الرئيسية / الشرق الأوسط / آفاق السياسة الأمريكية : ساحة معركة جديدة في سوريا
آفاق السياسة الأمريكية : ساحة معركة جديدة في سوريا
قوات أمريكية

آفاق السياسة الأمريكية : ساحة معركة جديدة في سوريا

-المركز الديمقراطي العربي

في أيلول/سبتمبر 2014، شنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» هجوماً على كوباني، إحدى المقاطعات الكردية الثلاث في شمال سوريا التي تشكل منطقة حكم ذاتي يسمّيها الأكراد “روجافا”. وقد قادت «وحدات حماية الشعب» – الجناح المسلح لـ «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردستاني – المعركة وطلبت دعم الولايات المتحدة المتمثل بضربات جوية على أهداف تنظيم «داعش» ونشر “القوات الخاصة” لتسليح مقاتلي «وحدات حماية الشعب» وتدريبهم وإسداء المشورة لهم ومساعدتهم.

وهكذا تمّ أخيراً جرّ إدارة أوباما إلى الحرب في سوريا، وإن كان تعريفها ضيقاً كحملة لـ “هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»”.

وفي الواقع، كانت قوات تنظيم «داعش» قد وفّرت هذه الفرصة [على طبق من فضة] وأصبحت عرضةً لضربات جوية في كوباني؛ وقد استفادت الولايات المتحدة من هذه الفرصة استفادة كاملة.

أما على الأرض، فقد شنّت «وحدات حماية الشعب» معركةً حادّة تمّ نقلها مباشرةً على شاشات التلفزيون في جميع أنحاء العالم. وبحلول كانون الثاني/يناير 2015، كان المقاتلون الأكراد قد نجحوا في تحرير كوباني. وفي هذه العملية، أصبحت «وحدات حماية الشعب» القوة البرية المفضلة للحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا.

وبعد ذلك، وضع التحالف القائم بين «وحدات حماية الشعب» والولايات المتحدة هدفاً كبيراً لتحرير مدينة الرقة، العاصمة “الفعلية” لـ تنظيم «داعش» في سوريا. وفي حزيران/يونيو 2017، اخترق مقاتلو «وحدات حماية الشعب» وحلفاؤهم من العرب السنة تحت راية «قوات سوريا الديمقراطية» – بدعم من القوات الجوية و”القوات الخاصة” الأمريكية – دفاعات تنظيم «الدولة الإسلامية» ودخلوا أحياء الرقة الخارجية.

في ظل اقتراب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من تحقيق النصر على خلافة «الدولة الإسلامية» الذي أعلنها التنظيم بنفسه في سوريا، تبرز ساحة معركة جديدة ستشمل الفصائل المتناحرة التي تتنافس من أجل السيطرة على الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش».

وتمتد هذه الأراضي من الرقة عبر وادي نهر الفرات إلى الحدود مع العراق والصحراء السورية، المعروفة باسم البادية. وستُظهر الميليشيات الشيعية التي يقودها «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني، عدوانية بشكل خاص في سعيها للسيطرة على نقاط العبور على الحدود السورية العراقية والاستيلاء على أراضٍ في الجانب السوري.

وناهيك عن تطهير المنطقة الحدودية الغربية من العراق، ستسيطر القوات التي تقودها إيران على خطوط الإمدادات عبر العراق التي تربط الجمهورية الإسلامية بسوريا ولبنان، علماً بأن هذه الخطوط أساسية لنقل المقاتلين الشيعة والأسلحة والمعدات العسكرية.

كما ستحارب القوات الكردية والعربية السنية المدعومة من قبل الولايات المتحدة للسيطرة على المناطق الخاضعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» واضعةً نصب عينيها هدف ضمان حصة لها في سوريا المستقبلية – أو أراضيها، في حالة تفتت البلاد. وسوف يكون الصراع الناشئ بين القوات التى تدعمها إيران والقوات الأمريكية فى المنطقة عنصراً رئيسياً في ساحة القتال الجديدة.

وفي حين تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً للمرة الأولى في سوريا عام 2014 لهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»، تستدعي وقائع حقبة ما بعد الخلافة إلى قيام سياسةً أمريكية جديدة. إن التصدي للحملة العسكرية التي تقودها إيران في المناطق المأهولة بالسكان يمكن أن تكون حجر الزاوية في هذه السياسة.

نشر معهد واشنطن مقال تحليلي للباحث “نادر أوسكوي” وهو زميل زائر في معهد واشنطن ومستشار أقدم في مجال السياسات للقيادة المركزية الأمريكية حيث يقول حول الحاجة إلى سياسة أمريكية جديدة:

اليوم، تمّ عموماً تحقيق السياسة الأولية للولايات المتحدة الرامية إلى هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكلٍ ضيق. غير أن ساحة المعركة الجديدة في المناطق الخاضعة سابقاً لسيطرة التنظيم تدعو إلى اعتماد سياسة أمريكية جديدة تشمل أبرز مكوناتها استراتيجيةٌ تستهدف «فيلق القدس» الإيراني وميليشياته الشيعية.

ومن جانبهم، يبدو أن المسؤولين الأمريكيين يدركون بوضوح التهديد الذي ستطرحه الحملة الإيرانية في الأسابيع والأشهر المقبلة، ولديهم القدرة العسكرية على الرد. ويقيناً، من شأن الاستمرار ضمن حدود حملة لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» فقط أن يعارض المصالح الأمريكية الأوسع نطاقاً.

وعلى وجه الخصوص، يمكن تفسير أي خطوات عدائية من قبل القوات الموالية للنظام والمدعومة من إيران في المنطقة على أنها تتناسب مع معارضة الولايات المتحدة لتنظيم «داعش»، على الرغم من أن الاستراتيجية الإيرانية تركّز بوضوح على هزيمة قوات المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة وإخراج الولايات المتحدة من سوريا.

وفي غياب استراتيجية جديدة تعالج التدخل الإيراني في سوريا، بإمكان القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها، في أفضل الأحوال، اللجوء إلى تكتيكات الدفاع عن النفس عندما تتعرض للهجوم.

وفي خضم هذه العملية، يمكن لهذه السلبية النسبية أن تشجع إيران على تأجيج النيران على أمل طرد القوات الأمريكية من البلاد.

وتتمثل إحدى العوامل التي تزيد الأمور تعقيداً في الدعم الروسي لحملة الميليشيات الشيعية التي ترعاها إيران في المنطقة. وبالتالي، يُعتبر اعتماد استراتيجية أمريكية محددة المعالم لمواجهة أنشطة «فيلق القدس» في المنطقة ذات الأغلبية السنّية شرطاً أساسياً مسبقاً لحضّ روسيا على المساعدة في وقف التحركات الإيرانية في المنطقة، أو على الأقل عدم دعمها.

يُذكر أن القوات التي تقودها إيران، بدعم قوي من روسيا، تسيطر أساساً على غرب سوريا ذات القيادة العلوية.

ومن شأن توسعها نحو الجهتين الشرقية والجنوبية ذات الأغلبية السنّية أن يطيل أمد الحرب الأهلية ويوسّع رقعتها بشكل أكبر، مما سيزيد من مواجهة القوى الكبرى لبعضها البعض. ومثل هذه النتيجة يجب أن ترضي موسكو بقدر ما ترضي واشنطن. لذلك، يتعين على الولايات المتحدة التمسك بحزم بمنطق مفاده أنه عندما تسقط خلافة تنظيم «الدولة الإسلامية»، سيتولى السنّة إدارة الجانب الشرقي والجنوبي من البلاد ذي الأغلبية السنّية.

ولا بدّ من وضع حدّ فوري لأي محاولة تبذلها اإيران لتوسيع الصراع السنّي-الشيعي في تلك المناطق.

  • الجبهة الجنوبية:

في الوقت الذي مُني فيه تنظيم «الدولة الإسلامية» بهزيمة في شمال البلاد، اكتست الجبهة الجنوبية أهمية وسط تقلّص ساحة المعركة. وقد اعتزم شركاء الولايات المتحدة في الجنوب، المؤلفون من جماعات المعارضة العربية السنية المدربون على دحر التنظيم مع التركيز في الوقت نفسه على القوات الموالية للنظام، استعادة الأرض ذات الأغلبية السنّية في مرحلة ما بعد الخلافة في سوريا.

وقد دقّ رتل آلي من الميليشيات الشيعية يعمل تحت إشراف «فيلق القدس» الإيراني وقائده، الجنرال قاسم سليماني، ناقوس الخطر في أيار/مايو 2017 حيث تمكّن من اختراق المنطقة المعلنة لتسوية الصراعات تمتد على مساحة 34 ميلاً حول معبر التنف الحدودي بين سوريا والعراق.

يُذكر أن البلدة الحدودية – التي تأوي مقاتلي المعارضة السورية المدعومين من الولايات المتحدة والذين حرروا الموقع من تنظيم «الدولة الإسلامية» العام الماضي – هي حامية عسكرية للقوات الخاصة الأمريكية والقوات المتحالفة التي تقدم المشورة والمساعدة للمعارضة.

وفي 18 أيار/مايو، ضربت المقاتلات الأمريكية الموكب بينما كان يتقدم نحو القاعدة، بهدف تطويق قوات التحالف وعزلها على الأرجح، ودمرت العربات المدرعة التي زودتها إيران وتسبّبت بمقتل عناصر من مقاتلي الميليشيات.

وتعيق سيطرة المتمردين على مركز عسكري على طول طريق بغداد-دمشق السريع الرئيسي دون وصول «فيلق القدس» بالكامل إلى خطوط الإمدادات في المنطقة. وبعد بضعة أيام، أسقطت القوات الأمريكية مركبة جوية إيرانية مسلحة بدون طيار كانت تهاجم مقاتلين أمريكيين وآخرين من قوات المعارضة في منطقة التنف.

وأثبتت الحادثة استعداد «فيلق القدس» لمواجهة أصول الولايات المتحدة في سوريا بشكل مباشر، فضلاً عن استعداد الولايات المتحدة الجديد للرد على الاستفزازات الإيرانية في البلاد. وفي 19 حزيران/يونيو، اضطرت القوات الأمريكية مرة أخرى إلى إسقاط طائرة إيرانية بدون طيار بالقرب من حامية التنف.

وعلى طول المنطقة الحدودية المباشرة، هناك مدخل آخر إلى ساحة المعركة الجديدة، هو وادي نهر الفرات. وفي 18 حزيران/يونيو، هاجمت مقاتلة سورية قوات مدعومة من الولايات المتحدة جنوب الرقة – وهي المنطقة التي تدعم فيها القوات السورية العمليات التي يقودها «فيلق القدس»، مما دفع بالقوات الأمريكية إلى إسقاط الطائرة.

كما شنت إيران هجمات بالصواريخ الباليستية على أهداف تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» في الوادي، بما فيها مدينة دير الزور، في خطوة شكّلت انتقاماً صريحاً على الهجمات الإرهابية التي هزت طهران مؤخراً، لكنها تشير بلا شك إلى جميع خصومها، بمن فيهم الولايات المتحدة وحلفاؤها، عن عزم طهران على المنافسة خلال حقبة ما بعد سقوط التنظيم.

  • ساحة المعركة المتغيّرة:

مع الظهور المفاجئ لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في عام 2014، سرعان ما امتدت ساحة القتال السورية لتطال البلاد بأكملها، وتؤدي إلى تورط القوى الكبرى والجهات الفاعلة الإقليمية في القتال على مستويات لم يسبق لها مثيل. وكانت حملة الولايات المتحدة ضد التنظيم قد بدأت في كوباني خلال تلك الفترة.

وبعد مرور ثلاث سنوات، تؤدي الهزيمة الوشيكة لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في الرقة إلى تحويل الأنظار إلى البادية، المنطقة الحدودية السورية العراقية، ووادي نهر الفرات. ففي هذه المناطق، ستبرز العداوة والصراع في أوساط عدد كبير من الأطراف المشاركة في ساحة المعركة الآخذة في التقلّص والتي كانت تشكل في السابق مناطق تنظيم «داعش».

ومن المؤكد أن القوات التي تقودها إيران، تحت قيادة سليماني، ستمثّل التهديد المستقبلي الأكبر لأفراد الجيش الأمريكي ومصالحه في سوريا. ففي المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، تنفذ إيران استراتيجيةً تركّز على إقامة جسر بري يصل إلى سوريا عبر الأراضي العراقية.

ومثل هذه الخطة ستؤدي حتماً إلى نشوب صراع مباشر مع قوات المعارضة السنّية المدعومة من قبل الولايات المتحدة والتي يجب أن تسيطر على البادية ووادي نهر الفرات للقيام بدور في سوريا في المستقبل.

ومن ثم ستخوض قوات المعارضة السنية العربية المدعومة من قبل الولايات المتحدة أكبر معاركها ضد الميليشيات الشيعية بقيادة «فيلق القدس» في الصحراء. وفي الوقت الراهن، ستواصل الوحدات التي تقودها إيران استهداف الحامية العسكرية المعزولة في التنف، في محاولة لإقناع الولايات المتحدة بأن الاحتفاظ بها لن يكون عملياً.

وقد يرى سليماني أن الإنسحاب الامريكي من التنف يعتبر انتصاراً استراتيجياً ومعنوياً لايران. وفي الوقت نفسه، وعلى الجانب العراقي، تقوم «وحدات الحشد الشعبي» الشيعية بقيادة «فيلق القدس» بتطهير المناطق الواقعة غرب الموصل لإقامة روابط مباشرة من الأراضي الواقعة حول سنجار شمالاً إلى الحسكة، التي تشكل الجسر البري الشمالي، وجنوباً باتجاه القائم وأبو كمال للتخطيط للعمليات في وادي نهر الفرات والتجهيز لها.

والجدير في الذكر أنه في حين تتجه كافة الأنظار نحو التنف والحدود السورية -العراقية، تشهد الحدود مع الأردن أيضاً بعض التطورات الخطيرة بسبب إعادة نشر عناصر «حزب الله». وكانت عمّان قد أعربت مؤخراً عن قلقها ازاء التقارير التي تفيد بأن مقاتلي «حزب الله» يعززون القوات السورية في محاولتها استعادة محافظة درعا، التي تعدّ طريق إمدادات رئيسي لتسليم الأسلحة الأردنية إلى الجماعات المتمردة “المعتدلة”.

لكن يبدو أن معظم عمليات «حزب الله» تهدف إلى تقسيم المحافظة إلى جزئين بدلاً من السيطرة عليها بالكامل. ومن خلال قيامه بذلك، يأمل الحزب على ما يبدو بتحقيق ثلاثة أهداف: الوصول إلى أجزاء أكبر من مرتفعات الجولان ليشكّل تهديداً أكبر على إسرائيل، وقطع خطوط الاتصال إلى المتمردين في درعا، وضمان أمن دمشق بشكل أفضل ضد الهجمات المحتملة من قبل هؤلاء المتمردين.

وحالياً، تتركز معظم العمليات العسكرية لـ «حزب الله» على المنشية على طول الحدود الأردنية. ويبدو في الوقت الراهن أن القوات المتمردة في الجنوب المدعومة من واشنطن وعمّان قد نجحت في عرقة هذا التقدّم، ملحقةً بالحزب خسائر فادحة. فعلى سبيل المثال، خسرت الميليشيا الشيعية في يوم واحد الأسبوع الماضي خمسة عشر مقاتلاً خلال هجوم على المنشية.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى