الرئيسية / قسم الدراسات والعلاقات الدولية / العلاقات المغربية الاسبانية التحديات والرهانات
العلاقات المغربية الاسبانية التحديات والرهانات
العلاقات المغربية - الاسبانية

العلاقات المغربية الاسبانية التحديات والرهانات

اعداد : فاطمة لمحرحر – باحثة في الدراسات السياسية والعلاقات الدولية المعاصرة – كلية الحقوق فاس

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

ظلت العلاقات المغربية الاسبانية طيلة عدة سنوات مطبوعة بالمد والجزر، وغالبا ما كان يسودها التوتر بوصول الحزب اليميني الاسباني للحكم، لتعرف نوعا من الانفتاح بوصول الاشتراكيين للحكم. لقد تزامنت الانتخابات التشريعية في كل من المغرب واسبانيا لتحمل إلى السلطة حزبين محافظين: حزب العدالة والتنمية المغربي والحزب الشعبي الاسباني، الشيء الذي دفع بالعديد من المتتبعين إلى طرح عدة تساؤلات حول مستقبل العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد بسبب تمركز خطاباتهما السياسية حول الروح الوطنية والتشبث بالمقومات القطرية. إن العلاقات الاسبانية المغربية في شكلها الحالي، ليست سوى مرحلة من مراحل تطور العلاقات بين البلدين، إذ تعتبر من أقدم العلاقات في العالم، وفي هذا الإطار تؤكد المؤرخة الاسبانية ” ماريا روسادي مادارياغا” أن المغرب لم يشكل بالنسبة لاسبانيا قضية سياسية خارجية، وإنما مسألة داخلية امتصت لسنوات كل أنشطة واهتمامات البلد، ووجهت سياسة حكوماته.

تعتبر العلاقات المغربية الاسبانية من أعقد العلاقات وأطولها تاريخيا مقارنة مع العلاقات المغربية الفرنسية أو العلاقات المغربية الأمريكية، بحكم القرب والجوار والتفاعل الحضاري بالإضافة إلى محددات تعد بمثابة ثوابت تتحكم في العلاقات الثنائية بين البلدين.

وعلى أي، تبقى الخصوصية والأهمية النوعية للعلاقات المغربية الاسبانية (التاريخ، التفاعل الثقافي، التقاطع السياسي والجغرافي والأمني)، والكمية ( الاقتصاد، التجارة، الديموغرافيا). هما المقياسين اللذين يحددان اختلاف  طبيعة هذه العلاقات بشكل ملحوظ عن علاقة المغرب بباقي دول أوربا الغربية. إن الاختلاف في مستوى النمو بين المغرب واسبانيا، ولد العديد من المشاكل ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، على غرار ملف الهجرة السرية، الإرهاب و المخدرات، والتهريب بالإضافة إلى ملف الصيد البحري والذي يعكس بوضوح تفاعل جميع هذه القضايا مع المحيط الدولي. حيث أن دراسة العلاقات المغربية الاسبانية لا  يمكن عزلها عن الإطار العام للاكراهات الدولية والإقليمية، فموقع البلدين جعل منهما ركيزتين أساسيتين في الإستراتيجية الاورومتوسطية من جهة، ومحط اهتمام القوى الدولية من جهة أخرى. إلا أن تنوع العلاقات وأهميتها بين المغرب واسبانيا وخاصة في المرحلة الحالية، يفرض علينا دراسة هذه العلاقات من زاوية مختلفة، تأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسية الجديدة في البلدين، وتأثيرها على مسار علاقات المغرب واسبانيا.

ومن خلال ما سبقت الإشارة إليه يتبادر إلى ذهننا مجموعة من التساؤلات فيما يخص العلاقات المغربية الاسبانية، ما مدى تأثير التحول في سلطة القرار السياسي بالبلدين على العلاقات المغربية الاسبانية؟ وما هي طبيعة ومحددات هذه العلاقات؟ وما هي طبيعة التعاون المغربي الاسباني؟ وما هي الرهانات الإستراتيجية لعلاقات المغرب واسبانيا؟ وما هي الآفاق المستقبلية في طل المتغيرات التي يعرفها المنتظم الدولي؟ وسنحاول الإجابة عن ذلك من خلال هذه الورق في إطار المحورين التاليين  :

  • أولا: البعد الجيوبوليتكي للعلاقات المغربية الاسبانية
  • ثنايا: الرهانات الإستراتيجية لعلاقات المغرب واسبانيا                                                 

أولا: البعد الجيوبوليتكي للعلاقات المغربية الاسبانية                                    

يعتبر مفهوم ” الجيوبوليتك” من بين أكثر المفاهيم غموضا فحتى ظهوره في نهاية القرن العشرين، باعتباره أفكارا تدرس علاقة الإنسان بالبيئة الجغرافية، مر بتطورات عديدة صقلته أحيانا وغيرت عناصره أحيانا أخرى.

يعتبر المغرب من الدول التي تفاعلت بشكل كبير مع العوامل الجيوسياسية المتوفرة لها، وحالة المغرب كما قال الأستاذ الحسان بوقنطار” تذكرنا باستمرار أن الجيو سياسة ما زالت تمارس دورا مهما في التأثير على وضع الدولة وعلاقتها بباقي الدول الأخرى. إذ يوجد المغرب في وضعية جيوسياسية متميزة واستثنائية بحيث يوجد في منطقة تماس حضاري، وفي ملتقى بحرين وثلاث قارات ولعل ما زاد من أهمية هذا الموقع مراقبة المغرب لجانب من ممر مضيق جبل طارق الذي يصل المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط.[1]

هذا الموقع الذي وصفه الملك الراحل الحسن الثاني عندما قال ” المغرب يشبه الشجرة التي تمتد جذورها المغذية امتدادا في التراب الإفريقي وتتنفس بفضل أوراقه التي يغذيها النسيم الأوروبي”. مما فرض عليه نهج سياسية الانفتاح في العديد مع العديد من الدول التي تنتمي لمختلف الفضاءات.  واسبانيا من أهم الدول التي حرص المغرب على الانفتاح عليها والتفاعل معها بفعل القرب الجغرافي وإفرازات المراحل السابقة.

كانت كل الحياة الاسبانية تدور حول المغرب، إلى أن تحول إلى صفحة من صفحات تاريخ اسبانيا، بهذا تختزل المؤرخة الاسبانية ماريا روسادي مادارياغا طبيعة وتاريخ العلاقات المغربية الاسبانية[2].

إن طبيعة العلاقات المغربية الاسبانية تستوقفنا في تحليل بعض المواقف والظواهر في هذه العلاقات، والوقوف أكثر على بعض الأحداث مركزين على الجانب السياسي والدبلوماسي قصد ابراز دوره في تحديد طبيعة هذه العلاقات (أ- العلاقات السياسية والدبلوماسية). كما يبقى العامل الاقتصادي حاضرا في العلاقات المغربية الاسبانية (ب- العلاقات الاقتصادية).

 أ- العلاقات السياسية والدبلوماسية                                                                          

لقد لعب التاريخ المشترك لاسبانيا مع العالم العربي دورا هاما في صياغة العلاقات الحالية، يمكن القول أن العناصر الجغرافية هي التي فرضت مجرى التاريخ المغربي في علاقته مع الجار الاسباني إلى حد بعيد… إن أهمية المغرب بالنسبة لاسبانيا ليس كموقع جغرافي استراتيجي فقط ولكن من خلال مواقفه السياسية المعتدلة وتوجهاته الاقتصادية الليبرالية.[3]  بالرغم من كون العلاقات بين المغرب واسبانيا هي علاقات ثنائية، فإنها تخضع لمنطق الضغوطات الدولية، خاصة في الملفات الحساسة، والتي تؤثر بشكل أو بأخر على هامش حرية تحرك البلدين وتطور العديد من الاختيارات السياسية وتساهم في صياغة طبيعة علاقات البلدين.  وبالتالي فإن هذا التداخل الكبير والمتفاعل لهذه المعطيات في العلاقات المغربية  الاسبانية قد فرض على كل طرف نهج سياسة تقوية العلاقات الثنائية.

إن الموقع الجغرافي للمغرب في أقصى شمال إفريقيا وإشرافه على مدخل البحر الأبيض المتوسط ساعد على توجهه نحو أوروبا. نظرا لوجوده في ملتقى محورين أساسين، محور الشمال والجنوب، باعتباره صلة وصل بين القارة الإفريقية والقارة الأوربية ومحور الشرق والغرب.   ولازال هذا  العامل يحافظ على مكانته الجيوسياسية  رغم التغيرات التي يشهدها النظام العالمي.[4] وقد بلغ التقارب بين المغرب واسبانيا أوجه بتوقيع معاهدة الصداقة والجوار والتعاون في يوليوز 1991 والتي سمحت بفتح قنوات للاتصال المستمر وتنظيم لقاءات دورية للتشاور والتنسيق على أعلى المستويات. ولم تقتصر أهداف هذا الإطار على زيادة التبادل ودعم الشراكة والتعاون في المجال الاقتصادي والوصول في تفاهمات بشأن الموضوعات التي تهم البلدين كمشكلات الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة واتفاقات الصيد البحري وتنافس المنتوجات الزراعية للبلدين على السوق الأوربية، بل إنه أيضا سمح في مناسبات عديدة ساعد على تلطيف الأجواء وتيسير التعامل مع ملفات حساسة كالخلاف حول سبتة ومليلية والتنقيب عن النفط في قبالة السواحل المغربية وجزر الكناري، فضلا عن المواقف من تطورات قضية الصحراء.[5] غير أن العلاقات المغربية الاسبانية تعرضت ابتدءا من أواخر عام 2000 لتوتر لم تعرف له مثيل منذ نهاية عهد فرانكو. هذا التوتر الذي يعتبر أطول أزمة مرت بها العلاقات بين البلدين، استمرت على امتداد الولاية الثانية لخوسي ماريا اثنار (2000-2004). حيث طال أمد الأزمة وعرفت تطورات خطيرة بلغت ذروتها صيف 2002 عندما أقدمت اسبانيا على إنزال قوات خاصة للإخلاء جزيرة ليلى.[6] أما على امتداد سنوات الحكم الاشتراكي لتاباثيرو (2004-2011) فقد شهدت العلاقات المغربية الاسبانية قدرا من الاستقرار لم تؤثر عليه إلا في حدود بعض الأزمات من حين للآخر على خلفية تباين وجهات النظر بشأن بعض القضايا كأوضاع الجالية المغربية في اسبانيا، العلاقات الاقتصادية بين المغرب والاتحاد الأوربي…

لا يمكن استيعاب مسار العلاقات الاسبانية المغربية وفهم تقلباتها دون إلقاء نظرة على التحولات التي مر بها المنظور الاستراتيجي الذي يحكم سياسة اسبانية الخارجية. لقد شكل الموقع المتميز والتاريخ الحافل والعلاقات الثقافية الممتدة، عوامل وفقت اسبانيا في توظيفها بنجاح ابتدءا من أواسط الثمانينات للإعادة تطبيع وضعها الدولي مستفيدة من اطراد النمو الاقتصادي وتطور التجربة الديمقراطية. فضلا عن الاندماج في تكتلات اقتصادية والإستراتيجية هامة كالاتحاد الأوربي وحلف الناتو.[7]

وهكذا كرست اسبانيا دورها كقوة دولية متوسطة الوزن تضطلع بأدوار رئيسية في مجالات الطبيعية لنشاطها الدبلوماسي، مثل الفضاء المتوسطي وأمريكا اللاتينية، مستفيدة في ذلك إلى مباركة شركائها الغربيين وترحيب وتعاون أصدقائها في المناطق المذكورة. غير أن السياسية الخارجية الاسبانية عرفت انقلابا جذريا مع مطلع القرن الحالي، عندما وضع رئيس الحكومة السابق “خوسيه ماريا اثنار” نصب عينه احتلال موقع أكثر تقدما على الساحة الدولية.[8] ولتحقيق ذلك الهدف راهن على الاقتراب أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، كما سعى إلى زيادة نفوذه داخل أوروبا عبر التنافس مع القوى التقليدية في القارة خاصة فرنسا. كما أظهرت اسبانيا غداة عودة الاشتراكيين إلى السلطة حماسا للعب دور متميز في منطقة شمال إفريقيا سواء على مستوى البحث عن حل لقضية الصحراء أو من خلال دعم مسار الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية في إطار الشراكة الاورومتوسطية. لكن هذا الطموح، اصطدم مبكرا بعقبات عديدة، أهمها تعقيدات ملف الصحراء وغياب سياسة خارجية فعالة للاتحاد الأوروبي، فضلا عن المقاطعة الأمريكية لثاباتيرو. ورغم ذلك فقد تحقق بصورة خاصة تقدم كبير على مستوى العلاقات مع المغرب حيث عاد الدفء إلى العلاقات الدبلوماسية واختفت مظاهر التراشق الإعلامي وأعيد تفعيل قنوات التشاور والتنسيق. [9]

أكد خبراء ومحللون وسياسيون أن زيارة الملك الاسباني ” فيلبي السادس” للمغرب قي يوليو 2014 تعزز مكانة المغرب كبلد استراتيجي وذي أولوية بالنسبة إلى اسبانيا في جميع المجالات. كما أوضحوا أن هذه الزيارة تندرج  في استمرارية العلاقات الثنائية التاريخية وتعطي زخما ودينامية جديدة لعلاقات الصداقة والتعاون بين البلدين، بالإضافة لدعم الاتصالات الدائمة بين مسؤولي البلدين من اجل الارتقاء بهذه العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والثقة، وحسن الجوار والتعاون رابح- رابح والشفافية كأي علاقات بين الدول التي تتداخل فيها المصالح والرؤى والطموحات. كما تعكس هذه الزيارة، وفق الخبير المغربي في العلاقات المغربية الاسبانية ” عبد الرحمان الفاتحي” بشكل جلي التوافق السياسي بين البلدين وتعزز التقارب نحو أفق تعاون اقتصادي أرحب في محيط إقليمي حافل بالمتغيرات الجيوسياسية.[10]

بالإضافة إلى ما سبق فالعلاقات المغربية الاسبانية تتقاطع في العديد من المجالات الجغرافية، لذا حصل المغرب على الوضع المتقدم في الاتحاد الأوربي، إلى جانب المجال المغاربي ثم الفضاء المتوسطي، الآمر الذي يظهر أهمية موقع البلدين بحيث يجعل منهما مركز اهتمام القوى الدولية، لكن رغم ذلك فإن إسبانيا لا زالت تتمسك بالمفهوم التقليدي للحدود، على عكس سياسة الجوار الأوروبية الجديدة والتي تتحول في ظلها الحدود إلى فضاء للقاء والتبادل في إطار المستقبل المشرك.[11] وهكذا فإن البلدين ملزمين بوضع إستراتيجية جديدة لتطوير علاقاتهما، والتي تضمن حقوق المغرب، وفي نفس الوقت تحافظ على المصالح الاسبانية.

لعل المتغير الأبرز ضمن محددات علاقة البلدين، هو وصول حكومتين جديدتين إلى السلطة في كل من مدريد والرباط. هذا المتغير يمكن أن يدفع في اتجاه التفاهم كما يمكن أن يقود إلى التصادم، حسب احتياجات وخيارات كل طرف وكذا الظروف التي تكتنف هذه العلاقات.

إلا أنه وبتحليل خطابات الحزبين عندما وصلا إلى السلطة يتبين أنها تتميز ببراغماتية وواقعية سياسية، ذلك أن هدف اسبانيا الأساسي حاليا يتمثل في نقطتين أساسيتين: الأولى، جعل المغرب” الدر كي الأول” في مكافحة الهجرة السرية وخاصة منع المهاجرين الأفارقة من الوصول إلى سبته ومليلية المحتلتين وكذلك الجزر الجعفرية، بحكم أن الاقتصاد الاسباني لا يمكنه في الوقت الراهن تحمل ضغط الهجرة، والنقطة الثانية، تتمثل في حرص اسبانيا للحصول على أولوية وأفضلية للشركات الاسبانية في الصفقات الاقتصادية الكبرى للاستفادة من السوق المغربية.[12]

      ب- العلاقات الاقتصادية

ترتكز العلاقات الثنائية مع اسبانيا على مجموعة من الاتفاقيات أهمها اتفاقية الصداقة والتعاون وحسن الجوار التي تمت المصادقة عليها سنة 1993 . والتي تنقسم إلى ثلاثة محاور كبرى تبتدئ بتصدير يتضمن الإطار الذي يحكم العلاقات المغربية الاسبانية والطموحات التي تحركها. والمحور الثاني خصص للمبادئ التي ستميزها مستقبلا كاحترام الشرعية الدولية والسيادة الداخلية والامتناع عن اللجوء إلى التهديد بالقوة… أما المحور الثالث اهتم بالعلاقات السياسية والتعاون في مختلف المجالات.[13]

تنمو العلاقات الاقتصادية بين المغرب واسبانيا بشكل متميز يعكس عمق الروابط التي تجمع بين الطرفين، ويدعم هذه العلاقات القرب الجغرافي للبلدين والشركات الاسبانية المنشأة بالمغرب التي تتعدى 800 شركة، والعدد المهم للجالية المغربية في اسبانيا، وكذا للتدفق المتزايد للمهاجرين الاسبان إلى المغرب في الآونة الأخيرة. وفي الواقع ساهمت دينامية التعاون في جعل الشراكة الاقتصادية والتجارية والمالية بين البلدين ذات أهمية. و تتجلى هذه الشراكة في الارتفاع الملحوظ في المعاملات التجارية بين البلدين، وإنشاء شركات اسبانية بالمغرب في قطاعات متنوعة كالعقار، السياحة، الطاقة، الاتصالات، الخدمات المالية، النقل، المنسوجات والملابس.[14] إن توطيد العلاقات بين البلدين ذو أهمية بالغة إذ أصبحت اسبانيا أكبر شريك تجاري للمغرب (أول ممون وأول زبون)، وثاني مصدر للإيرادات السياحية بالمغرب، والمصدر الثاني على مستوى التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج. اسبانيا هي كذلك واحدة من الجهات المانحة الرئيسية في إطار المساعدة الإنمائية الرسمية، وكانت أيضا أول بلد أجنبي استجابة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من خلال العمل كشريك لصالح المشاريع الاقتصادية والاجتماعية في إطار هذه المبادرة.[15] ومن المتوقع أن هناك فرصا مهمة يمكن أن تساهم في تعزيز الشراكة بين المغرب واسبانيا من خلال المشاريع الهيكلية التي أطلقت في المغرب والتي توفر فرصا لتنمية الاستثمارات الاسبانية، خاصة في قطاعات الطاقة الشمسية، السيارات، الصيد البحري. كما أن تطور المبادلات التجارية بين البلدين رهين بخروج اسبانيا من الأزمة الاقتصادية. حيث أنه من المفيد أن تعزز بالمزيد من التشارك، خاصة من خلال الاستثمارات تهدف دعم تموقع كلا الطرفين في سلسلة القيم وتشجيع التكامل. هذا النهج من شأنه أن يقود البلدين إلى مستوى جديد من علاقات التعاون بينهما.[16]

ومن خلال هذه النقطة نهدف إلى الوقوف على تطور العلاقات الاقتصادية بين المغرب واسبانيا وتسليط الضوء على الفرص المتاحة لتعزيز التعاون في مختلف القطاعي والشراكة اللامركزية.

لقد شهدت العلاقات التجارية بين البلدين توازنا في حجم ووتيرة المبادلات خلال العشر سنوات الاخيرة، حيث سجلت الصادرات المغربية نحو اسبانيا ارتفاعا بنسبة 134 في المائة، إذ من 13 مليار وصلت إلى 31مليار و600 مليون درهم. أما الواردات فقد سجلت ارتفاعا بنسبة 158 في المائة، فمن 15 مليار تصاعدت إلى 39 مليار درهم. كما بلغت حاليا نسبة تغطية الواردات بالصادرات حوالي 66 في المائة.[17]

لقد أصبحت اسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب بحصة 16,3 بالمائة من المبادلات التجارية سنة 2014، متجاوزة للمرة الأولى فرنسا وتتقدم بشكل كبير أيضا على القوتين العظمتين في العالم الولايات المتحدة (5,8 بالمائة) والصين (5,4 بالمائة). كما بلغت المبادلات التجارية بين المغرب واسبانيا، المنجزة في إطار التبادل الحر( اتفاقية الشراكة) نحو 29 مليار درهم سنة 2013 أي 33 في المائة من مجموع المعاملات. كما بلغت حصة الصادرات في هذا الإطار 28 مليار درهم بحصة (23 بالمائة) وتمثلت بالأساس في المنتوجات الغذائية ومواد الاستهلاك. بينما سجلت الواردات 27 مليار درهم بحصة (40 في المائة) وهمت بالخصوص المنتوجات النصف المصنعة.[18]

ويدعم الانتعاش القوي للصادرات المغربية إلى اسبانيا الانتعاش التدريجي للوضع الاقتصادي في هذا البلد الأيبيري بعد أزمة اقتصادية حادة. حيث سجل الميزان التجاري بين المغرب واسبانيا انخفاضا إلى حد كبير سنة 2014 ليستقر في 7,7 مليار درهم مقابل 16,5 مليار درهم سنة 2013 و 6,2 مليار درهم سنة 2012 ، مقترنا بالنمو القوي للصادرات وركود الواردات بالموازاة بتحسن نسبة التغطية بوضوح سنة 2014 لتصل إلى 85 بالمائة مقابل 68 بالمائة سنة 2013 و60 بالمائة سنة 2012.[19] أما بالنسبة للتدفقات المالية، فإن اسبانيا قد احتلت خلال سنة 2011 المركز الثاني في مجال المداخيل السياحية للمغرب بما قدره 6 مليار و400 مليون درهم وكذا في تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، وهو ما يمثل في هذين المجالين 10,8 في المائة من مجموع المداخيل. حيث يعرف عدد السياح الوافدين من اسبانيا إلى المغرب ارتفاعا مستمرا منذ 2012 إذ وصل عددهم إلى 2,1 مليون سنة 2014 بزيادة 1,8 بالمائة مقارنة مع سنة 2013 حيث  يظل المغرب حاليا، بحكم القرب الجغرافي الواجهة الأولى للسياح الاسبان خارج أوروبا، بحصة 6 في المائة. وفي هذا السياق وضعت وزارة السياحة المغربية مخططا طموحا لغزو السوق السياحية الاسبانية، التي تمثل الهدف الأول للمغرب. ويهدف مخطط الترويج 2014-2016 إلى استقطاب 2,6 مليون سائح في متم سنة 2016 أي بنمو يناهز 26 في المائة.[20]

بالموازاة مع ذلك، شارك وفد مهم من الفاعلين السياحيين المغاربة برئاسة وزير السياحة في الدورة 35 للمعرض الدولي للسياحة المستقبلية الذي انعقد في مدريد يناير وفبراير 2015. وقد سعى المغرب من خلال هذه المشاركة اكتشاف مسارات جديدة للشراكة وتعزيز رؤية وجهة المغرب باسبانيا كسوق تقليدي ومصدر ذو قدرات قوية.[21] وتجدر الإشارة إلى أن مدينة مراكش وحدها تتوفر على 24 رحلة جوية مباشرة في الأسبوع من مدريد، برشلونة،فالو نسيا، ملقا، اشبيلية. ومن جهة أخرى، يتزايد عدد السياح المغاربة إلى اسبانيا، على الخصوص المناطق الجنوبية، لاسيما كوستا ديل سول. وحسب أرقام وزارة السياحة الاسبانية، بلغ عدد السياح المغاربة إلى اسبانيا 200000 سنة 2014.

وخلال الفترة ما بين 2008-2014 تضاعفت تدفقات الاستثمارات الاسبانية المباشرة لتصل إلى 1,7 مليار درهم كمعدل سنوي. إن دينامية المشاريع، خاصة ميناء طنجة-المتوسط والمناطق الحرة تهدف إلى إرساء بلدنا كرافعة للتصدير نحو الدول الأوربية والإفريقية. ولمواكبة هذه الحركية قدمت اسبانيا للمغرب مخططا خاصا مع وضع ثلاث آليات (بروسبينر،بابي و وبيدينفير) للمساهمة في تمويل اللقاءات الأولى وإرساء المقاولة في المغرب. [22] وفي الواقع ستقبل المغرب حوالي نصف الاستثمارات الاسبانية بإفريقيا وأكثر من 800 مقاولة اسبانية. ومن أهم القطاعات التي تستقطب المستثمرين الاسبانيين الصنناعة ب 33 في المائة من الاستثمارات المباشرة، والسياحة والسكن ب 24 في المائة لكل منهما والابناك ب 12 في المائة. وبفضل التحولات التي يعرفها الاقتصاد المغربي والاقتصاد الاسباني تعددت فرص الاستثمار والتبادل بين الطرفين. كما أن الأرقام المحققة على مستوى الجانبين يعزز المستوى الذي وصله مسار بناء العلاقات الاقتصادية المتميزة بين البلدين والإرادة لعقد شراكة إستراتيجية.[23] إن أهمية المبادلات التجارية وثراء التعاون القطاعي بين المغرب واسبانيا يعكس إرادة  البلدين في تطوير شراكتهما من أجل مصلحتهما المشتركة. فضلا عن القرب الجغرافي والتاريخ المشترك، فإن التحديات الاقتصادية تستدعي من البلدين ضرورة دعم طموحات الفاعلين الاقتصاديين. وتبقى تقوية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية هي السبيل الأساسي لمواجهة مختلف التحديات التي تعرفها الدولتين في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة وما تجر وراءها من اضطرابات اجتماعية.

  ثانيا: الرهانات الإستراتيجية للعلاقات المغربية الاسبانية

إن تداخل العديد من العوامل في مسار العلاقات المغربية الاسبانية خلق نوعا من الوعي عند الجانبين بأهمية استمرار الحوار واستقرار العلاقات، وتحقيقا لهذه الإستراتيجية، علمت اسبانيا من جانبها إلى تذليل الصعوبات التي تؤثر في استقرار العلاقات، مستعملة آليات تختلف باختلاف التوجهات السياسية للحكومات الاسبانية المتعاقبة، مع الآخذ بعين الاعتبار ضغط المجالين الجهوي والدولي، مما يفرض إكراه تؤثر في السلوك السياسي للحكومات الاسبانية، بالخصوص بعد نهاية نظام القطبية الثنائية، التي فرضت تغيرا في قواعد اللعبة في العلاقات الدولية الراهنة. مما تطلب من الدول ضرورة تكييف سياساتها الخارجية والداخلية مع ما تطلبه النظام العالمي الجديد.[24]  وفي نفس الاتجاه فإن المغرب بحكم اختياراته السياسية والاقتصادية يعمل من جانبه على تدعيم استمرارية العلاقات، والبحث عن سبل تقويتها وفي ظل المتغيرات الدولية والاقلمية التي تؤثر بشكل أو بآخر في ردود فعله، وبالتالي في صناعة القرار السياسي على المستوى الخارجي.   إن الرهانات الجيواستراتيجية المشتركة للمغرب واسبانيا تحتم تغييرا للثقافة السياسية السائدة داخل المنطقة، من أجل مواجهة الرهانات المستقبلية التي ستعرفها على المستوى السياسي والديمغرافي، والاقتصادي والأمني ، والثقافي والاجتماعي، والحضاري.

ومن خلال هذه النقطة سنتوقف عند البعد الأمني للتعاون بين المغرب واسبانيا (أ)، ومستقبل العلاقات المغربية الاسبانية (ب).

   أ- البعد الأمني في التعاون بين المغرب واسبانيا

يؤكد السيد محمد العربي المساري بأن ” المعطى الأول الذي يضبط العلاقات بين المغرب واسبانيا هو الجوار. وقد شكل في أوقات من القرون الوسطى، ما عرفه التاريخ بالغرب الإسلامي وهو ظاهرة ما فتئت تعبر عن نفسها في المعمار والطبخ والموسيقى والخط واللباس…

في الآونة الأخيرة طبعت أجواء من الصفاء علاقة الجوار بين المملكتين المغربية والاسبانية. كما عرفت العلاقات الدبلوماسية للبلدين انفراجا في مناسبات عديدة ترتبط في أغلبها بملف الصحراء المغربية، وموقف اسبانيا غير الواضح من الموضوع، وأيضا في  مقاربة البلدين لموضوع الهجرة السرية. إذ تعتبر اسبانيا المغرب بوابة نحو الحل كما هو بوابة للانطلاق عدد من المهاجرين الأفارقة نحوها.[25] العلاقات المغربية الاسبانية راسخة، وهي العلاقات الثنائية المتجدرة عبر التاريخ، وأضاف السيد أنخيل موراتينوس أن العلاقة بين اسبانيا والمغرب تطورت بشكل ايجابي عبر السنوات بناء على العديد من الحوارات الثنائية والمفاوضات في العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك ذلك تحت إشراف جلالة الملك محمد السادس والملك الاسباني فليب السادس. كما أن التعاون المغربي- الاسباني في مجال الآمن كان دائما ومازال قائما بين البلدين. وعلى امتداد السنوات ظل المغرب فاعلا مشتركا في أمن الحدود ونعمل بصفة مشتركة على كثير من المجالات المرتبطة بالآمن وبالأخص بعد الهجمات الإرهابية التي عاشتها مدريد سنة 2004، وإجمالا يمكن القول بأن هناك تعاونا متميزا جدا بين المغرب واسبانيا في مجال الآمن والحدود. وبطبيعة الحال، هناك تعاون بشكل رسمي في هذا الجانب بين وزارة الداخلية المغربية ونظيرتها الاسبانية. وأيضا بين وزارة العدل والحريات المغربية ووزارة العدل الاسبانية، وأعتبر أنه مجال اشتغال مشترك إلى حد كبير بين البلدين بغرض محاربة التطرف والإرهاب، وتعزيز شراكة وتعاون حديث بين الطرفين وباقي بلدان في شمال المتوسط وجنوبه.[26] أن المسار الأمني بين المغرب واسبانيا يعرف العديد من التطورات بحكم نوعية الملفات التي تعتبر قطب الرحى فيه، الهجرة السرية، محاربة الإرهاب والتهريب ثم المخدرات، كل هذه المشاكل تعكس نوعا من تباين وجهة النظر بين المغرب من جهة واسبانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.[27]

تاريخيا يمكن القول أن اسبانيا قد انتقلت من بلد مصدر لليد العاملة إلى بلد مستقبل لها سنة 1975 مع بداية التحول السوسيو اقتصادي والسياسي لهذا البلد، وقد واكب التحول الديمقراطي في اسبانيا تغيرات جذرية على مستوى بنية الاقتصاد الذي عرف ارتفاعا في وتيرة الإنتاج. بحيث تحولت اسبانيا إلى حلم بالنسبة للعديد من المغاربة والأفارقة المتطلعين إلى الهجرة إلى أوروبا. لكن منذ قررت اسبانيا فرض التأشيرة على المغاربة الراغبين في ولوج أراضيها عملا باتفاقية ” شينغن”في يونيو 1990 والتي حددت لائحة بالدول التي يلزم مواطنها بالحصول على التأشيرة للدخول إلى أوروبا. وقد أدت هذه الإجراءات إلى انتشار الهجرة السرية وتعدد الوسائل التي يستعملها المهاجرون السريون. وأمام كثافة الظاهرة، أصبح من الضروري تحقيق تعاون مغربي اسباني قصد التغلب عليها، لكن الملاحظ أن اسبانيا جنحت إلى تغليب المنطق الأمني على الصعيد الخارجي وإلى التوظيف السياسي لهذا الملف على الصعيد الداخلي.[28]

وفي نفس الإطار، عقد وزير الداخلية السيد محمد حصاد ونظيره الاسباني خوسيه فرنانديس مؤخرا بمدينة طنجة في اجتماع عمل خصص لمناقشة عدد من القضايا ذات الأولوية بالنسبة للبلدين. ويندرج هذا الاجتماع في إطار اللقاءات التي يجريها الوزيران لمناقشة مختلف القضايا ذات الأهمية المشتركة، من قبيل الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات وقضايا أخرى تهم التكوين في المجال الأمني وعملية عبور الجالية المغربية المقيمة بالخارج. [29] وأكد السيد حصاد بالمناسبة في تصريح صحفي أن الاجتماع يعكس الثقة المتبادلة ومتانة العلاقات بين البلدين، وكذا عزمهما المشترك للتنسيق المستمر والمحكم والناجح والعملي في قضايا ذات بعدد أمني. ومن جهته أبرز وزير الداخلية الاسباني أن هذا اللقاء هو التاسع من نوعه بين المسؤولين، ويعكس التعاون الممتاز بين الوزارتين ومستوى الثقة التي تتأسس عليها العلاقات بين المملكتين والنظرة المشتركة لمواجهة كل التحديات المطروحة على الصعيد الإقليمي. وبخصوص الهجرة غير الشرعية أعرب وزيرا البلدين، في بلاغ مشترك عن إشادتهما بالجهود المبذولة من طرف البلدين في مجال مواجهة تدفق المهاجرين.[30] وأكد وزير الداخلية الاسباني في هذا السياق، على الدور الذي يلعبه المغرب لمراقبة تدفق المهاجرين كما أعرب عن دعم بلاده للسياسة الجديدة للهجرة واللجوء التي أطلقها الملك محمد السادس والتي تبلورت عبر عملية تسوية أوضاع إقامة الأجانب بالمغرب من ضمن المبادرات الناجحة.

من خلال ما سبقت الإشارة إليه نستنتج أن الهجرة غير الشرعية تعد  إحدى الملفات الشائكة التي تؤرق العلاقات المغربية الاسبانية. وقد أثبت التجربة في هذا الموضوع فشل المقاربة الأمنية، مما يستدعي مقاربة شمولية أساسها برامج تنموية كفيلة باستيعاب المهاجرين، والحد من هذه الظاهرة التي تعد جزء من الملف الأمني بين المغرب واسبانيا بملفات أخرى على غرار التهريب وتجارة المخدرات ومحاربة الإرهاب. حتى بداية الألفية الثالثة لم يكن الإرهاب ليشغل علاقة المغرب واسبانيا إلى المستوى الذي وصل إليه الآن، فالمغرب كان دائما مستقرا على المستوى الأمني حتى جاءت أحداث 24 غشت 1994، وأحداث 16 ماي 2003،لتعرض المغرب لضربة إرهابية قوية. وكذا الأحداث التي تعرضت لها اسبانيا سنة 2004.

وتجدر الإشارة على أنه إذا كان المغرب واسبانيا مدعوين لتعزيز التعاون والتنسيق أكثر لاجتثاث الظاهرة الإرهابية، فإن هذه الأخيرة أصبحت ظاهرة عالمية تؤرق جميع الدول وهو ما يفسر عقد العديد من المؤتمرات واللقاءات الدولية حول الإرهاب منها المؤتمر الدولي للإرهاب بالمملكة السعودية، والمؤتمر الدولي حول الديمقراطية والإرهاب والأمن في مدريد سنة 2005. كما تم تكوين خلية تشاركية خلال اجتماع الرباط سنة 2006 بين مجلس حلف الشمال الأطلسي وسبع دول من حوض بحر الأبيض المتوسط للمساهمة في تعريف الطاهرة وتحديد أسبابها السياسية والاجتماعية والإيديولوجية.  حيث أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها مجموعة من الدول عبر العالم منها أحداث باريس وبروكسيل واسطنبول وأنقرة، تؤكد على تشعب وتعقد وعالمية ظاهرة الإرهاب في الوقت الحالي.

إن تعدد المقاربات المبنية على الهاجس الأمني يبقى غير ناجع وغير فعال من أجل وضع حل لهذه القضايا التي تؤرق بال المسئولين المغاربة والاسبان، لذا يجب مشاركة كل الأطراف المعنية في إيجاد حلول تنبني على تدعيم مشاريع التنموية، وخلق مناصب شغل، وتوحيد وجهات النظر في بينهما.

   ب- مستقبل العلاقات المغربية الاسبانية

 إن واقع الحال يشير إلى أن العلاقات المغربية الاسبانية وثيقة ومتميزة، أن ما يجمع بين المغرب واسبانيا في هذه المرحلة ومستقبلا من علاقات مصالح يتداخل فيها العنصر الاقتصادي، والأمني والسياسي، والثقافي مع بعض، مما يجعل المصالح المشتركة  للبلدين متداخلة ومتشابكة  كل يكمل الآخر. ويعزز ذلك عامل الجوار مما يجعل عدم إمكانية استغناء أحدهما عن الآخر.[31] كما أن تواجد البلدين في نظام عالمي يتسم بالتطور والتغير، يفرض عليهما إيجاد رؤية إستراتيجية موحدة جديدة ترتكز على مقاربة تنبني على تحديد أدوار مستقبلية يلعب فيها هذا القطب في إطار الفضاء الاورومتوسطي، وكذا على مستوى المنطقة الاوروإفريقية. ومن شأن هذه الإستراتيجية أن تجعل العلاقات المغربية الاسبانية قادرة على مواكبة إعادة الهيكلة التي تشهدها حاليا اقتصاديات المنطقة، وهذا الاستثمار المشترك أن يوفر الشروط الاقتصادية والمؤسسية لتموقع أفضل للقطب المغربي الاسباني داخل منطقة التبادل الحر المتوسطية.[32]

يعتبر المكون الثقافي محركا أساسيا لتطوير الاقتصاد والسياسة، ذلك أن الأهمية المركزية للثقافة تكمن في الرؤية المشتركة للتعاون الثقافي من خلال تقارب الأديان، وبناء علاقات حسن الجوار بين الثقافات. فالبعد الثقافي يمكن ان يشكل صلة هامة لتعزيز صلات التضامن و التفاعل بين البلدين. إن التعاون الثقافي بين المغرب واسبانيا يندرج ضمن أولويات أجندة البلدين ويبقى أحد أهم مجالات التعاون بالنسبة لهذا البلد الأيبيري، بالنظر للتراث المشترك وعلاقات الجوار التاريخية بين المملكتين. حيث يتقاسم البلدين علاقات قائمة على الثقة والتبادل في العديد من المجالات على المستوى الاقتصادي والمالي وكذا الثقافي. وبخصوص هذا الأخير فإن تعاون الطرفين يشمل مجالات كثيرة كالتعاون بين الجامعات، والبحث العلمي…وجميعها ميادين تكتسي أهمية كبيرة في تعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات.[33] وفيما يتعلق بالتعاون الأكاديمي تعد اسبانيا الشريك الأول للمغرب في مجال التعاون والبحث الجامعي بأزيد من 1,5 مليون اورو سنويا، وفضلا عن التعاون في مجال التعليم العالي والعلوم، فإن العمود الفقري للعمل الثقافي الاسباني بالمغرب يبقى هو تدريس اللغة الاسبانية عبر شبكة معاهد “سرفانتيس” التي تعد أكبر شبكة من حيث العدد في العالم بعد البرازيل، بستة مراكز وستة فروع بمختلف مدن المملكة.

عمل المغرب واسبانيا على ربط علاقات ثقافية، وذلك وعيا منهما بأهمية التعاون الثقافي الذي أصبح يحتل مكانة متميزة في السياسية الخارجية، ولان الدبلوماسية الثقافية أصبحت تشكل أداة من أدوات تواجد الدول على الساحة الدولية. وحتى يكتسب هذا التعاون الثقافي شرعيته القانونية، وضع البلدان ترسانة قانونية تؤطر هذا التعاون وتشجيعه في مختلف الميادين. حيث نجد اتفاقا بشأن اللجنة الدائمة بين الحكومتين الاسبانية والمغربية للتعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي مارس 1971، ثم اتفاقية تهم التعاون الثقافي موقعة سنة 1980، وبرتوكول التعاون في مجال الحفريات والتراث سنة 1988. تنضاف لهذه الاتفاقيات التي تهم مناطق معينة بالمغرب واسبانيا، كاتفاق التعاون بين مركز الأبحاث والدراسات الأندلسي بشفشاون وجامعة غرناطة سنة 1990،…..

ويمكن القول أن التعاون الثقافي يلعب دورا مهما في تطوير العلاقات المغربية الاسبانية عن طريق تعزيز صلات التضامن وتدعيم الروابط، شريطة قيام البلدين بقراءة جيدة للذات. إذ أنه يساهم في تقوية معرفة الاخر، وإبراز نقط الالتقاء بقصد توظيفها بشكل إيجابي في تدعيم العلاقات بين الطرفين.[34] وعليه إن مستقبل العلاقات المغربية الاسبانية رهين بالتواصل الثقافي القائم على التفاهم، والحوار الثقافي يشكل وسيلة للتواصل بين المغرب واسبانيا من أجل تعزيز الروابط التاريخية التي تجمع بين البلدين. حيث إن التفكير في مستقبل العلاقات المغربية الاسبانية يقتضي العمل توطيد شراكة ثقافية. وفي هذا الاطار اقترح السيد بنهيمة، مدير عام تنمية الشمال بالمغرب، حلولا للمستقبل  من بينها: جامعة تحمل اسمي الملكين محمد السادس و خوان كارلوس بتطوان، أما ثاني المقترحات فيكمن في إنشاء إذاعة وتلفاز بلسان مزدوج عربي اسباني. وفي هذا الإطار وافقت الحكومة الاسبانية على منح مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل منحة مالية هامة، وهي جمعية متخصصة في الاشتغال على قضايا الذاكرة المشتركة للمغاربة مع مكونات محيطهم الجغرافي والسياسي في أبعادها الحقوقية والسياسية والتنموية.

إلا أنه ورغم كل هذه الجهود لا يزال التعاون الثقافي ضعيفا، ويقتصر على الجانب اللغوي، إذ المطلوب هو أن يساهم التعاون الثقافي بين البلدين في القضاء على الأحكام المسبقة، لأن العديد من الدراسات أبانت على أن القرارات على المستوى الخارجي لا تتحكم فيها المصالح المادية فقط، بل العديد من المعتقدات والأحكام السلبية. وعلى الرغم من الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها القرب الجغرافي بين البلدين، حيث يد مشروع الربط القاري، أحد أهم رهانات التقارب المغربي الاسباني الجديد، إذ سوف يعطي بعدا آخر لعلاقات التعاون وآفاق الشراكة. ولتحقيق مزيد من التقارب، فإن المغرب على الخصوص مدعو إلى الاعتماد على الدبلوماسية الموازية، وربط جسور مع فعاليات المجتمع المدني الاسباني، الذي يعرف دينامية قوية.

ومن خلال تتبع مسار العلاقات المغربية الاسبانية، يتبين أنها عبارة عن حقيقة معقدة، إذ هناك مجموعة من المتغيرات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، داخلية وخارجية، ومن اجل ذلك لابد من إعادة النظر في العديد من الميكانيزمات والعوامل المتحكمة في صيرورة هذه العلاقات.

 خاتمة:

وهكذا فإن الرهانات الجيواستراتيجية المشتركة بين المغرب واسبانيا، تحتم عليهما تغييرا للثقافة السياسية السائدة داخل المنطقة. وتوفير أرضية سياسية ملائمة أكثر جرأة، والمسلك الوحيد لذلك هو الرفع من مستوى العلاقات الثنائية، والبحث عن إجراءات الثقة المتبادلة سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.   إن التعاون الاقتصادي متقدم عن السياسي، وأصبح في حالة البلدين قاطرة تجر ورائها، ما هو سياسي. وكلما تعزز التبادل الاقتصادي و التجاري إلا وقلت المخاطر السياسية بين الطرفين. لذا وجب تعزيز المصالح المشتركة بينهما. إن الرهانات المستقبلية على البلدين، تحكم عليهما بتقوية القارب بينهما، خاصة و أن العامل الجغرافي ثابت ولا يتغير، إذ سيطل المغرب في الضفة الجنوبية للمضيق واسبانيا في ضفته الشمالية. لذا فالحوار مسالة ضرورية بهدف تحويل الخلافات المشتركة إلى مجالات للتعاون. تؤسس لعلاقات جديدة قائمة على التعايش والاحترام المتبادل.

وفي ظل غياب إرادة لتفعيل هذه الإستراتيجية الجديدة، وغياب حل جذري للملفات العالقة بين الطرفين، ستظل العلاقات المغربية الاسبانية تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار.

وأخيرا، على المغرب حسن توظيف جميع إمكانياته لصناعة دبلوماسية فاعلة في خلق سياسة خارجية قوية، تساعد على إعادة تنظيم علاقته مع الغرب بصفة عامة واسبانيا بصفة خاصة.

لائحة المراجع:

النعمان اليعلاوي،موراتينوس، المغرب فاعل في الجانب الامني والمفاوضات هي الباب الأمثل لملف

الصحراء، الاخبار، 23 غشت 2015، www.flashpress.ma  ،22 مارس 2016.

المصطفى منار، البعد الجيوبوليتكي لعلاقة المغرب واسبانيا، مركز راشيل كوري، 16 نونبر 2013،www.rachelcentre.ps ، 16 مارس 2016.

محمد الهلالي، العلاقات المغربية الاسبانية جدلية التعاون والتوتر،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون    العام، كلية الحقوق فاس، 2010- 2011.

محمد فال المجبي،نحو منعطف جديد في علاقة المغرب واسبانيا، 2016، www.aljazeerz.net

محمود صالح الكرواي، أزمة سبة ومليلية بين المغرب واسبانيا الدوافع والأهداف، المجلة السياسية والدولية

المغرب واسبانيا يتفقان على تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، الأيام،04 ماي 2015،www.alyam24.com ، 23 مارس 2016.

المغرب واسبانيا ما يجمع أكثر مما يفرق،العرب،15 يوليو 2014، www.alarab.co.uk[1]  ، 14 مارس 2016.

المغرب واسبانيا…التعاون الثقافي يكتسي أهمية في أجندة البلدين، 12 يوليو 2014،www.alhadath.info[1] .

المغرب واسبانيا ما يجمع أكثر مما يفرق،العرب،15 يوليو 2014، www.alarab.co.uk  ، 14 مارس 2016.

مديرية الدراسات والتوقعات المالية، نقط حول العلاقات المغربية الاسبانية مبادلات تجارية متنامية،وزارة الاقتصاد والمالية، الرباط، أبريل 2015.

[1] -Direction des Etudes et des prévisions financières, Point sur les relations Maroc Espagne :Des échanges commerciaux croissants, Ministère de l’économie et des finances, Rabat, Avril 2015

التقرير الاستراتيجي المغربي 2010-2013،مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، العدد التاسع، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء،2014.

-المصطفى منار، البعد الجيوبوليتكي لعلاقة المغرب واسبانيا، مركز راشيل كوري، 16 نونبر 2013،www.rachelcentre.ps[1] ، 16 مارس 2016.

-ماريا روسادي مادارياغا: مؤرخة اسبانية متخصصة في التاريخ الحديث، لديها العديد من الكتب حول المغرب منها كتاب في خندق المعارك.[2]

-محمد الهلالي، العلاقات المغربية الاسبانية جدلية التعاون والتوتر،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق فاس، 2010-2011، ص.21.[3]

‘ المرجع نفسه،ص.26.[4]

-محمد فال المجبي،نحو منعطف جديد في علاقة المغرب واسبانيا، 2016، [5]www.aljazeerz.net

-المرجع نفسه.[6]

– محمد فال المجبي،نحو منعطف جديد في علاقة المغرب واسبانيا، مرجع سابق. [7]

-المرجع نفسه.    [8]

-نفسه.[9]

-المغرب واسبانيا ما يجمع أكثر مما يفرق،العرب،15 يوليو 2014، www.alarab.co.uk[10]  ، 14 مارس 2016.

– محمد الهلالي، العلاقات المغربية الاسبانية جدلية التعاون والتوتر،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق فاس، مرجع سابق،ض.345 [11]

-التقرير الاستراتيجي المغربي 2010-2013،مركز الدراسات والابحاث في العلوم الاجتماعية، العدد التاسع، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء،2014،ص.54.[12]

– المصطفى منار، البعد الجيوبوليتكي لعلاقة المغرب واسبانيا، مركز راشيل كوري، مرجع سابق.[13]

-مديرية الدراسات والتوقعات المالية، نقط حول العلاقات المغربية الاسبانية مبادلات تجارية متنامية،وزارة الاقتصاد والمالية، الرباط، أبريل 2015،ص.3.[14]

[15] -Direction des Etudes et des prévisions financières, Point sur les relations Maroc Espagne :Des échanges commerciaux croissants, Ministère de l’économie et des finances, Rabat, Avril 2015, p.2

[16] – Ibid.

– التقرير الاستراتيجي المغربي 2010-2013،مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية،مرجع سابق، ص.54.[17]

– مديرية الدراسات والتوقعات المالية، نقط حول العلاقات المغربية الاسبانية مبادلات تجارية متنامية، مرجع سابق،ص.6.[18]

[19] –Direction des Etudes et des prévisions financières, Point sur les relations Maroc Espagne :Des échanges commerciaux croissants, op.cit.p. 5.

[20]-Ibid.p.9.

[21]-Ibid.

– مديرية الدراسات والتوقعات المالية، نقط حول العلاقات المغربية الاسبانية مبادلات تجارية متنامية،مرجع سابق، ص.12.      [22]

-المرجع نفسه،ص.13.[23]

– محمد الهلالي، العلاقات المغربية الاسبانية جدلية التعاون والتوتر،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، مرجع سابق،ص.191.[24]

-النعمان اليعلاوي،موراتينوس، المغرب فاعل في الجانب الامني والمفاوضات هي الباب الامثل لملف الصحراء، الاخبار، 23 غشت 2015، www.flashpress.ma[25]  ،22 مارس 2016.

– المرجع نفسه.[26]

– محمد الهلالي، العلاقات المغربية الاسبانية جدلية التعاون والتوتر،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، مرجع سابق، ص.111.[27]

– المرجع نفسه، ص. 113.[28]

– المغرب واسبانيا يتفقان على تعزيز التعاون الامني بين البلدين، الايام،04 ماي 2015،www.alyam24.com[29] ، 23 مارس 2016.

– المرجع نفسه.[30]

– محمود صالح الكرواي، أزمة سبة ومليلية بين المغرب واسبانيا الدوافع والأهداف، المجلة السياسية والدولية،ص.149.[31]

– محمد الهلالي، العلاقات المغربية الاسبانية جدلية التعاون والتوتر،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، مرجع سابق، ص.347.[32]

– المغرب واسبانيا…التعاون الثقافي يكتسي أهمية في أجندة البلدين، 12 يوليو 2014،www.alhadath.info[33] .

– محمد الهلالي، العلاقات المغربية الاسبانية جدلية التعاون والتوتر،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، مرجع سابق، ص.306.[34]

  • تحريرا في 26-6-2017
أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى