الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

وزير الخارجية الأمريكي قادرة على إنهاء الأزمة القطرية لكنه ارتكب خطأً بشأن خطة الصراع ؟

-المركز الديمقراطي العربي

مع تفاقم الأزمة الدبلوماسية بين قطر والدول الخليجية المجاورة، يكمن التحدي الرئيسي في تحديد أفضل نهج قد تتبعه واشنطن في دور الدوحة المعقد كشريكٍ أمني للولايات المتحدة. وتعتبر قطر حليفاً استراتيجياً مهماً بالنسبة لواشنطن، ولا سيما باعتبارها مضيفة لـ “قاعدة العديد الجوية”، وهي منشأة هامة في المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» .

إلا أنها تدعم أيضاً قوى خطيرة في الشرق الأوسط تهدد مصالح الولايات المتحدة والحلفاء. ونتيجة لذلك، ينطوي المناخ الحالي على فرص ومخاطر بالنسبة لواشنطن.

تشعر الولايات المتحدة بالقلق خشية أن تؤثر هذه الأزمة الخليجية على عملياتها العسكرية وعمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها وأن تزيد النفوذ الإقليمي لإيران التي تدعم قطر من خلال السماح لها باستخدام مجالها الجوي والبحري.

وتوجد بالدوحة قاعدة العديد الجوية أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. وتنفذ من هذه القاعدة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة طلعات جوية على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.

وقال جان-مارك ريكلي وهو محلل للمخاطر في مركز جنيف للسياسة الأمنية إن الأزمة تتجاوز تمويل الإرهاب مشيرا إلى مخاوف الخليج من دور إيران واهتزاز الاستقرار الداخلي والنفوذ الإقليمي لجماعة الإخوان المسلمين إلى جانب التنافس على القيادة في المنطقة.

وأفادت تقارير على أن وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، حض نظيره القطري، خالد بن محمد العطية، على تأكيد “أهمية تخفيف التوترات… بما يمكن كل الأطراف في منطقة الخليج من التركيز على خطوات مقبلة تلبي الأهداف المشتركة” بحسب بيان للبنتاغون.

وتشير التقارير إلى أن المسؤولين “أكدا على الشراكة الأمنية الاستراتيجية” بين الولايات المتحدة وقطر، التي تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة تضم 10 آلاف عنصر من عديد القوات الأمريكية، وتمثل موقعا حيويا في حملة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

يتصدر دحر تنظيم «الدولة الإسلامية» أولويات إدارة الرئيس ترامب فيما يخص الأمن القومي. لكن طرد «داعش» من الموصل والرقة قد يعني في النهاية غياب القدرة على ضمان أمن هاتين المدينتين وغيرهما وإعادة بنائها وحكمها. ويتطلب منع حصول فراغ خطير في السلطة في المناطق المحررة من قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية» انخراط عاجل للدول العربية السنّية الموحدة.

ولسوء الحظ، ينشغل السعوديون والإماراتيون والبحرينيون والمصريون حالياً بالوضع الدبلوماسي المعقد مع قطر على خلفية دعمها لحركة «حماس» وجماعة «الإخوان المسلمين».

وقد حاول وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون التوسط، لكنه ارتكب خطأً بسفره إلى المنطقة قبل التفاوض بشأن خطة لإنهاء الصراع. وتتطلب أصول الحكم الجيدة جعل رفض مطالب الولايات المتحدة أمراً غير مقبول.

وهناك بالفعل دلائل تشير إلى أن الجانبين قد يكونا أكثر استعداداً للتوصل إلى تسوية لحفظ ماء الوجه. فقد خفض التحالف الذي تقوده السعودية مطالبه الأساسية الثلاثة عشر التي شملت إغلاق قناة “الجزيرة” وقاعدة عسكرية تركية.

وعوضاً عن ذلك، تطلب هذه الدول من قطر التصرف وفقاً لمجموعة مبادئ تشمل محاربة الإرهاب والتطرف، ورفض توفير التمويل والملاذ الآمن للجماعات الإرهابية، وإنهاء التحريض على الكراهية، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وتُعتبر هذه المبادئ واسعة بكما يكفي لإفساح المجال لكلا الجانبين للتوصّل إلى تفاهم، كما أن أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني قال إنه منفتح على الحوار.

وتجدر الملاحظة أن نظام آل ثاني يسمح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة “العديد” الجوية، وقد دعا جامعات أمريكية مثل “نورثويسترن” و”تكساس إيه أند أم” و”جورجتاون” إلى فتح فروع لها في قطر. غير أن الإمارة الصغيرة الغنية بالنفط تؤمن المأوى لكبار قادة حركة “طالبان”، وتدعم الإسلاميين المتطرفين في ليبيا وسوريا، وتمول منصات إعلامية لجماعة «الإخوان المسلمين» لبث رسالتها. ولا بدّ لأي حل لهذا الصراع أن يضمن تخلي قطر عن هذه المعايير المزدوجة.

وعلى افتراض أن يحظى تيلرسون بدعم الرئيس ترامب، سيتعيّن على الرئيس التنفيذي السابق لشركة “إيكسون” إبلاغ كافة الأطراف بكيفية انتهاء الأزمة بسرية ولكن بصراحة – وذلك بقيام قطر بتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة مؤخراً مع الولايات المتحدة حول تمويل الإرهاب، والتزامها باعتقال أو طرد كافة الجهات التي صنفتها الولايات المتحدة داعمة أو ميسّرة للإرهاب، والتوقف عن توفير أي دعم مادي لأي جماعة تعتبرها الولايات المتحدة تهديداً لاستقرار المنطقة.

ويرى “دينيس روس” وهو مستشار وزميل “ويليام ديفيدسون” المتميز في معهد واشنطن والمساعد الخاص السابق للرئيس أوباما. أن “تيلرسون قادر على إنهاء الأزمة القطرية” في مقال نشرته “وول ستريت جورنال”ويضيف:

أنه يتعيّن على تيلرسون أن يوضح أنه في حال رفض القطريون [تنفيذ مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة والتزاماتها الأخرى الآنفة الذكر]، ستسحب الولايات المتحدة قواتها من قاعدة “العديد”. وهذا هو نوع التهديد الذي لا بدّ أن يشغل تفكير آل ثاني. فالقطريون يعتبرون الوجود العسكري الأمريكي بمثابة ضمانة أمنية.

ومنع انسحاب الولايات المتحدة [من القاعدة العسكرية] يمنحهم الغطاء السياسي الذي يحتاجون إليه لإنهاء المواجهة الحالية. وآخر ما يرغب فيه القطريون هو أن يُنظر إليهم بأنهم استسلموا للسعوديين.

وبالتالي، فإن التدخل الأمريكي الفعال ضروري الآن لعدة أسباب. فتنظيم «الدولة الإسلامية» المهزوم قد يستغل الارتباك الحالي من أجل استعادة قوته. كما تستعد إيران وميليشياتها الشيعية أساساً لملء أي فراغ في السلطة في كل من العراق وسوريا، الأمر الذي يزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة. وبالنسبة إلى تيلرسون، قد تتوقف كفاءته المستقبلية كوزير للخارجية على هذا الأمر.

إن تردد تيلرسون أو عدم قدرته على ملء المناصب العليا في وزارة الخارجية الأمريكية ورسائل إدارة ترامب المتناقضة في كثير من الأحيان أثارت الشكوك حول قدرته على التحدّث باسم الرئيس الأمريكي، وهو موقف ضعيف بالنسبة إلى وزير خارجية.

لذلك، يتعين على تيلرسون أن يثبت بأنه يتمكن من حلّ المشاكل الدبلوماسية من خلال ممارسة النفوذ والتوصّل إلى نتائج. ولا بدّ من أن يحقق نجاحاً، لئلا يبدأ شركاء أمريكا وخصومها بالتشكك حول ما إذا كان من المنطقي العمل معه.

ولم يتميّز وزراء الخارجية الأمريكيين الأكثر كفاءةً بدهائهم الاستراتيجي، بل بنفوذهم الذي لا لبس فيه. فلم يشكّك أحد فيما إذا كان هنري كيسنجر أو جيمس بيكر يتحدثان باسم الرئيس. فالسلطة والصلاحية التي أظهراها جعلت التهديدات التي أطلقاها والضغوط التي مارساها  قابلة للتصديق. ونادراً ما تنجح الدبلوماسية من دون نفوذ.

وخلافاً لكيسنجر وبيكر، لا يمكن لتيلرسون الاعتماد على رسائل البيت الأبيض من أجل تعزيز دبلوماسيته. وما لم يرغب في اضمحلال سلطته تدريجياً مع الوقت، عليه تحقيق نجاح دبلوماسي على مستوى عالٍ – وقريباً.

ويرى الباحث أن أزمة قطر توفّر  فرصة مثالية لتحقيق هذا المسعى.

فوجئ المسؤولون الأمريكيون بقرار السعودية قطع العلاقات مع قطر وقد ذكر مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية أن واشنطن لم يصلها أي مؤشر خلال قمة الرياض على أن هذا التحرك على وشك الحدوث لكن ترامب أدلى بدلوه صباح الثلاثاء في النزاع وأشاد بقرار القوى العربية ضد قطر.

وقال دبلوماسي غربي في الدوحة إن التحرك “مرتبط بوضوح” بزيارة ترامب مشيرا إلى أن الزيارة زادت جرأة السعودية والإمارات للتحرك. كما قال سفير أمريكي سابق بالدوحة “الفرصة لاحت بزيارة ترامب وبرئاسة ترامب بوجه عام” مشيرا إلى أن التحرك كان قيد الإعداد على مدى شهرين أو ثلاثة. وأضاف “هذا أمر مخطط له بعناية. كل شيء حدث في الوقت ذاته”.

ووصفت السعودية والإمارات التحرك بشكل أساسي بأنه خطوة لمحاربة ما وصفتاه بتمويل قطر للإرهابيين. وقال قرقاش “نريد نهجا حاسما في التعامل مع تمويل الإرهاب. نعرف أساسيات التعامل مع الإرهاب. وأحد هذه الأساسيات هو: لا تطعموا التماسيح”.

وأشارت تغريدات ترامب إلى أنه يتفق مع هذه الرؤية. وكتب قائلا “خلال زيارتي الأخيرة للشرق الأوسط قلت إنه لا يمكن أن يستمر تمويل الفكر المتطرف. وأشار زعماء إلى قطر”.

لكن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) التي تضع في الاعتبار وجود القاعدة العسكرية الأمريكية في قطر جددت إشادتها بالدوحة بعد تدخل ترامب في مؤشر آخر على كيف يسير المسؤولون الأمريكيون على حبل مشدود فيما تثير تغريدات ترامب تساؤلات بشأن السياسة القائمة ونقاط الحوار المستخدمة لتفسيرها.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق