الرئيسية / عاجل / الاستراتيجية المصرية للتعامل مع حركة حماس بين العصا والجزرة
الاستراتيجية المصرية للتعامل مع حركة حماس بين العصا والجزرة
مصر وفلسطين

الاستراتيجية المصرية للتعامل مع حركة حماس بين العصا والجزرة

بقلم/ أ. منصور أبو كريم – كاتب وباحث سياسي فلسطيني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تعتبر العلاقة المصرية الحمساوية انعكاس لعلاقة الدولة المصري بحركة الإخوان المسلمين الأم، وعلى الرغم من ذلك تتسم العلاقات بين حركة حماس والنظام السياسي المصري بالتوتر أحياناً والتقارب أحياناً أخرى، وهي مرتبطة بالأوضاع السياسية في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، ومرتبطة أيضا بتحالفات حركة حماس الإقليمية والعربية من جهة؛ وبنظام الحكم الموجود في القاهرة من جهة أخرى، لذلك انتقلت الاستراتيجية المصرية المصري في التعامل مع حركة حماس من مرحلة لأخرى حسب طبيعة الظروف المحلية المصرية والعربية والدولية، ورغم أن العلاقة بين الجانين خلال السنوات الماضية قد أتسمت بنوع من التوتر أحيانا والتفاهم أحيانا أخرى، ولكنها لم تصل لدرجة الصدام الكامل أو التوافق الكامل، إلا خلال فترة حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي.

ومنذ قيام المؤسسة العسكرية المصرية بعزل مرسي وإسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر بدعم شعبي وخليجي؛ دخلت العلاقة ما بين الدولة المصرية بكل مكوناتها السياسية والعسكرية والأمنية وحركة حماس باعتبارها أحد فروع جماعة الإخوان المسلمين طور جديد، مختلف في شكله ومضمونه عن علاقة الحركة السابقة بنظام مرسي ومبارك. فلم يكن أساس الخلاف الناشئ بين النظام المصري وحركة حماس خلال الفترة السابقة على مقاومة وعدم مقاومة، وإنما نتج عن موقف حركة حماس مما جرى في ثورة 30 يونيو2013، والتي أدت للإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي وحركة الاخوان المسلمين من الحكم في مصر، فقد اتخذت حركة حماس موقف سلبي مما جرى في القاهرة، وجندت وسائل إعلامها وسيرت المسيرات المنددة بعزل مرسي، الأمر الذي اعتبرته القاهرة تدخلاً في شؤونها الداخلية، ومقابل ذلك اتخذت أجهزة الأمن المصرية مواقف متشددة من حركة حماس وقطاع غزة بشكل كامل، وانعكس ذلك على معبر رفح الذي لم يفتح سوى مرات قليلة، وصاحب ذلك حملة شرسة من وسائل الإعلام المصرية ضد غزة وحركة حماس، مستغلة أحداث سيناء لاتهام الحركة بتهديد الأمن القومي المصري، حتي وصل الأمر في استراتيجية التصعيد( العصا) اتهام وزير الداخلية المصري حركة حماس بالمشاركة في اغتيال النائب العام المصري، وصدور قرار حكم من محكمة القضاء المستعجل اعتبار حركة حماس حركة إرهابية، فقد اعتبر الأمرين انعطافه  كبيرة  في العلاقة  بين  الحكومة المصرية وحركة حماس من جانب،  والعلاقة بين القاهرة وغزة  من جانب آخر، فقد ألقى هذا الاتهام مزيد من التوتر على العلاقة المتوترة اصلاً بين الجانين.

إلا أن محدودية القدرة المصرية على ممارسة مزيد من الضغط على حركة حماس، ومحاولة أطراف عربية وإقليمية  الإمساك بورقة غزة في المعادلة الإقليمية، كان له الدور الحاسم في تغيير استراتيجية القاهرة المتعبة مع حركة حماس من العصا للجزرة، نظراً لعدة وأسباب، منها عدم قدرة القاهرة على استخدام القوة المسلحة ضد الحركة، كون حماس حركة مقاومة فلسطينية، خاضت عدة حروب ضد إسرائيل، بالإضافة لوجود إسرائيل في المعادلة، وبالتالي كان لابد للقاهرة أن تقدم للحركة الجزرة، بعد ما وصلت استراتيجية التصعيد مراحلها النهائية، فانتقلت القاهرة من  سياسة العصا، للجزرة، في محاولة منها لنجني مكاسب التصعيد واستخدام التلويح بالقوة في التعامل مع الحركة.

ومن هنا بدأ التحول في استراتيجية أجهزة الأمن المصرية في التعامل مع حركة حماس، لذلك لم يكن غريباً، وجود وفد حركة حماس في القاهرة عقب أسبوع فقط على اعلان وزير الداخلية المصري اتهام حماس بالمشاركة في اغتيال النائب العام، فالاستراتيجية تتطلب نوع من تبادل الأدوار بين أجهزة الأمن المختلفة، فلا ضير من تصعيد من جانب وترحيب من جانب أخر، إذا كانت تخدم الهدف الاستراتيجية لترويض الحركة.

وكانت سياسة الاحتواء المصرية تهدف تحقيق عدة أهداف  تكتيكية واستراتيجية، منها التأثير على سلوك حماس السياسي والإعلامي تجاه القاهرة، وتجاه ما حدث عقب عزل مرسي وسقوط الإخوان، وضبط الحدود بين غزة وسيناء، بما يساهم في حفظ الأمن القومي المصري، وإعلاق الانفاق أو على الأقل ضبطها، وجلب حركة حماس لمربع التأثير المصري، بهدف التقليل من قدرة العواصم الأخرى الطامحة في لعب دور في القضية الفلسطينية وخاصة قضية غزة، ومنافسة القاهرة في الإمساك بورقة القضية الفلسطينية بشكل عام وورقة غزة بشكل خاص، كما حدث خلال حرب عام 2014، ودفع حركة حماس على احداث فصل بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها القاهرة حركة إرهابية، وبالفعل نجحت القاهرة في التأثير في سلوك حركة حماس السياسي والإعلامي تجاه مصر من جانب، وحصلت على ما ترغب به من فصل بين الحركة والجماعة كما جاء في وثيقة حماس الجديدة، بالمقابل لم تقدم القاهرة أي دعم استراتيجي لحركة حماس، سوى التساهل في مرور بعض قيادات الحركة واستقبال عدة وفود من غزة في اطار تحسين الأجواء. فثمة العديد من الدلائل والمؤشرات التي تؤكد نجاح القاهرة في تغيير سلوك الحركة السياسي والأمني بما يتوافق مع الرؤية والاستراتيجية المصرية دون تقديم مقابل للحركة سوى الوعود المتكررة.

كما أن التحولات الدولية والإقليمية التي يشهدها النظام الدولي والوضع في منطقة الشرق الأوسط عقب فوز الرئيس ترامب بمصب الرئيس الأمريكي، وما يتبناه من سياسة معادية للحركات الإسلامية والدول الداعمة لها، منحت القاهرة قدرة أكبر على ممارسة مزيد من الضغوط على حركة حماس في اطار سياسة (الاحتواء) خاصة عقب الأزمة الخليجية وفرض دول الخليج حصار على قطر الحليف الاستراتيجي لحركة حماس، وهذا ما يبرر وجود وفد حركة حماس في القاهرة في ظل تصاعد الأزمة الخليجية والموقف العربي والخليجي شبه الموحد من الدوحة، فالقاهرة رأت في الأزمة الخليجية والتحولات الدولية فرصة جيدة من جانب لتذكير حماس بخطورة تقاربها مع إيران في ظل الموقف الأمريكي والخليجي منها، وفرصة مؤاتيه لمزيد من التأثير على سلوك الحركة السياسي  وجعل الانفجار الإنساني إن حدث باتجاه إسرائيل وليس الحدود المصرية، ومن جانب أخر ورقة للمناورة تجاه الرئيس عباس في حالة ابتعاده عن الموقف المصري خلال أي مفاوضات قادمة، ومن هنا صار الحديث عن تفاهمات وانفراجات بين حماس وتيار دحلان لصالح غزة، التي لا تخرج عن نطاق التكتيك المصري في ترويض جميع الأطراف.

وعليه يمكن القول أن الموقف المصري من حركة حماس،  قد تحول من القطيعة للاحتواء، بما يخدم المصالح المصرية، بعد ما اقتنعت القاهرة من صعوبة إنهاء الانقسام الفلسطيني، فجاءت استراتيجيتها الجديدة في التعامل مع الحركة بما يضمن إمساك القاهرة بالورقة الفلسطينية، وعدم افساح المجال للعواصم الطامحة للعب دور محوري في أزمات غزة، والتأثير على السلوك الحمساوي، بما يؤدي لعدم انفجار الأوضاع الإنسانية تجاه الأراضي المصرية، دون إحداث تغيير جوهري في الموقف التقليدي المصري من القيادة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية، لذلك فإن كل الانفراجات والترتيبات التي يتم الحديث عنها في الوقت الحالي لن تمس الموقف المصري التقليدي من القضية الفلسطينية، ولن تؤدي لحلول استراتيجية على المستوى السياسي والإنساني، وإن كانت تستخدم للمناورة.

منصور أبو كريم

منصور أبو كريم

Mansour197566@gmail.com

 

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى