عاجل
الرئيسية / الشرق الأوسط / الوساطة الصينية المُحتملة في النزاع الجيبوتي – الإرتري
الوساطة الصينية المُحتملة في النزاع الجيبوتي – الإرتري
الصين - أفريقيا

الوساطة الصينية المُحتملة في النزاع الجيبوتي – الإرتري

اعداد السفير: بلال المصري – سـفـيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر

  • المركز الديمقراطي العربي
صرح سفير الصين لدي الإتحاد الأفريقي ونشرت وكالة Associated Press تصريحه من بكين في 22 يوليو 2017 عن ” أن بلاده تنظر في إرسال قوة حفظ سلام لمنطقتي رأس وجزيرة Dumeira الحدوديتين المُتنازع عليهما بين جيبوتي وإرتريا , كما أنها يمكنها التوسط في النزاع القائم بينهما ” والذي نشأ نتيجة إحتلال القوات الإرترية لهما  إثر الإنسحاب المُفاجئ للكتيبة القطرية يومي 12 و 13 يونيو2017 من هناك حيث كانت ترابط بموجب إتفاق الهدنة الذي وقعته إرتريا وجيبوتي بوساطة قطرية في 6 يونيو 2010 وأدي إلي تسوية مُؤقتة للنزاع حيث تضمن هذا الإتفاق وفقاً للمادة 6منه إضطلاع قطر بمسئولية المراقبة في هاتين المنطقتين لحين التوصل لتسوية نهائية للنزاع  .
تقدمت جيبوتي عقب إحتلال إرتريا لمنطقتي النزاع بشكوي إلي الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وكذلك فعلت إرتريا وطالبت جيبوتي في خطابها المُرسل للإتحاد الأفريقي بإنسحاب القوة الإرترية وهو ما أنكرته إرتريا بإعتبار أن منطقتي رأس وجزيرة Dumeiraأراض إرترية وفقاً لإتفاق Laval-Mussolini المُوقع في 7 يناير من عام 1935 , هذا وقد ناقش مجلس الأمن الدولي بطلب من إثيوبيا هذا التطور الخطير في جلسة مُغلقة يوم 19 يونيو 2017 , أعلن في نهايتها عن ترحيبه بنية الإتحاد الأفريقي إيفاد بعثة تقصي حقائق إلي منطقة النزاع وإيفاده لدبلوماسيين إلي كل من أسمرا وجيبوتي للتهدئة وتطبيع العلاقات , أما مجلس الأمن فأعلن عن أنه سيُوفد قريباً بعثة رقابة للمنطقة لمراجعة تموضع قوات البلدين وضمان خلوها من الأنشطة العسكرية , أما السلطة عبر الحكومية للتنمية IGAD فقد صدر عن أمينها التنفيذي Mahboub Maalim بيان في 19 يونيو يشير إلي أنه يُتابع عن كثب التطورات الأخيرة بين جيبوتي وإرتريا بعد إنسحاب قوة حفظ السلام القطرية من المنطقة المُتنازع عليه علي الحدود بينهما مُعرباً عن قلقه وعن إعتقاد منظمة IGAD بأن الموقف لابد من مُعالجته بسرعة كلما أمكن ذلك , داعياً الأمم المتحدة لدعم جهود الإتحاد الأفريقي في هذا الصدد كما أعرب عن إستعداد المنظمة للعمل بلا كلل بإتجاه جلب السلام للبلدين , وقد إستغلت جيبوتي فرصة إنعقاد قمة الإتحاد الأفريقي في مستهل يوليو الجاري لتعرض رغبتها في تحكيم من قبل الإتحاد الأفريقي , وهو أمر بعيد المنال لأنه لابد وأن يكون بموافقة طرفي النزاع وهو مالا يتوفر .
منذ أن تجدد النزاع علي منطقتي رأس وجزيرة Dumeira بعد إنسحاب القوة القطرية في 13 يونيو 2017 وتقدم قوة إرترية إليها وإحتلالها , لم تتقدم قوة إقليمية أو دولية لتحل محل قطر لفض الإشتباك بين جيبوتي وإرتريا فموقف الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي ومنظمة IGAD من هذا النزاع ما زال بعد بعيداً عن الإنخراط الفعلي فيه ولم يتعد ما سبقت الإشارة إليه , ذلك أن وجود القوات الإرترية بالمنطقتين أنشأ واقعاً جديداً أعاد التنازع علي السيادة علي المنطقتين لفترة تفجره في أبريل 2008 , وفي الواقع فعلي مستوي الإقليمي لا يمكن لدول الجوار المباشر لإرتريا وجيبوتي التقدم بمبادرة للوساطة أو حتي إرسال قوة حفظ سلام مُؤيدة من طرفي النزاع و / أو الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي ومنظمة IGAD التي سبق لها أن تدخلت في نزاع أكثر تعقيداً وأثقل وزناً من هذا النزاع الحدودي أعني الصراع في جنوب السودان والذي إنتهي بإإنفصال جنوب السودان طبقاً لإتفاق السلام الشامل المُوقع بين حكومة السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان في يناير 2005 فالعلاقات الإثيوبية / الإرترية علاقة صراع ومازال هناك نزاع قائم في منطقة  Badme الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا حتي الآن , كما أن العلاقات الإرترية / السودانية علاقات عدائية منذ تولي ثورة الإنقاذ السلطة في السودان في 30 يونيو 1989 حتي الآن وتحتضن أسمرا تحالف المعارضة السودانية , أما الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا المُستعمر السابق لإرتريا وبالرغم من أن لكل منها قاعدة عسكرية بجيبوتي إلا أنه لا يمكنهم لأسباب مختلفة وفي ضوء العوامل الحالية المبادرة بالتقدم للوساطة أو إرسال قوة حفظ سلام  كتلك التي أرسلتها قطر عام 2010 ومن بين هذه الأسباب :
(1) أن كلاهم يري أنه يمكنه – لو أراد ووفقاً لما تتطلبه مصالحه المباشرة – تناول هذا النزاع عبر مجلس الأمن فقناة العلاقات الثنائية تكاد وأن تكون مُغلقة , والقناة الوحيدة المُتاحة لتعاملهما مع إرتريا هي مجلس الأمن الدولي وهو ما فعلاه عندما فرض المجلس القرار رقم 1907  لعام 2009 المُتعلق بإريتريا والذي يُشير إلي تورط الحكومة الاريترية في دعم الأرهاب بالقرن الأفريقي مما يُؤدى إلي زعزعة السلام والاستقرار بالمنطقة , لهذا طالب مجلس الامن في قراره هذا بإمتناع أريتريا عن دعم الجماعات المسلحة التي تعمل على تعكير السلام في الأقليم ، والتوقف عن رعايتهم وتدريبهم وتنظيمهم وتمويلهم فضلا عن إيقاف الدعم المعنوي لهم , والقرار رقم 2371 لعام 2016 القاضي بمد الحظر علي توريد السلاح لإرتريا والصومال حتي 15 نوفمبر 2017 وكذا مد مهمة مجموعة الرصد لهما حتي 15 ديسمبر 2017 .
(2) أن الولايات المتحدة وفرنسا علي نحو خاص ينظران بغضب وقلق إلي موافقة جيبوتي علي إنشاء الصين لقاعدة عسكرية بحرية بها تقع علي بعد كيلومترات قليلة من قاعدة Camp Lemonnier الأمريكية وسيُرابط في هذه القاعدة الصينية نحو 10,000 عسكري صيني بهدف حماية مصالح الصين الحيوية بأفريقيا وفي مدي يشمل جنوب غربي آسيا ومنطقة قناة السويس , وكذلك لخفض ومواجهة مخاطر القرصنة البحرية في خليج عدن وهي المخاطر التي من أجلها تتواجد بحريات عسكرية لبعض أعضاء حلف شمال الأطلنطي وعلي رأسهم الولايات المتحدة أمام سواحل الصومال وباب المندب خشية تفاقهما مما يعرض إستراتيجيتي الطاقة والتجارة السلعية للخطر والمصالح الصينية ومتطلبات التنافس الإقتصادي الصيني تتطلب تواجداً عسكرياً فعالاً بهذه المنطقة لذلك كانت هذه القاعدة تطوراً منطقياً , ومما لا شك فيه أن إقامة هذه القاعدة – في تقديري – يُعد تكاملاً للنفوذ الصيني في أفريقيا , إذ أن المصالح الصينية في القارة الأفريقية تتمدد بشكل يستدعي حمايتها , كما أن الصين بإنشاء هذه القاعدة – وهذا بالضبط ما سيُؤثر سلباً علي الفكر العسكري الأمريكي في أفريقيا وصلت إلي معادلة شبه متوازنة في مواجهة التمدد العسكري الأمريكي , فالولايات المتحدة التي تعد مصالحها التجارية وإستثماراتها الإقتصادية في أفريقيا أقل بدرجة ملحوظة من المصالح والإستثمارات الصينية أنشأت في 6 فبراير 2007 قيادة عسكرية لأفريقيا AFRICOM مقرها في شتوتجارت بألمانيا وفرعها الرئيسي في قاعدة Camp Lemonnier بجيبوتي , ومن ثم فإن التنافس الصيني / الأمريكي لم ينحصر في المجالات التقليدية في علاقاتهما الثنائية بالدول الأفريقية بلا أضيف إليها بإنشاء هذه القاعدة الصينية تنافساً عسكرياً من المتوقع أن تطوره العسكرية الصينية بحيث لا يتوقف عند حد المرابطة العسكرية بجيبوتي بل سيتضمن لاحقاً علاقات عسكرية ثنائية للصين مع أكبر عدد ممكن من الدول الأفريقية وهذه إضافة مُؤثرة ومدعاة للقلق الأمريكي , ومن ثم فإنه لدي الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف شمال الأطلنطي خاصة فرنسا التي لديها علاقات عسكرية بجيبوتي تعد الأقدم وأساسها أكثر من إتفاق وبروتوكول عسكري وإيطاليا التي تري بنفس الدرجة في الصين منافساً حاداً يُضيق من الفرص التجارية المُتاحة , سبباً للإمساك عن المبادرة بالتوسط بين جيبوتي وإرتريا , وهو ما يعد سلوكاً إنتقامياً من جيبوتي أو يكاد أن يكون كذلك من جانب الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا , وإتصالاً بهذا القلق يُذكر أن هذه القاعدة الصينية في موضع إستراتيجي كهذا كان مدعاة لقلق هندي إذ أن الصين أصبحت أكثر قدرة علي السيطرة والمناورة بفاعلية أعلي بالمحيط الهندي أيضاً .
(3) أن الولايات المتحدة وحلفاءها تعد علاقاتهم الثنائية بطرفي النزاع متباينة فمن الوجهة النسبية نجد انه بالرغم من أن علاقات جيبوتي بالولايات المتحدة وفرنسا ممتازة ومُتطورة , إلا أنها متوترة بل ويمكن وصفها بالراكدة Stagnant مع إرتريا , وكما أشرت فالعلاقات بين القوي الدولية وبين إرتريا قناتها الرئيسية هي مجلس الأمن الدولي وبالتالي فهي سلبية بوضوح وبالتالي لا تتيح مجالاً لتحرك دبلوماسي كفء من جانب أيهم , من جهة أخري فللصين علاقات يمكن وصفها بالعادية مع إرتريا وعلاقات متطورة مع جيبوتي ومن ثم فهي في موضع يسمح للمراقب أن يتصور قابلية الصين للعب دور سواء بالوساطة أو إرسال قوة حفظ سلام بموافقة من مجلس الأمن الدولي , وهو ما قد يعترضه Veto أمريكي مُشابه للموقف الذي إتخذته الصين بمعارضتها لمشروع القرار الذي طرحته الولايات المتحدة في نوفمبر 2016علي مجلس الأمن بفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان وأحبطته الصين وروسيا في حينه   .
إن ما أملي علي الصين الإعلان عن إستعدادها للوساطة و/ أو إرسال قوة حفظ سلام لمنطقة النزاع الضرورة والطموح والرغبة في تكامل خطوط إستراتيجيتها العالمية بناء علي مُعطيات أهمها :
(1) أن منطقة القرن الأفريقي التي تعد جيبوتي أهم عقد مواصلاتها مع العالم الخارجي بحكم موقعها علي باب المندب وفي نهاية الطري من أو إلي قناة السويس وتطل علي خليج عدن والمحيط الهندي , منطقة ذاخرة بإمكانات وموارد إقتصادية مختلفة لم تُستغل بعد , كما أنها حالياً منطقة توطن وتركيز للإستثمارات الصينية في مشروعات متعددة بعضها يتسم بالإرتباط بالبعض الآخر وهي لذلك منطقة تستوجب من الصين توفير أقصي قدر من الحماية لها , فمن بين هذه المشروعات إنشاء خط سكك حديدية يُدار بالكهرباء تماماً بطول 752,7 كم يربط بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وميناء جيبوتي علي البحر الأحمر وقد أُفتتحت بالفعل المحطة الأولي لهذا الخط خارج أديس أبابا في 5 أكتوبر 2016 وقد مول 70% من تكلفة المشروع  بنك الصين للتصدير والإستيرادExim Bank ونفذته شركةChina Railway Group and China Civil EngineeringConstruction  أو (CCECC) , وقد أشار موقع South China Morning Post – DIPLOMACY & Deffence في 11 يناير 2017 إلي إن الصين تعد المُستثمر الأكبر في جيبوتي فمعظم المشروعات بها ومجموعها 14 مشروع للبنية الأساسية تبلغ قيمتها 14,4 مليار دولار بتمويل من بنوك صينية تقوم شركات مملوكة للدولة الصينية علي تنفيذها ومنها مثلاً إقامة ميناء مُتعدد الأغراض وخط أنابيب عابر للحدود ينقل مياه الشرب من إثيوبيا تبلغ تكلفتهما 590 مليون دولار ومشروع خط أنابيب وتسييل للغاز الطبيعي من إثيوبيا ومحطة إستقبال له بجيبوتي بتكلفة 4 مليارات دولار , وإتصالاً بمشروع الخط الحديدي بين جيبوتي وأديس أبابا أشار موقعFrench . CHINA في 16 يناير 2017 تحت عنوان ” التعاون الصيني الأفريقي في ذروة إزدهاره ” أنه وخلال إفتتاح هذا الخط أرسلت عدة دول أفريقية مثل أوغندا ورواندا وجنوب السودان وتوجو وكينيا وفود حكومية تمثلها لحضور هذه المناسبة وكذا لدراسة هذا المشروع ورفع تقارير عنه لحكوماتهم , كما أشارت وكالة REUTERS من جيبوتي في 16 يناير 2017 إلي أن الرئيس الجيبوتي أعطي إشارة الإنطلاق لمشروع إقامة منطقة حرة Zone Franche هي الأكبر علي مستوي أفريقيا بميناء جيبوتي بدعم مالي صيني يبلغ 7 مليار دولار علي مدي عامين من تاريخ توقيع الإتفاق في مارس 2016 وذلك علي مساحة 48 كم مربع وتقوم علي تنفيذه شركة Dalian Port Corporation الصينية وتستغل هذه المنطقة الحرة كل من سلطة المواني والمناطق الحرة الجيبوتية وشركة Merchants Holding القابضة الصينية (إستثمرت الصين في جيبوتي خلال بضعة أعوام حوالي 14 مليار دولار جزء منهم في صورة قروض) .
إن إقامة الصين لقاعدة بحرية بالرغم من طبيعتها العسكرية إلا أنها في الوقت نفسه مشروع لوجيستيكي يتسق مع طموحات الإستراتيجية الإقتصادية للصين في أفريقيا وهي إستراتيجية متعددة الوسائل منها هذه القاعدة ومنها مُؤتمر الصين / أفريقيا ومنها  منتدي الصين والدول الناطقة بالبرتغالية CPLP وغيرها من الوسائل المُنتظمة مع هذه الإستراتيجية التي من الواضح أنها تجاوزت في فاعليتها وسائل أمريكية قاصرة مث قانون الفرصة والنمو الأفريقي AGOA , وكما أن هذه القاعدة تغطية حمائية لنمو الإستثمارات والتجارة مع أفريقيا وجنوب غربي آسيا وما وراءهما , فهي أيضاً سلوك إستراتيجي صيني مُبرر ومنطقي , يتيح لها لعب دور دبلوماسي مُحتمل بين جيبوتي وإرتريا في نزاعهما .
إذ أن مصالح الصين في جيبوتي بل في القرن الأفريقي تبرر لها والحالة هذه إدراك أهمية التصرف الحمائي الإستباقي لمصالحها تلك ومن هنا كان هذا الإعلان الصيني عن إمكانية وساطتها , ومن المُتصور تنسيق الصين مع جيبوتي وإثيوبيا قبل الإعلان عن مبادرتها للوساطة ولإستعدادها إرسال قوة حفظ السلام بمنطقة النزاع علي غرار ما فعلته قطر مع الوضع في الإعتبار تغير الظروف في جيبوتي نفسها إذ أن نمو أهمية جيبوتي كعقدة مواصلات إقليمية وعالمية وضع لا يرضي إرتريا خاصة وأن إثيوبيا عدوتها اللدودة علي رأس قائمة الدول المُستفيدة من جيبوتي والحالة هذه .
(2) تدرك الصين وبعمق علاقة الصراع والعداء بين إرتريا وإثيوبيا وتدرك أيضاً ثقل الحركة الأمريكية والفرنسية لتسوية النزاع الحدودي بين جيبوتي وإرتريا وبين إرتريا وإثيوبيا بمنطقة   Badme, لأسباب عدة منها علاقتها المتدنية مع أرتريا , ولإدراك ذلك التباين نلقي نظرة علي الحركة الأمريكية المُنتظمة في ملف الحرب الأهلية بجنوب السودان إذ أن الولايات المتحدة تحمل علي عاتقها منذ إندلاع هذه الحرب بين رئيس جنوب السودان  Salva Kiir ونائبه Riek Machar في ديسمبر 2013وحتي يومنا هذا تسوية هذا الصراع بوسائل مختلفة , كما أنها عبر مبعوثها الخاص للسودان وجنوب السودان تتدخل في النزاع الحدودي بين جنوب السودان وشماله علي منطقة Abyei الغنية بالبترول , فيما نجد الولايات المتحدة تنظر بأدني درجة من الخطورة للنزاع الحدودي بين جيبوتي وإرتريا , ومما يؤكد ذلك أن الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن وافقوا في 15 مايو 2017 وبالإجماع علي منح جنوب السودان وشماله مهلة أقصاها 6 أشهر لتسوية هذا النزاع وتطبيق مهام المراقبة هناك , فهل جيبوتي بموقعها الإستراتيجي الفريد والذي إزدادت حساسيته للولايات المتحدة وحلفاءها بعد إنشاء قاعدة صينية بها يُمكن أن يُنظر لنزاعها الحدودي مع إرتريا علي منطقتي رأس وجزيرة Dumeira نظرة أقل من نظرتها إلي نزاع جنوب وشمال السودان علي Abyei ؟ هناك ثمة صعوبة في الإعتراف بإختلافهما في درجة الخطورة حتي لو إفترض أحدهم أهتمام الولايات المتحدة بمسألة Abyei بسبب البترول فقد تقفز الصين لإقتناصه سواء آلت المنطقة للشمال أو للجنوب , ولذلك فإن الإقرار بفاعلية الدبلوماسية الصينية ويقظتها قد يبرر حتي إشعار آخر تباين الموقفين الصيني والأمريكي من النزاع الحدودي الجيبوتي الإرتري الذي مازال بعد أكثر من شهر علي تجدده بلا طرف وسيط .
(3) الإعلان الصيني عن الإستعداد للتوسط يتزامن مع الإعلان في وسائل الإعلام الإثيوبية في 21 يوليو 2017 عن إنعقاد اللجنة المُشتركة الإثيوبية / الجيبوتية لشئون الدفاع دورتها لهذا العام في أديس أبابا , ويأتي هذا الإنعقاد في ظروف تستدعي مزيد من التنسيق الإثيوبي مع جيبوتي خشية من بدء مواجهة عسكرية إذ أن إندلاع قتال بين جيبوتي وإرتريا أمر تتحسب له إثيوبيا لخطورته علي إنتظام واردتها من الخارج والتي يأتي معظمها عبر ميناء جيبوتي , ولذلك فإنعقاد اللجنة المُشتركة للدفاع يعد والحالة هذه بياناً إثيوبياً للدعم العسكري الإثيوبي لجيبوتي لكن الدعم الإثيوبي ربما يكون غير حاسم في درأ مخاطر التأثير علي إنتظام الحركة في ميناء جيبوتي وطرق المواصلات منه وإليه  كاف , من هنا ربما رأت الصين ومصالحها في جيبوتي أكبر من تلك التي لإثيوبيا أنها ذات مصلحة أكبر في حماية هذه المصالح مجتمعة , ومن ثم فإن عرضها للوساطة و / أو إرسال قوة حفظ سلام تتموضع في منطقتي رأس وجزيرة Dumeira المُتنازع عليهما بالرغم من أنه سلوك سياسي ودبلوماسي , إلا أنه لا يخرج عن كونه رسالة مُبطنة لإرتريا بأن هناك خط أحمر عليها ألا تفكر في تجاوزه , وهي بالنسبة لجيبوتي رسالة طمأنة , وبالتالي فإن جيبوتي تلقت ثمرة تمركز الصين عسكرياً علي أراضيها والحالة هذه , وربما إستفادت الصين مُستقبلاً من الحالة الجيبوتية / الإرترية في بيان فوائد تواجدها و / أو علاقاتها العسكرية الإيجابية  مع الدول الداخلة في علاقات عسكرية معها . 
(4) إن إفترضنا قبول إرتريا للوساطة الصينية وهذا أمر مُستبعد بما يتوافر من معلومات حتي الآن , فإرتريا وفقاً لما أشار إليه موقع africanews. في 21 يوليو 2017 أكدت أنها تعتبر قطر الوسيط الوحيد , كما أنها شجبت التقارير التي تشير إلي أن إرتريا إتخذت موقفاً ما من الأزمة الخليجية التي كان الإنسحاب المُفاجئ لقوة حفظ السلام القطرية من منطقتي رأس وجزيرة Dumeira أحد تداعياتها , وأن علاقة إرتريا بقطر مازالت سليمة , كما أن سفير إرتريا لدي الإتحاد الأفريقي صرح في 5 يوليو 2017 بقوله ” إن قطر يجب أن تستمر في أداء دورها كوسيط سلام في النزاع القائم مع جيبوتي حتي بعد سحبها لقوتها الحافظة للسلام من المنطقة ” وهو تصريح يُناقض البيان الأرتري الذي دعا قطر إلي سحب قوتها تلك فهذا البيان الإرتري أيد مضمون موقف رباعي الحصار الذي وصم قطر بدعم الإرهاب فكيف يدعو سفير أرتريا لدي الإتحاد الأفريقي قطر لمواصلة دورها ؟ , كل ذلك ترجمته الصحيحة أن إرتريا لا تريد عودة الأمور إلي ما قبل 13 يونيو 2017 وأنها مُتمسكة بالوسيط القطري الذي لن يعود ليس فقط بسبب الموقف المُلتبس الذي إتخذته إرتريا من الأزمة الخليجية الحالية بل – وهذا وحده كاف – بسبب موقف جيبوتي الذي كان مبالغاً فيه بشكل يكفي لوصفه بأنه طعنة في ظهر قطر التي لم تتوان يوماً عن دعم جيبوتي التي بلا مبرر إلا إذا كان إغراءات سعودية , إتخذت قرار بخفض التمثيل الدبلوماسي مع قطر مما إضطر الأخيرة للإنسحاب من Dumeira وتعرية الموقف العسكري الرخو لجيبوتي أمام الإرتريين , لكننا إذا تجاوزنا عن هذه الحقيقة فإنه مع إفتراض قبول إرتريا للوساطة الصينية , فسيعني ذلك بالتلازم تدشين دبلوماسية وساطة صينية في النزاعات الأفريقية يدعمها النفوذ والمد الإقتصادي والسياسي وفي مرحلة لاحقة عسكري بأفريقيا , ومن ثم فحتي إذا إفترضنا ذلك فعلينا أن نفترض بالتبعية إفساد فرنسا والولايات المتحدة للتحرك الصيني إن كُتب له المُضي في هذا الإتجاه , لكن علينا ألا ننسي أن هناك ثمة عائق آخر أمام أي وساطة وهو المكسب الذي أحرزته إرتريا بإعادة السيطرة علي منطقتي رأس وجزيرة Dumeira  وهو في إعتقادي مكسب ذا قيمة إستراتيجية فربما تعمل إرتريا علي تحويل هذه المنطقة  القريبة من عقد المواصلات بجيبوتي إلي ميناء مُنافس لجيبوتي  خاصة وهي تري ما نالته الخزانة الجيبوتية من عوائد مجزية بعد تنمية ميناء جيبوتي وربطه بشبكة طرق طويلة مع إثيوبيا وغيرها من دول القرن الأفريقي الكبير الحبيسة ومنها جنوب السودان وأوغندا .
عرض الصين الشعبية لوساطتها في تسوية النزاع الحدودي الإرتري / الجيبوتي وكذلك عرضها إرسال قوة حفظ سلام تحل محل القوة القطرية المُنسحبة بغض النظر عن إحتمال قبول طرفي النزاع قبول ذلك أو رفضه , إلا أنه يتناسب مع قوة ونفوذ الصين في جيبوتي بإعتبار مصالحها وتواجد قاعدة بحرية عسكرية لها علي أراضي جيبوتي , كما أنه مُعبر عن حركية ونفاذ السياتسة والدبلوماسية الصينية التي تري في نفسها قوة مُؤهلة للوساطة في النزاعات الأفريقية , وهو دور لاشك سيُؤثر علي المساحات التي كانت الدبلوماسيتين الأمريكية والفرنسية تعتقدان بأنها حرة خالصة لهما قبل ذلك , وعلي نفس المنوال فإن إنشاء الصين قاعدة بحرية ضخمة لها في جيبوتي سيُؤثر علي حركة القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM وكذلك علي ما يُسمي بسياسة فرنسا – أفريقيا  Françafrique, ولكل ذلك فستنظر الولايات المتحدة وفرنسا إلي عرض الصين وساطتها بين جيبوتي وإرتريا بنظرة تتسم بالكثير من الخشية والخطورة .
القاهرة . تحريراً في 25يوليو 2017
أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى