريطانيا بقناة السويس ضحي بأمنه المائي وإمتداده ونفاذه إلي قلب أفريقيا من خلال السودان , أما كابيندا فكانت حتي عام 1956محمية برتغالية بموجب معاهدة Simulambuco الموقعة بين التاج البرتغالي وأمراء كابيندا ولا علاقة لها بأنجولا إلا أنها ألحقت بأنجولا علي مرحلتين الأولي عندما صدر قرار إداري / عسكري برتغالي بإلحاقها بالقيادة البرتغالية في لواندا والثانية عندما وقعت البرتغال إتفاقية Alvor مع أحزاب أنجولا الثلاثMPLA و UNITA و FNLA في يناير 1975 والتي تجاوزت عن وألغت وضع المحمية لكابيندا بإلحاقها وفقاً لهذه الإتفاقية بأنجولا , فيما كان جنوب السودان إمتداداً طبيعياً للإقليم السوداني ولم يرتبط مع المستعمر البريطاني بأي معاهدة , بل بالعكس كان وفاق 19يناير المُنشئ للحكم الثنائي 1899 بداية للسودان المُوحد , أما الكابينديين فقد أسسوا مطلبهم بالإنفصال علي عوامل عرقية وثقافية وقانونية سبقت الإشارة إليها , لكن هناك عامل لم يكن متوفراً في حالة صراع الجنوب السوداني وهو العامل الجغرافي فكابيندا إقليم واقع خارج الوطن الأنجولي أي خارج نطاق السيطرة المباشرة للمؤسستين العسكرية والأمنية الأنجولية  فيما الجنوب إمتداد بري طبيعي للشمال  .

الإختلاف الحاسم بين الصراعين كان في الدور الأمريكي فعلي حين نجد أن هذا الدور يتميز بالسكون  Estático في حالة كابيندا نجد فعالا نشطاً Dinâmico ضاغطاً في حالة الصراع في جنوب السودان فقد إستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية وسائلها الإقتصادية والسياسية والدبلوماسية بل والتشريعية في شكل مزيج كان فعالاً مما أتاح لها ممارسة أقصي ضغوطها لإخضاع السودان للإستجابة لمطالبة الجنوبيين لها بالإنفصال , وفي هذا السبيل إستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية الأمم المتحدة ووكالاتها ضد الحكومة السودانية بشكل أضعف من مكانتها الإقليمية والدولية كتعيين مقرر خاص لحقوق الانسان بالسودان وإصدار الكونجرس قانون السلام في السودان والدعوة لفرض حظر جوي بجنوب السودان وإدراج السودان وليس الحركة الشعبية لتحرير السودان علي لائحة الدول الداعمة للإرهاب بالإضافة إلي دعمها العسكري لدول الجوار لدعم التمرد الجنوبي ومن ثم إضعاف فاعلية الجيش السوداني وهو ما تعاونت فيه دول الجوار السوداني خاصة أوغندا وكينيا اللتين قامتا بدور فعال بدعم التمرد الجنوبي مُحققة هدفاً مزدوجاً وهو الإستفادة من الكرم المالي والعسكري الأمريكي والتماهي مع الرغبة الإستراتيجية الأمريكية في إضعاف مصر بإضعاف السودان وهناك أيضاً الحظر الإقتصادي والمالي الأمريكي علي السودان وتعيين الإدارات الأمريكية المُتعاقبة منذ عهد الرئيس كلينتون مبعوثين خاصين للسودان حتي ما بعد توقيع الحكومة السودانية برعاية منظمة IGAD علي ستة بروتوكولات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون جارانج هي : بروتوكول مشاكوس بكينيا في 20 يوليو 2002 و بروتوكل الترتيبات الأمنية في نيفاشا في 25 سبتمبر 2003 و بروتوكول تقاسم الثروة في نيفاشا في 7 يناير 2004 و بروتوكول تقاسم السلطة في نيفاشا في 26 يناير مايو 2004 ثم بروتوكول حسم النزاع في جنوب كردفان/ جبال النوبة وولاية النيل الأزرق في نيفاشا في 26 مايو 2004 و بروتوكول حسم النزاع في أبيي بنيفاشا في 26 مايو 2004 , وأصبحت هذه البروتوكولات مجتمعة تمثل إتفاق السلام الشامل المُوقع في يناير 2005 الذي أنهي الصراع بين شمال السودان و جنوبه  السودان , وهو إتفاق شاركت في صنعه منظمة إقليمية هي IGAD فيما في حالة توقيع حكومة أنجولا مع الفصيل المُنشق عن جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC لا نجد أي دور لمنظمة التجمع الإقتصادي لتنمية الجنوب الأفريقي SADC أوغيرها فالحكومة الأنجولا إستطاعت بالتعاون الإيجابي الأمريكي والتراضي الصيني والفرنسي والروسي أن تحافظ علي بقاء قضية كابيندا داخل إطار الشأن الداخلي , أما صراع جنوب السودان فقد إستطاعت الولايات المتحدة تدويله خاصة مع السلوك السياسي المصري الذي لا يمكن في النهاية تجنب وصفه إلا بالتآمر من قبل النظام العاجز المتعفن لفساده في القاهرة منذ 1981 وحتي فبراير 2011 والذي كان علي إتم الإستعداد للتخلي عن ثوابت أمن مصر القومي كي يبقي ولو حتي مشلولاً علي قمة السلطة لإرضاء الرغبات الأمريكية مهما كانت خطرة علي المصالح الإستراتيجية المصرية .

نظرت الولايات المتحدة للصراع في كابيندا علي أنه ” شأن داخلي ” حتي إشعار آخر , فلم تمارس ما مارسته ضد السودان في حالة الصراع في الجنوب السوداني بل إنها طرحت علي الحكومة الأنجولية من خلال شركة Chevron تنمية الإقليم الكابيندي لمساعدة حكومة أنجولا علي كبح النزعة الإنفصالية لدي السكان والتي ينشط لتحقيقها ثلاث قوي فاعلة في الإقليم هي جبهة تحرير جيب كابيندا وكنيسة كابيندا ومنظمة Mpalabanda وكان التحفظ الأمريكي الوحيد علي مذكرة التفاهم التي وقعتها حكومة أنجولا مع فصيل Bento Bembe المُنشق عن جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC في أول أغسطس 2006 والتي أقرت وضعية خاصة للإقليم داخل نطاق السيادة الأنجولية الكاملة هو أن المذكرة لم تشمل القوي الكابيندية الثلاث المناوئة لأنجولا في الإقليم , بينما عملت الإدارات الأمريكية المُتعاقبة علي تدويل الصراع في جنوب السودان بل أمركته أيضاً فقد أجاز مجلس النواب الأمريكي بالإجماع قانون السلام في السودان في 7 أكتوبر 2002 ثم أودع لدي مجلس الشيوخ الذي أجازه بالإجماع أيضاً في 10 أكتوبر 2002 , وبالرغم من أن المقاومة الكابيندية حظيت بدعم مباشر من حلفاء الولايات المتحدة الأفارقة وجيران أنجولا خاصة من نظام موبوتو في زائير ( الكونجو الديموقراطية) والجابون ودعم فرنسي غير مباشر إلا أن هذا الدعم تناقص بحيث يكاد يكون الآن في أضيق حدوده منذ سقوط نظام موبوتو في كينشاسا عام 1996 وتولي كابيلا الأب ثم الأبن السلطة في كينشاسا بدعم  أنجولي وبالطبع أمريكي / فرنسي ومن Lobby الشركات متعددة الجنسيات التي تكاد أن تكون دولة في شرقي الكونجو الديموقراطية تستغل موارد هذه المناطق الشاسعة للآن , أما الصراع في جنوب السودان فقد إكتسب دعماً منتظماً من حلفاء الولايات المتحدة الأفارقة حتي توقيع النظام السوداني إتفاق السلام الشامل بكينيا في يناير 2005 .

أما فيما يتعلق بتناول حكومة السودان من جهة والقوي الكابيندية الثلاث من جهة أخري للصراع مع خصومهما فيُلاحظ ما يلي :

أن حكومة السودان في عهد الرئيس جعفر نميري نجحت نسبياً في وأد الصراع بإتفاقية إديس أبابا في 27 فبراير من عام 1972 والتي بموجبها مُنح جنوب السودان حكماً ذاتياً , وتطبيق مبدأ قسمة السلطة والثروة , مع إعمال وقف إطلاق النار والعفو والترتيبات القضائية وإعادة التوطين ألخ , لكن الإتفاق إنهار عندما طُرحت فكرة تقسيم الجنوب إلي ثلاث مديريات الجنوب في إنتخابات 1982 والتي رجحت فيها كفة أنصار تقسيم الإقليم الجنوبي وبموجب ذلك أصدر الرئيس نميري مرسوماً قضي بإعادة النظر في التقسيم الإداري للجنوب فقسمه إلي 3 مديريات ثم أعلن الرئيس نميري بعد ذلك تطبيق الشريعة الإسلامية بالسودان وكأنه غذي التمرد الجنوبي بذريعة الدين ليتذرع بها مما حدا بالعقيد جون جارانج إلي تأسيس الجيش الشعبي لتحرير السودان ورفع السلاح ضد الحكومة مرة أخري  وأنتهت بذلك إتفاقية أديس أبابا , لكن بعد الإطاحة بالحكومة السودانية المُنتخبة في 30 يونيو 1989 وتولي نظام ” ثورة الإنقاذ ” إشتدت الضغوط علي السودان مما أدي إلي عزله عن محيطه الإقليمي مع إفتقاده لظهيره الطبيعي أي مصر بسبب الإختلاف المنهجي بين نظام الخرطوم الإسلامي ونظام القاهرة غير محدد الهوية والواقع دائماً تحت الضغوط الأمريكي منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في 26 مارس 1979 والتي أعقبها تعهد أمريكي يتم تنفيذه لليوم برصد معونة عسكرية وأخري إقتصادية سنوياً لمصر ولإسرائيل مما جعل صراع الجنوب في غيبة أي دور فاعل لمصر وجامعة الدول العربية وهي منظمة شبحية لا تُري إلا ليلاً فهي قطعة من الظلام  مما أحكم العزلة السياسية والإقتصادية علي حكومة السودان ذات الموارد المحدودة وبطبيعة الحال ألقي هذا الوضع بثقله بصفة ضاغطة علي الإقتصاد والعسكرية السودانية بحيث أصبح السودان يواجه الولايات المتحدة والتمرد الجنوبي وبعض دول الجوار الداعمة له منفرداً مما دفعه في النهاية للتسليم بمبدأ حق تقرير المصير للجنوبيين .

علي الجانب الكابيندي لم تعترف حكومة أنجولا أصلاً بأي كيان كابيندي ولم توقع أي إتفاق للسلام مع أي من القوي الرئيسية الفاعلة في كابيندا , أما فيما يتعلق بتوقيع مذكرة التفاهم من أجل السلام والمصالحة التي وقعتها حكومة أنجولا في Namibبأنجولا مع فصيل مُنشق عن جبهة تحرير جيب كابيندا وهو لذلك ضعيف يقوده Bento Bembe في الأول من أغسطس 2006 , ومع ذلك فبإستمر المقاومة الكابيندية سياسياً وعسكرياً وإن بوتيرة متناقصة فقد فقدت هذه المذكرة مصداقيتها بإعتبارها وثيقة سلام تحظي بإجماع كابيندي , لكن الذي لا مراء فيه أن تناول حكومة أنجولا للصراع في كابيندا كان ومازال تناولاً صلباً وثابتاً في نفس الوقت فهو ظل يتناول الصراع في كابيندا في أدني مستوي Very Low Profile بإعتباره شأناً داخلياً بل حتي أنه لم يسم إتفاقه مع فصيل Bento Bembe  علي أنه إتفاقية بل مذكرة تفاهم ووقعها وزير الإدارة المحلية وأختير لتوقيعها أبعد مقاطعات أنجولا عن العاصمة لواندا لتأكيد الطابع الداخلي لهذه المذكرة ,    وفي الواقع كانت ومازالت معظم العوامل تعمل لصالح حكومة أنجولا خاصة العامل المتعلق بالدور الأمريكي والذي يتسم بدرجة عالية من التعاون والإيجابية إزاء وجهة نظر الحكومة الأنجولية للصراع وسيظل العامل الأمريكي كذلك طالما لم تتعرض المصالح البترولية الأمريكية الكثيفة في كابيندا لخطر من جانب حكومة حزب MPLA من عام 1975 حتي يومنا هذا, أما الحكومة السودانية فمنذ توليها السلطة عام 1989 عملت علي إستغلال البترول في جنوب السودان من خلال كونسورتيوم لم يتضمن أي شركة أمريكية فقد إنسحبت شركة Chevron إبان عهد نميري من جنوب السودان وردمت آبارها التي كانت تحتوي علي بترول بكميات واعدة خشية من أن يستخدم نظام نميري إيرادات البترول في تمويل الحرب في جنوب السودان ويقوي ساعده فيها , ولذلك عندما نشأ الكونسورتيوم الذي تضمن الشركة القطرية للبترول وPetronas وشركة Arakis الكندية وغيرهم عملت الولايات المتحدة علي التأثير علي قوة هذا الكونسورتيوم وإستمراره إلي أن دخلت الصين الشعبية فنجحت السودان في النهاية في تصدير البترول السوداني عبر خط أنابيب يمتد لأكثر من 1100 كم من حقوله بعداريل وأويل بولاية الوحدة إلي ميناء بشاير علي البحر الأحمر عام 1998 وهو ما أدي إلي إشتداد وتيرة الضغوط الأمريكية المتنوعة لدرجة غير مسبوقة علي السودان , فقد خرج البترول السوداني من يد Chevron ليد الصين مما إعتبرته الولايات المتحدة تحدياً لها فقد بدأ خطر إمتداد النفوذ الصيني في شرق أفريقيا وقوي ذلك ساعد حكومة الخرطوم بسبب أموال البترول , ومن جهة أخري غذي هذا التطور الميول الإنفصالية في الجنوب التي رأت في حيازة الخرطوم للبترول المُنبثق من آباره بالجنوب نهاية لآمالهم في قسمة الثروة , ولهذا فطنت حكومة الخرطوم لهذ فوقعت في 21 أبريل 1997 في إطار ما سُمي بعملية السلام من الداخل إتفاقية الخرطوم للسلام مع ست فصائل جنوبية برئاسة ريك مشار ( فيما بعد نائب أول رئيس لدولة جنوب السودان) وأتاحت مواد هذه الإتفاقية مبدأ تقرير المصير للجنوبيين وتشكيل مجلس تنسيق الجنوب رأسه ريك مشار وكذلك تضمن بنود بشأن قسمة السلطة والثروة , لكن هذه الإتفاقية تآكلت بفعل المد والجزر في حركة الصراع بجنوب السودان ولأن القوة المتمردة بقيادة جارانج والمدعومة من الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي رفضتها مع إشتداد الدعم الأمريكي , لذا فقد إضطرت الحكومة السودانية في النهاية إلي الدخول في الممر الإقليمي لتسوية الصراع عبر منظمة IGAD وهو ممر أمريكي بإمتياز ولم يكن بهذا المعني إلا واجهة أو Front للدبلوماسية الأمريكية الضاغطة بفعل جماعة الضغط البترولية في Houston  والكنائس الأمريكية خاصة كنيسة الـ  Presbyterian , و لهذا نجد أن الصراع في كابيندا كان بالنسبة لحكومة أنجولا قابلاً للسيطرة عليه بحيث يمكن إدارته من لواندا بسهولة نسبية  , فلم يكن هناك ثمة ضغط ديني خارجي  يضيف للصراع بعداً خارجياً , فالفاتيكان لم يدخل في مواجهة بسبب المعارضين للوجود العسكري الأنجولي من رجال الدين في كنيسة كابيندا وكذلك كان موقف الـ Lobby أو جماعة الضغط الدينية في الولايات المتحدة وجماعة الضغط البترولية في Houston كل هؤلاء داعمون  أوعلي الأقل لا يناؤون موقف حكومة أنجولا من الصراع في كابيندا , كما أن الصين بالرغم من عظم علاقاتها الإقتصادية مع لواندا لم تكن ذات تأثير يُذكر علي الصراع هناك وإن كانت قافلة لعمال صينيين هوجمت في كابيندا في نوفمبر 2010 وقتل في الهجوم جنديان حراسة أنجوليان  مما دعا شركة China Sonangol لمغادرة الإقليم مع تكرار التهديدات وفقاً لما أوردته في 6 سبتمبر 2016نشرة Africa Energy Inelligence    .

ولئلا ننسي فإنه من المنطقي ونحن نعقد مقارنة بين الصراع في كابيندا والصراع في جنوب السودان والذي أنتهي في 9 يوليو 2011 أن نشير إلي الصراع الحالي في قطاع غزة وموقف الولايات المتحدة وهو مشابه لموقفها من صراع جنوب السودان بل أشد , فغزة هي نقطة الضوء العربية الوحيدة المُتبقية من الصراع العربي الإسرائيلي الذي أداره سفهاء شأنهم شأن عود ثقاب مبلول لا رجاء منه تولو السلطة وهم لا يملكون إلا حناجرهم التي لا ترتفع نبرة أصواتهم منها إلا عندما يخاطبون جماهيرهم , لذلك فقضية غزة هي في الواقع قضية ما تبقي من الصراع العربي / الإسرائيلي ومع أن مساحة قطاع غزة تبلغ 365 كم مربع ويبلغ عدد سكانه وفقاً لتقدير وضعه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2014 حوالي مليون و760,000 نسمة , إلا أن ما يحدث في أو من جراء مقاومة قطاع غزة وعلاقات هذه المقاومة بما لا يحدث أبداً في أجداث أو قبور منظمة التحرير الفلسطينية جعل الصراع العربي / الإسرائيلي ماثلاً أمام جيل ثورات الربيع العربي وهنا مكن الخطر الذي تدركه السياسة الأمريكية التي تحاول إجتزاء قضية الصراع في غزة وإختزالها وقطع الصلة بينها وبين الإطار العام للصراع العربي / الإسرائيلي وهي في ذلك أي الولايات المتحدة تحظي بتعاون من خريجي مستشفيات الأمراض العقلية الذين يتولون شؤون السياسة , وإذا ما تناولنا هذا الصراع بنظرة واقعية وإستنزلناه علي الموقف والتناول والدور الأمريكي من الصراع في كابيندا مثلاً , سنجد أن غزة التي تشبه كابيندا في موضعها الجغرافي إذ أنها أيضاً جيب بري يطل علي المتوسط مُحاصرة بحراً وبراً بسبب تولي حماس ذات الهوية الإسلامية التي تأباها السياسة الأمريكية والغربية معاً لدواع صليبية إخفاؤها أو إنكارها مثير للدهشة فقد تولت حماس السلطة بعد فوزها في إنتخابات ديموقراطية مشهود بنزاهتها   أجريت منذ سنين وهو ما لم تعتبره دول الجوار المباشر الأردن ومصر بشكل خاص وضعاً مقبولاً وبالتالي شاركتا بقدر ما مع إسرائيل بقناعة ورضي أمريكي في تشديد الحصار علي القطاع  بالرغم من سبق توقيع ما يُسمي بـ ” إتفاق المعابر ” , وقضية غزة كما الصراع العربي الإسرائيلي يلعب في وضع السياسات الأمريكية تجاهه اليمين المسيحي أو المحافظ بالولايات المتحدة ومعهم أولئك الذين رهن كثير منهم ضمائرهم وعقولهم وخاصة ممن ينتمي منهم للمجيئية أو الـ  Adventists , وإتساقاً مع شغل المسيحية لحيز ملحوظ في مكونات صنع وإتخاذ بل وإستقبال القرار الأمريكي من قبل الرأي العام الأمريكي فقد صُنفت حماس من قبل الخارجية الأمريكية وجهات أخري بالولايات المتحدة علي أنها منظمة إرهابية , فيما لم تصنف الخارجية الأمريكية أيا من حركات أو جبهات التحرير الكابيندية وعلي رأسهم جبهة تحرير كابيندا علي أنها منظمة إرهابية – كما تقدمت الإشارة – وهو عنصر مهم في ترسيخ مبدأ الإنتقائية الواعية في السياسة الأمريكية , ولم تصف الإدارة الأمريكية الدور المحوري لرجال الدين الكاثوليك بكنيسة كابيندا المناوئين للتدخل الأنجولي في كابيندا علي أنهم يتدخلون في السياسة أو أنهم متطرفون بل إن الفاتيكان نفسه الذي عين البابا أسقفاً من قبله لهذه الكنيسة رفضه معظم إن لم يكن كل رجال الدين الكابينديين لم يهاجمهم بل ترك الأمر برمته لحكومة لواندا , كما لم تُصنف الولايات المتحدة الجيش الشعبي لتحرير السودان علي أنه منظمة إرهابية بل إعتبرته منظمة تحرير , ولهذا وتأكيداً للحيز الذي تشغله أشواق العودة لإستزراع الأفكار الصليبية في القرار الأمريكي أشير مرة أخري إلي ما ذكره السيد Robert H. Johnson عضو مجلس الأمن القومي السابق في إدارات الرؤساء Eisenhower و Kennedy و Johnson في بيانه الذي تلاه السيد Stuart Tucker أمام جلسة إستماع أمام اللجنة الفرعية لأفريقيا من لجنة الشئون الخارجية لمجلس النواب الأمريكي في الدور الأول لإنعقاده الـتاسع والتسعون في الفترة من 31 أكتوبر حتي 12 نوفمبر 1985 * ( كانت جلسة الإستماع تلك بعنوان ” أنجولا : تدخل أم إعتراف ” ) حيث ذكر ما نصه حرفيا ” إن هناك نزعة مسيحية في السياسة الخارجية الأمريكية , ونحن غالباً ما نسعي إلي رؤية المجتمعات الأخري علي غرار صورتنا نحن لتحويلهم إلي مجتمعات مفتوحة بنظام رأسمالي , وإنه ليبدو لي أن هذا بصفة عامة هو الإقحام في خطبة الرئيس , وعلي أية حال فشلنا في الإعتراف بحدود القوة الأمريكية ”   .

والنص بالإنجليزية هو :

There is a Messianic strain in American foreign policy . we have often sought to remark other societies in our own imagine , to convert them into open societies with a capital economy . It seems to me that that is the general thrust of the President,s speech . However , it fails to recognize the limits of American power .

الصراع في كابيندا والصراع الذي دار بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان دليل لا حيز للشك فيه إذ يبرهن برهاناً ساطعاً علي الإنتقائية التي تنتهجها الإدارات الأمريكية في حل الصراعات وهو وضع بالرغم من الإنكار الأمريكي النظري له إلا أنه الوضع الطبيعي لدولة عظمي تكرر مواثيق أمنها القومي علي قدسية المصالح العليا للولايات المتحدة فدونها أي شيئ ,  كما أن كلا الصراعين للبترول علاقة أمريكية مباشرة به , فالبترول في الحالة الأنجولية عامل مُحفز للولايات المتحدة , وبينما كان العامل الديني ظاهراً غالباً في صراع جنوب السودان , كان خافتاً مُتضائلاً  بل ويكاد أن يكون مُختفياً  في الصراع الكابيندي , وفوق كل ما تقدم فالعلاقات الأمريكية مع حزب MPLA الحاكم في أنجولا كانت ومازالت للآن مستقرة لأن المصالح البترولية الأمريكية ظلت آمنة ومصونة ومضطردة حتي منذ أن كان هذا الحزب متبنياً للنهج الماركسي اللينيني بل وتوطدت أكثر بعد تحوله للإتجاه الإيدولوجي المُضاد أي الرأسمالي فبعد سقوط الإتحاد السوفيتي فقد هذا الحزب وكل الأحزاب الإشتراكية أو الماركسية في أفريقيا الحائط السوفيتي الذي إستندوا عليه طيلة زمن الحرب الباردة .

عموماً فإنه مما لابد من قوله أن كلمتي السر في صراع كابيندا وجنوب السودان وربما معظم الصراعات العالمية هما : البترول والدين , وكانت هاتين الكلمتين في حوزة حزب MPLA أما السودان فلم يحزهما فدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة مع تخلي مصر التي كانت في أدني منسوب للأداء السياسي علي أصعدة دوائر أمنها القومي المُتناقص بل وفي أهم دوائر أمنها القومي أي في السودان بصفة خاصة فقد تدنت العلاقات الثنائية لمصر والسودان منذ 1990 وحتي الآن وأتخذت الدولتان إجراءات عقابية متبادلة هوت بالعلاقات الثنائية إلي وهدة سحيقة وأستطاعت السياسة الأمريكية بوسائل مختلفة أن تحصر مصر وتحاصرها في الركن الشمالي الشرقي من أفريقيا وضمرت دوائر الأمن القومي المصري الثلاث الرئيسية , ولهذا كان ما كان من أمر السودان في صراعه بالجنوب السوداني الذي صورته الولايات المتحدة وكأنه صراع ديني وعرقي إلي أن بدأ صراع جديد في دولة جنوب السودان الناشئة عام 2013 يقوده رئيسها Salva Kiir الدنكاوي ونائبه الذي تمرد عليه Riek Machar النويري ليدحضا معاً من خلال هذه الحرب الأهلية الثانية المُستمرة – القائمة علي ذرائع قبلية وسياسية حالياً – فرية التمييز الديني والعرقي التي روجتها الولايات المتحدة وحلفاءها ضد السودان إلي أن إنفصل الجنوب , وكان أن أنزلق جنوب السودان مجدداً في أتون حرب أهلية لا تبدو لها نهاية وربما شعرت الإدارة الأمريكية بقليل من الندم علي التعهد الذي بذلته لنفسها ولجماعتي الضغط المسيحية والبترولية بخلق دولة من العدم هي دولة جنوب السودان , تماماً كما تعهدت في السابق بإنشاء دولة إسرائيل وبذلت وتبذل للآن أقصي ما تستطيع من أجل رفاهيتها وأمنها  .

نتيجة :

الإنتقائية أحد خواص السياسات التي تتسم بها تطبيقات القوي الدولية لإستراتيجياتها , فهو مبدأ أو لنقل علي الأقل أنه سلوك أتاحه لها فائض القوة الإقتصادية والعسكرية التي لديها فوفر لها سلطة إعادة صياغة القيم الإنسانية والمفاهيم السياسية الثابتة والمُستقرة لدي المجتمعات البشرية , بما يحقق رفاهية مجتمعاتها علي حساب المجتمعات الأقل قوة ونفوذاً , وقد إنتقل الأثر السلبي لهذا المبدأ إلي مجلس الأمن الدولي , فالقوي الدولية الخمس دائمة العضوية بالمجلس تمارس هذه الإنتقائية لدرجة أحالت مجلس الأمن إلي غرفة مقاصة دولية بما أبعده تماماً عن تحقيق هدفه في صيانة الأمن والسلم الدوليين فهذا الهدف النبيل لا يحققه سماسرة ولا متآمرين .

الــســـفــيـر بــلال الــمــصــري ســـفير مصر سابقاً لدي جمهوريتي أنجولا وساوتومي وبرنسيب القاهرة في 4 مايو 2017

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق