الرئيسية / الشرق الأوسط / مستقبل العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على السياسة الأمريكية
مستقبل العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على السياسة الأمريكية
تركيا - أمريكا

مستقبل العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على السياسة الأمريكية

-المركز الديمقراطي العربي

إن حسابات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيسية وراء سلوكه التحريضي – عندما شبّه القادة السياسيين الألمان بالنازيين على سبيل المثال – تتخطى إلى حدّ كبير مسألة حشد جموع في أوروبا من أجل الفوز بأصوات المغتربين الأتراك. أعتقد أن أردوغان يستخدم هذه الأزمة الدبلوماسية مع الأوروبيين لحشد الناخبين اليمينيين في بلاده.

وفي المستقبل، قد يختار أردوغان وصف دول أجنبية بأنها “عدوة الدولة”، وهو أسلوب يتناسب تماماً مع استراتيجيته الرامية إلى استقطاب الناخبين القوميين اليمينيين. ولهذا السبب، وأن عادة أردوغان بافتعال المشاجرات مع أطراف أجنبية تتخطى هذه الدورة الانتخابية. وستكون هذه استراتيجيته في المرحلة القادمة.

وفي كل مرة تُجرى انتخابات، سيحاول أردوغان إيجاد أعداء خارجيين – كالأوروبيين مثلاً – يمكنه أن يصفهم بأعداء الشعب واستغلال ذلك لحشد المزيد من الدعم.

لقد اكتشف أردوغان للتو أنه قد يتمكن من الفوز في الانتخابات – بطبيعة الحال سيتعين علينا انتظار نتائج الاستفتاء – من خلال وصف الأوروبيين بالعدو الجديد. أعتقد أنه سيصعب التخلي عن هذه الاستراتيجية والابتعاد عنها، حتى لو بذل الأوروبيون جهوداً لإصلاح العلاقات بعد الانتخابات.

قد ينجح الأمر لبضعة أشهر، لكن خلال الانتخابات المقبلة في تركيا، توقّعوا السلوك التحريضي نفسه من أردوغان.

خضعت علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي ومكانتها داخل حلف شمال الأطلسي لتدقيق متزايد خلال العام الماضي، وخاصة أثناء حملة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للفوز باستفتاء دستوري في نيسان/أبريل، والذي اعتبره الكثيرون استيلاء على السلطة.

وحالياً، أدى الخلاف حول زيارة البرلمانيين الألمان إلى قاعدة أنجرليك الجوية المهمة في تركيا إلى دفع ألمانيا لإرسال معظم قواتها التي تقاتل تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا إلى الأردن. وفي الوقت الذي يعمل فيه الأمين العام لحلف “الناتو” جينز ستولتنبرغ على التوصل إلى حل وسط بين البلدين.

وحول  الوضع الحالي للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ولا سيما علاقات تركيا بألمانيا، في ظل استمرار الأزمة بشأن النفاذ السياسي الألماني إلى “قاعدة إنجرليك الجوية” التركية .

نشرت”سايفر بريف” حديث مع مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن “سونر چاغاپتاي” حول تأثير ذلك على مستقبل العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي ومكانة البلاد داخل حلف “الناتو”، وكيف سيؤثر ذلك على السياسة الأمريكية في المنطقة”:

يقول الباحث أنه كما هي الحال مع أي مسألة أخرى تقريبًا، ينطوي فهم العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي على فهم الديناميكيات السياسية الداخلية الحالية في تركيا. فالبلاد منقسمة إلى نصفين: النصف الأول موالٍ للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والنصف الآخر يرفض حكمه تمامًا.

وبالنسبة إلى النصف الموالي لأردوغان، ما نراه في هذه الأزمة القائمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي والدول الغربية الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، هو تغير زلزالي. فمنذ الانقلاب الفاشل ضد أردوغان في العام الفائت، برزت نظرية جديدة بين مؤيديه أطلقوا عليها اسم “الأردوغانية”.

وتعتبر هذه النظرية أن أردوغان شخصية تاريخية ستجعل الأتراك عظماء وتعيد الفخر إلى المسلمين وأنه لا بدّ من تأييده ودعمه، ليس لأن أردوغان بحاجة إلى تأييد شخصي، بل لأن هذه هي الطريقة التي تدعم مثل هذا المشروع التاريخي العظيم.

من جهة أخرى، تشير هذه النظرية أيضًا إلى أنه إذا لم تدعم أردوغان، فأنت بالتالي لست تركيًا جيدًا أو مسلمًا جيدًا، ولا بدّ التالي من محاكمتك. وأود أن أضيف أيضًا أنه إذا كنت تعارض أردوغان، فأنت في أغلب الظن وكيلًا للأجانب.

وهنا تتجلى الأردوغانية بامتياز: مزج الإسلام السياسي والقومية التركية تحت شخص أردوغان الذي تتمثل فكرته الإجمالية في أن أردوغان يحمي تركيا والعالم الإسلامي من الهجمات الأجنبية. وهؤلاء الأجانب هم عادةً الغربيون، وهو ما يعني غالبًا في السياق التركي الأوروبيين. فإن عداءً متأصلًا ضد الأوروبيين والغرب يوجّه تفكير الكتلة الموالية لأردوغان.

وبالتالي، أعتقد أن ما رأيناه قبل الاستفتاء التركي على الدستور في نيسان/أبريل يشير إلى أن الأزمات مع الهولنديين والألمان لم تكن مشاكل عرضية، بل مثّلت فعليًا ذروة هذا التفكير الجديد في تركيا حيث يبدو أن الإيديولوجيا السياسية الحاكمة في البلاد تستند إلى حس من العدائية تجاه أوروبا والغرب. وحتى في حال توصّلت ألمانيا وتركيا إلى تفاهم هذه المرة، ستبرز أزمات أخرى مع قوى أوروبية أخرى في المستقبل.

ولا يتعلق الأمر بسياسة أردوغان الانتخابية، كما ألمح البعض خلال الاستفتاء الذي أجري في نيسان/أبريل، بل هو أعمق من ذلك بكثير. فبالنسبة إلى داعمي الأردوغانية، لا يتعلق الأمر بحدث واحد فحسب، بل بسيرة تاريخية لمجموعة من الأحداث شهدت على مهاجمة الغرب لتركيا والعالم الإسلامي عبر التاريخ.

أولًا في الحروب الصليبية ثم في الحرب العالمية الأولى وأخيرًا في محاولة الانقلاب على أردوغان التي يعتقدون أنها مدعومة من الأجانب (أوروبيين وأمريكيين). وتهيمن هذه السيرة بالكامل على عقول نصف الشعب التركي.

  • خطوات أردوغان وحكومته إزاء الاتحاد الأوروبي وألمانيا وهولندا وغيرها:

أن الأردوغانية هو نوع من التسونامي السياسي لنصف تركيا التي تدعم الرئيس. وهو تسونامي يُغرق في الوقت نفسه النصف الآخر الذي لا يدعمه.

إلا أنني أوافق أيضًا على وجود انعطافة براغماتية لهذه المسألة. فعلى الرغم من تصوير الأردوغانية لأوروبا على أنها العدو – العدو الخارجي الذي يستخدم وكلاءه في تركيا لإلحاق الضرر بالرئيس – يدرك أردوغان في الوقت نفسه أن فوزه في الانتخابات منذ عام 2002 اعتمد إلى حدّ كبير على الحجم القياسي من الاستثمارات الأجنبية المباشرة (الأوروبية في الغالب) التي استقطبتها بلاده.

ويرتبط سبب استثمار الشركات الدولية في الشركات الناشئة أو الاستثمارات الجديدة في تركيا إلى حدّ كبير بوصف البلاد على أنها في مرحلة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما ساعد على استقطاب هذه الأحجام القياسية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال العقد الماضي من الزمن.

فقد قادت هذه الاستثمارات الأجنبية دفة النمو بشكل رئيسي، وأدّى هذا النمو بدوره إلى توسيع قاعدة ناخبيه الذين جذبهم إليه عمومًا الازدهار الاقتصادي الذي حقّقه وانتشاله لعددٍ كبير منهم من الفقر.

إن أردوغان على يقين تام بكل هذا، لذا لا يمكنه فعليًا تحمّل تكلفة كسر الأسس الاقتصادية للعلاقة مع أوروبا. وعليه، سيحاول الاستفادة من روابط تركيا والاتحاد الأوروبي لإبرام صفقات، رغم وجود عدائية الأردوغانية للأوروبيين في الخلفية.

وسيحاول المحافظة على روابط تركيا الاقتصادية بأوروبا. ومن المفارقة أنه لهذا السبب في وقت تهاجم فيه إدارة أردوغان الأوروبيين على نحو يومي، تحاول أنقرة في الوقت نفسه توطيد الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ما يسمح بتبادل كافة أنواع السلع الصناعية بحرية عبر الحدود من دون دفع أي رسوم.

وسيقوم بذلك من خلال تقديم التعاون في مسألة اللاجئين. فمن الجانب الأوروبي، يخشى قادة دول الاتحاد الأوروبي إلى حدّ كبير انزلاق تركيا نحو الدكتاتورية.

لكن رغم هذا التصوّر، تواجه أوروبا مشكلة على المدى القصير تتمثل بعدد اللاجئين الذي يناهز الثلاثة ملايين الذين تستقبلهم تركيا و”تبقيهم لديها”. فبشكلٍ رئيسي، إن أراد أردوغان ذلك، يمكن أن يصبحوا جميعًا في ألمانيا غدًا، وباقي الدول الأوروبية أيضًا، ما سيتسبب بمشاكل داخلية خطيرة بين الدول الأوروبية بشأن عبء اللاجئين، ويقوّض بالتالي وحدة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

  • مكانة تركيا في الناتو:

أناتفاق صواريخ أس-400، لا أعتقد أنه نهائي إلى أن يُنجز فعليًا. فقد أبرمت تركيا اتفاقات مماثلة لشراء أنظمة دفاع جوي من الصين، وبدت الصفقة فعلية ورسمية، لكن في نهاية المطاف قطعت تركيا جسور التواصل بعد ردود الفعل الساخطة من الناتو والولايات المتحدة في عامي 2010 و2011.

لكن هذا يشير إلى أنه، في وقت لا يريد فيه أردوغان أن تنهي بلاده عضويتها في حلف الناتو، يتعامل مع الحلف وكأنه نادٍ انتقائي حيث يختار اعتماد ما يحلو له من برامج الحلف ومبادراته وليس جميعها، لأنه بخلاف ما كانت عليه تركيا في السنوات السابقة حين اعتقد قادتها أن بلادهم توفر مصلحة مشتركة ضمن الحلف – وتتشارك معه القيم نفسها – لا ينظر أتباع الأردوغانية إلى العالم من هذا المنظور الآن.

ويعتبر أردوغان ومؤيدوه أن صامويل هنتنجتون كان محقًا، هناك صراع حضارات، لكنه كان مخطئًا لأن المسلمين سيفوزون. ولا يرى أردوغان أن حلف الناتو هو بالضرورة ملتقى للدول التي تتشاطر الآراء نفسها وتتشارك قيمًا متشابهة، بل هو يعتبره ملاذه الأمني  حيث يضمن الأمن الذي هو بأمس الحاجة إليه في مواجهة روسيا.

ويجب ألا ننسى أن بوتين لن يعامل تركيا يومًا كقرين، رغم أن أردوغان ينظر إلى روسيا من هذا المنطلق. فبوتين سينظر دائمًا إلى تركيا على أنها قوة ثانوية، وفي حين تزعجه سياسات أردوغان في سوريا، يخشى أن يؤدي نجاح الإسلام السياسي في تركيا إلى إحياء مسلمي روسيا الذين تربطهم علاقات إثنية وتاريخية متينة بمسلمي تركيا.

وبالتالي، من مصلحة بوتين أن يحرص على ألا تتكلل مساعي أردوغان بالنجاح، وعلى الأخير أن يدرك ذلك. فعلى سبيل المثال، خلال الفترة التي سبقت استفتاء نيسان/أبريل في تركيا، نشر الموقع التركي لوكالة “سبوتنيك” أخبارًا معادية لأدروغان عدة مرات بشكل صريح ومباشر أكثر من تلك التي بثتها وسائل الإعلام الأجنبية التي تقدم خدمات باللغة التركية مثل “صوت أمريكا” و”دويتشه فيله” وقناة “الجزيرة” وشبكة “بي بي سي” مجتمعةً – حسبما ذكرت ناز توراك أوغلو.

ويدرك أردوغان أيضًا أن محيطه مليء بالأعداء، بمن فيهم الرئيس السوري بشار الأسد. لذا أظن أنه سيواصل الاعتماد على حلف الناتو لضمان الأمن ضد روسيا والأسد وضد إيران، لكنه لا يعتبر الحلف ناديًا يتشاطر معه قيمه الأساسية كما فعل أسلافه.

  • موقف إدارة ترامب من هذا الاقتتال الداخلي في حلف الناتو بين تركيا وألمانيا وحلفاء أوروبيين آخرين:

يحرص وزير الدفاع جايمس ماتيس فعلًا على ضمان علاقة جيدة مع تركيا، وهو ملتزم بتذليل أي عوائق قد تعترضها.

وهناك عدة مشاكل تشوب العلاقات الثنائية بين البلدين، بدءًا بالتعاون الأمريكي مع “وحدات حماية الشعب” السورية الكردية، مرورًا بقرار أنقرة بشراء أنظمة أسلحة روسية، ووصولًا إلى الخطاب المعادي للأمريكيين والأوروبيين والغرب الذي تدلي به تركيا على نحو متزايد. ولا يجب التغاضي عن هذا الخطاب لأنه استمر طيلة الأعوام الخمسة عشر الماضية، وقد بدأ يعد شائعًا لأنه يحظى بدعم مسؤولين حكوميين ووسائل إعلام موالية للحكومة.

واستنادًا إلى آخر تقرير صدر عن “مركز بيو”، في حين يشكل تنظيم “داعش” والاحتباس الحراري وتدفق اللاجئين والهجمات الإلكترونية والانهيار الاقتصادي الشغل الشاغل لدول أخرى، باعتبار كل هذه المسائل تهديدات أساسية عالمية، ينفرد الأتراك من بين شعوب العالم برؤيتهم أن الولايات المتحدة هي الخطر العالمي الأكبر.

وما من دولة أخرى تجري استطلاعات بقدر تركيا، وهذا الأمر ليس عرضيًا – بل يرتبط بمعاداة النهج الأمريكي الذي كان “حزب العدالة والتنمية” يغرسه في نفوس مناصريه منذ بروزه عام 2002، إلى جانب قضايا أخرى في إطار العلاقات الثنائية.

وقد أصبحت مشاعر معاداة الولايات المتحدة هذه شائعة إلى حدّ كبير الآن في تركيا. ومن شأن ذلك أن يثير قلق الولايات المتحدة، وهو واقع يعيه الوزير ماتيس جيدًا.

بيد أن استعادة الثقة في العلاقة الأمريكية-التركية ستكون صعبة لأن الروابط العسكرية بين البلدين تضررت، وقد يكون حجم الضرر كبيرًا بحيث يستحيل إصلاحه على المدى القصير.

وفي واشنطن، كان المسؤولون في الجيش الأمريكي هم أشد المناصرين لتركيا، حيث أن العمل مع الأتراك في العمليات التي نفذها حلف الناتو في البوسنة وكوسوفو في تسعينيات القرن المنصرم كوّنت لديهم انطباعات ممتازة عن الأتراك، وكانوا ممتنين للدور الذي اضطلعت به أنقرة في الانتصار خلال الحرب الباردة من خلال منع الاتحاد السوفيتي من الدخول إلى البحار الدافئة، كما أبدوا عمومًا دعمًا كبيرًا لأنقرة.

أما الآن، فنشهد العكس تمامًا. يمكنني القول إن أشد معارضي تركيا اليوم في واشنطن هم للأسف من عناصر الجيش الأمريكي نتيجة سلسلة من الأحداث، حصلت جميعها تحت إشراف أردوغان. فرفض تركيا الانضمام إلى حرب العراق عام  2003 وانهيار العلاقات التركية-الإسرائيلية وقرار تركيا شراء أنظمة دفاع جوي من الصين (رغم أنهم تراجعوا عن ذلك) وقرار أنقرة مؤخرًا بشراء صواريخ روسية، إضافةً إلى سياسة تركيا غير الصارمة التي سهّلت عبور المتطرفين إلى سوريا في إطار مساعٍ لتقويض الأسد – كلها عوامل تسببت بتدهور هذه العلاقة.

وحتمًا، من وجهة نظر تركيا، كان تحفظ الولايات المتحدة عن دعمها بالكامل ضد “حزب العمال الكردستاني” خلال العقد الفائت – فضلًا عن القرار الأمريكي بتقديم الدعم الكامل لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية خلال معركتها ضد “داعش” في سوريا – سببين ساهما في تأزم العلاقة فعلًا.

وبالعودة إلى وجهة النظر الأمريكية، وبعد تدهور العلاقات طيلة 15 عامًا، أصبح الجيش الأمريكي على الأرجح من أضعف مؤيدي تركيا في واشنطن، وهذا أمر محزن. فقد فقدت تركيا أهم مشجع وداعم لها في واشنطن، ولا يمكنني أن أفكر في أي جهة ستحشد لتركيا في واشنطن الآن.

ويساور الكثيرين في واشنطن القلق أيضًا من انزلاق تركيا نحو نظام استبدادي، ويبدو ذلك واضحًا لأنه يشير إلى أن البلاد تتخبط في أزمة. وكما شرحتُ في كتابي “السلطان الجديد”، تتمثل الأزمة في أن نصف الشعب يبغض أردوغان والنصف الآخر يحبه. وإن كانت البلاد تتبع نظامًا ديمقراطيًا، فلا يمكن عندها لأردوغان أن يحكم كما يحلو له، لذا فهو يتخذ خطوات من شأنها القضاء على الديمقراطية.

لكن النصف الذي يكرهه لن يستسلم أبدًا لهذا التوجّه، ما يعني أنه خلال الفترة المقبلة وفي أفضل الأحوال، ستبقى تركيا في حالة أزمة دائمة، تستنزفها الاضطرابات المحلية التي تعصف بها، وتعجز عن أن تكون حليفة قوية للولايات المتحدة أو أن تتعاون بشكل موثوق.

وتركّز الإدارة الأمريكية أيضًا على تركيا من منطلق محاربتها “داعش”. فهي تريد أن تضمن النفاذ المستمر إلى القواعد التركية التي تُطلق منها مهمات ضد التنظيم. لذا على المدى القصير، يبدو أن النهج المعتمد يتمثل في الحفاظ على العلاقة مع أردوغان، وهو السبب الذي دُعي من أجله لزيارة واشنطن. وفي الوقت الراهن، تريد إدارة ترامب التعاون مع أردوغان وليس صدّه.

ويبدو أن هذا هو محط تركيز السياسة الأمريكية حاليًا بحسب”سونر چاغاپتاي” .

في الفترة بين 2015 و 2016، قبل محاولة الانقلاب، كان يمكن تحديد العلاقة الأمريكية – التركية الهشة بكلمة واحدة: الجنوب. ففي حين برز تقارب مصالح سطحي بين الولايات المتحدة وتركيا في سوريا، إلّأن هذه المصالح تباينت على أرض الواقع في كل شيء تقريباً.

ومن جهتها، واجهت تركيا ثلاثة تهديدات من الجنوب: «حزب الاتحاد الديمقراطي»، وهي جماعة سورية كردية، وتنظيم «الدولة الإسلامية»، والرئيس السوري بشار الأسد.

ومن ناحية أخرى، يُعتبر «حزب الاتحاد الديمقراطي» – الذي تعزز بفضل دفاعه الناجح ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بدءاً بكوباني عام 2014 – فرعاً سياسياً لـ«حزب العمال الكردستاني» الذي مقره في تركيا، وعندما توقفت المحادثات بين أنقرة و«حزب العمال الكردستاني» في صيف عام 2015، أصبح الحزب الكردي يشكل خطراً شديداً يهدد تركيا.

وفي أواخر عام 2015، عندما دفعت الهجمات الإرهابية في باريس وسان برناردينو بالولايات المتحدة إلى اتخاذ تنظيم «الدولة الإسلامية» على محمل الجد، لم تكرس تركيا نفس القدر من الأهمية لهذه القضية، حتى أنها قدمت الدعم لجماعات [مماثلة] للتنظيم على غرار «جبهة النصرة».

وفي إطار سياسة تركيا الرامية إلى الإطاحة بالأسد، أبقت البلاد حدودها مفتوحة، مما سمح للجهاديين المعادين للأسد وللولايات المتحدة على السواء بالعبور. وفي غضون ذلك، على الرغم من أن إدارة أوباما وافقت من حيث المبدأ على سياسة تركيا القائمة على فكرة أن “الأسد يجب أن يرحل”، إلّا أنها لم تدعم القضية بفعالية كافية، مخيّبة بذلك آمال تركيا.

وتُعتبر العلاقة الأوسع بين الولايات المتحدة وتركيا مهمة للغاية، في وقتٍ أدّى فيه تعاون تركيا دوراً في جميع الصراعات الأمريكية تقريباً. وعلى وجه الخصوص، كان دور تركيا أساسياً لانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة. وعلى نحو مماثل، فمن دون الدعم الأمريكي الذي بدأ في أربعينيات القرن الماضي، لم يكن بوسع تركيا أن تبقى مستقلة خلال الحرب الباردة.

ويعود هذا الفتور الراهن في العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا إلى انقطاع التواصل بين البلدين، حيث تتبنى أنقرة وجهة نظر تهكمية تقوم على الواقعية السياسية تجاه السياسة الخارجية، في حين تعتقد الولايات المتحدة أنها تدفع بالقيم العالمية قدماً.

وتجدر الملاحظة بحسب “جيمس إف. جيفري”أن عدداً كبيراً من الجماعات تمارس ضغوطاً في واشنطن ضد تركيا – على سبيل المثال، الجماعات الأرمنية واليونانية وحقوق الإنسان – وللحفاظ على هذه العلاقة الهامة، يجب على المسؤولين الأمريكيين المبالغة في مدح البلاد كأفضل حليف للولايات المتحدة على الإطلاق. وعندما تفسد تركيا هذه الصورة، يثير ذلك الشعور بالإحباط لدى الحكومة الأمريكية.

Share Button

عن المركز الديمقراطى العربى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


nine − = 2

إلى الأعلى
 

Please log in to vote

You need to log in to vote. If you already had an account, you may log in here

Alternatively, if you do not have an account yet you can create one here.

Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On PinterestVisit Us On LinkedinCheck Our Feed