الرئيسية / الشرق الأوسط / حلف “الناتو” ودوره في مرحلة ما بعد الخلافة في معركة مكافحة الإرهاب القادمة
حلف “الناتو” ودوره في مرحلة ما بعد الخلافة في معركة مكافحة الإرهاب القادمة
الناتو

حلف “الناتو” ودوره في مرحلة ما بعد الخلافة في معركة مكافحة الإرهاب القادمة

-المركز الديمقراطي العربي

تتم الإشادة منذ فترة طويلة بالاستراتيجية الإعلامية لتنظيم”داعش” باعتبارها واحدة من أكثر الاستراتيجيات المروعة التي حققت نجاحًا بارزًا في العصر الحديث.

لكن الحقيقة هي أن “وسائل الإعلام” ليست استراتيجية وإنما امتلكت تنظيم”داعش” استراتيجية اتصالات متطورة استخدمت وسائل الإعلام فيها كتكتيك. التمييز هنا مهم لأن وسائل الإعلام توحي بعقلية البث، في حين أن الاتصال الذي نعرفه هو الحوار أو المحادثة.

نشَر مقر عمليات معلومات مركز الأبحاث العسكرية الأسترالية مؤخرًا تحقيقه (المستمر) خلال 18 شهرًا حول المقاتلين الأجانب الاستراليين والجهات الفاعلة الحكومية.

اكتشفت تحقيقات المخابرات المفتوحة هذه أن ما يسمى بالدولة الإسلامية (أو داعش، الدولة الإسلامية في العراق والشام ) تدير شبكة متطورة على مستوى الأفراد، وهو أمر بعيد تمامًا عن التصور السائد بأن “وسائل التواصل الاجتماعي” وحدها هي السبب لتطرف الشباب من الرجال والنساء.

عند سقوط مدينة الموصل، زادت تهديدات التطرف العنيفة بالخارج:

كتب المؤلف الاسترالي وخبير مكافحة التمرد ديفيد كيلكولن في عام 2015 أن داعش قابلة للتكيف بدرجة كبيرة حيث “تحولت من حرب المناورة التقليدية مرة أخرى إلى حرب العصابات” ردًا على الغارات الجوية التي يشنها التحالف.

إن معرفتنا بأن قدرتهم على التكيف هي جزء من ذخيرتهم، وأنهم يتعرضون إلى ضغط عسكري كبير في منطقة العمليات الفعلية، يجعلنا نتوقع منهم التكيف مرة أخرى – لكن هذه المرة ستكون في ميدان الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

تتحرك داعش على نطاق واسع لاعتماد برامج دردشة مشفرة، مثل التلغراف، ويدل عملها بنشاط لتعليم أتباعها فن إخفاء الهويات على الإنترنت على حدوث تغير في التكتيكات. من الناحية العسكرية، بدأت داعش في إخفاء أمرين (القيادة والتحكم) ثم إخفاء خمسة أمور (القيادة، والتحكم، والكمبيوتر، والاتصالات والاستخبارات) من شبكة الإنترنت.

لقد كان التنقل داخل الشبكات الاجتماعية المظلمة ومواقع الويب المظلمة ردًا منطقيًا على أنشطة إنفاذ القانون والاستخبارات الخاصة بمكافحة الإرهاب. فهو يوفر لداعش بيئة اجتماعية مثالية لمواصلة تنسيق هجماتها المادية بعيدًا عن حدود دولة الخلافة المتغيرة.

تتضمن هذه الشبكات مستودعات هائلة من المحتويات عبر الإنترنت يتم استخدامها في الاستفادة من المجندين المحتملين وتوجيهم نحو نقاط العمل، ونشر تطبيقات متطورة للغاية حسب الطلب لدعم عمليات الاتصال وسحب بيانات المستخدمين، واستغلال الأمان الذي توفره الاتصالات المشفرة.

ولا يزال من غير الواضح كيف سيرد حلف الناتو وشركاؤه من الدول غير الأعضاء على هذا التهديد المتطور الذي يتحول من عمل عسكري للتحالف إلى إنفاذ القانون داخل الدولة ومسؤوليات تتحملها الاستخبارات.

في ظل الهزيمة التي مني بها تنظيم «الدولة الإسلامية» في الموصل ووقوفه على شفير الانهيار في الرقة، يحاول حلف شمال الأطلسي تقييم الدور الذي يمكن أو يجب أن يضطلع به في مرحلة ما بعد الخلافة في معركة مكافحة الإرهاب القادمة.

وأمام الحلف دور هام، لكن عليه أن يبقى متمسكاً بمهمته التقليدية ومهاراته. فحلف “الناتو” في جوهره تحالفٌ عسكري وليس وكالة لمكافحة الإرهاب بحسب “ماثيو ليفيت”.

لقد وفر الارتفاع الحاد في الحوادث الإرهابية الدولية في الغرب وموجة الاضطرابات الجارفة التي تهز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بيئةً متكاملة للتعليقات الصريحة التي قدمها الرئيس ترامب حول ضرورة بذل حلف “الناتو” المزيد من الجهود لمكافحة الإرهاب. ففي أيار/مايو 2016، قال ترامب الذي كان مرشحاً للرئاسة آنذاك إن “الناتو” قد “عفا عليه الزمن”.

وما لبث أن أوضح قوله هذا مصرحاً: “الحلف عفا عليه الزمن لأنه لا يواجه قضايا الإرهاب”. ومنذ ذلك الحين، أكّد كبار المسؤولين الأمريكيين، ومؤخراً مستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر، أن إدارة ترامب تلتزم التزاماً مطلقاً بحلف “الناتو”.

لكن، فيما يتجاوز الخطب الرنانة من واشنطن، تكمن الحقيقة أن حلف شمال الأطلسي – عبر تركيا – يقف على الخطوط الأمامية الجغرافية في المعركة  ضد تنظيمي «الدولة الإسلامية» و «القاعدة» وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

وتجدر الملاحظة أن مهمة مكافحة الإرهاب ليست بجديدة على حلف “الناتو”، بعد أن استند إلى المادة 5 للمرة الأولى بعد اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر وسرعان ما أطلق أكبر عملية قتالية في تاريخه في أفغانستان رداً على الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة.

وقد طوّر الحلف خبرةً خاصة في مجال تدريب قوات الأمن المحلية في أفغانستان لمحاربة حركة “طالبان” وتنظيمي «القاعدة» و «الدولة الإسلامية» وتحقيق الاستقرار في البلاد.

وقد ركّزت مهمات تدريبية مماثلة نفذها حلف “الناتو” على قدرات مكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضاً، من بينها في مصر والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس. ودعمت طائرات المراقبة التابعة لحلف الأطلسي التحالف المناهض لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، وفي قمة عقدها حلف “الناتو” في أيار/مايو، أعلن التحالف أنه سيصبح عضواً كامل العضوية في “الائتلاف العالمي لهزيمة تنظيم «داعش»”.

لكن نظراً لطبيعة التهديدات الإرهابية الراهنة، لا ينبغي أن يتفاجأ أي شخص من أن يكون الأمينان العامان السابق والحالي للحلف قد خلُصا مؤخراً إلى أن حلف “الناتو” قادر على اتخاذ المزيد من الخطوات لمكافحة الإرهاب ويجدر به القيام بذلك. ورغم هزيمة ما يسمى بدولة الخلافة في سوريا والعراق في ساحة المعركة على المدى القريب، إلّا أن آفاق الإرهاب تبدو قاتمة.

وفي الوقت الذي يخسر فيه تنظيم «الدولة الإسلامية» الأراضي، قد يزداد خطر الإرهاب الذي يشكله في المنطقة (على الأقل في المدى القصير) – من خلال محافظاته وخلاياه الإرهابية – وفي الغرب وسط انحداره من الحوكمة إلى التمرد والإرهاب.

والمقاتلون الإرهابيون الأجانب العائدون يمثلون تهديداً تضاعفه ظاهرة التطرف العنيف الناشئ في الداخل التي تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في انتشارها والتي بدورها قد تشمل مجموعة من التهديدات الإرهابية النابعة من مخططات ملهَمة أو مسهلة أو منفذة على أيدي أجانب.

وليس هناك ضوء في نهاية النفق فيما يتعلق بالمأساة السورية، التي أصبحت مؤسسةً جهادية منحت تنظيم «القاعدة» فرصةً جديدة، وهي جماعة تستعيد نشاطها أيضاً في شبه الجزيرة العربية وفي أفريقيا.

أما إلى جنوب أوروبا، فتضم ليبيا مجموعةً متنوعة من التهديدات الأمنية التي لا تُظهر أي علامات على الإنحسار وتُهدد الاستقرار في جميع أنحاء شمال أفريقيا وفي منطقة الساحل، وحتى في أوروبا أيضاً – كما تعكس مؤشرات هجوم مانشستر.

ويسلّط تقرير “أوضاع واتجاهات الإرهاب لعام 2017” الصادر عن “يوروبول” الضوء على التهديدات التي تواجهها أوروبا جراء الاضطرابات الإقليمية  خارج الاتحاد الأوروبي ، ومن بينها غرب البلقان والقوقاز وأفريقيا والشرق الأوسط، وفي تركيا العضو في حلف “الناتو” .

ويركّز التقرير الأخير بشأن “الاتجاهات العالمية” الصادر عن “مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكي” على اتجاهين رئيسيين سيؤثران تأثيراً كبيراً على الاتجاه المستقبلي للتهديد الإرهابي بحسب مقال نشرته “ذي هيل” للباحث “ماثيو ليفيت” وهو زميل “فرومر – ويكسلر” ومدير “برنامج ستاين للاستخبارات ومكافحة الإرهاب” في معهد واشنطن:

أولاً: “سيحدّد حل أو استمرار الصراعات العديدة الداخلية وبين الدول القائمة حالياً – والأكثر أهمية، الحرب الأهلية السورية، ولكن أيضاً الصراع في أفغانستان والعراق وليبيا ومنطقة الساحل والصومال واليمن وأماكن أخرى – مدى حدة أعمال العنف المستقبلية ورقعتها الجغرافية”.

وسيؤثّر ذلك على العامل الرئيسي المتمثل بانتشار المساحات غير المحكومة التي أدّت حتى الآن إلى خلق “بيئة مواتية للتطرف وتشجع على تجنيد آلاف المتطوعين المتلهفين للقتال”.

أما العامل الثاني: فيتمثل بكيفية التعاطي اليوم مع ظاهرة المقاتلين الأجانب والمهاجرين. فإن لم تتمّ معالجتها بشكل صحيح، ستصبح مواقع التجنيد لجماعات الغد الإرهابية.

فما هي الخطوات الإضافية التي يمكن أن يقوم بها حلف “الناتو” في مجال مكافحة الإرهاب؟ وفقاً للتقرير الأخير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بشأن مكافحة الإرهاب، تأتي القيمة المضافة لحلف “الناتو” في مجال مكافحة الإرهاب من الأجزاء الثلاثة لاستراتيجيته الحالية، وهي: زيادة الوعي بشأن التهديدات، وتطوير قدرات مكافحة الإرهاب، وتعزيز انخراط الشركاء.

ويُعتبر إنشاء “مركز التوجه الاستراتيجي-جنوباً” الجديد للحلف في نابولي تطوراً مرحباً به، وينبغي أن يساعد حلف “الناتو” على تحسين الوعي بالحالة الراهنة في الجانب الجنوبي للحلف وتوفير تحليل “مسح أفقي” طويل المدى وكذلك توصيات بشأن السياسة لكل من مركز “الناتو” الرئيسي و”القيادة العليا للقوات المتحالفة في أوروبا” و”مجلس شمال الأطلسي”.

ومن شأن هذا المسعى الاستفادة من الموارد لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية القائمة والمستقبلية على حد سواء. ويتعين على حلف شمال الأطلسي الاضطلاع بدور أكبر في مكافحة ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب وأزمة المهاجرين، وهما مثالان على التحديات الراهنة. وكان منسّق شؤون مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي قد دعا إلى تعزيز الروابط بين جنود “الناتو” و”يوروبول” من أجل مشاركة المقاييس الحيوية في الوقت المناسب وغيرها من المعلومات الاستخبارية التكتيكية التي تمّ جمعها في الميدان.

ويمكن لحلف “الناتو” أيضاً أن يبذل المزيد من الجهود في مجال الأمن البحري المتعلق بأزمة المهاجرين التي تعاني منها دول الاتحاد الأوروبي، حسبما أضاف المنسق. غير أنه سيكون لـ”مركز التوجه الاستراتيجي-جنوباً” الأثر المحتمل الأكبر من أجل استباق المشاكل المستقبلية من خلال الشراكة بين ضباط ومحللي “الناتو” من جهة والأكاديميين وخبراء متخصصين في هذا المجال من جهة أخرى من أجل تركيز المشاركة الدولية (التدريب في المقام الأول) في المناطق التي من شأنها أن تستفيد من حماية مسبقة من عدم الاستقرار المتوقّع.

وعلى سبيل المثال، بإمكان حلف “الناتو” أن يركّز جهوده لمنع انتشار المنظمات المتطرفة العنيفة في دول مستقرة نسبياً ولكنها ضعيفة، مثل تونس. ولا بدّ من إيلاء هذا الأمر أولويةً استراتيجيةً على امتداد 10 إلى 20 عاماً.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن لـ”مركز التوجه الاستراتيجي-جنوباً” أن يكون مجرد رد على الرئيس ترامب. ففي هذه الحالة سيركّز أكثر على أن يظهر وكأنه يقوم بجهدٍ ما عوضاً عن إحداث آثار فعلية.

ومن أجل استباق مسار التهديد الإرهابي المستقبلي، يجب أن نعالج بشكل جماعي العامليْن الرئيسييْن اللذين أشار إليهما “مجلس الاستخبارات الوطنية”، بحسب “ماثيو ليفيت” وهما:

مواجهة المقاتلين الإرهابيين الأجانب القادمين من سوريا والعراق ومعالجة الصراعات المحتقنة التي تؤدي إلى اختلالات وشيكة والمساحات غير المحكومة حيث يمكن لتهديدات الغد أن تتفاقم.

وقد لاحظ الأكاديمي الأسترالي وخبير مكافحة الإرهاب ليفي ويست باقتدار في عام 2015 أن “داعش تنتج حاليًا محتوى موجه لتطبيع الخلافة، بشكل أكبر من المحتوى الذي يتبنى العنف.”

يمثل هذا التحول نية استراتيجية واضحة لتكوين دولة قومية لها شرعية وحكم مستقر. وخلال محاولة تحقيق شرعية الخلافة، يجب أن يكون “شعار داعش” قادرًا في الوقت ذاته على الحفاظ على الخداع بتصوير الحياة الطبيعية التي أنشأها.

بتكتيكات أقرب ما تكون إلى “مدينة” في كوريا الشمالية داخل منطقة كيجونج دونج منزوعة السلاح (تعرف أيضًا باسم “مدينة الدعاية”)، يتم تقديم الوهم بأن “كل شيء على ما يرام هنا في دولة الخلافة” لإقناع من يعيشون بداخلها بذلك وإقناع آخرين بترك أوطانهم للانضمام إليها.

 

Share Button

عن المركز الديمقراطى العربى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


6 + seven =

إلى الأعلى
 

Please log in to vote

You need to log in to vote. If you already had an account, you may log in here

Alternatively, if you do not have an account yet you can create one here.

Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On PinterestVisit Us On LinkedinCheck Our Feed