الرئيسية / الشرق الأوسط / سياسة اميركا الخارجية: استقرار أو عدم استقرار للمنطقة ..!!؟
سياسة اميركا الخارجية:  استقرار أو عدم استقرار للمنطقة ..!!؟
أمريكا

سياسة اميركا الخارجية: استقرار أو عدم استقرار للمنطقة ..!!؟

اعداد :  بسّام عليّان – كاتب اجتماعي وباحث ســـــياسي- دمشق

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تقوم السياسة الأميركية بالمنطقة؛ على جعل القوى الاقليمية تتحمل مسؤولياتها وتقلع شوكها بايديها مع الاحتفاظ بدور القيادة من الخلف. بهذا يكون المشروع الروسي في المنطقة هو بالاساس من ضمن أهداف المشروع الاميركي ..!!؟؛ وبهذا أصبح تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع منطقتنا العربية والاسلامية يسير وفق حاجات مصالحها التي تقتضي فرض واقع في المنطقة، من أجل تكريس قدرتها في الهيمنة والانتصار على العالم وفرض شروطها على حلفائها الأساسيين في أوروبا واليابان.

وقد أحست الولايات المتحدة الأميركية؛ أن الاعتماد على تنفيذ برنامجها الأمني والسياسي في المنطقة، والذي يشمل مجموعة من الأولويات الضرورية للارتباط الأميركي في المنطقة لم يعد كافياً في إحداث التغيير المطلوب بالمنطقة فهي لا ترغب في محاربة التهديدات والمخاطر التي تعترض سياستها الاستعمارية فقط؛ ولكن رغبتها تشمل أيضاً تغيير الديناميكيات الإقليمية التي تأتي بمثل هذه التهديدات؛ فكان عليها أن تتابع الركائز الإضافية في سياستها المتعلقة في دول منطقتنا العربية والاسلامية.

فمن هنا يرى بعض العرب وجيرانهم، إلى رؤية مفادها أن العرب والمسلمون ما يزالون هم الضحية الأولى لكل الحروب التي خاضتها القوى الاستعمارية قديمها وحديثها، والتي تدور حول تحقيق المصالح ونهب الثروات لعدة قرون، وكان المفكر الفرنسي “روجيه جارودي” قد كتب في كتابه “حفارو القبور”: “أدت خمسة قرون من الاستعمار إلى نهب ثروات ثلاث قارات وإلى تدمير اقتصادياتها وتكبيلها بالديون”، وهو المنهج الذي تسير عليه الولايات المتحدة الأميركية وريثة الاستعمار الغربي، والقطب الأوحد الذي شغل نفسه بشؤون العالم العربي والإسلامي، وسعى إلى دمجه في استراتيجيته العليا لأسباب كثيرة، منها المصالح الحيوية الأميركية خاصة الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة تحقق أهدافه، وأيضًا النفط العربي، ومنها الاستفادة بالموقع الاستراتيجي للعالم العربي.

أهم ملامح النظام العالمي:

  • وحدة أوروبا يجب ألا تكون على حساب حلف الأطلنطي.
  • من البروسترويكا إلى روسيا الحالية: هل تعود الدولة إلى حكم مركزي جديد؟
  • ألمانيا المتحدة “غرب وشرق” لها دور مهم في تثبيت العلاقات الأوروبية.
  • تفكيك الجيوش العربية الوطنية (مثل: الجيش العراقي في عهد الرئيس صدام حسين؛ تفكيك المقاومة الفلسطينية التي كانت في قمة اوجها قبل العام 1982).
  • ايجاد حل للقضية الفلسطينية بما يضمن أمن الكيان الصهيوني (اسرائيل).
  • الصين واليابان والهند؛ ودورهما في شؤون آسيا و الباسيفيك.
  • ايجاد صيغة مقبولة للتفاهم والاستفادة من المصالح المشتركة، مع القيادة المتنفذة في ايران.
  • استيعاب الدور السوري بالمنطقة.

ومن الواضح أن “كيسنجر” كخبير بالشؤون الخارجية قبل وبعد توليه وزارة الخارجية الأمريكية(1973-1977) واستمرار وجوده كمستشار وخبير لرؤساء أمريكيين قد جعل له آراء مهمة تقوم على أساس واحد هو الهيمنة الأميركية كقطب وحيد بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بعد العام 1991. وكانت خلاصة آرائه السياسية أن السيادة الأميركية يجبأن تظل مستندة إلى درع أوروبية مرتبطة بحلف شمال الأطلنطي، أي أنه مهما كان توجه الأمور في أوروبا في اتجاه التوحد أو التفرق السياسي، فإنها يجب ألا تصيب حلفها مع أميركا بالضعف، بل تظل علاقة التحالف قوية فوق أية توجهات أوروبية خاصة.

وكان “كيسنجر” قد اعتبر بريطانيا جزءًا غاليًا مكملاً للكثير من السياسات الأميركية، ويعتبر أن استمرارية العلاقات الإيجابية الأميركية الأوروبية هي الركيزة الأساسية لبقاء هيمنة القطب الأميركي على العالم، لكنه لا يزال يضع ضمن حساباتها لموقف الروسي في عهد فلاديمير بوتين، والزعامات الأميركية لا تنكر فعالية وتأثير روسيا الاتحادية على أوروبا، ومن ثم فروسيا تمثل نوعًا من التهديد للدرع الأوروبية التي تمثل حدود أميركا الشرقية.

إذن فثلاثة من الأعمدة التي يرى “كيسنجر ”أنها عماد النظام العالمي بزعامة أميركا تدور كلها في فلك استحضار صورة ما للعالم كما كان منقسمًا إلى معسكر غربي وآخر شرقي، ولكن مع استمرار السيادة الغربية.

أما الأعمدة الثلاثة الأخرى فتدور حول العالم خارج دول الغرب والشمال، فهي الصين واليابان وآسيا، و “كيسنجر” لا ينسى الهند التي أصبح تحليفًا أميركيًا خالصاً بعد أن كانت قوة حياد وعدم انحياز يحسب لها أكثر من حساب، فضلاً عن علاقاتها المميزة التي كانت مع الاتحاد السوفياتي.

أما العمودان الآخران اللذان كان كيسنجر يعول عليهما لنجاح سياسته وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية؛ فهما الحرب ضد الرئيس العراقي صدام حسين، وتفكيك جيشه وتدميره وتدمير بنية العراق السياسية والعسكرية والاجتماعية، واحتلال العراق كاملاً لتحقيق أمن الكيان الصهيوني.

وكذلك كانت معادلة “الأرض مقابل الأمن” في الصراع العربي الصهيوني بما يحقق أمن الكيان الصهيوني وسلامة مستوطنيه، مع الارتباط الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية و” إسرائيل” في شرق البحر المتوسط، فمن أجل تنفيذ مخطط لحماية أمن الكيان الصهيوني، قامت السياسة الأميركية على إخلاء أجزاء من الدول العربية من القوة العسكرية، وهو ما حدث في سيناء بموجب اتفاقية “كامب ديفيد” في مصر، ثم ترحيل المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982، واحضار قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، والإبقاء على الوضع القائم في مرتفعات الجولان المحتلة.

ونظرًا لضعف الأنظمة العربية والإسلامية وتمزقها، فإن الولايات المتحدة الأميركية؛ اعتقدت جازمة بأنها قادرة على فرض إرادتها وعلى وضع مشروعات الهيمنة ووسائل تنفيذها وطرح المبادرات تلو الأخرى وتسويقها لدى الشعوب، مثلما هي قادرة على الغزو العسكري وفرض العقوبات وكل صور التدخل المباشر وغير المباشر.

وقد بدأت مشروعات الهيمنة بـ ”مشروع ترومان” عام 1949، والذي عرف باسم النقطة الرابعة نسبة إلى المادة الرابعة منه، وتضمن إمكانية تقديم مساعدات سياسية واقتصادية وعسكرية إلى دول العالم العربي الواقعة تحت النفوذ الغربي، ثم تبعه مشروع “القيادة الرباعية للشرق الأوسط” في عام1951، وكان هدفه إقامة سلسلة من التحالفات السياسية والعسكرية مع دول المنطقة والتنسيق فيما بينها، كما فرض المصطلح الأميركي الغربي الصهيوني “الشرق الأوسط” بديلاً عن العالم العربي والإسلامي إمعانًا في مسخ الهوية العربية والإسلامية.

ومن المؤسف انسياق السياسيين والكتاب العرب والمسلمين والاعلام العربي والاسلامي، لاستخدام المصطلح “الشرق الأوسط” بل وفي شتى وسائل الإعلام، ثم مشروع “قيادة الشرق الأوسط العسكرية” عام 1953، أو الحزام الشمالي للمنطقة التي تضم بعض الدول العربية وبعض دول الجوار في آسيا خاصة إيران وباكستان وتركيا، إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، وتمخض عن ذلكما عرف باسم “حلف بغداد” وجاء “مشروع أيزنهاور” لملء الفراغ – كما يدعون – عام 1957م؛ليعبر عن واقع سياسي إقليمي دولي جديد بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وكان هدفه الواضح هو بسط النفوذ الأميركي المباشر على المنطقة بعد تداعي الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وامتدت هذه المشاريع الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط حلف “وارسو” وتفكك الاتحاد السوفيتي، وظهور الولايات المتحدة الأميركية كقوة عالمية عظمى في نظام عالمي جديد أحادي القطبية.

وتوالت بعدها؛ المشاريع الجديدة لتعبر عن نزعة إمبراطورية أميركية واضحة، وكان أشهر هذه المشاريع مشروع “الشرق الأوسط الكبير”، وهو يمتد حسب الرؤية الأميركية من “إسلام أباد” في باكستان وحتى الرباط “المغرب”، وهو مشروع صهيوني في الأصل يستهدف السيطرة على المنطقة“ أرضًا وسماء” وهو امتداد لمشروع “أبا ايبان” وزير خارجية الكيان الصهيوني عام 1967 حول إقامة تجمع إقليمي لدول “الشرق الأوسط” وصولاً إلى مشروع المارشال الصهيوني المعروف باسم “مشروع بيريز للتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط” وكلها تتلاقى وتتعانق مع مشاريع إسرائيلية – أميركية ،منها مشروع “دالاس” الخاص بإقامة مشاريع ري مشتركة تقوم بها البلدان العربية و ”إسرائيل”، أو مشروع “جونسون” الخاص باستثمار مياه نهر الأردن استثمارًا عربيًا “إسرائيليًا” مشتركًا، أو مشروع “أيزنهاور”.

وقد تطور مشروع “الشرق الأوسط الكبير” فيما بعد وبسبب ضغوط أوروبية إلى مشروع “الشرق الأوسط الموسع” الذي كان عنوانه العملي ما يسمى بــ “الحرب على الإرهاب” ابتداء من الحرب على أفغانستان ثم غزو العراق واحتلاله وتدمير امكانياته العسكرية، ثم جاء المصطلح الأميركي “الشرق الأوسط الجديد” على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية “كوندوليزا رايس؛ صاحبة مشروع “الفوضى الخلاقة”، ” والتي اعتبرت أن الأزمات التي تعصف بالمنطقة دليل على “بزوغ نجم الشرق الأوسط الجديد” إبان الحرب الإسرائيلية ضد لبنان والتواطؤ الأميركي مع إسرائيل الذي ظهر واضحًا في تباطؤ وقف الحرب في مجلس الأمن “القرار1701″؛ ليتحقق لإسرائيل ما لم تستطع تحقيقه بالحروب التي شنتها ضد الفلسطينيين والعرب.

وتأتي الإستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة، حيث تعتبر تحركات واتصالات ترامب كبداية لسلسلة من الأهداف التي تسعى إدارة الرئيس ترامب إلى تحقيقها في هذه المنطقة، وبما يخدم الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية، في هذه المنطقة الحيوية، كما تطلبت الانتباه الشديد من جانب الإدارة الأمريكية إلى طريقة التعامل معها ،فإيران تخطت العتبة النووية وهناك الوضع الهش في العراق الذي يستنزف القوة المسلحة الأميركية ،وهناك الحكومات الضعيفة في لبنان وفلسطين فيظل قوة داخلية تتصاعد باتجاه خلخلة النظم السياسية القائمة ، والمتمثلة في حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين.

وفي هذا الإطار يقوم مستشارو الرئيس ترامب على إعادة ترتيب أولويات سياسته الخارجية في المنطقة، من خلال عدم الاستمرار في جعل العراق وسورية وفلسطين من أهم القضايا الرئيسية كما في الأعوام السابقة، حيث يعتقد الساسة الأميركيون بأن بسط السيطرة الأميركية عالمياً هو مفتاح الأمان الرئيسي لقيادة الزعامة وتكريس استمرارها خاصة بعد تبدد مشاعر الخوف من التهديدات التي كان يمثلها الوجود السوفيتي السابق كقوة عظمى منافسة، وبعد دخول حقبة العولمة المتصاعدة تحت زعامة الولايات المتحدة الأميركية، فالأمريكيون يعتبرون أن القوة الاقتصادية وليست القوة العسكرية هي وحدها المقياس المهم لتحديد مدى ما تتمتع بهمن قوة عالمية شاملة، خاصة مع محاولات تقليص المنافسة على الساحة الدولية سواء في أوروبا أو في آسيا.

ولغرض تحقيق هذه الهيمنة على العالم استندت الإستراتيجية الأميركية على مرتكزين أولهما يقوم على تضخيم عناصر القوة القومية والوصول بها إلى أعلى مراتب القوة وفقاً لطروحات بعض المفكرين ومنهم المفكر الواقعي هانز مورجنثاو، وثانيهما يركز على العمل لإقامة نظام سياسي اقتصادي يقوم على إستراتيجية الاحتواء.

وفي ظل هذه البيئة الدولية، والتوجه الأميركي فيها للهيمنة على العالم، كان من الطبيعي أن تتأثر الأقاليم ذات الأهمية الإستراتيجية، وفي مقدمتها منطقتنا العربية والاسلامية ذات الحساسية العالية لأي تأثيرات بالتحولات الإستراتيجية في هيكلة المنظومة الدولية، لكونها ارتبطت  بعلاقة تأثير متبادل مع النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ،فالتوازنات العالمية تؤثر في التوازنات الإقليمية وبالعكس، فكانت التحولات التي شهدها التوازن الدولي والمصالح الاقليمية أن تؤثر نتائجه وبقوة فيهذه المنطقة وفي قلبها سورية والعراق وفلسطين ،خاصة بعد انعدام هامش المناورة المستقلة أمام بعض الدول العربية، فضلاً عن تراجع الدور العربي، والقدرة العربية في التأثير على النسق الدولي، مما أدى إلى التراجع في مدى الاهتمام بقضاياها بسبب زيادة التبعية للولايات المتحدة الأميركية على البيئة الدولية بعد الانهيار.

إن ما حدث ويحدث وباختصار شديد هو فكارتباط العرب بقضيتهم المصيرية (فلسطين) وبأي قضايا أخرى إقليمية، هذا ما جعل رد الفعل العربي تجاه الحرب القذرة التي تشن على سورية منذ أكثر من ست سنوات، وحصار ثم احتلال العراق في العام2003، وما يحدث في اليمن؛ يرقى إلى حد التواطؤ.

وفي النهاية ورغم كل ما تقدم أرى أنه لا يمكن الحسم بشأن الصراع الجاري في المنطقة، ولا تحديد للرابحين والخاسرين فيه، لا من القطبين الدوليين، ولا من الأطراف الإقليمية الفاعلة، فهذا صراع مفتوح على الزمان والمكان والقضايا، أي أنه نوع من الصراعات التاريخية التي يمكن أن تحدد شكل المنطقة، وتشكيل مجتمعاتها للعقود القادمة.

يتواصل الاهتمام منذ خمسة أشهر بسياسات إدارة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب الخارجية، وخاصة تجاه دول المنطقة ( منطقتنا العربية والاسلامية)، فيقول عبد الباري عطوان في رأي اليوم اللندنية إن أنقرة سرعان ما عادت إلى “الحضن” الأميركي ضد موسكو بعد محادثة هاتفية استغرقت 45 دقيقة مع الرئيس الأميركي، لتذهب من “النقيض إلى النقيض”. وقال إن تغيير الموقف التركي ظهر بسبب تأييد ترامب لإقامة منطقة آمنة في سورية لوقف تدفق اللاجئين ووضع أنقرة للرقة هدفا لقوات درع الفرات المدعومة بفصائل من الجيش الحر “لمواجهة الجماعات الكردية وليس الدولة الإسلامية”. ويأتي هذا في وقت كانت قد سبقته متغيرات واضحة على اللهجة المستخدمة في توصيف المعطيات السياسية إقليميا.  ويبدو من خلال المتابعة الحثيثة لاتصالات ترامب ولقاءاته المتتابعة وغير الهادئة أن التحالف المؤجل أو المرحل عاد أدراجه من جديد إلى دائرة الضوء، وباتت تركيا العنصر الفاعل في سياسة ترامب حيال المنطقة، بعد أن قدّمت تركيا أوراق اعتمادها لخدمة المشروع الأميركي الجديد في المنطقة.

الحقيقة أنه لم يكن متوقعا هذا التصعيد المتسارع في المنطقة، إذا كان على صعيد الحرب الدائرة على الأراضي السورية؛ أوعلى صعيد ما يجري  بالخليج العربي خلال هذه المدة القصيرة من عمر الإدارة الأميركية الجديدة التي يحاول ترامب أن يستفيد من وقته وبسرعة؛ خاصة وأن غالبية المحللين لا يرون أن هناك تجديد لترامب بولاية ثانية كرئيس للولايات المتحدة الأميركية .

يقول المحللون أن ما يجري الآن في المنطقة هو حراك أميركي بامتياز لم يكن محسوب له حساب للسنتين القادمتين..!!؟ هناك أفعال غير محسوبة لا بالعقل ولا بالمنطق السياسي، إن الأمر يدعو الى توقع استخدام الرصاص بدلاً من الكلام، وعندها لابد من القول إن وجه المنطقة قد يتغير تماما، دون أن نستطيع توقع في اي اتجاه سيكون هذا التغيير الحاسم.

فمثلاً ترامب لا يريد لإيران أن تستمر بالاستفادة من السياسة الأميركية لتعزيز نفوذها بالمنطقة على حساب دول أخرى، بخاصة أنه أعلن أن من أولوياته في المنطقة محاربة الإرهاب، فهو لا يريد أن يهزم الإرهاب في العراق وسورية، وتقوم إيران بتعزيز نفوذها وملء الفراغ كما حصل بعد الغزو الأميركي للعراق.

وواقع الحال الحاصل في الخليج العربي؛ يقول أن دول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية سيكونون مسرورين بهذه السياسة التي تمثل مطلباً له للركوب في قاطرة حل الأزمة السورية. رغم أن التاريخ القريب علمنا أن هناك صعوبة في توقع تغيير درامي في السياسة الإيرانية، التي تجمع بين سياسة التوسع وبسط النفوذ وتصدير الثورة، وإضافة أبعاد عقائدية لطبيعة الصراع الدائر في المنطقة.

والواضح بعد زيارة ترامب للسعودية مؤخراً؛ أن يكون زعامات الخليج العربي على طاولة ترامب بعدما كانت إيران ضمن أولويات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. وهنا اصبح بعض المقربين يتساءل فيما إذا كان مفعول الصفقة الكبرى مع ايران أوشك على الانتهاء – من جانب واشنطن تحديداً – وهل تلوح في الافق ملامح صفقة كبرى بين أميركا بإدارة ترامب وبين زعامات الخليج العربي!!؟.

وبحسب بعض المحللين القريبين من مركزي القرار الأميركي والفلسطيني العربي؛ فإن الرئيس ترامب يمتلك فعلا خطة لإنهاء الصراع الصهيوني – الفلسطيني، حيث لوحظ تأجيل نقل السفارة الأميركية للقدس المرتبط حتما بملف التسوية حيث ستكون زيارة نتنياهو المتوقعة لواشنطن مناسبة لطرح رؤية ترامب حيال الخيارات التي يفترض أن تحسم تل أبيب الإجابة عليها، وتتلخص في نقل السفارة أو إلغاء الاتفاق مع طهران أو إعطاء ضوء أخضر للاستيطان (!!؟).

يعتقد بعضهم وخاصة بعد زيارة ترامب للسعودية والحفاوة والترحيب الذي أقيم لترامب وعائلته، أنه من المتوقع أن تطرح التسوية مع العرب أولاً، ثم مع الفلسطينيين لاحقاً، على أجندة اللقاء مع نتنياهو مما يفتح الباب أمام صفقة كبرى بين أميركا وحكومة الاحتلال من جانب وبين الاطراف العربية المعنية من جانب آخر.

وحول هذا الجدال الدائر بين الاعلاميين والدبلوماسيين تناولت صحف أميركية السياسة التي يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب اتباعها تجاه دول المنطقة، وتحدثت بعضها عن اختبارات لهذه السياسة المحتملة، وتساءلت عن احتمالات تدخله بكل المسائل العالقة في المنطقة مثل سورية وفلسطين والعراق وليبيا واليمن. فهناك شخصيات من جذور عربية وفلسطينية تركت أثرا على السياسة الأميركية الجديدة إزاء المنطقة، وسط تحديات قد تواجه ترامب في هذا السياق.  فبعضهم يتبع سياسات هادئة ويعمل على إيجاد حلول للأزمات وتهدئة المشاعر بدلا من تأجيجها.

كما تتساءل هذه الشخصيات؛ عن ما قد يحدث بعد وفاة الرئيس الفلسطيني، وتطرقت إلى بعض الشخصيات المحتملة مثل محمد دحلان الذي سيلقى معارضة شديدة من الوسط الفلسطيني، لاتهامه بالفساد والعمل على تشتيت جهود العمل الوطني الفلسطيني؛ والاستئثار بالمال والثروة على تحقيق أهداف النضال الوطني الفلسطيني، ويرون أن الولايات المتحدة الأميركية تفضل وزير المالية ورئيس الوزراء الأسبق سلام فياض، كما أن مروان البرغوثي المعتقل لدى سلطات الاحتلال الاسرائيلي يحظى بشعبية كبيرة بين الفلسطينيين؛ رغم أن الأميركيين يرون بفياض الرجل المناسب وألأوفر حظاً.

وفي حال الاستنتاج الأولي للسياسة الأميركية في عهد ترامب نجد هناك أمران يتصدران قائمة أولويات سياسته الخارجية: أولهما التجارة وثانيهما الأمن. في ما يتعلق بالتجارة، سيركز ترامب على دول مثل الصين والمكسيك واليابان، أما بالنسبة الى موضوع الأمن، فسيتوجه تركيزه الى منطقتنا العربية والاسلامية.

لكن، لا تزال هناك أسئلة كثيرة قائمة: هل سيقوم ترامب بإرسال المزيد من القوات الأميركية إلى المنطقة؟ إن الشعب الأميركي لا يزال يعارض بشدة الانتشار الواسع للقوات (وهذه كانت رؤية الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما)، لكننا قد نرى زيادة في الضربات الجوية ونشاط الاستخبارات، فضلاً عن زيادة في نشر وحدات صغيرة من القوات الخاصة. وستكون إدارة ترامب أقل تردداً من إدارة أوباما في استخدام القوة الجوية الكبيرة الحجم وتجاهل الضحايا المدنيين. وهذا يجعلها أقرب إلى النهج الروسي.

والملفت للانتباه أن الموقف تجاه روسيا هو أحد المسائل الرئيسية في الإدارة الأميركية الجديدة، فيبدو أن ترامب يرى في روسيا شريكاً محتملاً، كما أن لوزير خارجيته ريكس تيلرسون موقف مماثل إلى حد ما. ولكن فريقه للأمن القومي، من فلين الى ماتيس إلى مايك بومبيو رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، يعتبرون روسيا عدو أميركا الرئيسي في العالم على المدى الطويل. فكيف ستحسم او ستترجم هذه التناقضات تجاه روسيا؟

كما أن الموقف تجاه إيران يمثل تناقضاً آخر في سياسة هذه الإدارة. فترامب وفريقه الأمني يرون أن إيران عدو يجب إضعافه وصده، إلا أن ترامب عبّر مراراً انه قد يفضل العمل مع روسيا في سورية، ولمصلحة النظام السياسي القائم في سورية في مواجهة معارضيه. هذا في الواقع يعني انحيازاً الى إيران في سورية. وتعمل الولايات المتحدة الأميركية بالفعل مع حلفاء إيران في العراق لإبعاد «داعش» من الموصل ؟!

كما أن ترامب تعهد خلال حملته الانتخابية بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران في «اليوم الأول» لرئاسته. لكن ريكس تيلرسون قال إنه سيأمر بـ «مراجعة» الاتفاق – مما يعني أن الصفقة من المرجح أن تبقى في الوقت الراهن، حتى لو قامت الإدارة الجديدة بمراقبة الاتفاق بصورة أدق.

ولكن يبدو أن نصيب القضية السورية من سياسة ترامب الخارجية سيكون له الأولوية، فتفيد التسريبات بأن هناك توجهاً أميركياً من أجل التدخل العسكري في سورية عن طريق الجنوب، بمعية قوات أردنية وبريطانية، وربما سعودية، وسيكون الهدف الأصلي هو تصفية جيوب “داعش” وجبهة النصرة الموجودة في الجنوب، والامتداد نحو البادية، وصولاً إلى منطقة دير الزور والحدود السورية العراقية في القائم والأنبار، وهناك تقديراتٌ ترجّح أن يشمل هذا التدخل منطقة الجولان، وصولاً إلى الحدود اللبنانية، ومن غير المستبعد أن يلعب الاحتلال الاسرائيلي دوراً مباشراً في هذا القطاع، وسيكون تدخلها علنياً لأول مرة.

واللافت في الأمر أن الطرف الذي استبق هذا التحرك، وبدأ يطلق تسريباتٍ حوله هو إيران التي بدت معنيةً أكثر من الحكومة السورية. وعلى الرغم من أن هذه هي النسخة السابعة من مناورات “الأسد المتأهب” في الأردن، فإنها ربطتها بالوضع في سورية.  وهذا الأمر يفسر سياسة ترامب الجديدة بعد زيارته للسعودية؛ أنه يسعى لتأسيس شراكاتٍ جديدة بين الولايات المتحدة الأميركية ودول المنطقة، على أسس مختلفة عما هي عليه التحالفات الحالية، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهاتٍ وحروبٍ سياسية واقتصادية وعسكرية؛ بدأت بالخلاف الخليجي مع قطر.

ولكننا نستطيع القول أنه وبالرغم من ضخامة التغير الذي تشهده المنطقة منذ اكثر من خمسة شهور، والاحداث المتلاحقة الهامة التي تشهدها المنطقة على مختلف الصعد، فان الولايات المتحدة الاميركية ما تزال متمسكة بنهجها السابق الذي التزمت به في تعاملها السياسي مع قضايا المنطقة مع كل التطورات السياسية على اختلاف مستوياتها العربية والدولية.  فإن كل ما يطرأ على السياسة الأميركية الجديدة لا يزيد كثيرا عن كونه دعوة لفتح حوار بصيغة جديدة حول السياسة الأميركية الخارجية، ومحاولة تأتي لكسب الوقت بعملية الفك والتركيب بالمنطقة لحث كافة الاطراف المعنية على المشاركة في تقبل سياسة ترامب الجديدة والمعقدة. فبينما تتجه القوى الصديقة والموالية لفلسفة ترامب في تأييد الموقف الأميركي الجديد وتدعيمه تقوم بعض قوى الضغط السياسي الخاصة في ابعاده بتجميع قواها وتجنيد امكانياتها من اجل محاصرة ذلك الموقف واحباطه. وعندما تكون مواقف الاطراف المختلفة متناقضة او متباعدة، فان تلك القوى غالبا ما تلجأ الى وسائل الاعلام والرأي العام محاولة تجنيد قواها للضغط في الاتجاه الذي يتلاءم مع اهدافها ومواقفها.  فمن هنا نجد من يتكفل عادة بانجاح السياسة الجديدة للولايات المتحدة الاميركية..!!؟

تحريرا في 19-6-2017

 

بسّام عليّان

بسّام عليّان – كاتب اجتماعي وباحث ســـــياسي- دمشق

 

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى