الدراسات البحثيةالمتخصصة

صورة الآخر في أدبيات وخطاب جماعة الحوثي

إعداد: محمد أحمد الحميري – باحث دراسات عليا – معهد الدوحة للدراسات العليا – قطر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

تُعد الجماعات الدينية الإحيائية أكثر الجماعات تعرضًا للآخر فكرًا وممارسة؛ إذ إن أدبيتها وخطابها الديني او السياسي يقوم على تصنيفات متعددة للآخر والتعامل معه، وذلك بأطر وخطابات مختلفة، فهناك الآخر الخارجي (عقائديًا وحضاريًا)، وهناك الآخر الداخلي (عقائديًا وفكريًا وسياسيًا). والحركة الحوثية هي إحدى هذه الجماعات الإحيائية الجهادية المنبثقة عن المذهب الزيدي في اليمن والتي بدأت بوادر نشأتها في أواخر الثمانينيات واوائلالتسعينيات من القرن الماضي في مدينة صعدة شمالياليمن، حيث تمتلك مخزونًا هائلًا من المعاني والرموز التي تستخدمها في تعاملها مع الآخر.

تتبنى جماعة الحوثيين في مختلف خطاباتها وأدبياتها خطابًا دينيًا وسياسيًا تجاه الآخر؛ إذ إن هذا الآخر له تصنيفات ومصطلحات متعددة يمكن ملاحظتها ورصدتها من أول وهلة، فهناك آخر خارجي متمثل في بعض الديانات والدول كما يتضح ذلك على سبيل المثال في شعار الجماعة الدائم الذي ترفعه دائمًا في مناسباتها واحتفالاتها والذي ينادي بالموت لأمريكا وإسرائيل واللعنة على اليهود، وهناك آخر داخلي متمثل في مجموعة من القوى الفكرية والسياسية اليمنية التي لها مشاريع وتصورات مختلفة تقف بالند من الحوثية وافكارها.

تسعى الورقة الى دراسة صورة هذا الآخر في فكر الجماعة، بما يتضمنه ذلك من عودة الى موروث وإدبيات وخطابات قادة الجماعة الروحيين، وذلك بغية معرفة درجة تمثل هذا الآخر ومستوى حضوره والتصنيفات التي تعتمدها في تناولها للآخر على كافة المستويات، وبالتالي فإن السؤال الذي تنطلق منه الورقة هو من هو الآخر بالنسبة لجماعة الحوثي، وكيف يتمثل في خطابها وأدبياتها.

في مفهوم الآخر .. مدخل نظري

يعد مفهوم الآخر من المفاهيم والمصطلحات التي يدار الكثير من الجدل حول معناه ودلالته، فالآخر لطالما ارتبط وجوده وعلاقته بالأنا؛ إذ إن العلاقة بينهما هي علاقة جدلية ضمن العلاقات الثنائية القائمة على طبيعة الحياة، ويعتبر وجود أحدهما شرطًا لوجود الآخر وفهمه والاعتراف به. إن معرفة الآخر عملية تستوجب بالضرورة معرفة الأنا، ومعرفة كلًا منهما شرطًا لوجود الآخر واستمراره. إنه بحسب البعض “الشرط الرئيسي الذي لابد منه لكي يوجد آخر، حتى ولو لم يكن الشرط الوحيد. والحال أن هذا الأنا هو اختراع تاريخي، إنه اختراع متأخر العهد نسبيًا[1].

يتحدد الآخر وفقًا لمعطيين بديهيين؛ الأول إنه لا يوجد آخر من دون الوعي بوجوده، فالوعي كما سبق القول هو المحدد الرئيس للآخر، والقادر على تصوره أو تلمسه ومن دون هذا الوعي يستحيل إقرار الآخر ومعرفته، ذلك إن صورة الآخر ليست هي الآخر نفسه بل مفهومه. الثاني ان لا توجد علاقة بالآخر إلا على قاعدة غالب ومغلوب، ومن دون هذه القاعدة يضمحل الآخر ويصبح عدمًا، مندمجًا كل الاندماج، بحيث يصبح الأنا[2].

كما يعدمفهوم الآخر مفهومًا تطوريًا، فقد تشكل مع بداية المعرفة الوجودية، وذلك حين خلص الإنسان إلى أن له مثيل ولو كان مرئيًا او خياليًا. لقد جعل الإنسان البدائي في بعض الحضارات القديمة من الطبيعة والحيوانات آخرًا، مضفيًا عليه صيغ المنافس الوجودي، ثم تلى ذلك ان انتقل مفهوم الآخر ليعبر عن آخر مؤنسنًا، بدلًا من الآخر الأسطوري، فساد تقسيمًا طبقيًا بين أفراد المجتمع أفترض أسياد وعبيد وأغنياء وفقراء، فصار الآخر لكليهما نقيضًا[3].

يُشير تعريف الآخر في الأدبيات الحديثة والمعاصرة إلى أنه ذلك “الكائن المختلف عن الذات، فهو مفهوم نسبي متحرك، ذلك إلى إن الآخر لا يتحدد إلا بالقياس الى نقطة مركزية هي الذات، وهذه النقطة المركزية ليست ثابتة بصورة مطلقة. فقد يتحدد الآخر بالقياس إليّ كفرد أو إلى جماعة معينة قد تكون داخلية كالنساء بالقياس الى الرجال والفقراء بالقياس الى الأغنياء او خارجية بالقياس الى المجتمع بصورة أعم”[4].

ويربط البعض في تناوله لمفهوم الآخر بمعنى العدو، فأسهل طريقة بالنسبة لهم حين يتعلق الأمر بتعريف الآخر هو القول إن الآخر مختلف بشكل أساسي عن “نحن”. وبالنسبة الى أرسطو فإن الآخر المستبعد هو الغريب الذي لم يتمكن من استخدام وفهم اللغة المشتركة، ونتيجة لذلك أصبح البربري هدفًا للمطاردة، أي أصبح عبدًا. كما يذهب باحثون عصريون مثل فوكو إلى إدراك الآخر باعتباره شخص غير طبيعي ومجنون ومعوق. وهكذا فإن الواضح أن الآخر هو تعبير عام يغطي الحالات التي يعترف فيها بالاختلافات اللغوية والثقافية الأخرى والتي تشكل الأساس لهوية “نحن”[5].

من خلال ما سبق يتضح إن الآخر هو المختلف عنا في أي جانب من الجوانب التي نهتم بها، فقد يكون آخرًا من حيث الدين، الانتماء الاجتماعي، العرق، القبيلة، والقومية. وما الى ذلك، كما قد يلعب التوجه السياسي أو الانتساب الثقافي أو الفكري أو غيره دورًا في التصنيف كآخر، وهو ما يعني إن الآخر هو جزء من حياتنا كأفراد وشعوب نتأثر به ونؤثر فيه، ولا يمكن إلغاءه أو الانفصال الكلي عنه.

لقد درجت الدراسات الخاصة بصورة الآخر على التركيز على المختلف إثنيًا أو عرقيًا أو حضاريًا ولم يهتم الباحثون كثيرًا على المستوى السوسيولوجي بالآخر المختلف فكريًا أو عقديًا أي من داخل الـ”نحن” نفسها، وقد دل الواقع الراهن على إن اختلاف (الإخوة – الأعداء) في القضايا الفكرية والأيديولوجية قد يكون أكثر شراسة ودموية. فالآخر هنا ليس بالضرورة هو البعيد جغرافيًا أو صاحب العداء التاريخي او التنافس الدائم؛ إذ يمكن للذات أن تنقسم على نفسها ويحارب بعضها البعض الآخر[6]. وتكتسب مسألة دراسة الآخر لدى الجماعات الدينية الإسلامية خصوصًا الإحيائية منها أهمية كبيرة؛ إذ إنها تنبعث من حيوية كاسحة بين الأفراد تحاول تشكيل المجتمعات من جديد بالعودة الى الأصول، وبالتالي تحاول هذه الجماعات تكوين صورة للآخر المختلف عنها دينيًا وفكريًا بشحن خطابها بدلالات ورموز ومعاني وقبل ذلك تكوين صورة عن ذاتهم باعتبارها مرجعية وجماعات متميزة ومتسيدة.

صورة الآخر لدى جماعة الحوثي

تعتبر جماعة الحوثي إحدى الجماعات الدينية الاسلامية التي بدأت بوادر نشأتها في تسعينيات القرن الماضي، وذلك تحت اسم تنظيم “الشباب المؤمن” والذي كان يمثل إطارًا تربويًاوثقافيًا في البداية، حيث اقتصر نشاطه في ذلك الحين على اعادة احياء المذهب الزيدي وتربية الشباب وتأهيلهم عبر دراسة بعض علوم الشريعة مع بعض الأنشطة المصاحبة، وفق رؤية مذهبية زيدية غالبة، ثم ما لبث أن أنتقل بسبب بعض العوامل إلى تنظيم عسكري مسلح، بدءًا من منتصف العام 2004م، بحيث اصبح الحوثيون عنوانًا للجماعة واسمًا لها نسبة الى مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي الذي خاض مع السلطات الحكومية حينها ستة حروب منذ العام 2004 حتى العام 2009، كما يعرفون انفسهم أيضًا بإسم “أنصار الله.”[7]

يمكن القول ان الآخر في مخيلة وفكر الحوثيين كجماعة دينية وسياسية هو آخر متعدد، ولتعدد هذا الآخر في فكر الجماعة، سنقوم بوضع تقسيمًا معينًا، يفترض إن هناك آخرًا خارجيًا (عقائديًا وحضاريًا) يتمثل في اليهودية كديانة وأمريكا كدولة او حضارة، وآخرًا داخليًا (فكريًا وسياسيًا) يتمثل في السلفية الوهابية كفكر ديني، وحزب الإصلاح (الاخوان المسلمين) كحزب وفصيل سياسي. وستناول كل واحدًا على حده، مستدلين ببعض النصوص من أدبيات وخطابات الجماعة الفكرية والسياسية.

كيف يتمثل الحوثي نفسه؟

قبل أن نبدأ بتناولصورة الأخر في النصوص والأدبيات الخاصة بالجماعة، لابد بدايةً أن نحدد كيف ينظر الحوثيون إلى أنفسهم، وكيف يتصورون ذاتهم ودورهم تجاه الآخرين. ففي هذا الجانب، يمكن القول إن الحوثية جماعة متخيلة بتعبير بندكت اندرسون، حيث يشمل التخيل أنها محددة وسيدة أصلًا[8]، فتخيل هذه الأمة أو القومية على أنها سيدة يأتي عبر اعتبار المنتسبين والمؤمنين بها على أنهم يمتلكون شرعية سلالية تراتبية مفروضة إلهيًا. تعتقد جماعة الحوثي إنها تنتمي الى أهل البيت، وأهل البيت المقصود بها هنا هو بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا الاعتقاد هو انهم يزعمون ان لهم من الصفات والمؤهلات ما ليس لغيرهم، ليس لأنهم اكتسبوها، ولكن لأن الله أودعها فيهم واصطفاهم بها دون العالمين. أي أنهم معلمين منذ الولادة، معصومين من الخطأ والزلل، ولهم قدرات خارقة ويعلمون ما لا يعلمه سائر البشر وهم وحدهم من يفهم القرآن[9]. كما إن قائد الجماعة الراحل حسين بدر الدين الحوثي يؤكد على هذا الأمر في الكثير من الخطب والدروس التي كانت تلقى على طلابه، حيث يقول في أحد الدروس المعنونةبـ”مسؤولية أهل البيت” يقول الحديث النبوي “إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلن يكون إنقاذ الأمة من الضلال الذي تعيشه إلا على يد عترة رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) الذين هم قرناء القرآن”. كما إنه يربط نجاح الأمة والخروج من أزماتها بالعودة اليهم، حيث يقول: “لن تنجح الأمة، ولن تخرج من أزماتها، ولن تنقذ الأمة من الوضعية المهينة التي تعيشها، إلا بالعودة إليهم [ما إن تمسكتم به لن تضلوا] فإذا لم تتمسكوا ستضلون، إنها سنن إلهية ثابتة”[10]. كما إن الوثيقة الفكرية والثقافية التي كتبها أبرز علماء الزيدية وأمضى عليها قائد الجماعة الحالي عبدالملك الحوثي باعتبارها الرؤية والعقيدة المعبرة عن الجماعة تؤكد على فكرة “الاصطفاء”، “إن الله اصطفى آل بيت رسول الله محمد، فجعلهم هداة للأمة، وورثة للكتاب من بعد رسول الله الى أن تقوم الساعة”[11].

إن تناولنا للكيفية التي يتمثل بها الحوثيون أنفسهم، ربما تساعدنا على معرفة كيف يتمثل الآخر لدى هذه الجماعة، فالآخر الذي يتمثلونه يمكن ملاحظته بأنه كل ما هو في الضد من مشروع الجماعة وفكرها، وهو ما يجعل هذا الآخر متعددًا ومتنوعًا، وسنقتصر في تناولنا لهذا الآخر بتقسمه الى آخر خارجي وآخر داخلي، يتضمن مجموعة من القوى سنأتي عليها في الأسطر القادمة.

اولًا: الآخر الخارجي

يقصد بالآخر الخارجي هنا تلك الأطراف الخارجية التي يركز عليها خطاب الجماعة الحوثية، وهذا الآخر يمكن ملاحظته باعتباره اخر ديني او حضاري او غيره، وفي هذا سياق سنحاول تقديم صورة واضحة لهذا الآخر الخارجي في مخيلة وخطاب الجماعة عبر التركيز على طرفين اثنين هما: اليهودية كديانة، والولايات المتحدة الأميركية كحضارة.

  • صورة الآخر العقائدي: اليهود

يختزل شعار الحوثيين الرئيسي الذين يرددونه في كل مناسباتهم واحتفالاتهم الكثير من الدلائل والرموز تجاه الآخر؛ إذ إنه يتكون من أربعة مقاطع هي، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام، ومن خلال ذلك يمكن ان نستدل بالكيفية التي ينظر الحوثيون الى الآخر، خصوصًا ما يتعلق بالآخر اليهودي. هذا الآخر اليهودي ارتبط في الذهنية الحوثية بنظرة عدائية مقترنة باللعنة والهيمنة، كما يقترن أيضا بإسرائيل الدولة اليهودية العدو للعرب حسب خطابهم وما يرددونه، حتى إن اليهودي اليمني لا يتم التعامل معه بمعزل عن هذه النظرة، حيث يقول الزعيم الروحي للجماعة حسين بدر الدين في إحدى محاضرته بهذا الخصوص “اليهودي هنا في اليمن يرى أن أمته التي هو مرتبط بها، هم أولئك اليهود المنتشرون في أقطار الدنيا، نفسه مشدودة إلى إسرائيل وإن كان هنا في اليمن، ولد في اليمن، ونشأ في اليمن، ويتحدث بلغة اليمنيين، وله صداقات مع بعضهم، لكنه يرى أنه مرتبط بأولئك، هؤلاء ليسوا هم أهل ملته، وبالتالي فليسوا هم الأمة التي يعتبر نفسه واحداً منها”. كما أن الجماعة تستند الى نصوص دينية بموجبها تقوم بالتعامل مع اليهود، مثلًا يتخذون من الآية القرآنية {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} مناسبة للنظر الى اليهود، حيث يقول حسين الحوثي في تفسيره للآية “هذه حقيقة لا تتخلف}ولن ترضى عنك{ بلن النافية، لن يرضوا عنك أبدًا مهما عملت لهم، مهما قدمت لهم، مهما أظهرت من حسن نوايا معهم، مهما أظهرت من تعاون معهم، إنهم لن يرضوا عنك أبدًا”[12].

الأمر لم يتوقف فقط في مستوى النصوص والخطابات لدى قادة الجماعة، بل تجاوزه أيضا لمستوى معين من التطبيق، حيث قام الحوثيون بالتهديد بداية ومن ثم طرد مجموعة من الأسر اليهودية من محافظة صعدة (معقل الجماعة)، وذلك بداعي ممارسة الرذيلة؛ إذ لم تكتفي الجماعة بالاستدلال بالنصوص الدينية واعتبارهم اخر مختلف الديانة فحسب، بل كالت لهم مجموعة من التهم الأخلاقية. لقد تلقى اليهود اليمنيون رسالة من الحوثيين جاء فيها اتهامات لهم عن “قيامهم بأعمال تخدم الصهيونية التي تسعى جاهدة لإفساد الناس، وتجريدهم عن مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم وبث الرذيلة”[13]، إن هذا الأمر بالنسبة للجماعة الدينية الحوثية يتعارض مع الدين الإسلامي الذي يأمربمحاربة المفسدين ونفيهم حسب ما يؤكدون، وقد أدى هذا الأمر الى مغادرة اليهود الى العاصمة صنعاء، والبقاء فيها تحت حماية أجهزة السلطة آنذاك، ومن ثم تم ترحيلهم الى إسرائيل بحجج الخوف على حياتهم.

  • صورة الآخر الحضاري: أميركا

تحضر صورة أمريكا بشكل لافت في خطابات وأدبيات الجماعة، فقد سبق القول إن الحوثية تعتمد شعار رئيسي في ادبياتها وفكرها يتضمن الإشارة الى أمريكا صراحة كعدو ويدعوا بالموت لها (الموت لأمريكا)، والشعار قد أثار جدلًا كبيرًا لدرجة جعلت قائد الجماعة يخصص له العديد من المحاضرات والعديد من العناوين التي تدافع عن الشعار وتبرره، متهمًا منتقدي الشعار بأنهم يدافعون بذلك عن أميركا.

لقائد الجماعة حسين بدر الدين الحوثي نصوص عديدة يتحدث فيها عن أمريكا وخطرها ومخططاته، فـهم يعتبرونها “الشيطان الأكبر”، يقول الحوثي إنها”أمريكا وراء كل شر، لأن من يحكم ويهيمن على امريكا هم اليهود، واليهود كما حكى عنهم القرآن يسعون في الأرض فسادًا … إن امريكا أسوأ من الشيطان كما قال الإمام الخميني”[14]. اذًا يعتبر الحوثيين أمريكا عدوًا مباشرًا وشيطانًاأكبر، كما يتهمونها مباشرة بأنها من تقف وراء عداء الاسلام والمسلمين. الحرب الأخيرة على اليمن جعلت الحوثيين يستمرون في هذا الاتجاه في اعتبار أمريكا العدو الذي يحارب اليمن، حيث يعتبر قائد الجماعة عبدالملك الحوثي الحرب الحالية استهداف امريكي لليمن عبر وكلاء اقليميين، يقول في ذلك، “الامريكيون يديرون العدوان على اليمن،والنظام السعودي ليس إلاجندي مع العدوان الامريكي و من خلفه إسرائيل”[15].

يفتخر الحوثيون في خطبهم ان عدوهم هم أمريكا وحلفائها من الإسرائيليين وغيرهم، حتى إن السبيل بالنسبة اليهم لمعرفة أنفسهم والموالين لهم يتمثل في معرفة هذا العدو واعتباره كذلك، يقول قائد الجماعة الراحل في ذلك مستعيرًا كلامه من الإمام الخميني “يكفينا فخرًا أن تكون عدوتنا هي أمريكا وإسرائيل لنعرف اننا على خطى ثابت، واننا على موقف حق، فأن تكون أمريكا وإسرائيل عدو لنا سنكتشف من نحن، وكيف يجب ان نتعامل معهم، وكيف تكون نظرتنا اليهم”[16].

ثانيًا: الآخر الداخلي

يقصد بالآخر الداخلي تلك الأطراف الداخلية الموجودة في البيئة اليمنية والتي يتناولها خطاب الحوثية، فهذا الآخر يمكن ملاحظته باعتباره اخر فكري او سياسي او اجتماعي، وفي هذا سياق سنحاول تقديم صورة واضحة لهذا الآخر الداخلي في مخيلة وخطاب الجماعة، وذلك بالتركيز على طرفين اثنين هما السلفية التقليدية (الوهابية) كفكر ديني، وحزب الإصلاح كحزب سياسي.

  • صورة الآخر الفكري: السلفية الوهابية

تقوم العديد من الجماعات الدينية في صراعاتها الفكرية والسياسية باختلاق آخر عدو، فلا تستطيع ان تعيش دون هذا الآخر لاسيما العدو الذي تستطيع تحويله الى شماعةٍ يحمل اخطائها ومبرر لتصرفاتها. بالنسبة لجماعة الحوثي، يتعدد هذا الآخر في العديد من الجمعات الدينية الداخلية كالقاعدة او السلفية التقليدية او داعش او الاخوان، لكن ممكن ان نختار احدى هذه الجماعات ونتفحص كيف تنظر اليها الحوثية، ولتكن السلفية التقليدية أو كما تسميها “الوهابية”.

من المعلوم إن الزيدية التي تنتمي اليه الحوثية مذهب يصنف باعتباره أقرب المذاهب الى الشيعة، والمذاهب الشيعية لها خلفية فكرية بالنقيض ربما للفكر السني السلفي الوهابي، وفي هذا الإطار، يحظى الفكر السلفي الوهابي على وجه الخصوص باهتمام كبير لدى الحوثية لاسيما الأب الروحي لقائد الجماعة الراحل بدر الدين الحوثي الذي ألف كتابا من جزئين أسماه “السلسلة الذهبية في الرد على الوهابية”. في هذا الكتاب يخصص الحوثي العديد من المقالات التي يرد بها على الدعوة السلفية، حيث يطلق عليهم أوصافًا من قبيل “الوهابية”، نسبة الى محمد ابن عبدالوهاب، وكذلك “النواصب”، أي من ينصبونعداوتهم ويظهرونبغضهم لأهل البيت[17].

تحضر الوهابية كذلك في خطابات الجماعة بشكل متكرر، لاسيما حينما يتم الإشارة الى الجماعات السلفية اليمنية التي تتلقى دعمًا من المملكة العربية السعودية، فمثلًا كان يتم وصم الشيخ السلفي مقبل الوادعي وتلاميذه في مركز دار الحديث بمنطقة دماج بالوهابي والتابع، حيث كانوا ينظرون اليهم كخطر فكري محدق ودخيل في بيئة زيدية كاملة رغم تنشئته الزيدية في أول الأمر، وهو ما استدعاهم في الأخير بعد تمكنهم من السيطرة على المحافظة الى طرد طلاب وأهالي المركز، بعد موجه حرب طاحنة دارت بينهما مخلفة عشرات القتلى والمصابين، ورغم تأكيد زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي في رسالته التطمينية لأهل المنطقة بأن لهم خصوصيتهم ومذهبهم، إلا ان المركز في نهاية الأمر  تم انهاء دوره الفكري، مع مغادرة جميع الطلاب المحليين والأجانب[18].

لقد سبق القول ان الحوثية جماعة سلالية متسيدة، وإن هذا الأمر يلعب دورًا مهمًا في نظرتها وتصنيفها للآخر، سواء الآخر الديني أو الفكري او الاجتماعي، هذا الأمر لعب دورًا في بدايات تأسيس مركز دماج السلفي على يد الشيخ مقبل الوادعي مؤسس السلفية التقليدية في اليمن. لقد عانى الوادعي صعوبات حينما شرع في تأسيس المركز، ليس فقط بسبب المذهب واعتباره مذهب دخيل على الزيدية، إنما أيضا لاعتبارات أخرى كان من بينها البعد الاجتماعي،فهووبالرغم من تنشئته وتربيته في أسرة زيدية، إلا إنه لم يكن ينتمي للأرستقراطية الدينية المعروفة “سلالة النبي”، فـ”هو حين حاول تأسيس مركز دار الحديث كان يتم تذكيره بمكانه في السلم الاجتماعي؛ إنه ليس سوى قبائلي وضيع لن يحلم بالخروج من طبقته، تهكموا قائلين: مهما دعكنا الممسحة، فلن تصبح أبدًا بيضاء. كان هذا التنبيه الديني والاجتماعي مهينًا بشكل خاص، لأنه صدر عن هؤلاء الذين يحمون شحوب بشرتهم بمظلات واسعة كيلا يصبحوا كالفلاحين”[19]. كان هذا الوصف الذي نقله الكاتب الفرنسي فرانسوا يورغا يوحي بأهمية البعد الاجتماعي في تفسيره لمفهوم الآخر لدى هذه الجماعة ونظرتها للآخر الاجتماعي الذي لا ينتمي لنفس المرتبة الاجتماعية خاصتهم والتي تسمى بـ”السادة” الهاشميين.

  • صورة الآخر السياسي: الاخوان المسلمين (التجمع اليمني للإصلاح)

يمثل التجمع اليمني لإصلاح أحد أبرز الأحزاب والجماعات المناوئة سياسيًا وفكريًا للحوثية، فقد خاضت صراعًا سياسيًا بجانب السلطة الحكومية أبان الحروب الست، وذلك عبر بعض وجاهاته واعضائه كما يتهمها الخطاب السياسي للحوثية. لقد تجليت صورة الإصلاح لدى الحوثية في هذه الفترة التي تعيشها اليمن أكثر من أي فترة مضت، حيث برز الإصلاح كخصم سياسي مع دخوله الصراع بداية العام 2015 كخصم سياسي وعسكري لدود للحوثية، خصوصًا في المناطق الشمالية من اليمن.

تتعدد الأوصاف التي تستخدمها الحوثية في وصفها لحزب لإصلاح، ففي خطاب تلفزيوني لقائد الجماعة عبدالملك الحوثي يصف فيه حزب الإصلاح بـ”العمالة”، كما يتهمه أيضًا بـ”لعب دور سلبي في إذكاء الصراعات المذهبية والمناطقية، والتحالف مع تنظيم القاعدة وباستخدام أساليب قذرة”، إنهم بالنسبة له “حزب اقصائي الغائي تقوم ادبياته على فكرة الاقصاء والاستحواذ، وأن يكونوا هم المتغلبون في الساحة”، كما يستخدم قائد الجماعة أيضا نصوص دينية تصور حزب الإصلاح بصورة شيطانية، “إن تحركات الإصلاح هي تحركات شيطانية، يقول تعالى إن الشيطان ينزغ بينكم، فهم يسعون الى النزغ بين الشعب اليمني ويتحركون بأساليب الشيطان وتحت رايته”[20].

كما يستخدم الاعلام التابع للجماعة العديد من القوالب والأوصاف التي تستهدف الحزب، فمن ضمن ما يرددونه في خطابهم العملاء، الغزاة، المنافقين، المرتزقة والطابور الخامس، ان الآخر وفقًا لهذا الخطاب ليس سوى مرتهن للخارج ومنفذ للقوى الخارجية.

خاتمة:
سعت الورقة الى تناول صورة الآخر في فكر جماعة الحوثي، حيث تناولت بداية مفهوم الآخر في مجموعة من الأدبيات والدراسات، ثم تم الانتقال الى مجموعة من الخطابات والنصوص الخاصة بجماعة الحوثي، ومن خلالها سعت الورقة الى استخراج مجموعة من الرموز والمعاني التي تنظر فيها الجماعةالى الآخر وتصنيفه.

تم التركيز في هذه الورقة على أربعة تصنيفات واضحة، وذلك من خلال تقسيمهما الى قسمين: آخر خارجي وآخر داخلي. الآخر الخارجي اعتمدنا تقسيمين له: آخر ديني متمثل باليهود، وآخر حضاري متمثل في أمريكا، وقد رأينا كيف ان الحوثية تتصور أنصار الديانة اليهودية وتدعوا باللعنة عليهم سواء اليهود الإسرائيليين او اليهود اليمنيين، كما رأينا الصورة التي تنظر بها الجماعة الى أمريكا كدولة وحضارة عبر الشعار الذي تردده دائما في خطابها، حيث إن اليهودية كديانة وأمريكا كحضارة بالنسبة للجماعة يتم النظر اليهما بنظرة شيطانية، باعتبارهما أعداء للأمة الإسلامية. وفي الجزء الثاني المخصص للآخر الداخلي، فقد تم التركيز على فصيلين اثنين، الأول السلفية الوهابية كحركة فكر ديني، والثاني حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) كحزب سياسي، وتتشابه النظرة والتصور التي تحمله الجماعة تجاه هذين التيارين في انها صورة عدوانية شيطانية تتصورهم بصورة دونية وليست في نفس المرتبة الاجتماعية الت ينتمون اليها.

ويمكن القول إن مفهوم الآخر بالنسبة لجماعة الحوثي ينبني على العداء والمنافسة والشيطنة لكل من يعاديها ويقف في الطريق لمشروعهم، وبالتالي كان التعامل مع هذا الآخر بشكل عدائي، ومتعالي في احايين عديده، له منطلقات مختلفة، الديني او الاجتماعي الذي يرى من الآخر دونيًا ويحل في مرتبة أدنى منهم في سلم التراتب الاجتماعي.

المراجع:

كتب

  • أندرسون، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. بيروت: شركة قدمس للنشر والتوزيع، 2009.
  • الحوثي، بدر الدين. السلسلة الذهبية في الرد على الوهابية. صنعاء: مركز الشهداء للأعمال الثقافية والفكرية، 2016.
  • الدغشي، أحمد محمد. الحوثيون ومستقبلهم العسكري والسياسي والتربوي. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2013.
  • يورغا، فرانسوا. الإسلام السياسي في زمن القاعدة: إعادة أسلمة، تحديث، راديكالية. دمشق، شركة قدمس للنشر والتوزيع، 2006.
  • مجموعة مؤلفين. صورة الآخر: العربي ناظرًا ومنظورًا إليه. تحرير: الطاهر لبيب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008.
  • كاظم، نادر. تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004.

 

دوريات

  • آل حبيل، ذاكر. “الآخر بوصفه مفهومًا: حول طبيعة تشكل مفهوم الآخر في الوعي الإنساني”، مجلة الكلمة، العدد 40، (صيف 2003).
  • عزان، محمد يحيى. “أهل البيت: المصطلح والمرجعية”، مجلة المسار، العدد 47، 2015.

وثائق وخطابات مسجلة

  • الحوثي، وآخرون.” الوثيقة الفكرية والثقافية”، 13 /2/ 2012.
  • الحوثي، حسين بدر الدين. “مسؤولية أهل البيت”. خطاب مسجل. 21/12/2002.
  • الحوثي، حسين بدر الدين. “دروس من هدي القرآن: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى”، محاضرة مسجلة. 10/2/2002.
  • الحوثي، حسين بدر الدين. “خطر دخول أمريكا في اليمن”، خطبة مسجلة. 3/2/2002.
  • الحوثي، حسين بدر الدين. “من نحن ومن هم”. خطبة مسجلة. شوال 1422.
  • الحوثي، عبدالملك. خطاب تلفزيوني. 26/2/2015.
  • الحوثي، عبدالملك. خطاب تلفزيوني، 19/ 4/ 2015.

[1]جان فارو، “الآخر بما هو اختراع تاريخي”، صورة الآخر: العربي ناظرًا ومنظورًا إليه، تحرير: الطاهر لبيب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008) ص 45.

[2]دلال البزري، الآخر المفارقة الضرورية، في صورة الآخر: العربي ناظرًا ومنظورًا إليه، تحرير: الطاهر لبيب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 103.

[3]ذاكر آل حبيل، “الآخر بوصفه مفهومًا: حول طبيعة تشكل مفهوم الآخر في الوعي الإنساني”، مجلة الكلمة، العدد 40، (صيف 2003)، موجود على الرابط التالي:http://www.kalema.net/v1/?rpt=86&art

[4]نادر كاظم، تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص 20.

[5]فيلهو هارلي، مفهوم ومواريث العدو في ضوء عملية التوحيد والسياسات الأوروبية، في صورة الآخر: ناظرًا ومنظورًا إليه، تحرير: الطاهر لبيب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 54 – 55.

[6]حيدر إبراهيم علي، صورة الآخر المختلفة فكريًا: سوسيولوجية الاختلاف والتعصب، في صورة الآخر: العربي ناظرًا ومنظورًا إليه (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 111

[7]أحمد محمد الدغشي، الحوثيون ومستقبلهم العسكري والسياسي والتربوي (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2013)، ص 18.

[8]بندكت أندرسون، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (بيروت: شركة قدمس للنشر والتوزيع، 2009)، ص 52.

[9]محمد يحيى عزان، “أهل البيت: المصطلح والمرجعية”، مجلة المسار، العدد 47، 2015، ص 71.

[10]حسين بدر الدين الحوثي، “مسؤولية أهل البيت”، خطاب مسجل بتاريخ 21/12/2002، موجودة على الرابط: http://www.abojebril.com/?p=1081

[11]عبدالملك الحوثي وآخرون،الوثيقة الفكرية والثقافية، 13 فبراير 2012، ص 7.

[12] حسين بدر الدين الحوثي، “دروس من هدي القرآن: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى”، محاضرة القيت في 10/2/2002، أنظر الرابط: http://bit.ly/2ptSU7L

[13]عبده عايش، “يهود اليمن يحتفلون بالفصح ويشكون الحوثيين”، الجزيرة نت، 12/4/2009، انظر الرابط: http://bit.ly/2qOQxNG

[14]حسين بدر الدين الحوثي، “خطر دخول أمريكا في اليمن”، خطبة القيت في 3/2/2002، انظر الرابط: http://bit.ly/2q4qgfj

[15]عبدالملك الحوثي، خطاب تلفزيوني، 19/ 4/ 2015، أنظر الرابط: http://bit.ly/2pxhyoZ

[16]حسين بدر الدين الحوثي، “من نحن ومن هم”، خطبة القيت في شوال 1422، أنظر الرابط: http://bit.ly/2ppTtnH

[17]بدر الدين الحوثي، السلسلة الذهبية في الرد على الوهابية (صنعاء: مركز الشهداء للأعمال الثقافية والفكرية، 2016)، ص 50 – 51.

[18]الوثيقة التطمينية لأهالي دماج منشورة في الرابط التالي: http://bit.ly/2pqeQW2

[19]فرانسوا بورغا، الإسلام السياسي في زمن القاعدة: إعادة أسلمة، تحديث، راديكالية (دمشق، شركة قدمس للنشر والتوزيع، 2006)، ص 41 – 42.

[20]عبدالملك الحوثي، خطاب تلفزيوني، 26/2/2015، أنظر الرابط: http://bit.ly/2r63i6G

  • تحريرا في 23-6-2017
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق