الأفريقية وحوض النيلالخليجيةالدراسات البحثية

قطر بين جحيم الشرق الأوسط ومُستنقع القرن الأفريقي

اعداد السفير: بلال المصري – سـفـيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر
  • المركز الديمقراطي العربي
قرار قطر سحب قوتها لحفظ السلام من منطقة النزاع الحدودي بين جيبوتي وأرتريا :
 
بمجرد إعلان جيبوتي في 7 يونيو 2017عن خفض تمثيلها الدبلوماسي مع قطر كما فعلت الأردن وإعلان إرتريا عن قطع علاقاتها مع قطر كما فعلت اليمن وكيان شرق ليبيا والمالديف وجزر القمر والسنغال دعماً للموقف السعودي في الازمة الخليجية الناشئة عن إتخاذ السعودية والإمارات العربية والبحرين ومصر قراراً مُنسقاً من خارج الجامعة العربية أُعلن في 5 يونيو 2017 وبموجبه فرضت الدول الأربع حصاراً ومقاطعة لقطر لإتهامهم إياها بدعم الإرهاب , قامت قوة عسكرية أرترية في الثالث عشر من يونيو 2017 بإحتلال منطقتي رأس وجزيرة Dumeira القاحلتين الواقعتين علي ساحل جيبوتي علي البحر الأحمر إلي الشمال من العاصمة جيبوتي والمُتنازع عليهما مع إرتريا , وقد تحركت أرتريا صوب المنطقتين وأحتلتهما بمجرد أن أكملت الكتيبة القطرية البالغ قوامها 450 رجل إنسحابها المُفاجئ غير المُعلن مُسبقاً منهما والذي تم علي مدي يومي 12 و 13 يونيو 2017 , ولا تفاصيل عن كيفية مُغادرة هذا العدد من العسكريين القطريين المنطقتين ولا المنفذ الجوي أو البري الذي سلكته هذه الكتيبة عند مغادرتها هذه المنطقة الحدودية النائية إلي قطر ولا عن إحاطة قطر للسلطات الجيبوتية و/ أوالأرترية مسبقاً بإنسحابها , فعملية الإنسحاب يبدو أنها تمت سراً لتُحدث أثراً سياسياً تعلمه قطر مُسبقاً بحكم إنخراطها السابق في الوساطة بين جيبوتي وأرتريا لتسوية النزاع الحدودي المُزمن بينهما , إلا أن هذا القرار القطري بلا أدني شك مُرتبط بإعلان جيبوتي في 7 يونيو خفض تمثيلها الدبلوماسي مع قطر والذي بلا شك كان – من وجهة نظر قطرية علي الأٌقل- مُستفزاً ومُتغافلاً بصفة عمدية للجميل الذي أسدته قطر بوساطتها عام 2010 بين جيبوتي وإرتريا لتسوية هذا النزاع إذ نص الإعلان الجيبوتي علي ” إن حكومة جمهورية جيبوتي تعلن رسمياً أنها قد قررت خفض مستوي تمثيلها الدبلوماسي في قطر , إن قرار حكومة جيبوتي أُتخذ إنطلاقاً من روح التضامن مع التحالف الدولي لبلاد آلت علي نفسها محاربة الإرهاب والتطرف العنيف وكذلك بروح التضامن مع دول الخليج والبلاد العربية ” , وفي تقديري أن تلك الوساطة القطرية يمكن إعتبارها من بين معاني مختلفة تضامناً عملياً مع مخاطر كانت تتهدد جيبوتي إن إستمر النزاع الحدودي مع إرتريا وأمتد بعنف ووحشية مثلما كان النزاع الإرتري الإثيوبي علي منطقة Badme الحدودية علي مدي الفترة من 1998 حتي 2000 , وهي وساطة لم تبادر بها بل ربما لم ترغب لا السعودية ولا الإمارات العربية في النهوض بها , وتعلم جيبوتي أو ربما لا تعلم أن الإتهامات التي كالتها السعودية والإمارات لقطر ليس لها علاقة إلا بالكيمياء السياسية بمنطقة الخليج العربي ومن ثم فلم يكن هناك ثمة مبرر لإنخراط جيبوتي في هذه الأزمة بتأييد هذا الطرف أو ذاك كما فعلت الأغلبية العظمي من دول العالم , وأعتقد أن التضامن الجيبوتي مع السعودية لا مبرر له إن كان مُستنداً فقط علي فكرة التضامن مُجردة , ما لم يرتبط هذا التضامن غير العاطفي بالإستجابة الجيبوتية إلي الإغراءات المالية السعودية والتي ذاع كلام إعلامي بشأنها في الفترة التالية لبدء حصار السعودية وحلفاءها لقطر وقطع العلاقات الدبلوماسية معها في 5 يونيو وهو يبعث علي التفاؤل إن كنت إسرائلياً .
 
إن دبلوماسية رباعي الحصار والسعودية بوجه خاص نشطت خاصة في عواصم الدول المُتلقية أو الطامحة في دعم مالي سعودي كي تقطع علاقاتها بقطر وهو ما تم لكن بصفة محدودة للغاية ومن بين الدول القليلة التي تماهت مع السياسة السعودية لإحكام الحصار الدبلوماسي علي قطر كانت جيبوتي وأرتريا اللتان تتنازعان السيادة علي منطقة Dumeira في الوقت الذي تؤجران أراضيهما لإقامة قواعد عسكرية أجنبية لدول أجنبية مختلفة مُتخليتين طواعية عن مبدأ السيادة الذي يتمسكان به في نزاعهما الحدودي , وكان علي جيبوتي أن تستخدم دافعاً آخر تبرر به تأييدها للسعودية غير دافع التضامن , إذ أن قطر هي السباقة للتضامن مع جيبوتي ولم تكن لا السياسة السعودية ولا الإماراتية وقت تفجر نزاعها الحدودي مع إرتريا في 10 يونيو 2008بمهتمتين بالمبادرة بالتضامن مع إيهما لتسوية نزاع قد يضعفهما إقتصادياً ويبرر لهما إنتظار   إحسان المتصدقين السعوديين و/ أو الإماراتيين مقابل دعم موقف رباعي الحصار والمقاطعة لقطر  .
 
كانت تلك الكتيبة القطرية المُنسحبة مُتمركزة بالمنطقتين بناء علي ما إنتهت إليه الوساطة القطرية في النزاع الذي نشب بين أسمرة وجيبوتي بشأن إيلولتهما ونجحت  في التوصل إلي التوقيع علي ما يمكن وصفه بإتفاق هدنة في 6 يونيو 2010 أدي إلي تسوية مُؤقتة للنزاع وتضمن تكوين لجنة من البلدين يرأسها أمير دولة قطر علي أن تتولي قطر وفقاً للمادة 6 من هذا الإتفاق مسئولية هاتين المنطقتين لحين التوصل لتسوية نهائية للنزاع , وكان وزير الخارجية القطري قد صرح آنئذ بأن ” هذا الإنسحاب (الأرتري من المنطقتين) لا يُعتبر إقراراً بأي حقوق حتي يتم التوصل إلي حل نهائي وفقاً لهذا الإتفاق ” وحتي ما قبل الإنسحاب القطري من المنطقتين في 13 يونيو 2017 لم تتوصل هذه اللجنة إلي تعليم أو تحديد للحدود المُشتركة بين البلدين المارة بهاتين المنطقتين اللتين حددت الحدود فيهما ببروتوكول فرنسي / إيطالي وُقع عام 1900 قسم منطقة Cape Dumeira (أو  (Gablaالجبلية إلي قسمين بحيث يؤول الجزء الشمالي منها لإيطاليا (ولأرتريا فيما بعد) ويؤول الجنوبي لفرنسا (لجيبوتي فيما بعد) , أما فيما يتعلق بجزيرةDoumeira الواقعة علي طرف رأس أو Cape Dumeira فلم يتطرق بروتوكول 1900 إليها حيث لم تبد لا فرنسا ولا إيطاليا إهتماماً بهذه الجزيرة القاحلة الصغيرة بل إن نشرة الجمعية الجغرافية الفرنسية الصادرة عام 1900 أشارت إلي أن البعثة التي أرسلتها الحكومة الفرنسية للمنطقتين من أجل تعليم وتحديد الحدود بين المُستعمرة الإيطالية في أرتريا والفرنسية في جيبوتي ذكرت أن Cape Dumeira ومنطقة  Dumeiraالجبلية القريبة كلاهما لا قيمة إقتصادية وإستراتيجية له , لكن وفي منتصف عقد الثلاثينات من القرن الماضي طالبت الحكومة الإيطالية بمنطقة Cape Dumeira وجزيرة Dumeira , وبالفعل تنازلت فرنسا لها عنهما بموجب معاهدة    Laval-Mussolini المُوقعة في روما مع إيطاليا في 7 يناير عام 1935 , لكن هذه المعاهدة لم يُصدق عليها البرلمان الإيطالي , فيما تقول أرتريا بأن هذه المعاهدة ولو أنه لم يُصدق عليها إلا أنها تعزز مطالبتها بأيلولة المنطقتين إليها لأنها أشارت إلي تبعيتها لها  , فيما ترفض جيبوتي صلاحية هذه المعاهدة وتقول أن المنطقتين تؤولان إليها بموجب إتفاقية وُقعت عام 1897 بين فرنسا وبريطانيا وإثيوبيا والتي أشارت إلي أن هاتين المنطقتين تؤولان إلي فرنسا وقت سيطرتها علي الصومال الفرنسي (جيبوتي فيما بعد) , ومن جهة أخري يقول John Donaldson الباحث المُشارك في وحدة أبحاث الحدود الدولية بالمعهد البريطاني المُتخصص في دراسات النزاعات الحدودية , أن فرنسا وإيطاليا وافقتا عام 1901 علي أن لا بلداً ثالثاً يمكنه أن يسيطر علي منطقة Doumeira , وأن هذه المسائل الخاصة بالحدود يمكن التعامل معها لاحقاً , لكن السيد Donaldson علق قائلاً “إن الموضوع مُعقد جداً , فالمسألة أساساً تُركت في مهب الريح ” , وبالرغم من هذا الرأي المُتخصص فإن إرتريا إستخرجت في تسعينات القرن الماضي وثائق عتيقة أشارت إلي أن المنطقة تتبع إرتريا , فيما قال مسئوليين جيبوتيين أنهم يؤسسون موقفهم بشأن تبعية المنطقة علي معاهدة مُوقعة عام 1897 بين إثيوبيا وفرنسا وبريطانيا تنص بوضوح علي أن منطقة Doumeira فرنسية .
 
أعلن محمود علي يوسف وزير خارجية جيبوتي في 16 يونيو 2017 ” إن قوة حفظ السلام القطرية جري إستدعائها يومي 12 و12 يونيو , وفي نفس اليوم تحركت قوة عسكرية أرترية صوب هذه المنطقة , وهي تُحكم سيطرتها عليها وعلي جزيرةDumeria  بالكامل الآن ” , فيما أعلنت وزارة الخارجية القطرية في  بيان بتاريخ 21 يونيو عن سحبها للقوة القطرية وقوامها 450 رجل  والمُتمركزة بمنطقة النزاع منذ 2010 , و أشارت وكالة Efe news الأسبانية للأنباء نقلاً عن وكالة الأنباء القطرية أن البيان أشار إلي أن ” دولة قطر أخطرت حكومة جيبوتي بأنها سحبت كل قوتها المُتمركزة علي خط الحدود بالمنطقة الجيبوتية , وأنه ومع ذلك فستظل قطر وسيطاً دبلوماسياً مُحايداً في حل النزاعات بين الدول الشقيقة والصديقة , وستستمر لاعباً رئيسياً في المجتمع الدولي ” , ويُلاحظ أن البيان لم يُشر لأسباب قرار سحب القوة القطرية ولو أنها واضحة تماماً إذ أن كل من أرتريا وجيبوتي أعلنا عن دعمهما للسعودية وحلفاءها العرب في الأزمة الحالية التي بدأت بقطع العلاقات وحصار قطر ومقاطعتها بدءاً من 5 يونيو 2017 وتبعها إتخاذ بعض الدول غير ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بالنزاع القطري مع السعودية وحلفاءها لقرارات تتعلق بعلاقاتها الدبلوماسية بقطر قطعاً أو تخفيضاً , كما يُلاحظ في البيان أشارته إلي أن قطر ستعلق مساهمتها في مهام حفظ السلام بأفريقيا ,  أما أرتريا التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع قطر تأييداً ودعماً للموقف السعودي في الأزمة مع قطر , فقد أصدرت وزارة إعلامها بياناً في 17 يونيو أشار إلي الحكومة الأرترية لم تتلق أية تفسير من قطر بشأن إنسحابها المُتعجل والذي تم علي خلفية أجواء مُضطربة .
 
لكن جيبوتي كان لها رد فعل عالي النبرة قليلاً عن إرتريا إذ حذر وزير خارجية جيبوتي في 16 يونيو 2017 من أن العسكرية الجيبوتية في حالة إستنفار , وقال ” أن جيبوتي بلد مسالم وأنه يضع أولوية للحلول الدبلوماسية , لكن إن أصرت أرتريا علي البحث عن حلول عسكرية , فجيبوتي علي إستعداد لذلك ” , وأن بلاده تقدمت بعد إتهامها أرتريا بإحتلال أراضيها بشكوي إلي الإتحاد الافريقي والأمم المتحدة التي تلقت – وفقاً للناطق باسمها – خطابين من جيبوتي وإرتريا , وقد أشار الخطاب الجيبوتي إلي أن قطر سحبت بقرار أحادي قوتها من المنطقة بدون تشاور , وهو ما أدي إلي إحداث فراغ في هذه المنطقة , وطالبت الحكومة الجيبوتية في هذا الخطاب من مجلس الأمن مطالبة إرتريا بالإنسحاب , فيما لم يتضح بعد مضمون الخطاب الإرتري , إلا أنه يمكن إستنتاج مضمونه فهو قد يشير إلي إنكار إحتلال المنطقتين وأن وجود القوات الأرترية إنما هو علي أراض تتبع السيادة الإرترية وفقاً لإتفاق   Laval-Mussoliniالمُوقع في يناير من عام 1935 , وعلي صعيد مواز ناقش مجلس الأمن الدولي بطلب من إثيوبيا وجيبوتي الأزمة الجيبوتية / الأرترية في جلسة مُغلقة يوم 19 يونيو2017, ثم أعلن بعدها ترحيب المجلس بنية الإتحاد الأفريقي إرسال بعثة تقصي حقائق إلي هذه المنطقة الحدودية المُتنازع عليها وإيفاده لدبلوماسيين إلي كل من أسمرا وجيبوتي للتهدئة وتطبيع العلاقات , كما أُعلن أن مجلس الأمن سيُوفد قريباً بعثة رقابة للمنطقة لمراجعة تموضع قوات البلدين وضمان عدم وجود تواجد أو أنشطة عسكرية بمنطقتي الصراع .
 
طرح رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله وجهة نظر بلاده بشأن تطور النزاع الحدودي مع إرتريا بقوله في خطاب ألقاه في 27 يونيو 2017 بمناسبة الذكري الأربعين لإستقلال بلاده عن فرنسا أنه ” ومنذ الأيام الأولي لوجود الدولة الجيبوتية إختارت جيبوتي ألا تتنازل أو تتفاوض بشأن سيادتها ” , وفي تقديري أن هذا التصريح مقدمة تفاوضية لا أكثر , إذ أن هناك تنازع قانوني بالفعل فيما يتعلق بمنطقتي رأس وجزيرة Doumeira , وما قبول جيبوتي وأرتريا بالوساطة القطرية التي توصلت إلي توقيعهما لإتفاق 6 يونيو 2010 إلا إعترافاً منهما بأن هناك ثمة نزاع بحاجة لحل تفاوضي .
 
هناك تاريخ للنزاع الحدودي الجيبوتي الإرتري علي هاتين المنطقتين , إذ أنه أُثير في السابق عامي 1996 و1999 وكان سبباً في القتال الذي نشب لاحقاً بين البلدين في 10يونيو من عام 2008 بسبب إتهام جيبوتي (التي أيدت إثيوبيا إبان حربها مع أرتريا بسبب نزاعهما الحدودي أيضاً والذي إستمر علي مدي 1998- 2000) لأرتريا في أبريل 2008 بإقامة مواقع عسكرية برأس Doumeira ومن ثم توجهت قوة عسكرية جيبوتية لملاقاة الأرتريين هناك وإثر وصول القوة الجيبوتية فر جنود أرتريون إلي الجانب الجيبوتي الذي توفر له دعم لوجيستي ومعلوماتي وطبي وتأييد سياسي فرنسي وعللت فرنسا موقفها بأنه دفاعاً عن قاعدتها بجيبوتي , أما الولايات المتحدة فقد دعمت الموقف الجيبوتي وأدانت ما وصفته ” بالعدوان الأرتري” كما أن الأمم المتحدة تدخلت عندما طالب مجلس الأمن الدولي الدولتين بسحب قواتهما من منطقة النزاع لذلك لم يستمر النزاع سوي أيام قليلة , وهو ما أوقف أرتريا عند هذا الحد نتيجة دعم قوتين دوليتين لجيبوتي وهو ما لم تحتمله خاصة ان مواجهتها لإثيوبيا في الفترة من 1998 – 2000 بسبب النزاع الحدودي بينهما بمنطقة Badme إستنزفت بعض من طاقتها العسكرية والسياسية , نتيجة لهذه الضغوط مُضاف إليها مطالبة مجلس الأمن الدولي للدولتين بسحب قواتهما من منطقة النزاع  وهو ما تم أصبح الطريق ممهداً أمام  الوساطة القطرية , مع ملاحظة أن هناك ثمة إختلاف بين نزاع  الحدود عامي 1996 و1999 وبين الأخير الذي حدث عام 2008 فالأخير إرتبط بوساطة قطرية فعالة وكفئة أنتهت عام 2010 بما يمكن وصفه بإتفاق هدنة بعد موافقة الطرفين المُتنازعين علي إنشاء لجنة جيبوتية / إرترية لتعليم وتحديد الحدود بالمنطقتين  لكن هذه اللجنة وحتي ما قبل إنسحاب الكتيبة القطرية في 13 يونيو 2017 لم تحقق تقدما . 
 
هناك تشابه وربما تطابق بين حالة هذا النزاع الحدودي بين جيبوتي وأرتريا والنزاع الحدودي الذي بين إثيوبيا والسودان إذ أن مرجع النزاع الأول يعود إلي توقيع وزير خارجية فرنسا Pierre Laval ورئيس وزراء إيطاليا Benito Mussolini في روما بتاريخ 7 يناير 1935 ما يُعرف بإتفاق Mussolini-Laval   والذي تشير المادة السادسة منه إلي ما نصه ” تعترف فرنسا بسيادة إيطاليا علي جزيرة Doumeirah والجزيرات غير المُسماة المجاورة لها ” , ووُقع هذا الإتفاق كقانون بواسطة الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) في 26 مارس 1935 , لكنه لم يُقبل أبداً من قبل البرلمان الإيطالي الذي إعتبر أنه أي الإتفاق أدني Minimal مما تتوقعه إيطاليا إذ لم يتضمن أي شيئ لإيطاليا من تونس الفرنسية وكوريسكا و Nizza , أما النزاع الحدودي الإثيوبي / السوداني فهو نزاع لم يسو بعد أيضاً إذ يشير تقرير مصلحة المساحة السودانية المؤرخ في 21 مارس 1966إلي ما نصه : ” تنظم الحدود في هذه المنطقة الإتفاقية المعقودة بين الحكومتين البريطانية والإثيوبية في 6 ديسمبر 1907 , وكان الغرض من تلك الإتفاقية هو تنظيم الحدود بين كل من إثيوبيا وشرق أفريقيا البريطانية (الجزء الشمالي الشرقي من السودان آنذاك) وأوغندا (الجزء الجنوبي الشرقي من السودان حالياً)  , وقد وقع الإمبراطور منليك الثاني علي النسخة الأمهرية من الإتفاقية لكنه لم يُوقع النسخة الإنجليزية ” وأشار تقرير المصلحة أيضاً إلي أنه ” تم في نوفمبر 1910 إخطار مجلس الوزراء الإثيوبي للوزير البريطاني بأديس أبابا بأن الحكومة الإثيوبية لا توافق علي التحديد الذي قام به الماجور كوين وأنها تعتبر الخط الأحمر المُبين بالخريطة المُرفقة بمعاهدة 1907هو الحد النهائي وقد رد الوزير البريطاني بأن بلاده لا توافق علي هذا الرأي , أما السودان (بعد الإستقلال عام 1956) فيري أن الخط الأحمر يُوضح الخطوط العريضة للحدود بالمنطقة وأنه قابل للتعديل حسب المعالم الطبيعية والحدود القبلية ” , والتشابه بين حالتي جيبوتي / إرتريا والسودان / إثيوبيا هو في جزئية عدم إستيفاء الإجراءات القانونية بالتصديق الناجز للإتفاقين فإمبراطور إثيوبيا منليك الثاني لم يُوقع النسخة الإنجليزية من الإتفاق والبرلمان الإيطالي لم يُصدق علي إتفاق Laval-Mussolini , ومع ذلك فمازالت إثيوبيا تسيطر علي المناطق المُتنازع عليها مع السودان في القلابات والفشقة والحميرات وتبعتها مُؤخراً أرتريا فسيطرت علي منطقة Cape Dumeira وجزيرة Dumeira .
 
نشرت صحيفة Sudan Tribune وأذاع راديو Dabanga في16 يناير 2016 أن اللجنة الفنية المعنية بإعادة رسم الحدود السودانية / الإثيوبية تخطط لإستكمال عملها هذا العام , وأحالت الصحيفة علي رئيس الجانب السوداني باللجنة قوله ” إن عملية ترسيم 725 كم من الحدود تمضي قدما بشكل جيد ” , وتزامن مع هذا التصريح تصريح آخر لوزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور أشار فيه إلي ” أن الحكومتان الإثيوبية والسودانية تتعاونان لتطويق أنشطة العصابات بولاية القضارف السودانية بشرق السودان , وأكد في تصريحه علي أن منطقة الفشقة منطقة سودانية (تبلغ مساحتها 250 كم مربع وبها 600,000 فدان يتم ريهم من أنهار العطبرة وستيت و Baslam , وأن الحكومة السودانية في إطار إتفاق ثنائي مع إثيوبيا تسمح للمزارعين الإثيوبيين بتجاوز الحدود الإثيوبية للزراعة في هذه المنطقة السودانية ” , ومازال الخلاف الحدودي لم يسو ثنائياً بعد   .
 
إن قرار قطر سحب قوتها المُتمركزة في منطقة النزاع الحدودي بين جيبوتي وإرتريا قرار بالرغم من إرتباطه المباشر بموقف أرتريا وجيبوتي المُؤيد لإجراءت المقاطعة والحصار التي إتخذتها حكومات السعودية والبحرين والإمارات ومصر ضد قطر في 5 يونيو 2017 , إلا أنه يستجيب للمنطق فموقف أرتريا وجيبوتي المُضاد لقطر – بغض النظر عن الموضوعية أو عدمها – إلا أنه سحب لإعترافهما بحيازة قطر صفة الوسيط النزيه في شأن نزاعهما وهو الدور الذي قامت به قطر بموجب توصلها لإتفاق ثلاثي ضمهما وحقق هدنة بينهما بدأت عام 2010 , ومن ثم فلا مسوغ لإستبقاء قطر لقوة تحفظ السلام أو الهدنة بين دولتين إتخذتا موقفاً من الأزمة الخليجية يعتبر سلبياً من وجهة نظر قطرية وأصبحتا بالتالي لا تضمران وداً للدوحة .
 
تبدو خطورة قرار قطر المُفاجئ بسحب قوة حفظ السلام التابعة لها في12 و13يونيو من منطقتي رأس وجزيرة Doumeira الحدودية بين جيبوتي وأرتريا والقريبة من باب المندب  , في أن أرتريا إستطاعت تحقيق مكسب لطالما سعت إليه وهو فرض سيادتها علي منطقتين حدوديتين مُتنازع عليهما لوقت طويل مع جيبوتي وذلك بسبب الأثر غير المباشر لأزمة الخليج تلك وتداعياتها المختلفة ومنها هذا القرار القطري الذي   له إنعكاسات علي منطقتي القرن الأفريقي والشرق الأوسط كما سيلي بيانه  , إذ إستغلت أسمرا الإنسحاب القطري المُفاجئ للوثوب علي هذه المنطقة المُتنازع عليها طويلاً وإحتلالها وفرض أمر واقع جديد , وهو مكسب ثمين بالحسابات الإستراتيجية في وقتنا هذا وليس في وقت توقيع إيطاليا وفرنسا عام 1935 لإتفاق Laval-Mussolini , فرأس وجزيرة Doumeira يكتسبان حالياً أهمية إستراتيجية ولوجيستيكية مُضطردة لسببين رئيسيين :
(1) أن جيبوتي أصبحت عقدة مواصلات إستراتيجية لشرقي ووسط أفريقيا :
 
فجيبوتي التي تقع علي ناصية إلتقاء جنوب البحر الأحمر الذي يبلغ طول ساحلها عليه 20 كم مع خليج عدن المُؤدي لبحر العرب والمحيط الهندي , أصبحت حالياً مثاراً لمطامع Convoitises القوي الدولية لأنها الآن  العقدة الأهم من بين عقد شبكة الطرق بالقرن الأفريقي بل إنها أصبحت منارة البحر الأحمر Phare de la Mer rouge وهي مقصد لنحو 40% من حركة النقل البحري العالمية فهي من خلال تكثيف مشروعات الطرق والإتصالات بها تحولت إلي عقدة نقل Hub Logistique أو بمعني أعرض عقدة مواصلات بمنطقتها بل ربما علي النطاق فوق الإقليمي الذي يطوي تحت جناحيه شرق ووسط أفريقيا حالياً بل وغربها مُستقبلاً وهي لذلك بالمعيار الإقتصادي تعيش عهدها الذهبي , ويعكس هذه الحقيقة ما أشار إليه موقع L, AFRIQUE TRIBUNE في 31 يناير 2017 من أن رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله إلتقي نظيره السنغالي Macky Sall علي هامش القمة الأفريقية الأخيرة بأديس أبابا ليبحث معه تنفيذ مشروع خط سكك حديدية يربط جيبوتي بميناء داكار السنغالي علي المحيط الأطلنطي بهدف فك عزلة بعض دول شرق وغرب أفريقيا , وقد أُدرج هذا المشروع في جدول يتضمن 11 مشروع بالصفحة رقم 20 في التقرير السنوي لمبادرة الشراكة الأفريقية للتنمية الإقتصادية NEPAD بمسمي Dakar – Ndjamena- Djibouti Road \ Rail Project وتشارك فيه كل من السنغال ومالي وبوركينافاسو والنيجر ونيجيريا والكاميرون وتشاد والسودان وإثيوبيا وجيبوتي وهو مشروع لن تقدم له NEPAD – مثله مثل مشروع الربط الملاحي النهري بين بحيرة فيكتوريا بأوغندا وميناء الأسكندرية المصري علي المتوسط – مساعدة تُذكر , ومن الواضح أن جيبوتي تتبني إستراتيجية إن لم تُوصف بالمنافسة لمحور قناة السويس , إذن فلنقل أنها موازية لها في الأهمية , فعلي سبيل المثال أشار موقع HELLENC SHIPPING NEWS في 27 يناير 2017 إلي أن جيبوتي التي تعتبر من أكثر نقاط الشحن إشغالاً بالعالم والتي تسيطر علي منفذ إستراتيجي علي البحر الأحمر والمحيط الهندي تعتبر أيضاً مُزودًاً رئيسياً بالوقود ومركزاً للشحن الوسيط بالمنطقة , فقد إحتفلت مؤخراً برعاية من رئيس جمهوريتها بإمتلاك شركة (Red Sea Bunkering (RSB لخدمات تموين السفن بالوقود وفيه زودت الشركة من خلال أول سفينة تزويد السفن بالوقود في البحر Bunker Barge , كما أشارت وكالة REUTERS من جيبوتي في 16 يناير 2017 إلي أن الرئيس الجيبوتي أعطي إشارة الإنطلاق لمشروع إقامة منطقة حرةZone Franche  هي الأكبر علي مستوي أفريقيا بميناء جيبوتي بدعم مالي صيني يبلغ 7 مليار دولار علي مدي عامين من تاريخ توقيع الإتفاق في مارس 2016 وذلك علي مساحة 48 كم مربع وتقوم علي تنفيذه شركة Dalian Port Corporation الصينية وتستغل هذه المنطقة الحرة كل من سلطة المواني والمناطق الحرة الجيبوتية وشركة Merchants Holding القابضة الصينية (إستثمرت الصين في جيبوتي خلال بضعة أعوام حوالي 14 مليار دولار جزء منهم في صورة قروض) معاً في إطار سياسة الصين لتطوير تجارتها مع العالم بإنشاء مشاريع للبني الأساسية كهذا المشروع وغيره من المشروعات المختلفة في 60 بلد علي مستوي العالم , وأحالت الوكالة علي رئيس سلطة ميناء جيبوتي والمناطق الحرة به قوله ” إن جيبوتي لا تنظر فقط لأن تصبح ميناء لإثيوبيا بل أيضاً لجنوب السودان والصومال ومنطقة البحيرات العظمي ” , وعلي ذلك فإن الخطة الجيبوتية تحمل في طياتها عوامل سلبية لمشروع الخط الملاحي بين فيكتوريا والبحر المتوسط تجعل من أهميته متناقصة الفائدة لدولتي منابع النيل إثيوبيا وأوغندا معاً ومعهما دول البحيرات العظمي التي تحظي بإهتمام أوروبي مُتنام أحد أوجهه المؤتمر الدولي للسلام والديموقراطية تحت مظلة الأمم المتحدة والذي تشارك في أعماله الدول المانحة أي الأوروبية , وبالإضافة إلي ذلك تشارك شركات صينية علي التوازي في تطوير ميناء Doraleh وهو إمتداد لميناء جيبوتي ويقع علي بعد 5 كم غرب مدينة جيبوتي , كما ستقوم هذه الشركات أيضاً بإقامة مطارين جديدين بتكلفة إجمالية تبلغ 1,2 مليار دولار تقريباً , ومن المعلوم أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقوم علي إدارة مينائي جيبوتي وبربرة الأرتري وتضاعف من تواجدها العسكري علي البحر الأحمر ولها إسهام في إقامة سد النهضة الإثيوبي مما يوضح إلي أي حد بلغت التنافسية الدولية علي جيبوتي من الوجهة اللوجيستيكية التجارية والعسكرية معاً مع تعدد وكثافة مصالح المتنافسين بمنطقتي شرق أفريقيا والبحر الأحمر , كما أنه من الجدير بالذكر أنه وخلال مؤتمر لندن 2012 عن الصومال أشار رئيس الوزراء البريطاني   David Cameronإلي ما وصفه مستقبل النمو في المنطقة , وقال ” إنني مسرور بأن النرويج والدانمرك والإمارات العربية وهولندا إنضموا إلينا اليوم لإقامة صندوق للإستقرار المحلي سيدعم المناطق التي لطالما أُهملت سابقاً ”  .
 
تعتبر إثيوبيا أكثر الدول الأفريقية في القرن الأفريقي إعتماداً علي جيبوتي للتحرر من العزلة الجغرافية والتي يعتبر أثرها بالغ السوء علي الإقتصاد الإثيوبي إن لم تنفتح إثيوبيا علي جيبوتي , كما أن هناك دول أفريقية أخري تعتمد بدرجات أقل علي جيبوتي مثل أوغندا وجنوب السودان وكلاها من دول حوض النيل تحاول مصر ربطها بمشروع ربط دول حوض النيل العشر بخط نقل نهري لمواعين النقل ذات الحجم الصغير والمتوسط وذلك علي طول مجري النيل بطول 4,000 كم يبدأ من بحيرة فيكتوريا بأوغندا وحتي ميناء الأسكندرية علي البحر الأبيض المتوسط بهدف دفع النبادل التجاري بين دول حوض النيل وتقويته, وذلك في مدي عام 2024   وهو مشروع في التحليل النهائي له خيالي متناقص الجدوي الإقتصادية كما أن من بين مصاعبه تفكك العلاقة بين مصر وبعض من هذه الدول العشر (بإضافة أرتيريا) , إذ إنه لم يتحقق بعد إجماعاً تاماً على رؤية مُشتركة لمياه نهر النيل فكيف يمكن تنفيذ هذا المشروع بفرض جدواه فنياً وإقتصادياً , ومما يؤكد ذلك أن إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وقعوا في 14 مايو 2010 الإتفاق الإطاري في عنتيبي لحوض نهر النيل الواقع في 13 مادة منها مادة تشير إلى ” الإنتفاع المُنصف والمعقول ” ، وهي مادة ما زالت خلافية وبسببها أعلنت مصر والسودان رفضهما التوقيع عليه لعدم تضمنه مبدأ الحق التاريخي الذي يقره القانون الدولي لهما في مياه النيل وفقاً لإتفاقية 1929 بين مصر وبريطانيا  , إلا أن الاتفاق إكتسب إعترافاً آخر به عندما وقعته بوروندي في 28 فبراير 2011 ثم صادق عليه البرلمان الإثيوبي في 13يونيو 2013 ثم صادق البرلمان الأوغندي عليه أيضاً في 27 يونيو 2013، كما صادق البرلمان التنزاني عليه في 26 مارس 2015 ثم صادق البرلمان البوروندي عليه أيضاً , وقد إكتسبت هذه الاتفاقية بعدا آخر عندما أعلن وزير الموارد المائية في دولة جنوب السودان في 18 يونيو 2013 أن بلاده ستوقع على الاتفاقية الإطارية قريباً (لكنها لم توقعها رسمياً حتى الآن ربما بسبب الدعم المصري لنظام الرئيس Salva Kiir في الحرب الأهلية القائمة منذ 2015)  , ولهذا يمكن القول أن جيبوتي تكتسب لكل هذا أهمية لدي بعض دول حوض النيل أكثر من أهمية مصر لها وفقاً لقانون المنفعة , كما أن كثافة الإستثمارات الدولية في المشروعات المينائية واللوجيستيكية في جيبوتي لاشك أن لها تأثير سلبي ما علي إيرادات قناة السويس لأسباب مختلفة , لكن في النهاية ووفقاً لما سبق عرضه فإن جيبوتي وإثيوبيا تدركان تماماً أن تمدد إرتريا وإحتلالها لرأس وجزيرة Doumeira له علاقة بأمن جيبوتي بوجه عام والإستثمارات الإثيوبية بها تحديداً .
 
(2) أن جيبوتي موقع إستراتيجي لتوطن عسكري دولي :
 
قليل من السيادة كثير من المال هذا هو جوهر نظرية الأمن القومي لجيبوتي تلك المدينة – الدولة التي تبلغ مساحتها 23,000 كم مربع والتي تربض علي ساحلها المُطل علي باب المندب أخطر طرق التجارة الدولية قواعد عسكرية قيل أنها فقط لمحاربة القرصنة والجهاديين كما يُؤكد الإعلام الغربي ويردد وراءه معظم الإعلام العربي بأنهما  المبرران الحاليان لتواجد قواعد عسكرية أجنبية في جيبوتي , أقدمها لفرنسا التي ضمت جيبوتي لأراضيها فيما وراء البحار عام 1888 وكانت محطة مهمة للسفن الفرنسية القاصدة مستعمرات فرنسا في الهند الصينية , وهذه القاعدة الفرنسية المُتمركزة بجيبوتي منذ إستقلالها عن فرنسا في 27 يونيو 1977 يتواجد بها وفق تقديرات ما بين 1500 إلي 4000 عسكري وتدر نحو 40% من مجمل عوائد الدولة الجيبوتية , يليها التي للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM والتي تمركزت عام 2002 في معسكر Camp Lemonnier نتيجة لتداعيات الهجوم علي برجي التجارة بنيويورك في 11 سبتمبر 2001 , وتعتبر الأولي والوحيدة الدائمة حتي الآن للولايات المتحدة بأفريقيا , وبهذا المعسكر/ القاعدة مقر فريق العمل المُشترك بالقرن الأفريقي CJTF-HOA وهو موقع متقدم لهذه القيادة يتواجد فيه نحو 4000 عسكري أمريكي , وهو أي هذا المعسكر أحد 23 منظمة مُستأجرة بجيبوتي , ويعمل بهذا الفريق  الأمريكي بالإضافة إلي العاملين الأساسيين فيه نحو الفي شخص يعملون بالتناوب , وأغلب من يعينون للعمل في خدمة فريق عمل معسكر Camp Lemonnier هم في الواقع ممن يعملون لدي دول شريكة (مُتحالفة) تنهض بتنفيذ مجموعة من الأنشطة منها بناء قدرات أمنية وتنفيذ البنية الأساسية من خلال تعاون إقليمي وبرامج عسكرية بين الجيشين الأمريكي وجيوش هذه الدول وبمشروعات عسكرية / مدنية وبرامج للتعليم العسكري  , كل ذلك من خلال مدخل غير مباشر عبر تحالف ومكونات دفاعية أخري للولايات المتحدة تتضمن تقديم الدعم للمنظمات الإقليمية للمساعدة علي ورعاية التعاون وتعزيز عمليات حفظ السلام الجماعية , وتحسين العون الإنساني ودعم العمليات المدنية / العسكرية , وكان قائد AFRICOM الجنرال Carter Ham  قد أشار في زيارة له لنامبيا في نوفمبر2012 إلي أنه ” ليس لدينا نية ولا خطة ولا مصلحة ولا مال لكي نقيم قاعدة أمريكية في الجنوب الأفريقي ولا في أي مكان آخر بأفريقيا فيما عدا ذلك المكان الذي لنا تواجد دائم به في جيبوتي ” , كما أن الصين إتفقت مع جيبوتي علي إقامة قاعدة عسكرية هناك وكان وزير خارجية جيبوتي قد أعلن في مستهل يناير 2016 عن أقامة الصين لقاعدة علي أراضي بلاده بناء على توسع وتنوع مصالحها في القارة الأفريقية , وأكدت مصادر أميركية أن هذه القاعدة الصينية وهي الأولي للصين خارج أراضيها قريبة من معسكر Camp Lemonnier وستؤجر لمدة عشر سنوات , وفي تقديري أننا لا نبعد كثيراً عن الحقيقة لو وُصفنا جيبوتي بأنها عبارة دولة قاعدية للعسكرية الأمريكية فمعسكر Camp Lemonnier عبارة عن النواة الصلبة ونقطة إرتكاز وتمدد للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا  AFRICOM  بإتجاه أفريقيا  وهوالسبب الذي إرتكز عليه قادة AFRICOM في إلحاق مصر جزئياً ضمن مسئوليات هذه القيادة بعد أن إستبعدت وفقاً لما ورد في منطوق إنشاءها ونطاق ولايتها المُعلن رسمياً في 6 فبراير 2007  , ولهذا فإن تتبع العلاقات الأمريكية  / الجيبوتية والتي أصبحت تُدار بصفة أساسية من خلال المسئوليين العسكريين بقيادة AFRICOM أكثر مما تُدار من خلال السفارة الأمريكية بجيبوتي , يصير أمراً حيوياً عند مراقبة تطور تمدد القيادة إلي داخل العسكريات الأفريقية لأنه أمر كاشف لأمور متعددة ومختلفة في هذا الشأن .
 
 إضافة لما تقدم فإن الإتحاد الأوروبي تطبيقاً لإستراتيجيته الدفاعية يقوم من خلال وحداته البحرية بدوريات منذ 2008 لمواجهة القرصنة إنطلاقاً من جيبوتي أما اليابان فقد أشارت نشرةAFRICA INTELLIGENCE    رقم 1442 بتاريخ 13 يناير 2017 إلي أنها لن تدع باب المندب للصينيين فقد أقامت مُختبراً بحرياً عسكرياً دولياً بجيبوتي عام 2011 , ومن جهة فإن السعودية إزاء تطور مواجهتها العسكرية في اليمن التي تعد بالنسبة لها قضية أمن قومي يمكن إن يتهدد أمنها وإستقرارها بعد سعي الحوثيين بمعونة من الإيرانيين وغيرهم إلي إحكام سيطرتهم على اليمن مما يعرض الأمن القومي السعودي لخطر مضطرد خاصة بعد دخول أطراف دولية وإقليمية في الأزمة اليمنية ، لذلك فقد بدأت السعودية وكخطوة إستباقية إتصالات بجمهورية جيبوتي بهدف إقامة لقاعدة عسكرية لها على أراضيها المواجهة لليمن على الجانب الآخر من مضيق باب المندب وقد فاتحت السعودية الرئيس الجيبوتي بشأنها في زيارته للرياض , وقد أكد هذه الإتصالات وزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف في مقابلة صحافية معه في 4 ديسمبر 2016 عندما أشار إلى أن حكومته وافقت ” مبدئياً ” على إقامة قاعدة سعودية في جيبوتي التي ترحب بالوجود العسكري السعودي على أراضيها , وأشار يوسف إلى زيارات مُتبادلة بين مسؤولي الدولتين خلال الفترة الماضية حيث وُضعت بالفعل مسودة إتفاق أمني وعسكري وإستراتيجي بينهما سيُوقع عليه عاجلاً  مُوضحاً أن مسؤولين سعوديين قاموا بزيارات ميدانية لجيبوتي لتحديد أنسب المواقع ، لافتاً إلى أنه لا يوجد ثمة سبب سياسي يمنع من إقامة القاعدة , وأنه لو طرأ تأخير فسيكون لأسباب فنية ، وأن بلاده وافقت بل شجعت على أن يكون للمملكة ولأي بلد عربي وجود عسكري على أراضيها نظراً لما يحدث في المنطقة  , كما أقامت السعودية معسكراً للاجئيين اليمنيين في ميناء Obock بجيبوتي مما عزز صلة جيبوتي بالحرب في اليمن  .
عبر ضهر أحمد فارح رئيس الحركة من أجل الديموقراطية Mouvement pour le Renouveau démocratique والناطق باسم تحالف المعارضين أو ما يُعرف بالإتحاد من أجل الخلاص الوطني  Union pour le Salut National  عن وجهة نظر المعارضة لسياسة الحكومة الجيبوتية برئاسة إسماعيل جيلة فيما يتعلق بتواجد القواعد الأجنبية علي أراضي البلاد بقوله ” إنه – أي الرئيس جيله – يفسر التواجد العسكري الأجنبي بأنه دعم لسياسته الأمنية ”  .
 
الأثر المُتوقع للقرار القطري علي :
 
مصر وإرتريا  :
 
تردد أن مصر عرضت علي جيبوتي أن تحل قوة مصرية محل القوة القطرية المُنسحبة , لكن هذا العرض المصري يُري بفرض صحته أنه لصالح إرتريا أكثر مما هو في صالح جيبوتي في ضوء العلاقة التنسيقية المتينة بين القاهرة وأسمرا والتي تردد بقوة أنها حققت تواجداً عسكريا مصرياً في أرتريا التي أعطت مصر الضوء الأخضر لإقامة قاعدة بحرية / أو جوية في جزيرة نورا الإرترية مُؤخراً , لكن لا تعليق رسمي من الحكومتين عن ذلك , فعلي فرض قبول جيبوتي للعرض المصري – وهو إفتراضي علي أية حال لأن المنطقتين إحتلتهما إرتريا بالفعل – فإن ذلك من شأنه أن يُؤثر سلباً علي العلاقات الجيبوتية / الإثيوبية المتطورة بقوة ولهذا فمن المُستبعد تماماً أن يكون هناك ثمة عرض .
 
بلغت العلاقات المصرية الأرترية مؤخراً مستوي غير مسبوق من التنسيق خاصة في المجال الأمني والعسكري , فقد أشارت مصادر إعلامية في أبريل 2017 إلي أن الحكومة الأرترية أعطت مصر الضوء الأخضر لبناء والحصول علي قاعدة عسكرية علي الأراضي الأرترية البالغ مساحتها 121,320 كم مربع  , وتحدد مصادر المعارضة الأرترية (منظمة عفار البحر الأحمر الديموقراطية RSADO) موقع هذه القاعدة بأنها في جزيرة (أو محلية) Nora أو Norah وهي ثاني أكبر الجزر المسكونة بأرخبيل Dahlak وتبلغ مساحتها حوالي 105 كم مربع وتبعد عن الساحل اليمني بحوالي 70 ميل  وهو تطور تخشي من عواقبه إثيوبيا التي تتهم إرتريا ومصر بدعم المعارضة الإثيوبية ومحاولة تخريب سد النهضة , وتشير هذه المصادر إلي أن وفداً عسكرياً وأمنياً مصرياً قام بزيارة لأسمرا في مطلع أبريل 2017 للإتفاق علي تمركزعدد يتراوح ما بين 2000 إلي 3000 من عناصر البحرية المصرية بهذه القاعدة البحرية بأرتريا , وبذلك – لو صح ذلك – فسيكون للعسكرية المصرية كعسكريات كالولايات المتحدة وفرنسا والصين موقع ثابت خارج الأراضي المصرية لتحقيق بعض الأهداف المُفترضة , وفي الواقع فإن المستوي المُتميز والمُستقر للعلاقات الأرترية / المصرية منذ ما قبل إستقلال أرتريا عندما دعمت مصر المقاومة الأرترية المسلحة للقوات الإثيوبية إبان إحتلالها لإرتريا منذ ضمها رسمياً للتاج الإثيوبي عام 1936 وحتي أستقلت في أبريل 1993 وإلي الآن  , كل هذا يبرر إستجابة إرتريا لطلب مصر أقامة قاعدة بحرية علي أراضيها إذ أن الدولتين بينهما قواسم مُشتركة من أهمها وله صلة غير مباشرة بالقرار القطري المُشار إليه , أنهما في حالة عدائية مُستحكمة مع إثيوبيا إذ يعتبرانها أحد مُهددات أمنهما القومي لأسباب تتعلق بكل منهما , كما أن كلا الدولتين لا تربطهما علاقات طبيعية مُستقرة  بالسودان الذي يعتبر حليفاً لإثيوبيا إذ أنها علاقات دائمة التوتر , وبناء علي هذا القاسم المُشترك فإن هناك ثمة إتفاق في وجهات النظر المصرية / الأرترية بشأن مواجهة إثيوبيا بصفة رئيسية والسودان إن تطلب الامر ذلك , وبالتالي فإن مصر ربما تجد في القرار القطري بسحب قوتها لحفظ السلام من منطقتي رأس وجزيرة Doumeira إنحساراً تتمناه للدور القطري في أفريقيا خاصة وأن قطر أعلنت في بيانها بشأن سحب هذه القوة عن تعليقها لمشاركتها في مهام حفظ السلام بأفريقيا , وهو موقف سياسي مصري غير مفهوم وغير مُبرر , فقطر شجعها وأعطي الفرصة لها كي تلعب هذا الدور في أفريقيا  الفراغ السياسي المصري في الساحة السودانية وفي أفريقيا عموماً وهو أمر لا يتسق مع مُوجبات أمن مصر القومي , بل إن مصر ربما تكون قد فعلت العكس , ذلك أن الرئيس السوداني عمر البشير في كلمته التي ألقاها في 21 مايو 2017 بقيادة الجيش السوداني وجه إتهاماً مباشراً لمصر بالتورط في القتال بمناطق بولايتي شمال وشرق دارفور , أشار إلي أن القوات المُهاجمة والتي تنتمي لقوات تحرير السودان (SLA-MM) جناح Minni Minnawi وعناصر حركة تحرير السودان – المجلس الإنتقالي((SLA-TC  جاءتا من جنوب السودان وليبيا محمولة علي مركبات مُدرعة مصرية الصنع , وأكد أن القوات المُسلحة السودانية وقوة الدعم السريع صادرت هذه المركبات التي إستخدمها هؤلاء المُتمردون في هجومهم الذي شنوه يوم الجمعة 19 مايو2017 ,  وقد نفت مصر ذلك علي أساس أنها لا تتدخل في الشئون الداخلية لدول الجوار , لكن المُؤكد أن مصر ومنذ عهد الرئيس المخلوع مبارك كانت تعارض وتقاوم وتنتقد الدور القطري في الملف الدارفوري , ففي برقية صادرة في 28 يناير 2010 عن السفارة الأمريكية بالدوحة , أشار نائب السفير المصري للمسئول عن الشئون السياسية والإقتصادية بالسفارة الأمريكية هناك Rice في مقابلة بينهما في 26 يناير 2010 إلي أن مصر سوف تحبط أية مبادرة قطرية تتضمن مُقترحات (لتسوية القضية الدارفورية) خلال رئاستها الحالية للجامعة العربية حتي تقدم هي أي مصر مُقترحات تفي بالمصالح المصرية (التي لم يُوضحها) , مُوضحاً أن الإنخراط القطري في المسألة السودانية والفلسطينية والنقد اللاذع الذي توجهه محطة الجزيرة الفضائية لمصر هو السبب الرئيسي لحنق القيادة في مصر , وعندما سأله محدثه الأمريكي أن يوضح الأفعال التي يعتبر أن قطر أقترفتها ضد مصر في السودان , فأعترف بتلقائية بأنه لا شيئ محدد قد أتخذته قطر ضد مصر هناك , مما يعني أن الهجمة (المصرية) ناشئة فقط عن مجرد إقدام قطر بالوساطة في الفناء الخلفي لمصر , وكما يُقال أن العبرة بالنتائج , رأينا أنه وقت أن كانت السياسة القطرية مُهتمة بتحقيق مفاوضات مُثمرة بين حكومة السودان والتمرد الدارفوري , كانت السياسة المصرية مُنكبة علي تحقيق أقصي مُساهمة عسكرية / شرطية مصرية في القوة الهجين للأمم المُتحدة والإتحاد الأفريقي في دارفور UNAMID , إذن فقرار قطر سحب قوتها من المنطقة الحدودية المُتنازع عليها بين جيبوتي وإرتريا يُحقق تمنيات سياسية مصرية سابقة ودائمة .
 
من جهة أخري يعتبر القرار القطري هدفاً ربما سعت إليه أرتريا أو تربصت طويلاً  إنتظاراً له في أول فرصة تلوح لها لإحتلال منطقتي النزاع الحدودي مع جيبوتي وهو ما حدث بالفعل , ومن المُرجح أنه لا الأمم المتحدة ولا الإتحاد الأفريقي سيفعل شيئاً ملموساً لتسوية هذا النزاع الحدودي وإلا ما كان تركه للوساطة القطرية عام 2010 والتي نجحت في تحويل النزاع إلي هدنة طويلة ¸ومما يؤكد ذلك أن سفير إرتريا لدي الإتحاد الأفريقي صرح في 5 يوليو بقوله ” إن قطر يجب أن تستمر في أداء دورها كوسيط سلام في النزاع القائم مع جيبوتي حتي بعد سحبها لقوتها الحافظة للسلام من المنطقة ” وهو تصريح يُناقض البيان الأرتري الذي دعا قطر إلي سحب قوتها تلك فهذا البيان الإرتري أيد مضمون موقف رباعي الحصار الذي وصم قطر بدعم الإرهاب فكيف يدعو سفير أرتريا لدي الإتحاد الأفريقي قطر لمواصلة دورها …. قد يكون تراجعاً إرترياً لضغوط موُرست أو مناورة ديبلوماسية لإستهلاك الوقت خاصة وأن التصريح تزامن مع إعلان رئيس الإتحاد الأفريقي موسي فقيه محمد في 4 يوليو عن إرسال الإتحاد وفد عنه إلي جيبوتي التي إتهمت إرتريا بتحريك قواتها إلي منطقة  Dumeira الحدودية الجبلية المُتنازع عليه بمجرد إنسحاب قوة حفظ السلام القطرية في 13 يونيو إثر الإعلان في 3 يوليو عن طلب قدمته جيبوتي للإتحاد الأفريقي  لنشر مراقبين علي طول هذه المنطقة مع إرتريا , وقال محمود علي يوسف وزير الخارجية الجيبوتي في تصريح له نشرته وكالةREUTERS  في 3 يوليو ” إن القوات القطرية غادرت في وقت وجيز بدون أن نعد أنفسنا علي الأرض بالفعل , فقد تركونا نواجه الوضع علي ماهو عليه كواقع Status Quo وهو وضع لا يعد الأفضل للجانبين , ولقد إقترحنا علي الإتحاد الأفريقي تولي الأمر وملأ الفجوة التي أحدثها الإنسحاب القطري , إننا بحاجة إلي أن يتصرف الإتحاد الأفريقي بسرعة جداً , كما أن التمركز المُرتقب للإتحاد الأفريقي يمكن أن ينطوي علي منع الصراع ” , ويُلاحظ أن إرتريا تدعو قطر للإستمرار في ممارسة دورها كوسيط في النزاع بالرغم مما إدعته علي قطر فيما يتعلق بقضبة الإرهاب , أما جيبوتي فطوت صفحة قطر وتدعو الإتحاد الأفريقي لملأ الفراغ القطري , أي أن هناك ثمة رغبة إرترية في إستهلاك الوقت لفرض أمر واقع فلا قطر ستعود وسيطا بين خصمين أداروا لها ظهر المجن , كما أن قطر الآن منكبة علي إطفاء الجحيم الذي فتحه عليه رباعي المقاطعة بلا مناسبة , إذ أن وسيلة إرسال الإتحاد الأفريقي لبعثة تقصي حقائق بمنطقة النزاع سيكون في إعتقادي عمل شكلي لا يحقق تسوية مالم يرتبط بمفاوضات جادة من خلال وسيط مؤهل كقطر , وهو علي كل حال أمر مازال بعد في مرحلة التمني قد يُعرض علي رؤساء قمة الإتحاد الأفريقي التاسعة والعشرين , وهو ما ستتجنبه إرتريا وقد تنجح إكتفاء بمكسب ذا قيمة إستراتيجية حققته وهو الإقتراب من عقد المواصلات بجيبوتي , بل ربما في تطور تالي تسعي إرتريا إلي إقامة ميناء براس Doumeira , يُضاف إلي ذلك أن قدرة السعودية علي إقحام نفسها لجذب جيبوتي وأرتريا للتفاوض محدودة لسببين أولهما أن السياسة السعودية بصفة عامة تتسم بعدم المبادرة إلا قليلاً فنادراً ما تقدمت لتسوية سياسية في منطقة الشرق الأوسط والحالة المعروفة للكثيرين – وكانت بجهود أمريكية مُمهدة عبر المُوفد الرئاسي الأمريكي فيليب حبيب – هي حالة إتفاق الطائف الذي أنهي الحرب الأهلية اللبنانية , فكيف يمكن توقع تقدم السعودية لتسوية مشكلة بالقرن الأفريقي , ثانيهما أن أرتريا تخشي مما يُروج له البعض من تسرب التأثير الوهابي في أوساط مُسلمي إرتريا  ولذلك لا إستعداداً مُتبادلاً سواء من السعودية أو من إرتريا للإقتراب من وساطة سعودية في هذا النزاع وربما غيره , وعموماً فالدعم الإرتري للموقف السعودي من الأزمة الحالية بالخليج  قوي وواضح مثلما هو الموقف الجيبوتي وهو ما أدي لإتخاذ قطر قرار الإنسحاب من Doumeira , علماً بأن القاعدة في الغالب بالنسبة للسياسة الإرترية أن لا دعم لقضايا عربية ما لم تكن مُضادة لإثيوبيا أو منافسة لها , وبناء علي ذلك فالقرار القطري بالإنسحاب بقدر ما يُلائم التوقعات المصرية / الأرترية , فهو قد عرض بدرجة ما مصالح إثيوبية في جيبوتي لخطر مُرتقب , بالإضافة إلي أن أرتريا تدرك أن الأطراف الخليجية وتحديداً السعودية والإمارات لديهما مصالح عسكرية وأمنية تمتد من ما يُسمي بجمهورية أرض الصومال فإثيوبيا فجيبوتي فأرتريا وصولاً للسودان , وهذه المصالح تقع زمنياً في أكثر الفترات إحراجاً ودقة للأمن القومي لهذه الدول بسبب علاقة أزمة اليمن بإيران مما جعل هذه الأزمة أخطر مهددات الأمن القومي السعودي والإماراتي يليهما أمن منطقة الخليج في إطار مجلس التعاون الخليجي والترتيبات الجماعية داخله والتي تعرضت بسبب الأزمة مع قطر إلي ما يمكن وصفه بالتجميد حتي إشعار آخر , وبالتالي فإن أرتريا تدرك أن أي مبادرة خليجية لتسوية النزاع مع جيبوتي مصدرها السعودية و / أو الإمارات أمر غير مُستبعد إلا أنه – إن حدث – فيمكن التعامل معها بالتسويف , إذ أن جيبوتي عام 2010 عندما تولت قطر تسوية النزاع من خلال التوصل لبروتوكول ثلاثي لثبيت الوضع من خلال تمركز قوة حفظ سلام قطرية بمنطقة النزاع الحدودي , غير جيبوتي 2017 فتدريجياً وخلال هذه السنين السبع تكثفت الإستثمارات الدولية في جيبوتي في مجال المواصلات والموانئ مما أحال جيبوتي إلي واحدة من أهم المواقع اللوجيستيكية بالعالم , مما جعل من منطقتي رأس وجزيرة  Doumeira التي كانت فرنسا تعتقد في إنعدام قيمتهما الإستراتيجية عام 1900 , مرشحتين للإستثمار فيهما خاصة مع قربهما من مضيق باب المندب وذلك لتحويلهما لميناء ربما منافس لميناء جيبوتي  .
 
تدرك أرتريا بدرجة ما أنها دخلت في نطاق التأثير المُتبادل بين منطقتي الشرق الأوسط والقرن الأفريقي , فقد قال الرئيس الأرتري Isaias Afewerki في مقابلة صحفية نشرها موقع OPINIONE PUBBLICA في 12 يونيو 2017 ” إن الإنقسام الحادث بين السعودية ومعها حلفاءها وقطر يمكن أن يُؤدي إلي نتائج في القرن الأفريقي , بعد أن أدي هذا الإنقسام بالفعل إلي مشاكل باليمن الذي بينه وبين أرتريا روابط قوية وتاريخية  , فالخصومة بين السعوديين والقطريين والإيرانيين أثرت بعمق في الأحداث السياسية بالمنطقة ولا تضمن  أرتريا فقط بل جيبوتي والصومال وإثيوبيا . ” , ولا يُعرف علي وجه اليقين لماذا غفل الرئيس Afewerki عن ضم مصر والسودان إلي دائرة التأثير المُتبادل بين المنطقتين بالرغم من وضوحه وبالرغم مما قيل عن إقامة مصر قاعدة بحرية أو جوية لها علي أراضي بلاده ؟ لكن ومع ذلك أصبح واضحاً أكثر من أي وقت مضي أن إرتريا ماضية نحو الإقتراب من السياسات السعودية , وربما أنتهزت أسمرا لاحقاً هذه الفرصة لتصنع من هذا الموقف – الذي لم تكن بحاجة ملحة لإتخاذه – بابا للسعودية علها تكون وسيطاً بين الرئيس Afewerki والولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بينهما , خاصة وأن هناك إشارات لتغيرات داخل إرتريا في إتجاه الإنفتاح المُتدرج في  الإقتصاد والإعلام الإرتري  .
 
من المهم الإشارة إلي شيوع إصطلاحات مُضللة مُستخدمة حالياً في موضوع الأزمة الخليجية وفي مقدمتها والأكثر إستعمالاً وهو مُصطلح ” الإرهاب ” , إذ أن إرتريا التي تدعم الموقف السعودي من قطر والقائم علي إتهام الرياض للدوحة بأنها تدعم الإرهاب وتموله , هي نفسها إرتريا التي صدر في شأنها قرار مجلس الامن الدولي رقم 1907  لعام 2009 المُتعلق بإريتريا والذي يُشير إلي تورط الحكومة الاريترية في دعم الأرهاب بالقرن الأفريقي مما يُؤدى إلي زعزعة السلام والاستقرار بالمنطقة , لهذا طالب مجلس الامن في قراره هذا بإمتناع أريتريا عن دعم الجماعات المسلحة التي تعمل على تعكير السلام في الأقليم ، و التوقف عن رعايتهم وتدريبهم وتنظيمهم وتمويلهم فضلا عن إيقاف الدعم المعنوي لهم , وقد أشارت مجموعة التحقيق الدولية في مسائل اريتريا والصومال – وهو فريق من المحققين يتكون من ثمانية أعضاء تراقب أريتريا والصومال للإمتثال لعقوبات الامم المتحدة – الى أن حكومة أريتريا تُدْرج المجموعات المسلحة بالأقليم ضمن آليات سياساتها الخارجية الضاغطة علي إثيوبيا ، وتبين لهذه المجموعة أن دعم حكومة أريتريا لمجموعة الشباب ” الارهابية ” في الصومال يتضمن مسائل ذات بعد فني دقيق وهي سرية للغاية ، لكنها بشكل واضح وصريح تدعم وتدرب وتسلح وتؤطر أيضاً أعمال المجموعات المسلحة داخل أثيوبيا بمنطقة أوجادين وعبر هذه المجموعات تعمل حكومة اريتريا علي دعم مجموعات الشباب الصومالية الإرهابية , كذلك تطرق تقرير مجموعة التحقيق الدولية حول مسائل الصومال واريتريا إلى الحركة الديمقراطية لشعب تجراي المعروفة إختصارا بـ (دمحيت) والتي تُسخر لها الحكومة الاريترية إمكانات ضخمة مالية واسلحة وخبرات وكل ما تحتاجه من أوجه الدعم , فضلا عن ذلك أوضح التقرير أن دعم حكومة أريتريا يتجه نحو المجموعات الثلاث وهي حركة الشباب وحركة أوغادين وحركة دمحيت , وقد ورد في تقرير لمجموعة المراقبة في الامم المتحدة حول الصومال انه في 2009 ” واصلت حكومة اريتريا تقديم الدعم السياسي والدبلوماسية والمالي والعسكري لمجموعات المعارضة المسلحة ” , واضاف التقرير الذي رُفع لمجلس الامن الدولي , أن هذا الدعم ” يعتبر انتهاكا للقرار الدولي 1844 لعام 2008 وهو العام الذي اقامت اريتريا خلاله علاقات مباشرة مع مجموعات مسلحة معارضة اخرى منها حركة الشباب ودفعت 40 الى 50 الف دولار شهريا لكل واحدة من هذه المجموعات ” , ثم وفي عام 2009 سلمت إرتريا أموالاً الى مختار روبو احد الزعماء الرئيسيين في حركة الشباب التي اعلنت ولاءها للقاعدة وتسيطر على 80% من جنوب وسط الصومال  .
 
إثيوبيا :
 
تعرض الأمن القومي الإثيوبي للتناقص النسبي بسبب العزلة الجغرافية الناتجة عن إستقلال أرتريا في 24 مايو 1993 عن إثيوبيا وإستعادة إرتريا لكل الساحل الذي كان واجهة إثيوبيا المُطلة علي البحر الأحمر ويبلغ طوله 505 كم (ثالث أطول سواحل الدول المُطلة علي البحر الأحمر بعد السعودية ومصر ) , وذلك بعد نضال طويل قادته حركة التحرير الأرترية ELF , وعليه فقد تغيرت خريطة إثيوبيا كلية لأنها بذلك تحولت إلي دولة حبيسة Landlocked لا تطل علي البحر الأحمر كما كانت من قبل بعد أيلولة مينائي عصب ومصوع إلي دولة إرتريا التي لم تستطع إثيوبيا قبول زياداتها للرسوم الباهظة علي حركة الصادرات والواردات الإثيوبية عبر الموانئ الإرترية فتوجهت حركة الصادر والوارد من وإلي إثيوبيا إلي ميناء جيبوتي إلا أن جيبوتي هي الأخري إستغلت الموقف – وقتئذ –  وكانت رسومها أيضاً مرتفعة وإن كانت أقل نسبياً من أرتريا , لذلك تحولت إثيوبيا إلي ميناء بورسودان وبدأت إثيوبيا والسودان تهتمان بإنشاء شبكة طرق تصل بين مناطق التوطن الزراعي بإثيوبيا في الفشقة وجامبيلا وغيرهما لتصدر حاصلاتها عبر ميناء بورسودان علي البحر الأحمر , كما أنشأت السودان مصفاة بترول بمعرفة الشركة الصينية في منطقة الجيلي خارج الخرطوم لإمداد إثيوبيا بما تحتاجه من البترول , وكان كل ذلك في إطار متسع ومتنام للعلاقات الثنائية بين البلدين , ولكن الوضع في جيبوتي تحسن لاحقاً وحتي الآن بالنسبة لإثيوبيا حيث تكثف الإستثمار الدولي والإثيوبي في جيبوتي في المجالات اللوجيستيكية (شبكة الطرق والميناء)  فأصبحت عقدة مواصلات كثيفة في شرق أفريقيا لأنها أصبحت مركزاً لتوطن العسكريات الأمريكية والصينية والفرنسية قبلهما مما أمد جيبوتي بقدرة إيرادية عالية أدت إلي مزيد من التعزيز لشبكة الطرق منها وإليها وإنضمت إثيوبيا إلي المنتفعين بها – كما أشرت – في سياق منظومة جديدة للعلاقات الثنائية الإثيوبية / الجيبوتية أدت إلي إرساء وترسيخ مبدأ المنافع المُتبادلة , وتأكيداً لهذا الخط المدعم سياسياً يُذكر علي سبيل المثال أن من بين أهم المشروعات اللوجيستيكية التي تقوم علي تنفيذها الشركات الصينية في جيبوتي ذلك المشروع الذي أشارت إليه صحيفة The Guardian البريطانية في 16 فبراير 2017 والذي تنهض بتنفيذه شركتان صينيتان بإنشاء خط سكك حديدية يُدار بالكهرباء تماماً بطول 752,7 كم يربط بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وميناء جيبوتي علي البحر الأحمر وقد أُفتتحت بالفعل المحطة الأولي لهذا الخط خارج أديس أبابا في 5 أكتوبر 2016 بحضور رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn ونظيره الجيبوتي إسماعيل عمر جيله , وقد أشار رئيس الوزراء الإثيوبي في كلمته الإحتفالية إلي أن ” أن هذا الخط سيسرع من الصناعة الإثيوبية ويمد إثيوبيا بفوائد ضخمة سواء بالنسبة للمجمعات الصناعية بها أو للمزارع التي ستنشأ مستقبلاً , وسيعطي بلادنا فرص للتوظيف ” , وأشارت الصحيفة إلي أن هذا المشروع تبلغ تكلفته 3,4 بليون دولار مول 70% منه بنك الصيني Exim Bank وقامت علي تنفيذه شركةChina Railway Group and China Civil Engineering Construction أو (CCECC) وستجري عليه قاطرات ملونة بألوان العلم الإثيوبي وسيبدأ تشغيله لنقل الركاب والبضائع خلال عام 2017 بسرعة 120 كم / ساعة لنقل البضائع و160كم / ساعة للركاب وسيربط هذا الخط أديس أبابا بميناء جيبوتي في 12 ساعة بعد أن كان يستغرق الوصول لأيهما ثلاثة أيام مما سيخفض من تكلفة النقل والوقت بصفة ملموسة , من جهة أخري أشار موقع South China Morning Post – DIPLOMACY & Deffence في 11 يناير 2017 إلي أن هذا المشروع – وهو الثاني بعد المشروع الذي نفذته شركات صينية أيضاً ليربط بين تنزانيا وزامبيا –  يمثل علي مدي أوسع البداية لأول مشروع مُرتقب للسكك الحديدية  يُدار بالكهرباء بأفريقيا , وهو مشروع السكك الحديدية العابرة لأفريقيا Trans-African railway الذي سيقطع مسافة 2000 كم بحيث يُتوقع أن يربط إثيوبيا بجنوب السودان والذي يمكن في يوم واحد أن يعبر القارة من البحر الأحمر للمحيط الأطلنطي لكن – وحسب الموقع – علي هذا المشروع أن يعبر بلدان تمزقهما الحرب هما جنوب السودان وأفريقيا الوسطي , وأشار الموقع الصيني إلي أن هذا المشروع يعني الكثير للصين فبكين تبحث في القيام بدور أكبر في معظم هذه القارة التي لم تحقق معظم بلدانها التنمية المنشودة والتي تعودت علي أن تبقي تحت سيطرة الغرب , وتدعيماً من إثيوبيا لسياسة المنفعة المُتبادلة يُذكر أن موقع شبكة World Bulletin الإخبارية أورد في 10 ديسمبر 2015 نقلاً عن سفير جيبوتي في إثيوبيا محمد إدريس فارح قوله ” أن شركة سويسرية وديبلوماسي كويتي إتصلوا بنا وسيزورون جيبوتي ويجرون مناقشات أخري أكثر ” وأوضحت الشبكة أن وفداً من شركةMai Resources International وممثل ديبلوماسي عن سفارة الكويت في إثيوبيا إلتقوا الرئيس الإثيوبي ووزير المياه Alemayehu Tegenu ليناقشوا مشروع نقل المياه الجوفية من إثيوبيا إلي جيبوتي , وأوضحت السفارة الكويتية في بيان عنها أن ” المشروع لا علاقة له بمياه نهر النيل , فالمشروع المُقترح يقع بالمنطقة الشرقية الإثيوبية والتي تبعد بنحو 1165 كم عن نهر النيل ” وأشارت الشبكة نقلاً عن سفيبر جيبوتي قوله ” أن هذا المشروع سيُنفذ بمدينة Adi Ggala بمنطقة صومالي الإثيوبية ” , كماأوضحت الشبكة إلي أنه وفي عام 2013 إتفقت إثيوبيا وجيبوتي علي تنمية وتطوير المياه الجوفية لتصديرها إلي جيبوتي , وأن شركة صينية تقوم الآن علي تطوير هذه المياه لتُستخدم في الشرب , وأن وزير المالية والتنمية الإقتصادية الإثيوبي سفيان أحمد ونظيره الجيبوتي Ilyas Moussa Dawaleh وقعا إتفاقاً لتسهيل التعاون في مجال الإمداد بالمياه , وطبقاً للإتفاق فسوف يقوم الجانب الجيبوتي بتركيب خط أنابيب بطول 70 كم من مدينة Adi Ggala وحتي Guelileh علي الحدود ثم تصل إلي جيبوتي العاصمة , ومن جهة أخري أشار موقع AFRICA INTELLIGEANC في 27 يناير 2017 أن هناك طريقاً جديداً يجري تعبيده لنقل البوتاس الإثيوبي للتصدير من ميناء جيبوتي التي بإعتبارها عقدة مواصلات بمنطقة القرن الأفريقي ركزت علي تعبيد ورصف ومد الطرق البرية منها إلي جوارها الجغرافي المباشر وخاصة إثيوبيا التي ليس لها منفذ بحري , وتجدر الإشارة إلي أن التجربة الجيبوتية في المجال اللوجيستي مع إثيوبيا تكشف عن مدي صعوبة الإعتماد علي الربط النهري ومثال علي ذلك أن مجموعة Steder Group Djibouti تغلبت علي الصعوبات التي واجهتها في نقل 9 محولات كهربائية من ميناء جيبوتي لمحطة فرعية مُتصلة بموقع سد النهضة الإثيوبي عبر الطرق البرية , حيث ثبت لهذه المجموعة وفقاً لما أشار إليه موقع Break Bulk الإخباري في 13 يناير 2016 أن النقل عبر مجري النيل في هذه المنطقة صعب ويحتاج إلي خبرة عالية ومعدات .
 
إن إثيوبيا بسبب الإعتمادية اللوجيستيكية علي ميناء جيبوتي بنسبة 95% في حركة صادراتها ووارداتها  وعلي شبكة الطرق الواصلة منه وإليه والتي إستثمرت وتستثمر إثيوبيا في إقامتها وتنميتها هناك خدمة لإقتصادها حيث بلغ ما تسدده من رسوم علي وارداتها من السلع النهائية ومستلزمات الإنتاج وفق بعض المصادر نحو بليون دولار سنوياً , ومن ثم فجيبوتي توالحالة هذه تُؤمن إقتصاد إثيوبيا أي أنها جزء من نظرية أمنها القومي وبالتالي فإن القرار القطري وما أدي إليه من تغول إرتريا علي أراضي جيبوتي والإقتراب من ميناءها لا شك في أنه يمكن يؤثر سلبا بوجه أو بآخر علي الإستقرار الإقتصادي لإثيوبيا التي من المفهوم أن لديها حساسية أمنية إزاء أي خطر تتعرض له جيبوتي  ,  فعلي سبيل المثال حدث في مارس 2017 أن عبرت قوات إثيوبية الحدود الإثيوبية مع جيبوتي بطلب من الرئيس الجيبوتي لمساعدة الجيش الجيبوتي في مواجهة جماعة مُتمردة تدعي الجبهة المُسلحة لإستعادة الوحدة والديموقراطية FRUD arme , ويمكن بناء علي هذه النتيجة القول بإن تحرك  إرتريا لإحتلال منطقتي رأس وجزيرةDoumeira الواقعتين إلي الشمال من ميناء جيبوتي يُعد في المستقبل المنظور – إن لم يسو هذا النزاع تفاوضياً – تهديداً لمصالح إثيوبيا اللوجيستيكية في جيبوتي إذ أن إثيوبيا تعتمد بصفة مُتزايدة علي شبكة الطرق التي إما تبدأ منها لتنتهي لجيبوتي أو العكس وكلا الإتجاهين ينتهي ليصب في ميناء جيبوتي لتنفك عزلة إثيوبيا الجغرافية واللوجيستيكية , ولذلك فعندما أرسلت جيبوتي خطاباً للأمم المتحدة في مستهل يناير  2008 تدعوها  للتدخل بسبب إستحكامات عسكرية تقيمها إرتريا علي الحدود المُشتركة  وإصدارها خريطة رسمية تظهر فيها منطقة رأس Ras Doumeira علي أنها جزء من الأراضي الأرترية بعدها وفي 15 مايو صرح Meles Zenawi رئيس الوزراء الإثيوبي بأن ما تفعله إرتريا مع جيبوتي يهدد السلام والأمن في القرن الأفريقي وأن إثيوبيا ستُؤمن طريقها التجاري مع جيبوتي في حالة الصراع الذي تفجر في 10 يونيو 2008 الأمر الذي أدي بمجلس الأمن الدولي لإصدار قراره رقم 1862 بتاريخ 14 يناير 2009 يدعو فيه الطرفين إلي الحوار لحل القضية سلمياً مُرحباً بمبادرة جيبوتي بالإنسحاب إلي مواقعها قبل 10 يونيو 2008 داعياً إرتريا لإتخاذ نفس الإجراء خلال 5 أسابيع من إصدار هذا القرار .
 
هناك دور مُرتقب للدبلوماسة الإثيوبية لتلعبه في أزمة العلاقات الإرترية / الجيبوتية التي نُوقشت في جلسة لمجلس الأمن الدولي شاركت فيها إثيوبيا التي تم إنتخابها كعضو غير دائم بالمجلس لعامين قادمين , ومن الوجهة المبدئية تتفق إثيوبيا مع ما دعا إليه موسي فقيه رئيس الإتحاد الأفريقي بتمركز  ميداني لبعثة تقصي حقائق بمنطقتي النزاع , كما أن إثيوبيا لعظم مصالحها في جيبوتي ولإدراكها ما تمثله إرتريا من خطر علي جيبوتي وبالتالي علي مصالحها هي وقعت مع جيبوتي العام الماضي 2016 إتفاق دفاع وهو ما يجعل المواجهة العسكرية التي يُخشي من تفجرها بين جيبوتي وإرتريا مختلفة هذه المرة إذ أن إثيوبيا ربما ستكون حاضرة فيها , خاصة وأنها مواجهاتها المسلحة مزمنة مع إرتريا وكان آخرها في يونيو 2016 وأسفر عن مئات القتلي , ولكن إنكشاف النزاع علي منطقتي Doumeira بسبب إنسحاب قطر المفاجئ منها لو أدي إلي مواجهة عسكرية فهو موقف توقعات حدوثه مُتناقصة لأن الرئيس Afwerki الذي يحكم إرتريا منذ 1993 إتجه للإنفتاح الإستثماري حيث من المتوقع البدء في إستخراج المعادن من ثلاث مناجم إرترية عام 2018 بالإضافة للمناجم القائمة منذ 2011 ويُستخرج منها الذهب والزنك والنحاس بواسطة شركة الكندية , ولكن إذا ما وُجهت عائدات المناجم الجديدة للتسليح  فإن إحتمالات المواجهة المُسلحة مع جيبوتي (وإثيوبيا) تكون مُرجحة , هذا مع العلم بأن هناك ثمة إتجاه داخل دائرة القيادة السياسية الإثيوبية وتحديداً في حزب الجبهة الديموقراطية الثورية الحاكم لإعادة النظر في العلاقات مع إرتريا إنطلاقاً من منهج مختلفعن منهج المواجهة لكن الواضح حتي الآن سيادة المؤسستين العسكرية والمخابراتية الإثيوبية في وضع السياسة الإثيوبية بإتجاه إرتريا  .
 
السودان :
 
إن تحرك إرتريا عسكرياً نحو منطقتي رأس وجزيرة Doumeira المُتنازع عليهما مع جيبوتي وإحتلالهما  نشط مشاعر الحذر والإنتباه لدي السودان , فبالرغم من أنه لا نزاعاً حدودياً مُعلناً بين السودان وإرتريا وهو ما يشير إليه تقرير مصلحة المساحة السودانية المؤرخ في 21 مارس 1966 الذي إنتهي في خلاصته بالإشارة إلي أن ” الحدود الإرترية السودانية قد تم تخطيطها وتحديدها علي الأرض بموجب إتفاقيات , وبالتالي يمكن لفريق من المساحين عن الجانبين القيام بإعادة وضع علامات الحدود المفقودة مع وضع علامات إضافية في مناطق الرعي والزراعة إذا دعي الأمر لذلك ” , وهذا يعني أن انه لو أثير خلاف فسيكون بشأن علامات حدودية في مواضع لا يمكن التنبؤ بها الآن , لكن عموماً يمكن القول بأن إحتمال إثارة هذا الخلاف ضئيل حتي الآن .  
 
بالرغم مما تقدم – ففي تقديري – أنه ليس معني أن حدود السودان مع إرتريا خالية أو تكاد من النزاعات الفنية وفقاً لما أورده تقرير المساحة السودانية وأن أمر الحدود مُطمئن للجانب السوداني , إلا أنه في الواقع أن النظام القائم في إرتريا لأسباب متعددة يتبني إستراتيجية عدائية ولا اٌقول سياسة هجومية ضد السودان ومن بين الأدلة العديدة أسوق أكثرها خطورة ويتصل بهذا الموضوع , فقد صرح رئيس لجنة الحسبة بالمجلس الوطني السوداني (البرلمان) لصحيفة ” ألوان ” اليومية الصادرة بالخرطوم في 12 مارس 1997 ” أن أرتريا نشرت مؤخراً خريطة جديدة تضم فيها مساحة واسعة من الأراضي السودانية بمنطقة “طوكر “, وأن لها مطامع توسعية في هذه المنطقة الواقعة قرب ساحل البحر الأحمر وتسعي لضم أربع محليات بالقرب من طوكر ” , وأضاف مؤكداً ” أن هناك مُخططاً أرترياً لإنتهاك حرمة المياه الإقليمية السودانية وتهديد موانئ السودان علي البحر الأحمر , وأن القوات الأرترية تربض علي بعد أميال من السودان تريد ضرب مينائي بورسودان وسواكن , وهذه القوات وُضعت قبالة الحدود في كل من رأس قصار وجبل حليباي”, فإرتريا تعتبر أن حدودها علي ساحل البحر الأحمر مُمتدة من رأس قصار علي الحدود مع السودان (طبقاً لإتفاقية 7 ديسمبر 1898 بين مصر وإيطاليا التي تُعرف بإتفاقية بارسونز- مارتسيزيني وتتضمن وصفاً للحدود بين السودان وأرتريا من رأس قصار علي البحر الأحمر إلي تقاطع خور أمبكتا مع خور أو نهر بركة)   حتي رأس وجزيرة Doumeira علي الحدود مع جيبوتي (طبقاً لإتفاق Laval-Mussolini في 7 يناير 1935) , وقد حققت إرتريا بعد قرار قطر سحب قوتها لحفظ السلام من Doumeira ما أرادته وسعت إليه  لتحقيق مقولة ” من رأس قصار حتي رأس  Doumeira , ولا يُستبعد في سيناريو سيئ أن تتجه إرتريا إلي تحقيق أطماعها في شرق السودان وتحديداً في منطقة طوكر , فلم تنمح بعد من الذاكرة واقعة إحتلال إرتريا في تسعينات القرن الماضي لجزر حنيش اليمنية بالبحر الأحمر , خاصة أنه وبرغم رصد إنفتاح تدريجي يحدث حالياً في إرتريا , إلا أن الموقف الداخلي بها في منتهي الصعوبة وقوة المعارضة الأرترية لنظام الرئيس أفورقي تتزايد مع تكوينها لتحالف مُعارض له , ولذلك يبرر  البعض إعادة فتح إرتريا ملف النزاع علي Doumeira  بحاجة الرئيس أفورقي إلي جمع شتات شعبه المُمزق علي قضبة وطنية من خلال نزاع خارجي مماثل للنزاع الحدودي الذي كان مع إثيوبيا علي منطقة Badme التي آلت لإرتريا بموجب رأي لجنة الحدود التابعة للأمم المتحدة والذي لم تستجب إثيوبيا للتنازل عنها لإرتريا رغم ذلك  .
 
تتبني أرتريا إستراتيجية عدائية في علاقاتها مع السودان – كما أشرت – وتعتبر العلاقات الإيجابية المُثمرة بين إثيوبيا والسودان أحد مبررات هذه الإستراتيجية , ولذلك – من بين أمثلة عديدة – وصف السفير الفاتح عروة المندوب الدائم للسودان لدي الأمم المتحدة ومنسق العلاقات الإثيوبية السودانية وصف علاقات بلاده بإرتريا في تصريح له بتاريخ 14 فبراير 1999 بأنها مازالت علي وضعها أي شبه حرب , وأنه بعد إضطرار أسياس أفورقي إلي سحب وحداته العسكرية قبالة حدود بلاده مع السودان لدواعي المواجهة العسكرية مع إثيوبيا بسبب النزاع الحدودي معها , قامت القوات السودانية بتطهير المناطق الحدودية وإستعادتها من قوات المعارضة السودانية التي دعمتها الوحدات العسكرية الإرترية قبل إنسحابها , وأكد الفاتح عروة أنه رغم موقف السودان الذي وصفه بالحيادي من المواجهة الإثيوبية / الإرترية , إلا أن علاقاتهم متطورة مع إثيوبيا , ومن المُثير للدهشة ان السودان كان أحد أهم الدول الفاعلة في دعم الثورة الإرترية ووفر دعماً مُقدراً للنضال لقوي الثورة الأرترية إلي حد أن أراضي السودان كانت قاعدة مهمة لهذه القوي , وكان أفورقي مقيما بالخرطوم وأستمر هذا الدعم منتظماً إلي أن أنجز إستفتاء تقرير مصير إرتريا في أبريل 1993 وأُعلن الإستقلال في مايو 1993 وكان السودان أول دولة تتبادل التمثيل الدبلوماسي مع أرتريا ووقعت الدولتان إطاراً للتعاون في 29 أغسطس 1993 إلا أن 4 عقبات حالت – وقتذاك – دون إستمرار نمو العلاقات هي :-
 
* اللاجئون الأرتريون بالسودان والذين وصل عددهم وقت توقيع إطار التعاون نحو 300,000 لاجئ .
 
* الحدود المُشتركة وما تمثله من عبء أمني خاصة في مجال التهريب .
 
* دعم السودان لحركة الجهاد الإسلامي الإرترية بناء علي مسئولية السودان  وقتذاك  عن حركة الإسلام خارج أراضيه بموجب تبني المشروع الإسلامي .
 
* الدور الإرتري في إطار عملية السلام بشأن الصراع في جنوب السودان والتي تمت تحت مظلة منظمة IGAD وإعلان إرتريا أنها مع تطبيق حق تقرير المصير للجنوب .
 
مازالت العلاقات الأرترية / السودانية محتقنة بل مُختنقة خاصة مع إستمرار تطور ونمو العلاقات السودانية مع إثيوبيا العدو التاريخي لإرتريا , ولذلك ففي الواقع فإن المواجهة العسكرية بين السودان وإرتريا غير مُستبعدة لكنها ستكون فادحة التكلفة علي إرتريا وأحد دوافعها لدي إرتريا أطماعها في منطقة طوكر , فتصريح رئيس لجنة الحسبة المتقدم يأتي في إطار مُؤكداً لنوايا عدائية أرترية للنظام ذو الصبغة الإسلامية في الخرطوم خاصة وأن المنطقة التي أشار إلي رئيس لجنة الحسبة بها علي الجانب الآخر من الحدود قوات إرترية مُتربصة بالسودان , أما فيما يتعلق بمطامع إرتريا في منطقة طوكر فهي وإن كان من الصعب تماماً تحقيقها إلا أنها ترواد النظام الإرتري فحكومة السودان ومنذعام 1992 تقريباً وهي تروج لمشروعين زراعيين بهذه المنطقة أولهما مشروع القاش الزراعي والذي تبلغ مساحته 400 ألف فدان منها 344 الأف فدان عالية الخصوبة ويبلغ متوسط مواردها المائية بهذه المنطقة 650 مليون متر مكعب تفيض من نهر القاش سنوياً ويحمل المتر المكعب من هذه المياه خمسة كيلو جرامات من الطمي , الأمر الذي يجدد التربة سنوياً وهي تربة تصلح لكافة المحاصيل الغذائية إضافة للمنتجات البستانية , أما المشروع الثاني فهو مشروع طوكر الزراعي ويقع بولاية البحر الأحمر علي بعد 90 كيلومتر إلي الجنوب من ميناء سواكن نحو خور بركة الذي يصب في البحر الأحمر وتبلغ مساحة هذا المشروع 46 ألف فدان وتزرع فيه الذرة والقطن , ولكن للاسف تتغول علي مساحة هذا المشروع أشجار المسكيت وحشائش المرديب بنسبة لا تقل عن 65% مما قلص من مساحته .
 
 يتضح من عرض مرجعيات تحديد حدود إرتريا والسودان – وفقاً لنص تقرير مصلحة المساحة السودانية – أنها تختلف تماما عن  حالة حدود السودان مع إثيوبيا التي أوصي تقرير المساحة السودانية بشأنها أنه لكي تتحدد فلابد من أن يتم إتصال من الخارجية السودانية لحث الجانب الأثيوبي علي الموافقة علي بروتوكول الحدود المُوقع عام 1909 الذي رفعه الماجور كوين الذي كُلف بتحديدها من قبل إثيوبيا وبريطانيا , كما أنه يُلاحظ أن حدود السودان بإرتريا حددتها خطوات كثيرة عن تلك التي أُتخذت مع إثيوبيا ويبدو أن السبب من وراء ذلك النفوذ المصري الذي كان يخشي منه ومن تمدده علي جانبي البحر الأحمر خصوم مصر والقوي الإستعمارية المختلفة وعلي نحو خاص البريطانية والإيطالية اللتين كانتا متجهتين للتوسع في شرقي أفريقيا , ذلك أن النفوذ المصري وصل إلي هناك ورسخ مكانة مصر في هذه المنطقة التي كان الحزب الوطني الذي أسسه مصطفي كامل في ديسمبر 1907 لا ينقطع عن المناداة منذ تأسيسه إلي وحدة وادي النيل لا مصر وحدها بل ومعها السودان وثلاث موانئ علي البحر الأحمر هي زيلع ومصوع وهرر التي ورد ذكرها في فرمانات عهد محمد علي باشا والخديو إسماعيل وكانت هذه الموانئ الثلاث تُسمي بالملحقات في هذه الفرمانات فهي كانت مُلحقة بالدولة المصرية وفقاً للفرمان السلطاني المؤرخ في 13 فبراير عام 1841 الذي قلد بموجبه السلطان العثماني لمحمد علي باشا فضلاً عن ولاية مصر مقاطعات دارفور والنوبة وكردفان وجميع توابعها وملحقاتها الخارجة عن حدود مصر بغير حق التوارث وإنما بإدارتها لحساب الدولة العثمانية , وأستطاعت مصر أن تؤمن البحر الأحمر أو تكاد بحركتها النشطة في سياق إستراتيجية – في تقديري – لم تقتصر علي تأمين المياه العذبة فقط أي مياه النيل بل وتأمين البحر الأحمر أيضاً نظراً لإرتباطه الوثيق إستراتيجيا بقناة السويس التي أُفتتحت عام 1865  .
 
كانت زيارة الرئيس السوداني عمر البشير للدوحة في 17 يونيو 2017 تحديداً لزاوية التحرك السوداني تجاه الأزمة الخليجية ككل , فللسودان علاقات قوية مع السعودية إذ كان السودان من أولي الدول التي تحركت بفاعلية بإنضمامها للتحالف العربي في اليمن وهو تطور أكدته الخرطوم عندما قطعت علاقاتها بعد ذلك بإيران عندما هُوجمت السفارة السعودية بطهران , وبالتالي مثل الإنضمام السريع للسودان في التحالف العربي / الإسلامي وقطع العلاقة مع طهران أقصي إرتفاع ممكن لسقف المطالب السعودية والخليجية من السودان أي أن قطع العلاقات القطرية / السودانية يبقي لوقت قادم أمر مُستبعدا يحتاج حتي يتحقق إلي إصطناع أزمة إن لم تحدث بشكل طبيعي , ويعلم رباعي المقاطعة لقطر ذلك – فيما عدا مصر – فلم تعد لإيران حيز في شبكة العلاقات الخارجية للسودان لأسباب سودانية بعد أن كانت علاقاتها بالخرطوم  مزدهرة نشطت بعد زيارة الرئيس رفسنجاني للسودان عام 1990 , وكانت هذه العلاقة مصدر قلق سعودي وخليجي بل عرقلت علي نحو خاص سير العلاقات السعودية / السودانية إلي أن ذوت منذ بداية أزمة اليمن وللآن .  
 
السعودية والإمارات العربية :
 
سعت السعودية والإمارات العربية ونجحتا في ضم جيبوتي وإرتريا إلي ما تصورت أنه سيكون تكتلاً دولياً أو علي أقل التقديرات إقليمياً مُلحقاً برباعي المقاطعة والحصار لقطر (المملكة العربية السعودية والإمارات العربية والبحرين ومصر) المُعلن في 5 يونيو 2017 تأسيساً علي إتهام هذا الرباعي للدوحة بدعم وتمويل الإرهاب , , لكن رباعي الحصار لقطر لابد وأن أعضاؤه تحركوا بإتجاه الصومال  لضمه لقائمة الدول المُؤيدة لرباعي المقاطعة  لكن الصومال وبالرغم من ضعفه ودقة الموقف الداخلي والخارجي له رفض للآن التماهي مع مطالب الرباعي لقطع العلاقات أو خفضها مع قطر , فالصومال إتخذ موقفاً حيادياً بل عرض الوساطة بين قطر ورباعي المقاطعة ليؤكد علي حياديته لدرجة أن وفداً صومالياً تواجد في السعودية بعد قرار المقاطعة ليُنشط تنفيذ السعودية لمشروعات هامة بالصومال إلا أن الوفد لم يُستقبل بود هناك وهو ما رد عليه الصوماليين عندما خفضوا مستوي وفد وزاري كان مُقرراً أن يلتقي بنظيره السعودي , كما أن الإمارات بدورها إستدعت سفيرها في مقديشيو وطردت أحد المنافسين الصوماليين في مسابقة للقرآن الكريم تُنظم بالإمارات (مسابقة دبي للقرآن الكريم) وذلك كله عقاباً للصومال … أترانا أمام سياسات طفولية ؟  …. , وتستخدم قطر الآن بكثافة المجال الجوي الصومالي بعد غلق عموم مجال شبه الجزيرة العربية ومصر أمام الخطوط الجوية القطرية (دعت المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO التابعة للأمم المتحدة والقائمة علي تنفيذ معاهدة Chicago إلي محادثات رسمية بين وفود مصر والسعودية والإمارات والبحرين وبين وفد قطري في مقرها في Montreal للتوصل إلي توافق رأي والوصول لحل )  , والواقع أن الدول التي تماهت مع هذا الرباعي لم تتجاوز أصابع يد واحدة إحداها وهي جيبوتي دفعت ثمناً باهظاً …. جزء من أراضيها …  كانت موضوعاً للتنازع عليه مع أرتريا التي إقتنصتها بمجرد مغادرة قوة حفظ السلام القطرية في 13 يونيو 2017 , ومن المُثير للتأمل أن إرتريا التي تدعم موقف رباعي الحصار والمقاطعة لقطر هي نفسها إرتريا التي صدر بشأنها قرارين من مجلس الأمن الدولي هما القرار 1844 عام 2008 ثم القرار رقم 1907 لعام 2009والذي تم إصداره نتيجة جهود قادتها الولايات المتحدة حليف السعودية الإستراتيجي وقضي بحظر توريد السلاح لإرتريا بسبب تورط الحكومة الاريترية في دعم الإرهاب بالقرن الأفريقي ، مما يؤدي إلي زعزعة السلام والاستقرار بالمنطقة .
 
 من المعروف أن إرتريا التي أيدت قرار الرباعي بتطبيق الحصار والمقاطعة لقطر أكدت في بيانها الرسمي بشأن ذلك مزاعمهم التي وصمت قطر بدعم وتمويل الإرهاب , تلك المزاعم التي لم تحظ  بغطاء قانوني من مجلس الأمن الدولي كالذي صيغ في صورة قرار أصدره مجلس الأمن  تحت رقم 1907 لعام 2009 وقضي بحظر السلاح لإرتريا لدعمها الإرهاب , ومع ذلك لم تخجل إرتريا من تضمين بيانها الرسمي وصم قطر بدعم وتمويل الإرهاب …. أليس للنفاق والتعري الأخلاقي من حدود ؟ , وعلي كل حال فلم يصدر قرار دولي أو عن منظمة إقليمية ما قرار يدين قطر بدعم الإرهاب , ولهذا جاء تحرك الرباعي ضد قطر من خارج مظلات الهيئات الدولية تماماً كما تفعل أسوتهم الولايات المتحدة فهي تصدر قانون تحرير العراق وقانون العقوبات الإقتصادية علي إيران وليبيا عام 1996 وقانون السلام في السودان ألخ لتشرع للعالم من داخل أروقة الكونجرس … لكن إذا كانت الولايات المتحدة تفعل ذلك لأنها تشعر أنها ذات بأس شديد وقوة قادرة (ولله تعالي القدرة المُطلقة) فما هو الشعور الذي راود رباعي  حصار قطر وهو ما هو في تواضع القوة والخضوع للإملاءات الأمريكية ؟ لاشك أنه شعور من رأي مُنكراً فلم يغيره , مما يُؤكد أن رباعي المقاطعة يتحرك ضد قطر وهو غير عابئ بالقانون الدولي , ولم لا فهذا الرباعي نفسه كان إما داعماً أو مُشاركاً  في غزو الولايات المتحدة للعراق ممزقاً أمن الخليج كل ممزق وكان ذلك بدون قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي في أبريل 2003 ؟ , وعندما سقط العراق تحقق الأمن في الخليج العربي ولم توضع المنطقة تحت نوع من الحماية والإدارة الأمريكية , ولم تتعزز القدرات النووية الإيرانية , ولم تقع العراق تحت نوع من الهيمنة الإيرانية ألخ أي أمن وإستقرار ينشده رباعي المقاطعة لقطر والعرب أصبحوا أعجاز نخل خاوية ؟ ألأ من مُوقظ لهؤلاء السادرون في أحلام اليقظة بفعل حمي شوكية مريرة ؟ 
 
كشف معهد دراسات الشرق الأدنى في تقرير له عن اتفاق بين السعودية والإمارات لتحقيق شراكة أمنية / عسكرية مع إريتريا، بما يضمن استخدام التحالف للأراضي الإريترية ، كما تضمن استئجار الإمارات لميناء عصب الإريتري وجعله مركزاً لعملياتها المُتجهة إلي جزر اليمن في البحر الأحمر , لكن هناك ثمة أسئلة مُلحة مختلفة منها مثلاً : ما هو السبب الذي يحدو دول مثل الإمارات العربية والسعودية ومصر إلي تمديد ظلها العسكري فيما وراء حدودها ليصل إلي القرن الأفريقي , وهل الشرق الأوسط أصبح آمناً بالفعل بإمتداد هذا الظل إلي هذه المنطقة التي تكثر مستنقعاتها وتضربها المجاعات بسبب سوء الإدارة السياسية وظاهرة التغير المناخي في تزامن عجيب ؟  إذا كان الإرهاب يُعشش في خرائب القرن الأفريقي فلم لا تشكل دول القرن الأفريقي كما شكلت خمس دول بشراكة فرنسية مؤخراً بمنطقة الساحل قوة لمحاربة الإرهاب ؟
 
بنفس القدر الذي سيتأثر الإقتصاد القطري بسبب الحصار والمقاطعة الرباعية تلك وهي في الحسابات الختامية ذات تأثير محدود علي قطر سيتأثر الإقتصاد السعودي والإماراتي أيضاً , أما فيما يتعلق بمصر فلا حيز لتأثير سلبي لأن إقتصادها يتحرك خارج حدود علم الإقتصاد منذ 35 عاماً خلت , فالشركات السعودية علي وجه الخصوص ستتأثر سلباً بسبب هذه المقاطعة , والمقاطعة علي أية حال ثبت أنها أسلوب نفسي أكثر منه مادي ملموس علي الخصم ولدينا حالات المقاطعة الأمريكية لإيران وكوريا الشمالية والسودان وليبيا نجد أنها لم تُسقط النظم بل ربما حصنتها بشكل ما بل ربما حفزتها للنمو (حالتي إيران وكوريا الشمالية) , كم أن لنا أن نتأمل حالة المقاطعة العربية لإسرائيل فهي أيضاً نموذج لمحدودية الأثر النهائي للمقاطعة , بل إن المقاطعة أحياناً ما تفتح سبيلاً للدولة التي قُوطعت للبحث في وتجربة بدأئل كانت تخشاها أو لا تأخذ بها بسبب الأسواق التقليدية التي درجت علي التوجه إليها , وهو ما حدث حالياً إذ تقدمت تركيا وإيران بسرعة وجاهزية فطرقت أبواب السوق القطري ودخلت إليه , بالضبط بنفس السرعة التي تقدمت به القوة العسكرية الإرترية لإحتلال منطقتي رأس وجزيرة Dumeira , وبنفس السرعة التي توجهت بها العسكرية التركية للتمركز في قطر بعد 5 يونيو مباشرة  .
 
تركيا وإيران :
 
بمجرد إعلان رباعي الحصار والمقاطعة لقطر  في 5 يونيو 2017 عن قراره , بادر البرلمان التركي إلي عقد جلسة أتخذ في نهايتها قراراً بإرسال قوة تركية إلي قطر تحت عنوان عريض وهو ” حماية المنطقة من مخاطر الإرهاب ” , وقد أفسد هذا القرار السريع – فيما يبدو – خطة غير مُحكمة كانت مُعدة للإطاحة بالأمير تمام ودولة قطر بسياساتها التي لا تعمل في نفس الإتجاه الذي تمضي إليه سياسات رباعي الحصار , وهي كي لا نجشم أنفسنا عناء تفصيلها إلا أنه غاية ما يمكن وصفها به هو أنها نسخة شائهة من سياسات مجموعة من المحميات الأمريكية أو الدول الذيلية التي لا تعبأ بمصائر شعوبها … تهدر المال العام في تحقيق أحلام صبيانية لا يمكن لدول محترمة أن يسمح لها برلمانها إن كان حراً مُنتخباً أن تقترف مثل هذه الجريمة .
 
كان لابد أن يكون الموقف التركي حاسماً ومُحدداً بشأن الأزمة الخليجية ولهذا كان الخيار التركي مع الموقف القطري لسببين لهما علاقة بخيوط الإستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وبعض هذه الخيوط تُنسج والعرب فيها مفعول بهم أي هم الذين تغزل بهم الولايات المتحدة , وذلك لأسباب تتعلق بالتأهيل العقلي والنفسي لبعض حكامهم , والسببين هما :
 
أولاً : أنه بات من الواضح للأتراك أن الولايات المتحدة وبالرغم من إدراكها للأهمية الجيوستراتيجية الدائمة لتركيا وعضويتها في حلف شمال الأطلنطي التي تكتسب درجة مُضطردة من الأهمية لذلك , إلا أنه وبسبب الهموم الصليبية التي تستعيدها أوربا والولايات المتحدة ربما بدرجة أقل من أوروبا حالياً بعد تولي نظام إسلامي من الوجهة الفعلية وليس الدستورية السلطة في تركيا تدعمت أكثر بعد التعديلات الدستورية التي تم إستفتاء الشعب التركي ووافق عليها في 16 أبريل 2017 , فقد قررت الولايات المتحدة  التحرك بأقل قدر من التنسيق مع تركيا في ملفي العراق (شمال العراق) وسوريا وما قرار البنتاجون تسليح الأكراد إلا دليلاً مادياً علي ذلك , وهو الموقف الذي حفز المؤسستين السياسية والعسكرية التركية للتحرك المُستقل وبدرجة واضحة من التنبه الإستراتيجي للمصالح العليا التركي خشية أن تتكرر الأخطاء الأمريكية المُتعمدة ضد المصالح التركية في الخليج العربي , لذلك تحركت تركيا بسرعة خاطفة تجاه قطر خشية أن تبتلعها الإستراتيجية الأمريكية كما إبتلعت العراق وقبله دول مجلس التعاون الخليج وهضمتهم , لذلم قررت تركيا يوم 13 يونيو إرسال 3 ضباط برتب عُليا لقطر لتنسيق الدعم العسكري التركي لقطر مُعرضاً فرصاً إستثمارية تركية للخطر في رمال شبه جزيرة العرب , وعليه فإن أنقرة تجد نفسها في مواجهة مجلس تعاون خليجي يفرض علي أحد أعضاءه العقوبات المختلفة ثم يعطيه مهلة لقبولها أي أسلوب العد العكسي , والولايات المتحدة تتصرف في الأزمة الخليجية برمتها وكأنها فوجئت بها , وفُوجئت أكثر بالجزء المُتعلق بقطر بهذه الأزمة أعني قطر الواقعة خارج خطوط قاعدة العيديد حيث منصة الجزيرة وفي هذا الجزء الهدف أن تُري قطر وهي ترسف في أغلال تهمة دعم وتمويل ما يصفونه “بالإرهاب الإسلامي ” , وبهذه التهمة التي أصبحت شعبية لدي قادة دول العالم الثالث وما وراءه أثبت رباعي الحصار البائس أن لديه نفس الدرجة وربما بصفة محمومة من الإسلاموفوبيا – وهذا شذوذ الفكر الذي أشار إليه مراراً القصص القرآني عند تعرضه إلي قصص الأمم الغابرة – وبالتالي فسيساعد هذا الرباعي الأمريكيين بكل همة في إسقاط المربع القطري وعليه منصة ” الجزيرة ” توطئة لإقامة الناتو العربي أو السني كما يودودن أن يُسمي إرهاباً منهم لإيران الشيعية  التي لا تعبأ بهم فبينها وبين الأمريكيين صداقة فيها كثير من الصبر وبعض المرارة توطدت خلال المفاوضات الطويلة بين واشنطن وطهران بشأن ملف إيران النووي الذي إنتهي بتسوية خلافية في عهد الرئيسObama  .
 
ثانياً : تقف إيران موقف المُتربص الذي ينتظر إنتهاء معركة الثعالب مع الضحية وبمجرد إصطيادهم إياها يأتي الثعبان الإيراني ليفض تجمعهم حول الضحية ليلتهمها بنهم , وهو ما تخشاه تركيا وتدركه بوعي إستراتيجي , وما لا يدركه هؤلاء العرب البؤساء إلا ربما بعد مضي وقت طويل , أن تحملهم لقناة الجزيرة أو للمهنية الإعلامية أرحم من إختطاف إيران المُحتمل لقطر , إلا إذا كانوا لا يعبأون بذلك أو حتي يرجونه فالجزيرة يرونها أعمدة إنارة في شارع يفصلهم عن شعوبهم لابد من إظلامه بتدمير أعمدة الإنارة تلك , إذ أنه لو لم تتحرك تركيا بالسرعة الخاطفة التي ميزت قرارها بالإنحياز إلي قطر في هذه المعركة المُصطنعة التي وُضع لها سيناريو بمعرفة المؤسسات المعنية بالولايات المتحدة وُزعت منه 4 نسخ لرباعي الحصار , لأضطرت قطر إلي البحث عن داعم إقليمي لها قد يكون إيران لكنه بالقطع لن يكون غيرها , أو إستسلمت فهوي نظام الأمير تمام ليتولاه نظام بلا ” جزيرة ” , فالجزيرة التي تمثل مع ثروة الغاز الطبيعي قوة الدولة القطرية الشاملة هي وليس الإرهاب من يقض مضجع رباعي الحصار , الذي وصفه الرئيسErdogan بغير الإنساني والمُجافي للإسلام , ومن المثير للسخرية أن مطالب رباعي الحصار تضمنت غلق القاعدة العسكرية التركية في قطر بالرغم من وجود قاعدة العيديد الأمريكية بنفس البلد أي بقطر فلماذا لم يطلبون غلقها …. إنهم لا يجرأون … لماذا لم يطلبون غلق القاعدة الفرنسية في الإمارات والأخري الأمريكية التي بالظهران والمنامة … ربما يري الرباعي أن القواعد العسكرية الأجنبية تشبه الأبراج الفلكية بعضها يدعو للتفاؤل والآخر للتشاؤم … ربما …  إنه الجحيم أن يكون جيرانك ممن قال عنهم الله تعالي بالآية 16 من سورة الإسراء ” وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً” , إن القاعدة التركية التي طالب الرباعي غلقها كان يجمل بهؤلاء إضافة نوع آخر من القواعد لطلب إغلاقها أيضاً وهي تلك الراسخة في أذهان وأحلام قادة العرب وهي قواعد أمريكية تعمل ليلاً ونهاراً ضد السيادة المُتبقية لهؤلاء وهؤلاء ,لذلك علق الرئيس التركي بعد أن أدي صلاة عيد الفطر علي مطلب الرباعي ذاك قائلاً إنه  “عدم احترام لتركيا ” وهي عبارة إختزالية مُبسطة وغير كافية لتترجم قدر النفاق والإفك , وقال بشأن موقف قطر من المطالب الثلاث عشر المُستحيلة بقوله ” إن بلاده تثمن وتتبنى موقف قطر من قائمة المطالب الثلاثة عشرة وتعتبرها مخالفة للقوانين الدولية” مُبرراً ذلك بقوله ” لأنه في القانون المتعارف عليه بين الدول لا يمكن التهجم إلى هذا الحد على الحقوق السيادية لدولة ما ” .
 
يري بعض المحللين السياسيين الأتراك أن الولايات المتحدة تبنت في العهدة الثانية لرئاسة Obama وحتي يومنا هذا نهجاً مُضاداً لتركيا , وهذا النهج يمكن إثباته في قضايا مادية ملموسة أخري كقضية الخلاف الحالي بين تركيا وقبرص اليونانية بشأن إستكشاف وإستغلال الموارد الطاقوية من المنطقة الإقتصادية الخالصة فوفقاً لموقع Famagusta Gazette في 10 يونيو 2017بالإحالة علي مصادر دبلوماسية أشارت إلي أن نائب الرئيس الأمريكي Mike Pence  أعرب للرئيس القبرصي Nicos Anastasiades عن تأييد الولايات المتحدة لحق قبرص في إستغلال هذه الموارد , كما أن الكيان الصهيوني واليونان وجمهورية قبرص (اليونانية) وفقاً لما ورد بصحيفة Fileleftheros القبرصية في 17 يونيو 2017 عقدوا قمة Thessaloniki لإتخاذ قرار بتسريع إقامة مشروع EastMed لنقل الغاز الطبيعي بأنابيب تمر في أراضيهم وصولاً إلي أوروبا  , ويأتي ذلك في إطار أوسع من الضغوط التي تُمارس الآن علي تركيا في الملف القبرصي حيث بدأت في 28 يونيو2017 بمنتجع Crans-Montanaبجبال الألب بسويسرا جولة جديدة من المفاوضات لإعادة توحيد الجزيرة المُقسمة بين القبارصة الأتراك (جمهورية شمال قبرص) والقبارصة اليونانيين (جنوب قبرص)  تحت رعاية الأمم الأمم المتحدة عبر وسيطها Espen Barth Eide , وللقضية القبرصية وزن خاص في نظرية الأمن القومي التركي , ولذلك منذ تقسيم الجزيرة عقب العملية العسكرية التركية في صيف 1974 وتقسيم الجزيرة يتواجد نحو 30,000 جندي تركي في جمهورية شمال قبرص التركية , وتعد هذه المفاوضات التي تتم في هذا المناخ المُلتهب المُضطرب بالشرق الأوسط ثقلاً إضافياً تحمله الدبلوماسية والعسكرية التركية .
 
من حيث المبدأ هناك مسافة ما تفصل إيران وتركيا عن السياسة  السعودية في منطقة الشرق الأوسط وتعتبر تلك المسافة شاسعة للغاية بين إيران والسعودية وبدرجات تقل قليلاً مع باقي دول مجلس التعاون الخليجي فيما عدا عُمان التي تدير سياسة متوازنة مع إيران , أما تركيا فالمسافة الفاصلة بينها وبين السعودية بالرغم من الود الظاهري إلا أن بينهما ملفات بها نقاط حرجة كملف العراق وسوريا والعلاقات المصرية / السعودية والعلاقات التركية / الإيرانية , ولأن السياسة السعودية وقودها المال والسياسة التركية وقودها الدور التاريخي الجيوستراتيجي فإننا نجد أن السياسة السعودية ربما يحركها المال للأمام لكنه لا يحركها بعمق , إذ أن العمق دائماً خاصية سياسات الدول العتيقة المُتجذرة في التاريخ , يُضاف إلي ذلك أن تركيا التي يقودها حزب العدالة والتنمية غير تركيا الجنرال كنعان إيفرين قائد الإنقلاب العسكري في ثمانينات القرن الماضي والذي تربع علي سلطة فاسدة رجعت بتركيا القهقري كعادة الأغلبية الساحقة من الإنقلابات العسكرية بالعالم وبالتالي فإن السعودية وبدرجات متفاوتة بين دول مجلس التعاون الخليجي لا تجيد التعامل المُنضبط مع نظم الحكم الديموقراطية بالشرق الأوسط الذي تنتمي إليه تركيا والسعودية , ومن ثم فإن تركيا تعلم أن هناك ضيق سعودي من التعامل مع قيادات مدنية صرفة مُنتخبة كأردوغان وزملاءه , وتركيا من جانبها تعلم أيضاً أن إنقلاب يوليو 2016 فيه عبق الخليج العربي , ومن ثم فإن مجري العلاقات التركية مع دول مجلس التعاون الخليجي وبوجه خاص مع الإمارات والسعودية تعترضه أفكار مُسبقة مُعلبة منهما إزاء تركيا التي تعلم أن الهدف الأول من علاقات دول مجلس التعاون الخليجي معها هو تحقيق توازن إقليمي بواسطة حليف إقليمي لهم في مواجهة إيران , وليست وحدة المفاهيم أو نصرة الإسلام هيي القيم التي تجمع تركيا بدول مجلس التعاون الخليجي , فمفهوم النصرة حسب الفهم الأمريكي لمُصطلح النصرة هو الإرهاب بعينه وهو ما يتبرأ منه أعضاء بمجلس التعاون الخليجي وبعض الدول ممن تنتمي لمنطقة الشرق الأوسط وما وراءه .
 
كان تضمين قائمة مطالب رباعي الحصار المُقدمة للدوحة طلب بإغلاق القاعدة التركية بقطر تصريحاً لا لبس فيه بأن رباعي الحصار كما هو متضامن ضد قطر فهو أشد تضامناً ضد تركيا , – وفي تقديري –  أن هذه السياسة الحمقاء تُعد بمثابة هدية قدمها هذا الرباعي البائس لتركيا وإيران ليتقاسماها , بمعني أن هذا االطلب غير المدروسة عواقبه يثبت أن واضعيه ومتخذيه لم يروا غير قطر وهم يفعلون ذلك , – إذ أن للموضوع لعظم تأثيره أفق أوسع يسع لأطراف دولية وإقليمية ذات صلة مباشرة ومتفاعلة مع الأزمة الخليجية التي تفجرت بمجرد عودة الرئيس الأمريكي TRUMP للبيت الأبيض بعد زيارته للسعودية وإسرائيل والفاتيكان في مايو 2017- أقول أن هذا الطلب هدية لأنه منح تركيا وإيران مساحة جديدة ومشتركة للعمل الحر في قطر خصماً من الحسابات العربية / العربية , ومعني توفر مساحة مشتركة تجمع بين إيران وتركيا , أنه يمكنهما – إن أرادا – الإقدام علي تجربة العمل المُنسق بينهما في ملف ليس به حيز واضح أو كبير علي الأقل للصراع بينهما , ومن ثم فإن هناك فرصة تقارب إيراني / تركي علي قاعدة ملف قطر المُشترك بينهما حالياً .
 
إستطاعت تركيا أن ترد وبلغة مفهومة وواضحة علي القرار الأمريكي الذي إتخذته المؤسسة العسكرية الأمريكية – تحديداً القيادة العسكرية المركزية للولايات المتحدة CENTCOM – بتسليح الأكراد في شمال العراق وهو ما عارضته تركيا لأسباب ومخاوف تعلمها الولايات المتحدة  بلأنها مُتعلقة بالأمن القومي التركي , ولهذا كان الرد التركي بدعم قطر عسكرياً وبسرعة رداً مناسباً في الوزن والإتجاه معاً إذ منع حلفاء طائعين للسياسات الأمريكية من الإطاحة بالنظام القائم في قطر الأمر الذي يتعارض مع السيناريو الذي وُضع لمنطقة الشرق الأوسط بناء علي نتائج زيارة الرئيس TRUMP للسعودية في 21 مايو 2017 والتي عُقد خلالها ما أسمته الولايات المتحدة بالقمة الإسلامية / الأمريكية بالرياض والتي رأتها إيران مُوجهة ضدها ففيها نُوقش ما يُسمي بالناتو العربيArab NATO الذي يحقق المزيد من العسكرة لمنطقة الخليج العربي   .
 
القرار القطري يُؤكد علي العلاقة التداخلية والترابطية بين الشرق الأوسط والقرن الأفريقي :
 
إن قرار سحب قطر لقوة حفظ السلام أو المراقبة القطرية وقوامها 450 رجل  من موقعها بمنطقة Doumeira الحدودية المُتنازع عليها بين جيبوتي وإرتريا في 13 يونيو 2017 بقدر ما يرتبط مباشرة بموقف هاتين البلدين المُؤيد للسعودية من الأزمة الخليجية , إلا أنه أيضاً وبصفة غير مباشرة مُرتبط بالإحتياجات العسكرية القطرية الطارئة و الناشئة عن هذه الأزمة ولمواجهتها , فعدد القوة القطرية المُنسحبة يبلغ 450 رجل وهو عدد له إعتباره إذا علمنا أن تعداد القوات المُسلحة القطرية يبلغ حوالي 16,800 رجل منهم 8,500 قوات مسلحة و1و800 قوات بحرية و5,000 حرس أميري و1,500 قوات جوية , ويبلغ مجمل الإنفاق العسكري القطري  1,913 بليون دولار  أي 1,5 % من مجمل الناتج القومي , ومن ثم فإن إستكمال القوة العسكرية القطرية داخل قطر وهي تحت سيف مُسلط من رباعي الحصار أمر منطقي خاصة إذا علمنا أنه كان هناك إحتمال تختلف قوة ترجيحه حسب زاوية النظر للمطالب الثلاث عشر التي قدمها رباعي الحصار إلي الوسيط الكويتي بأن المطالب الثلاث عشر المُستحيلة وضعت مُستحيلة كي ترفض وتنتقل دول الرباعي في نهاية مهلة الأيام العشر إلي التدخل العسكري وبالتالي فهذه المطالب مرحلة قصيرة جداً من سيناريو مرحلته التالية هي التدخل العسكري الرباعي للإطاحة بنظام حكم مُستقر , فإذا نظرنا إلي هذه المطالب علي أنها مقدمة إعلان حرب نجد أنها علي غرار ما أقدمت عليه بريطانيا وفرنسا ووراءهما إسرائيل عندما أنذروا مصر  في 30 أكتوبر 1956 بالسماح للقوات البريطانية والفرنسية بإحتلال ثلاث مدن مصرية هي بورسعيد والإسماعيلية والسويس تقع علي قناة السويس ونص هذا الإنذار علي أنه إذا لم توافق الحكومة المصرية علي هذا الإحتلال في ظرف 12ساعة فإن القوات البريطانية والفرنسية ستحتل هذه المدن الثلاث بالقوة المُسلحة , وقد أبلغت مصر حكومتي بريطانيا وفرنسا رفضها للإنذار – كما ستفعل الدوحة – بإعتباره إعتداء علي سيادتها وإنتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة , وطالبت مصر بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن للنظر في العدوان الذي تُهدد به بريطانيا وفرنسا مصر التي أعلنت أنها تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن نفسها وهو ما فعلته قطر بالتنسيق العسكري مع تركيا , وفي الواقع فإن المرء عندما يقرأ قائمة المطالب الثلاث عشر التي قدمها رباعي الحصار الذي نفذ حصاره ومقاطعته لقطر قبل مضي مهلة الأيام العشر التي وفرها الرباعي لقطر لتقرأها جيداً توطئة للرد عليها , لا يجدها مختلفة عن الإنذار البريطاني/ الفرنسي قبل العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956, فالرباعي أطلق مُسمي المطالب علي ثلاث عشر رصاصة طائشة أطلقها علي قطر , فيما أسمت بريطانيا وفرنسا بيانهما الحاد لمصر بالإنذار , ولا كبير فرق بينهما إذ أن قبول دولة ما علي وجه الأرض لإيهما إنتقاص من سيادتها بل محو لها , فكيف لمصر أن تقدم علي هذا وهي قد عانت وشعبها عام 1956من إنذار دول مُستعمرة ؟  كما أن مجرد إعطاء مهلة للرد يعني أن الرفض مقدمة لعمل فيه إستخدام ما للقوة , ولذلك كان سحب قطر لكتيبتها العسكرية في منطقة Doumeira  .
 
تاريخياً وفي الواقع هناك علاقة قائمة ومُتبادلة بين منطقتي القرن الأفريقي والشرق الأوسط مرت بمراحل مختلفة و بأدوار مُتبادلة وحركة مد وجزر سياسية لكنها تحدث علي قاعدة إستراتجية ثابتة , فمن الوجهة الجغرافية نجد القرن الأفريقي وفيه تقع إثيوبيا وبها منابع النيل الرئيسية والتي تشكل نحو 86% من مجمل موارد نهر النيل القادمة لمصر والتي يتأسس علي إنتظام ورودها لمصر والسودان إستقرارهما ومن ثم أمنهما القومي , كما أن جيبوتي والصومال وأرتريا يمثل ثلاثتهم الشريك المُتضامن مع مصر والسعودية والأردن واليمن والسودان بالبحر الأحمر في مرحلة ما قبل معاهدة السلام المصرية / الإسرائيلية المُوقعة في 26 مارس 1979 , ففي الفترة الواقعة بين 24 مايو 1993 تاريخ إعلان إستقلال إرتريا وحتي اليوم الذي إستطاعت مصر فيه بالتنسيق مع اليمن إغلاق مدخل باب المندب للسيطرة علي حركة البحرية الإسرائيلية قبل حرب 6 أكتوبر 1973وبالتالي يمكن القول أنه كانت هناك سيطرة عربية تكاد أن تكون مُحكمة علي البحر الأحمر , لكن هذه السيطرة تعرضت للتناقص حالياً بسبب غياب تنظيم عسكري جماعي عربي وكذلك عدم التنسيق ما بين الدول العربية المُطلة علي البحر الأحمر إلي أن أطاحت الثورة اليمنية بنظام علي عبد الله صالح الذي يتعاون مع إيران الآن للسيطرة علي اليمن , وسينال الإيرانيون بالتأكيد نصيبهم المُستحق في هذه السيطرة سواء إستمر النزاع في اليمن بأطرافه الحالية وفي مقدمتهم إيران والسعودية أو إنتصر الحوثيين ومعهم صالح ومن وراءهما الإيرانيين , وبالتالي فالنتيجة هي أن الإيرانيين الآن في اليمن أو هم حولها لإستعادة التاريخ القديم مرة أخري والسبب غفلة السعوديين عن صالح وهم من فضلوه ودعموه زمناً علي حساب الإسلاميين الذين يعاديهم النظام السعودي القائم علي دعم الوهابيين له , فإين هم الوهابيون وأين شكيمة آل سعود وذخيرتهم المالية مما يحدث باليمن والذين قد يفتقدون القدرة علي حسم هذا الصراع لأن حلفائهم بين ضعيف مُعتل الذهن أو مرتزق أو وخائن ؟ ويُضاف لتناقص السيطرة العربية علي البحر الأحمر تسليم مصر للسعودية لجزيرة تيران ومعها مضيقها المُتحكم في الداخل والخارج من وإلي إسرئيل (ميناء إيلات) والتي سلمتها مصر طواعية للسعودية من خلال إتفاق خلافي – وسيبقي كذلك حتي إستعادة مصر لها ثانية بكل الوسائل المتاحة – معها لترسيم الحدود البحرية وُقع في 8 أبريل 2016 في إطار صفقة ثلاثية مع السعودية وإسرائيل فقدت مصر فيها ميزة عسكرية وإقتصادية إستراتيجية ولم يقتصر الأمر والحالة هذه علي إضعاف سيطرة مصر علي وحماية خليج العقبة لحسابها ولحساب الأردن والسعودية لكن يبدو أن ثلاثتهم أصبحوا يثقون في العسكرية الإسرائيلية ثقتهم في أنفسهم ,  بل أضف إلي هذا أن وضع سيناء المُجرد من التمركز العسكري المناسب من كافة الأسلحة بموجب معاهدة السلام مع إسرائيل وجه آخر من الإضعاف وهو وضع سابق علي تسليم جزيرة تيران المصرية للسعودية وبالتالي أصبحت محافظة جنوب سيناء مُعرضة عسكرياً , كما أن التسليم الطوعي للجزيرة جعل مضيق تيران ممراً ملاحياً دولياً وهو ما أرادته إسرائيل لتؤمن مشروع قناة البحر الميت التي يمكن أن تُعرض إيرادات قناة السويس للتناقص , قناة السويس التي قد يزيد تعرض إيرادتها للهبوط نتيجة أي نزاع عسكري محتمل بين جيبوتي وإرتريا بسبب رأس وجزيرة  Doumeira إذ سترتفع أسعار اللويد التأمينية للسفن والناقلات المارة عبر البحر الأحمر مُتجهة إليها , ويبدو أنها لا تحظي بعناية كافية في السياسات المصرية بل حتي في فيض تصريحات المسئوليين وهم يدلون بها كما لو كانوا يتغنون بالإرهاب ومخاطره علي ” الإستقرار ” , إذ لوحظ أن نظام مبارك إهتم بالسياحة وهي نشاط مقصفي طفيلي لدي الدول الجادة وكأنها قناة السويس والنتيجة هي ما نراه اليوم , وأكرر القول أن مصر كان يجدر بها أن ترسل هي لا قطر عام 2010 قوة لحفظ السلام بين جيبوتي وإيرتريا درءاً للمخاطر التي نتجت عن إنسحاب القوة القطرية , فمن يقول أن قطر تهتم بنزاع واقع علي طريق قناة السويس ولا تأبه به مصر مالكة قناة السويس , أين إذن التخطيط السياسي بل أين السياسة أساساً ؟ .
 
رفع القرار القطري بالرغم من علاقته المباشرة مع أزمة الخليج المُثارة حالياً بسبب قرار السعودية والبحرين والإمارات ومصر في 5 يونيو 2017مقاطعة وحصار دولة قطر لإتهامهم إياها بدعم الإرهاب , رفع الغطاء مرة أخري عن التناقضات الكامنة والظاهرة في منطقة القرن الأفريقي , كما أكدت تداعيات القرار القطري المُفاجئ بسحب قوة حفظ السلام التابعة لها من منطقتي رأس وجزيرة Doumeira أن منطقة القرن الأفريقي يمكن أن تمثل إمتداداً لمنطقة الشرق الأوسط التي توليها الإستراتيجية الأمريكية والأمن القومي الأمريكي أهمية قصوي ليس فقط لما تذخر به المنطقة من ثروة بترولية , بل أيضاً لموقع إسرائيل المركزي في منظومة المصالح العليا للولايات المتحدة وهو ما تؤكده وثائق أمن الولايات المتحدة القومي  بإعتبار أنها تمثل إلتزاماً أمنياً للولايات المتحدة بل مصلحة أمريكية عُليا , لذلك فقد كشف القرار القطري مرة أخري عن التداخل والإرتباط التدريجي بين أمن الشرق الأوسط وأمن القرن الأفريقي , فإقامة السعودية والإمارات لقواعد عسكرية ثابتة لهما علي الأراضي الصومالية والأرترية ومصر (في جزيرة نورا الأرترية) لا يعني إلا ان خطوط التغطية العسكرية للمخاطر التي تعتقد عسكريات هذه الدول الثلاث أنها مُوجهة إليها تلزمها بتأسيس قواعد ثابتة للإقتراب من الأهداف المُعادية لها في جنوب البحر الأحمر واليمن , وقد أكد وزير الدفاع الأمريكي James Mattisهذا المعني عندما أدرج جيبوتي في جولته الشرق الأوسطية التي شملت السعودية فمصر فإسرائيل فقطر ثم أخيراً جيبوتي التي زارها في 22 لأبريل 2017 , ليتعرف – في تقديري- ويناقش  وينسق مع السلطات الجيبوتية العلاقات التبادلية لمهام القيادتين العسكريتين الأمريكية المركزية CENTCOM والأفريقية AFRICOM إنطلاقاً من القاعدة الأمريكية بجيبوتي بمعسكر  Camp Lemonnier إضافة إلي تعريف حكومة جيبوتي بالرؤية الأمريكية القلقة من عزم الصين بناء قاعدة بجيبوتي  بجوار القاعدة الأمريكية هناك .  
 
من الواضح أن سلوك رباعي حصار قطر ماض إلي نهايته أياً ما كانت هذه النهاية بغير إلحاق قطر وتركيا وباكستان والسودان – كل لأسباب معينة لكن قاسمها المُشترك رفض هذه الدول التفاعل مع حصار الرباعي لقطر – بالترتيبات العسكرية التي شرع فيها الرباعي بدعم وتخطيط أمريكي ومن أهمها ما تردد مُؤخراً عن إقامة قاعدة عسكرية في البحرين التي هي في الوقت ذاته مقر القيادة العسكرية المركزية الأمريكية , والسؤال الرئيسي هو : هل القيادة العسكرية المركزية الأمريكية غير كافية لمواجهة إيران ومقرها بالمنامة أي علي مرمي البصر من شواطئ إيران علي الخليج العربي ؟ وما هي الإضافة المتوقعة من قاعدة الرباعي بالبحرين ؟ وقبل أي إجابة يُشار إلي المُفارقة بين الآن والماضي في تسعينات القرن الماضي عندما سبق لدول مجلس التعاون الخليجي عقب حربي الخليج الأولي والثانية أن رفضت أو لنقل لم تشأ لأسباب مختلفة – بعضها من خارج مجلس التعاون – ربط مظلتها الأمنية بمصر وسوريا فيما سُمي آنئذ ” إعلان دمشق” للمساهمة في دعم أمن دول الخليج العربي , فما هو الجديد الذي طرأ للكي يتفق الرباعي علي أمر لم يتفقوا عليه عندما كان المُبرر أقوي من الآن ؟    
                               
هناك خشية من أن تتطور قضية إحتلال إرتريا لمنطقة Dumeira المُتنازع عليها إلي صدام عسكري إرتري / جيبوتي , ليضيف نقطة ساخنة أخري في البحر الأحمر بالقرب من باب المندب الذي تتجمع عنده وبالقرب منه إساطيل قوي دولية وأخري إقليمية ذات صلة بالصراع اليمني مما سيُؤثر من بين أوجه مختلفة للتأثير سلباً علي قناة السويس , وهو سبب كان كافياً وحده ليدفع المرء دفعاً إلي تصور مبادرة مصر للتدخل لتسوية النزاع بين جيبوتي وإرتريا عام 2010 أو علي الأقل العمل علي تهدئته حتي لا يُهدد مصالحها الأوسع مدي من مصالح قطر خاصة وأن مصر دأبت علي القول أن أفريقيا تعتبر أهم دوائر أمنها القومي وأنها هي لا قطر عضو بالإتحاد الأفريقي ما يؤهلها لذلك إن أرادت .
 
يبدو أن رباعي  مقاطعة قطر كان علي يقين من أن النظام القائم بفاعلية في قطر سيكون آيلاً للسقوط بمجرد تنفيذ الحصار والمقاطعة , لكن التحرك القطري بعد إعلان هذا الحصار في 5 يونيو إتسم بالسرعة والكفاءة وهاتان السمتان كانتا مع عوامل أخري كالتدخل التركي العسكري الخاطف والدبلوماسي المباشرين والمعلوماتي والثقة الزائدة في الدعم الأمريكي في التحرك الدبلوماسي لرباعي الحصار إدت إلي تعثره ثم تباطؤه في تكوين كتلة دولية تظاهره ليس فقط في العالم العربي بل في أفريقيا وبعض الدول الآسيوية ذات الغالبية المسلمة هذا بالإضافة إلي أن الغباء وعمي البصيرة لمن وضعوا “الخطة” ساهم في تحقيق درجة فشل عالية – حتي الآن – فسلسلة المطالب المُستحيلة تضمنت مطلب إغلاق قناة الجزيرة مما إستفز الإعلام العالمي وهو أكبر  عوامل التحريض علي إتخاذ بعض الدول لسياسات معينة مما جعل الإعلام العالمي يتعاطف مع ” الجزيرة ” فقطر بالتالي , فزاد هذا من ترجيح كفة الموقف القطري فأصبح موقفاً يدافع عن السيادة والحرية وقيم أخري لا يمكن لرباعي المقاطعة أن يراها فهو رباعي يري الظلام فقط لسبب بسيط أنه كفيف لدرجة قد لا تمكنه من رؤية شعبه … حتي شعبه … , وفي إعتقادي أن الكويت التي لأميرها موقف نفسي سلبي مع ثورات الربيع العربي لم تنضم لرباعي المقاطعة ليس لرفضها المقاطعة لقطر وإنما للتفرغ لإدارة عملية تفاوض لحساب هذا الرباعي تؤدي لإستسلام قطر وخضوعها لإرادة دول لا تملك إرادتها … أو قل لينفذ المرحلة التالية لخطة كسر قطر أي مرحلة تقديم المطالبات المستحيلة الثلاثة عشر التي طلب وزير الخارجية الأمريكي Tillerson أن تكون معقولة ويمكن العمل بها , وهذا يعني أنTillerson لا يجد بأساً من  التعامل بين الدول علي قاعدة ” المطالب والمهلة “, وهي تعد من هذه الزاوية للنظر مطالبات إنذارية , علي قطر الموافقة لا المناقشة أو التفاوض بشأنها إذ عليها إبلاغ الموافقة في مدي أقصاه عشرة أيام , إذ أنه لا يمكن تصور خروج أمير الكويت عن سيناريو الإطاحة بالنظام القطري بمعارضة السعودية وهي التي إحتضنته وقت أن ترك الكويت بقضها وقضيضها للرئيس صدام حسن عندما إجتاحت قواته في الأول من أغسطس 1991 الكويت التي إعتبرها الرئيس العراقي المحافظة التاسعة عشر للعراق , كما أنه لا يجب إغفال أن قطر بمنصة “الجزيرة ” الإعلامية طغت علي الدور الثقافي الكويتي الذي تسيد منطقة الخليج قبل الغزو العراقي وكذلك فإن الدور الإعلامي المُوجه لبعض السياسات الإقليمية الذي تلعبه الجزيرة يطفئ شموع الدور السياسي الإماراتي في منطقة الخليج بل والعالم العربي , ومن ثم فإن إضعاف قطر والحالة هذه يعد أمراً ضروريا يحسن أن ينهض به أعضاء الناتو العربي الجديد قبل الإعلان عن هذا الناتو رسمياً .  
 
إن التباطؤ الحاصل في تحقيق ولو نسبة نجاح متدنية لمخطط كسر قطر يذيب ما تبقي من صبر سعودي / إماراتي خاصة وأن فشل هذا المخطط قد ينهي حلم يقظة لطالما راود السعودية في تولي القيادة المُطلقة للعالم العربي حتي وهو جثة هامدة وذلك بزمالة إماراتية , وقد أضاف قرار سحب قوة السلام القطرية من منطقة Dumeira المُتنازع عليه وإحتلال إرتريا لها والتداعيات السيئة المُتوقعة جراء ذلك , عاملاً إيجابياً يصب في مصلحة الموقف القطري ليقويه , إذ أن بقاء هذه القوة منذ يونيو 2010 وحتي الآن كان دليلاً علي قدرة قطر علي تسكين النزاعات ولعب دوراً إيجابياً في تحقيق الإستقرار الإقليمي وهو موضع تقديرالأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي وهما منظمتان لا يمكن مع تقديرهما لقطر أن يسمحا بأي تحرك صبياني ضدها في ساحتهما وسيرفضان أي محاولة لإدانة قطرلأنهم يعلمون جيداً أنه فعلت علي الرغم من بعد صلتها بأفريقيا ما لم تفعله دول أفريقية مازالت تردد كما لو كانت مُخدرة بأن لها دور رائد في أفريقيا وهو ما كان واقعاً في ستينات القرن الماضي قُذف بها في أرشيف الذكريات نتيجة الإهمال السياسي, فقطر دولياً أداة إستقرار بالنسبة للمنظمتين لا أداة دعم للإرهاب كما يدعي رباعي الحصار  .
 
 إن قرار حصار ومقاطعة قطر في 5 يونيو 2017 وضع نهاية عملية لإفتراض دام ترديده سنوات وهو تناغم سياسات ومقاصد دول مجلس التعاون الخليجي , فالآن قد أُميط اللثام عن التنازع المفاهيمي لهذا المجلس الذي – إن لم تتدارك دوله تمادي رباعي الحصار في تنفيذ مشروعه الإقصائي لقطر كما هي –  فإنه سيُلقي به غير مأسوف عليه في الأرشيف التاريخي للذاكرة العربية لكي يسهل نسيانه بجانب التظيمات الإقليمية الأخري الإتحاد المغاربي ومجلس العمل العربي وقبلهما الجامعة العربية التي ما جرأت حتي الآن علي التعليق إيجاباً أو سلباً علي الأزمة الخليجية برغم فداحة تأثيرها علي العمل العربي المُشترك , ولا يُعرف سبباً لخشية الجامعة العربية من إتخاذ موقف ولو ناقد للطرفين … أتراها خشية من توقف مساهمات الدول الخليجية في ميزانية الجامعة العربية ؟ أم هي القدرات والمؤهلات وشخصية الأمين العام ووضعيته وفقاً لميثاق الجامعة التي لا تترك له حيزاً لتنفيذ جاد لأهداف الجامعة ؟ أم توقف قلب الأمة العربية عن النبض والقلب كان هو القاهرة لا سواها ؟ أم كل هذا ؟ .
 
إن رباعي الحصار في الشرق الأوسط الذي تعاني قطر من ظلم أعضاءه يعتقد – وهو بذلك يكرر خطأ فادحاً – أن الولايات المتحدة تقيم له وزناً أو تتعامل معه بجدية , فسلمان الأنصاري رئيس اللجنة السعودية / الأمريكية للعلاقات العامة SAPRAC صرح في 19 مايو 2017 بأن ” القمة الأمريكية / الإسلامية في الرياض كانت رسالة واضحة للنظام الراديكالي في إيران مضمونها أنه سيكون هناك توافقاً عالمياً في الآراء وإتفاقاً عاماً بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي ” وهو رجل يتكلم في فضاء مفتوح ولا يري معظم الصورة فهو – وغيره كثيرون –  إن عاد للوراء عاماً أو أكثر فستستعيد ذاكرته الإتفاق النووي الأمريكي / الإيراني الذي لم يقم وزناً ما لمخاوف دول مجلس التعاون الخليجي من النشاط النووي الإيراني ودل علي أن هذا الملف وغيره بين واشنطن وطهران لا يتضمن أرقاماً عربية في معادلة العلاقات الأمريكية / الإيرانية , فهذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها .
 
نتيجة تقديرية :
 
إن قرار قطرسحب قوتها لحفظ السلام  من منطقة Doumeira الحدودية المُتنازع عليها بين جيبوتي وإرتريا والواقعة علي البحر الأحمر قريباً من باب المندب بالرغم من إرتباطه بموقف جيبوتي وإرتريا المُؤيد لموقف رباعي حصار قطر أو ما يُسمي حالياً وحتي إشعار آخر بالأزمة الخليجية , إلا أنه في تقديري أيضاً يعد خلاصاً لقطر من مستنقع القرن الأفريقي الكبير الذي يجد المرء فيه مشاهد من الإرهاب الحقيقي لا المُفترض الذي قذف رباعي الحصار تهمته في وجه قطر غيلة وغدراً في 5 يونيو 2017 , فأنت تجد حرباً أهلية مُلتهبة في جنوب السودان أدت إلي مجاعة وإبادة جماعية بدأت في ديسمبر ولم تنته بعد رغم إتفاقية أديس أبابا التي وقعها في 17 أغسطس 2015طرفي هذه الحرب رئيس جنوب السودان Salva Kiir ووراءه قبيلته الدنكا ونائبه المُنشق Riek Machar ووراءه قبيله النوير وقبائل آخري مناوئة لسياسات التمييز القبلي التي يتبعها الرئيس Kiir , كما تجد الوضع في الصومال وهو مازال علي وتيرته من العنف والسوء والإنقسام الفعلي لدولة الصومال هذا بالإضافة إلي الوضع الغذائي السيئ في عموم منطقة القرن الأفريقي الواقعة للآن تحت نير النفوذ الإقتصادي للقوي الغربية من خلال الشركات متعددة الجنسيات والتي لا تترك حيزاً مجدياً للمصالح العربية , ومن ثم فإن قرار الإنسحاب القطري من Doumeira بالرغم من كونه خصماً من فاعلية الدور القطري في القرن الأفريقي إلا أن الضرورة التي أملت علي قطر إتخاذه هي نفسها الضرورة التي تملي علي قطر إبداء المزيد من الحيطة والحذر لتعبئة وحشد مختلف طاقاتها دفاعاً عن سيادتها , حتي يمكنها بعد ذلك – إن أرادت – إستعادة دورها في أفريقيا وغيرها في ظروف أفضل , ولو أن الجحيم الذي بالشرق الأوسط الذي تنتمي قطر إليه تتعالي ألسنة لهيبه في سماواتها في العراق وسوريا واليمن ومصر     وقد وصل سعاره إلي قطر يوم 5 يونيو 2017 وقد يستغرق إطفاء قطر للأسنة هذا اللهيب وقتاً أطول من المُتوقع , فطبيعة أنظمة الحكم الحالية بدول رباعي الحصار وغيرها تسيطر عليها أفكار الهروب من الواقع الهش الذي عليه الأمن القومي العربي جماعياً وقطرياً , هروب جعل القادة العسكريين ببعض هذه الدول تزين لحكامها أو العكس حكامها هم الذين يزينون لعسكرياتهم لمد ظل دولهم العسكري بالسفه في الإنفاق العسكري المُرتبط بإقامة قواعد عسكرية ثابتة بمستنقع القرن الأفريقي ليخوضوا حروباً ليس هناك إجماع علي أصوبية أسبابها و / أو إستمرارها ناهيك عن تناقص قدرة هذه العسكريات علي حسمها خسارةً أو مكسباً ولنا في حرب اليمن الحالية عبرة  .
 
قطر حتي الآن في منطقة البرزخ ما بين جحيم الشرق الأوسط ودوحة الإستقرار , إن نجحت في الوصول لدوحتها تلك ثانية وتأمينها – وهو المرجو من الله تعالي – طالما إستمرت الدبلوماسية القطرية علي كفاءتها وفاعليها وطالما تمسك الحمقي بحماقاتهم , فإننا بالتأكيد سنكون أما مشهد جديد في أحد أركان منطقة الشرق الأوسط  فيه قطر فاقدة للثقة في مجلس التعاون الخليجي بعد أن فقد تماسكه , وفيه مصر شريكة لنصف عدد أعضاء مجلس التعاون الخليجي في عملية التخلص من أحد أعضاءه بالقتل السياسي والمعنوي , وفي المشهد الجديد تركيا وهي تربض في قطر علي الضفة المقابلة لإيران بالخليج العربي وهو مكسب كبير لتركيا وقطر بالطبع , كان علي مجلس التعاون الخليجي ككل أن يسعي إلي تحقيقه بدلاً من الرواية البوليسية البائسة التي بدأت بحصار قطر وأنتهت أو كادت بإصابة أبطالها الأربع إصابات سياسية وأخلاقية بالغة في حادث تصادم مُروع , إنها رواية مُستفزة لكل من ألقي السمع وهو شهيد , ومهما كانت نهايتها إلا أنني أثق في أن ناقداً مُنصفاً كان سيُصنفها علي أنها تنتمي لأدب الفانتازي أو Littérature Fantasia , وربما نجد أنفسنا أمام تجمع جديد عنوانه مجلس تعاون خليج العقبة أعضاءه الأردن والسعودية ومصر وإسرائيل أول من قرأ هذه الرواية  .
 
الــســفــيــر
بـــلال الــمــصــري
سـفـيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر
القاهرة . تحريراً في 5 يوليو 2017
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق