الدراسات البحثيةالنظم السياسي

تأثير النُظم السياسية اليمنية على النسيج الإجتماعي والسلم الأهلي

اعداد : عادل دشيله –  كاتب وباحث يمني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

ملخص البحث:

تركز هذه الورقة البحثية على دور الطبقة التقليدية اليمنية ودورها السلبي في تفكيك النسيج الإجتماعي وزعزعة السلم الأهلي اليمني وتعريضه لمخاطر جسيمة. كما تستعرض الورقة المراحل التاريخية للأنظمة التقليدية اليمنية ودورها في تفكيك النسيج المجتمعي والسلم الأهلي من بداية القرن العشرين حتى يومنا هذا. حيث تعتبر مثل هاتين القضيتين( قضية النسيج الإجتماعي والسلم الأهلي )هما الأساس المتين لرفاهية واستقرار الشعوب، والحفاظ عليهما يعني الحفاظ على الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية.

مقدمة:

مفهوم “السلم الأهلي”: يعني حالة السلم الأهلي الدائم  ، ورفض كل أشكال القتال والقتل، أو مجرد الدعوة إليه أو التحريض عليه، أو تبريره، أو نشر مقالات وخطابات ومؤتمرات صحافية تعتبر التصادم حتميًا بسبب قوة العقيدة الدينية أوالحزبية ، وتحويل مفهوم الحق بالاختلاف إلى إيديولوجية الاختلاف والتنظير لها ونشرها” (نصر( بينما، يعرف النسيج الإجتماعي على أنّه “تلك الممارسات التي يشيع اعتقاد المجتمع بأنها مرغوبة، أو تستحق التقدير، مثل الأمانة والتعاون، ومع أن قيمًا كثيرة يشيع استخدامها بشكل مشترك، فلا يشترط أن يتمسك كل فرد بها، أي: إنه لا يشترط أن تتماثل القيم الشخصية مع القيم الاجتماعية” (سعود).

لم تكن الطبقة التقليدية الحاكمة في اليمن تسعى للحفاظ على السلم الأهلي ونشر قيم التسامح والتعاون واحترام حقوق الآخرين، بل العكس على مدى القرن الماضي كانت الطبقة التقليدية الحاكمة تسعى جاهدة لتفكيك النسيج الإجتماعي اليمني وزعزعة السلم الأهلي من خلال إذكاء الصراعات القبلية، والمناطقية، ونشر ثقافة المذهبية، بل يمكن القول أنّها لم تستطع البقاء في سدة الحكم إلا باختلاق المشاكل وتعريض السلم الأهلي لموجات عنف وهو ما حصل منذ مطلع القرن الماضي، أي بعد خروج الأتراك من شمال  اليمن في الربع الأول من القرن العشرين، وتولى زمام الدولة بعد ذلك الأمام يحيى بن حميد الدين (1904-1948).اغتيل في حزير جنوب صنعاء في العام 1948) ،وقد تعمد النظام الملكي (الهاشمي) بقيادة الإمام يحيى نشر ثقافة الثأر والجهل والصراعات ،وتميزت مرحلة حكمه بالعنصرية والطبقية وتقسيم الناس على أسس عرقية وطبقية ومذهبية، ولم يكن النسيج المجتمعي متماسك إبان حكمه، فقد تعرض السلم الأهلي لموجات عنف قبلية خاصة في المناطق الشمالية لا زال أثرها حتى اليوم.

جاء بعد ذلك ابنه الإمام أحمد حميد الدين، والذي نهج نفس النهج الذي نهجه والده ، حيث استمرالإمام أحمد في نشرثقافة الثأر والطائفية وسياسة الجهل وغير ذلك، وقد أطيح به في ثورة شعبية في (26 سبتمبر 1962) على يد بعض الثوار من أبناء اليمن، ونجحت ثورة ال26 من سبتمبر 1962 في إزالة حكم الأئمة، لكنها لم تستطيع لملمة الجراح والحفاظ على السلم الأهلي، والنسيج الإجتماعي، علاوة على ذلك لم تنجح في إزالة الطبقات، والفوارق، والتي كانت الهدف الرئيسي لهذه الثورة، مما جعل الذين يسيطرون على الحكم تحت مظلة الجمهورية ينهجون نفس نهج حكم الإمامة في ممارسة الظلم والقهر. صحيح ان النظام الجمهوري أحدث ثورة هائلة في مجال التعليم، وأخرج اليمنيون من كهنوت الامامة وأنار الطريق لعشاق الحرية .

ستظل ثورة سبتمبر خالدة في رؤوس اليمنيين جيل بعد جيل، لانها كانت الشرارة الأولى لإخراج المجتمع اليمني من براثن العبودية والجهل والفقر والتخلف ….والخ، إلا ان الطبقة التقليدية من ابناء القبائل، والعسكر حاولت ان تفسد مسار ثورة سبتمبر العظيم، لكنها لم تستطع. جأت ثورة 2011 لتصحح مسار ثورة سبتمبر1962المجيدة ولا زالت هذه الثورة في صراع حتى هذه اللحظة مع مخلفات الإمامة وحلفائها من الطبقة التقليدية ممثلة بالعسكر وشيوخ بعض القبائل  التقليدية، الذين لا يعرفون سوى لغة الفيد والنهب. لكن يبدو ان المعركة الدائرة ستنهي نظام الطبقة التقليدية والى الأبد ممثلة بدعاة الطائفية القادمون من وحل الجهل والكهوف المظلمة في شمال الشمال.

الأنظمة المتعاقبة في حكم شطرا اليمن الشمالي والجنوبي خلال الفترة 1962-2014 ودورها السلبي في تعريض السلم الأهلي لموجات عنف كان من أبرز ثمارها الحرب الدائرة رحاها اليوم في شمال اليمن وشرقه وغربه وجنوبه ووسطه.

أولا الأنظمة المتعاقبة في الشطر الشمالي:

تولى عبدالله السلال الحكم  في شمال اليمن بعد نجاح ثورة سبتمبر 1962 مباشرة حتى العام -1967، واتسمت فترة حكمه بالحرب الأهلية الطاحنة. فقد نشب الصراع  الإقليمي بين النظام المصري الذي كان يتزعمة جمال عبد الناصر، الذي كان يدعم حركة ثوار 1962، بينما، كان النظام السعودي يدعم ما تبقى من فلول الإمامة. أستمر الصراع لسنوات عديدة في عمق الأراضي اليمنية وراح في سبيل ذلك العديد من الضحايا آنذاك، كما كثرت أعمال العنف والمواجهات العسكرية انذاك بين تيار الثوار الموالين لجمهورية مصر العربية وكذلك ما تبقى من فلول الإمامة الموالين للنظام السعودي، وكالعادة كان هذا الصراع على حساب السلم الأهلي اليمني، ولم يستطيع السلال الحفاظ على السلم الأهلي رغم محاولاته العديدة. وأُطيح به  في انقلاب عسكري في  5 نوفمبر 1967.

جاء من بعد عبدالله السلال، القاضي عبد الرحمن الأرياني وحكم اليمن خلال الفترة 1967-1974. كان أول رئيس يمني مدني، ولكن أطيح به أيضا، في انقلاب أبيض، وجاء من بعد ذلك الرئيس ابراهيم الحمدي، والذي حكم اليمن خلال الفترة 1974- 1977، وقام بوضع بعض الخطط الإقتصادية التي استفاد منها الشعب اليمني، وكان يحاول القضاء على الطبقة التقليدية ( المشائخ- الهاشميون)، لكنه أُغتيل في العام 1977، وجاء بعد ذلك الرئيس أحمد الغشمي وحكم اليمن لعدة شهور فقط وأغتيل بعدها، ثم جاء بعد ذلك، المقدم علي عبدالله صالح، والذي حكم اليمن  الشمالي من عام 1978 حتى 1990 ثم الجمهورية اليمنية بعد الوحدة من العام 1990 حتى 2011.

ثانيا: الأنظمة المتعاقبة في الشطر الجنوبي:

نال الشطر الجنوبي استقلاله من الإنجليزي في الثلاثين من نوفمبر 1967 وكان يعرف بجمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية. لم يكن الحزب الإشتراكي مؤهلا لقيادة الشطر الجنوبي والخروج به الى بر الأمان. أمم الحزب الإشتراكي كل شي في الجنوب. تولى الرئيس قحطان الشعبي دفة الحكم في هذا الشطر بعد الإستقلال مباشرة حتى 1969. بعد ذلك جاء سالم ربيع علي والذي حكم اليمن الجنوبي خلال الفترة 1969 حتى 1979. جاء الرئيس عبد الفتاح اسماعيل ذو الخلفية المدنية اليسارية وحكم البلد من العام 1979  حتى العام 1980. لم يدم حكمه طويلا، ثم جاء من بعده علي ناصر محمد وحكم الشطر الجنوبي من العام 1980 -1986. تفجر الصراع في 20 يناير 1986 وهرب علي ناصر محمد الى الشمال. حكم اليمن الجنوبي بعد ذلك علي سالم البيض من   1986 حتى قيام الوحدة اليمنية بين شطري اليمن الجنوبي والشمالي في 22مايو 1990.

لم ينتشر في جنوب اليمن التوحش المذهبي والفكر الطائفي، الا ان التوحش الماركسي كان له اليد الطولى في تفكيك السلم الأهلي في الشطر الجنوبي. كان الحزب الإشتراكي لا يعرف سوى معول الهدم والقتل والخراب ….الخ.  لم يعرف الشطر الجنوبي الا لغة الحرب ابان حكم الإشتراكيين وقد راح ضحايا كثير نتيجة للحروب الطاحنة التي كان يختلقها الحزب الإشتراكي. لذلك، كان الشطر الجنوبي ضحية لحزب دكتاتوري متحجر، ماركسي، إشتراكي، لا يعرف سوى لغة الدم، بينما كان الشطر الشمالي ضحية لطبقة هاشمية متحجرة وتقليدية قبلية جاهلة. من وجهة نظر الباحث، الحزب الاشتراكي في الجنوب والهاشميون والقبائل في الشمال دمروا كل جميل ومزقوا النسيج المجتمعي ونشروا ثقافة العنصرية البغيضة.

حكم الرئيس اليمني الأسبق صالح وما شهده شطرا اليمن الشمالي والجنوبي قبل الوحدة وبعدها  :

لم تشهد فترة الرئيس اليمني السابق صالح فترة هدوء ولو حتى بشكل نسبي كما يروج له البعض اليوم، بل العكس فقد عرّض الرئيس اليمني السابق النسيخ الإجتماعي والسلم الأهلي لخطر غير مسبوق ومن نتائج حكمه هو ما يحصل اليوم. وقد اتسمت فترة حكمه بالصراعات السياسية والحزبية والقبلية والمناطقية والمذهبية الخفية والجهوية وغيرها. على سبيل المثال، حروب المناطق الوسطى أو حرب (الجبهة) والتي كانت مدعومة من قبل النظام الإشتراكي في جنوب اليمن ضد نظام صنعاء. استغل الحزب الإشتراكي في الشطر الجنوبي الأوضاع المزرية في المناطق الوسطى فكان يحاول نشر فكره الإشتراكي في شمال الوطن، وكان يحاول القضاء على الإسلاميين وقادة الطبقة التقليدية في الشمال. أضف إلى ذلك، ان الجبهة القومية استغلت ظروف المواطنون الصعبة  في محافظات تعز، اب، البيضاء وذمار لتثبيت فكرها في هذه المحافظات، من أجل تكون هذه المحافظات نقطة إنطلاقتهم نحو محافظات الشمال والقضاء على التيار الإسلامي هناك.

لقد كانت الجبهة القومية القادمة من مناطق الجنوب والمناطق الوسطى ترهب حتى أنظمة دول الإقليم. “يومذاك كان المد الماركسي يمثل رهاباً إقليمياً لكل دول المنطقة التي كان مصيرها النفطي مرتبطاً بمصالح المعسكر الغربي. الجبهة يومها كانت تنفذ اكثر من قصف لأكثر من منزل شيخ في نفس الدقيقة الأمر الذي أسهم في تضخيم شبح الجبهة ليتكاثر الحديث عن الاستعداد الجبهوي بالغ التعقيد وعن مجموعة من السيارات ترسلها عدن محملة بأعداد من الكباش سرعان ما تتحول إلى آدميين. *شهود عيان يحدثونك عن الإطلاق الليلي للرصاص غير المهدف في مناطق آهلة بالسكان ليرسموا بذلك صورة تجعل المشهد أدنى إلى الإرهاب” ( أيام الجبهة في المناطق الوسطى: الجنوب يريد الوحدة.. والشمال يفضل الانفصال). لكن، حدث ما لم يكن يتوقعه قادة الجبهة القومية فقد منيوا بهزيمة ساحقة من قبل التيار الإسلامي.

استمرت هذه الحرب لسنوات، وكان النظام الليبي بقيادة معمر القذافي يدعم  الحزب الإشتراكي اليمني الحاكم الفعلي لجنوب اليمن انذاك، ومن خلاله يتم توصيل الدعم لقيادات الجبهة  في المناطق الوسطى. وبعد ذلك، شهد الجنوب اليمني أحداث دامية في عام  1986 راح ضحيتها أكثر من عشرين الف قتيل وأكثر من ستون الف نازح، والالاف الجرحى.

في 22 من مايو عام 1990م تمت الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه، وتفاءل البسطاء والأحرار من أبناء الشعب اليمني في الشمال والجنوب بهذه الوحدة الإندماجية ، وعلق عليها اليمنيون امالا كبيرة علها تضمد الجراج وتوحد الصف وتحمي السلم الأهلي والنسيج المجتمعي، لكن، هذه الوحدة تعرضت لأول امتحان في العام 1994 حيث  تفجر الصراع بين القوتين الرئيسيتن اللتين كانتا تحكمان شمال اليمن وجنوبه، وانتهى الصراع بهزيمة الحزب الإشتراكي الذي كان مهيمنا على  جنوب اليمن حتى ذلك الوقت ولا زالت آثر تلك الحرب حتى يومنا هذا .

وقد أدخل الرئيس السابق صالح اليمن في دوامة عنف أخرى في شمال اليمن، حيث تفجر الصراع بين حكومته وجماعة الحوثي في العام 2004 واستمر لفترات متقطعة حتى نهاية العام 2009 حين قامت ثورة شعبية ضد نظام علي صالح في العام 2011 اخرجته من الحكم نهائيا عبر مبادرة دول الخليج وهو ما عرف لاحقا ” بالمبادرة الخليجية.”

حركة الحوثي ودورها في تفكيك النسيج الإجتماعي اليمني:

جاء الحوثي بانقلابه المشؤوم في 2014 على السلطة الشرعية اليمنية وعمق الهوة ومزق النسيج الإجتماعي ودمر السلم الأهلي وأدخل البلاد في دوامة عنف، لا  يستطيع أحد التنبؤ إلى أين ستتجه الأمور، وقسم الحوثي المجتمع اليمني على أسس طائفية وعرقية وطبقية. لم نكن نتوقع أنّه لا زال هناك حاضنة شعبية و شيوخ القبائل في مناطق شمال الشمال يؤيدون الإمامة. لقد أظهرت حركة الحوثي الطائفية الواقع المرير الذي تعيشه مناطق الشمال تحت وطأة طبقة تقليدية قبلية، لا تؤمن الا بلغة المصالح، ولو على حساب القيم، والمبادئ، وجثث الأبرياء وهو ما ظهر جليا إبان إجتياح الحوثي للعاصمة صنعاء في العام 2014.

لقد استفادت حركة الحوثي من التوترات الإقليمية واستغلت عداء بعض دول الخليج لحركة الأخوان المسلمين المتمثل في (حزب الإصلاح اليمني)، وقامت حركة الحوثيين وبدعم من بعض دول الإقليم وقادة الدولة العميقة ممثلة بالرئيس السابق صالح بمباركة ما تقوم به جماعة الحوثي ضد بعض الأطراف القبلية في محافظة عمران، وكذلك هجومها على حركة السلفية في صعدة، وكذلك مواجهة حزب الإصلاح اليمني، وقد قامت هذه الجماعة بهدم وتفجير منازل ومقرات حزب الإصلاح، والذي يضم أعضاء من مختلف الشرائح اليمنية، وهو حزب سياسي كبير، ولا أحد يستطيع أن يقصيه. ونتيجة لعدم قدرة النظام السابق من إضعاف حزب الإصلاح اليمني، فقد تحالف رئيس النظام السابق مع الحوثي لكي يدمر السلم الأهلي والنسيج الإجتماعي نكاية بحزب الإصلاح، لأنّه يعتقد ان حزب الإصلاح هو من خرج ضد حكمه في العام2011، لكن، حقيقة الأمرهو ان حزب الإصلاح كان شريكا في ثورة فبراير 2011 ولم يكن هو الوحيد الذي خرج الى الساحات ضد نظام صالح، بل كان جزءا من ثورة شبابية سلمية يمنية خرجت  في اكثر من 18 محافظة يمنية ضد نظام صالح. كانت ثورة شبابية سلمية و شهد لها العالم أجمع.

فككت الطبقة التقليدية، ممثلة بحركة الحوثي (الهاشمية) وحليفها صالح  النسيج الإجتماعي ودمرت السلم الأهلي . أصبح الكُره والحقد والشحن الطبقي والثقافي والديني والمناطقي هو المسيطر هذه الأيام في المجتمع اليمني. فعلى سبيل المثال، ابناء الجنوب اليمني يشعرون بالغبن مما اصابهم من نظام الرئيس السابق ويعتبرون النظام السابق كمحتل تعامل معهم بفوقية واحتقار…الخ. كما ان ابناء المناطق الوسطى يكرهون أصحاب اقليم آزال (صنعاء، عمران، صعدة، ذمار) ويسمونّهم باصحاب الهضبة. ويشعر هؤلاء ان أصحاب آزال هضموهم واستخدموا العنف لحكم الناس بالقوة.

أمّا أصحاب تهامة فجرحهم أعمق بكثير، هؤلاء مغلوب على أمرهم ومهضومون سواء من النظام السابق أو من جماعة الحوثي الذي يسمي نفسه بالسيد وما دون ذلك فهم مساعدون له. أصحاب تهامة يكرهون الطبقة التقليدية المتمثلة بالسيد وأعوانه ولا يحبون ان يسمعوا كلمة سيد، لأنّهم تربوا على قيم المواطنة المتساوية وهم معروفون بطيبتهم وقلوبهم الرحيمة ولا يحتاجون لمن يزكيهم فقد زكاهم الرسول  محمد صلى الله عليه وسلم بقوله:( هم أرق قلوبا وألين أفئدة).

أمّا أصحاب سبأ (أي ابناء الجوف، ومارب، و البيضاء) فيشعرون بان أصحاب الطبقة التقليدية القادمة من أقصى الشمال تحاول أن تمسك بزمام الأمور وبالقوة. هؤلاء يشعرون بأنهم أحفاد بلقيس وملوك سبأ ولا يمكن للحوثي أو غيره أن يستعبد الناس ويطلق عليهم أسماء ومصطلحات حسب فلسفته الطائفية، الطبقية، التقليدية.

كان نظام الأئمة يتعمد نشر الأمية في أوساط أبناء اقليم سبأ وكانوا يصورون أبناء سبأ على أنّهم قبائل ورعاع همج لا يعرفون سوى قطع الطريق وغير ذلك. لكن بعد أحداث 2014، أتضح العكس، وهو أن أصحاب اقليم سبأ قبائل يمنية عريقة يكرهون التمييز الطبقي والعنصري وغير ذلك، بينما الطبقة التقليدية التي جأت من كهوف شمال الشمال هي صاحبة العنصرية والطبقية، والمناطقية، المقيتة.

الأحزاب اليمنية الحداثية ودورها في تفكيك السلم الأهلي:

انقلاب حركة الحوثي وصالح في العام 2014 على الشرعية اليمنية كشفت المستور. على سبيل المثال، كل الأحزاب اليمنية السياسية تبخرت وظهرت على حقيقتها. فالأحزاب التي كانت تدّعي فكر الاشتراكية والعلمانية والليبرالية أصبحت تدُار بمرجعية طائفية بغيضة وكل أفكار هؤلاء لم تكن إلا من قبيل الضحك على الذقون، وقد رأينا لاحقا كيف كان يؤيد قادة هذه الأحزاب الحداثية التخريب وجماعات العنف المسلحة تحت مبررات واهية. هذه الأحزاب لم تكن تتبنى أفكار الحداثة والليبرالية الا للتغطية للوصول إلى اهدافهم الغير مشروعة. لم يكن المثقفون يتوقعون أن يدعم الحزب الإشتراكي جماعة عنف طائفية ضد حزب سياسي مدني. كما ان اغلب الباحثين في الشأن اليمني لم يكونوا يتوقعوا ان يروا احزاب سياسية كبيرة تنجر وراء جماعة طائفية لا تعرف حتى اساسيات العمل السياسي. ولذلك، الأحزاب اليمنية القومية، والليبرالية، والإشتراكية، والمُؤدلجة وغيرها هي من ساعدت على إنتشار حركات العنف المسلحة، والحركات الطائفية التي أدت إلى تدمير السلم الأهلي. وبالتالي هي شريكة في تفكيك اللحمة الوطنية بطريقة أو بأخرى.

وبناء على ما سردناه سابقا من تاريخ حول الصراع السياسي في هذا البلد الذي دمرته الحروب وفككت نسيجه المجتمعي وسلمه الأهلي، يتبادر سؤال إلى الذهن مفاده : أيهما أشد خطرا على السلم الأهلي والنسيج الأجتماعي اليمني في المستقبل، هل هو النظام السياسي ذو الخلفية القبلية أم النظام السياسي ذو الخلفية الطائفية، أم أن كليهما يشكلا خطرا على  السلم الأهلي والنسيج المجتمعي؟

الحقيقة واضحة، ولا تحتاج منا إلى عدسات مكبرة توضح لنا صورة السلم الأهلي اليمني ونسيجه المجتمعي المؤلمة في ظل حكم عصابة طبقية تقليدية. أصبح النسيج الإجتماعي مفكك في الشمال والجنوب والسبب، هو النظام التقليدي القبلي العسكري السابق والحالي ممثلا بجماعة الحوثي الإنقلابية.

الخطر الذي يهدد السلم الأهلي اليمني اليوم ليس الحزبية ذات المرجعية الإسلامية المدنية، ولكن الخطر الحقيقي هو الحزبية ذات المرجعية الطائفية والقبلية بالدرجة الأولى. فالطائفية تعني أنّ تسير خلف زعيم الطائفة بدون تفكير وبدون منطق. فالزعيم الديني للطائفية  هو كل شي وما عداه فهو باطل. ولا يحق لك أن تنتقد الزعيم الديني وإذا انتقدته فتعتبر خائنا وخارج الملة. أمّا الخطر الآخر الذي يهدد النسيج المجتمعي فهو حكم القبيلة، وإنْ كانت القبيلة أقل خطرا من الطائفية إلا أنّها تظل سبباً من الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى عدم إستقرار السلم الأهلي.

صحيح أنِّ الطائفية ظهرت كظاهرة مختلفة عن القبيلة، فمرجعية الطائفية دينية مذهبية بغيضة، ومرجعية القبيلة هو وشائج القربى، والدم، والأعراف، والتقاليد، وغيرها. لكننا لا نستطيع أنّ نخفي الحقيقة فبين القبيلة والطائفية تشابه. فزعيم الطائفة لا بد أنّ يُطاع وكلامه منزه ومعظّم وليس على أتباعه سِوى السمع والطاعة والتضحية بالنفس ولو على باطل. وفي المقابل شيخ القبيلة لا بد أن يُطاع بحكم وشائج القربى والدم والعصبية القبلية، وإلى ما غير ذلك. إلا أنّ كلام زعيم القبيلة ليس منزّها ككلام زعيم الطائفة، لكنّه لا يقل خطرا عن الطائفية لأنّ أتباع القبيلة يطيعون زعيم القبيلة بجهل وحمية وغيرة ولو على باطل أيضا، وهنا تكمن الكارثة. لذلك الأحزاب السياسية ذات المرجعية الطائفية والقبلية وان لبست ثوب الديمقراطية والحداثة تظل أحزاب تقليدية، تحركها الطائفية المقيتة والقبلية والعصبية. لذلك، لا يمكن، لهذه الأحزاب ان تحافظ على السلم الأهلي ولا على النسيج المجتمعي، بل ستعرضه للخطر أكثر مما هو حاصل اليوم.

والمعروف عن معتنقي الطائفية أنّ أصحابها أقلّ تدينا ويحبون العنف ولا يمكن ان يهدأ لهم بال بدون سفك الدماء ولذلك فإنّها تُعتبر المصدر الأول للعنف والإرهاب وتعريض النسيج الإجتماعي للدمار، حسب وجهة نظر الباحث، وهي جزء من عقيدتهم لكي يحموا أنفسهم من خطر ردة فعل الآخرين لأنّهم أقلية، وهذا اعتقاد خاطئ، والدليل ما ترتكبه جماعة الحوثي من جرائم بحق أبناء اليمن، ومن منطلقات وحسابات طائفية.

وبناء على ما سبق، يمكن القول أن الطائفية المذهبية الدموية ذات الخلفية الدينية القائمة على التعصب التاريخي والسلالي المذهبي هي من الأسباب الرئيسية التي دمرت السلم الأهلي، وفككت النسيج الاجتماعي، ولا زالت تقوم بذلك. بينما القبيلة لا توّلد العُنف لكنّه يصدر منها كردة فعل نتيجة للجهل. لكن، في الآونة الأخيرة رأينا كيف تحول جزء كبير من أبناء القبيلة والتحقوا بجماعات العنف الطائفية المسلحة سواء في شمال اليمن أو في جنوبه نتيجة للجهل وغياب التعليم، ولذلك تعتبر القبيلة المصدر الثاني للعنف ولا تقل خطرا عن الطائفية، ولذلك فالطائفية والقبيلة هما وجهان لعملة واحدة وان اختلفت الوسائل والمبررات لكل منهما.

وهكذا، يتضح جليا ان أغلب النُظم السياسية اليمنية ذات خلفية قبلية وطائفية، ولذلك، لا يمكن للنسيج المجتمعي والسلم الأهلي أن يستقر ما لم تزاح هذه الطبقات من سدة الحكم وتترك المجال لأصحاب الطبقة المتعلمة ذات الخلفية الثقافية الواسعة والمنفتحة، التي تحترم إنسانية الإنسان وتسعى إلى إسعاده ورقيه وتقدمه فكريا وعقليا وعلميا وسياسيا.

لا حل لمشاكل اليمن إلا بقيام دولة يمنية حديثة مبنية على أسس ومبادئ ديمقراطية مستوحاة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا العربية الحميدة، وأن لا يكون للاحزاب ذات الخلفية الطائفية والقبلية دور في هذه الدولة، وان تلبست بالحداثة وشعارات أخرى، وأن يكون القانون هو المرجعية الوحيدة. وإذا حصل ذلك، وهذا ما نأمله ونتمناه، فسيرى الشعب اليمني النور، كما يمكن للشعب وقياداته المخلصة لملمة نسيجه الإجتماعي  وتضميد جراحه والمحافظة على ما تبقى من السلم الأهلي.

أمّا إذا استمرت الطبقة التقليدية بشقيها القبلي والديني في شمال اليمن والطبقة التقليدية العسكرية والقبلية في جنوب اليمن في سدة الحكم، فلن يرى الشعب اليمني النور، سينقسم الشعب اليمني إلى كانتونات سياسية متناحرة، وسيتعرض النسيج الإجتماعي والسلم الأهلي لخطر غير مسبوق، ليس على الشعب اليمني فحسب، ولكن على دول الإقليم قاطبة. لذلك على دول الإقليم دعم الشباب اليمني وتمكينه من حكم اليمن، وليس دعم الطبقات التقليدية ممثلة برجال العسكر والمشائخ والهاشميون. نأمل أنّ نرى ذلك من الأشقاء في دول الإقليم من أجل الحفاظ على السلم الأهلي اليمني وكذلك السلم الإقليمي.

Works Cited:

أنور, نصر..” السلم الأهلي” Face Book. N.p., 20 Nov. 2012. Web. 14 Apr. 2017. <https://www.facebook.com/LebaneseAntiWar/posts/424561024264702>.

. “قيم التسامح وآثارها الإيجابية في النسيج الاجتماعي, جبار عبد الوهاب,سعود.” Mosul Scholars Forum. N.p., 12 June 2015. Web. 14 Apr. 2017. <http://www.mosul-sf.com/?p=174>.

” أيام الجبهة في المناطق الوسطى: الجنوب يريد الوحدة.. والشمال يفضل الانفصال.” نشوان نيوز. N.p., 15 Apr. 2009. Web. 16 Apr. 2017. <http://nashwannews.com/news.php?action=view&id=997>.

عادل دشيله
نبذة عن الكاتب:

عادل دشيله: كاتب وباحث يمني مستقل، حاصل على درجة البكالريوس تخصص تربية إنجليزي من جامعة عمران، اليمن 2008، حاصل على الماجستير تخصص أدب انجليزي من جامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية، مدينة حيدراباد الهندية. شارك في العديد من المؤتمرات الدولية، له العديد من المقالات السياسية موجودة على الشبكة العنكبوتية باللغتين الإنجليزية والعربية. حاليا يكتب رسالة دكتوراه في الأدب الإنجليزي بجامعة بامو، ولاية مهارشترا الهند.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق