الرئيسية / الشرق الأوسط / إقامة دولة كردية تصطدم في التدخل الغربي: هل الاستفتاء مقامرة أم خطوة محسوبة ؟
إقامة دولة كردية تصطدم في التدخل الغربي: هل الاستفتاء مقامرة أم خطوة محسوبة ؟
كردستان

إقامة دولة كردية تصطدم في التدخل الغربي: هل الاستفتاء مقامرة أم خطوة محسوبة ؟

-المركز الديمقراطي العربي

يواجه اعلان الاستفتاء على استقلال «إقليم كردستان» معارضة من دول إقليمية تضم ملايين الأكراد، خشية أن تنتقل العدوى إليها، إذ يتوزع الأكراد أساسا بين دول أربع هي تركيا والعراق وإيران وسوريا.

وإقليم كردستان المكون من ثلاث محافظات في شمال العراق يتمتع بالحكم الذاتي منذ العام 1991.

سواء أكان [الاستفتاء على استقلال «إقليم كردستان»] عبارة عن مقامرة أو خطوة محسوبة، سيتوجه الأكراد إلى صناديق الاقتراع في 25 أيلول/سبتمبر للاختيار بين الاستقلال أو البقاء ضمن جمهورية العراق. ويمكن القول بأن التصويت لصالح دولة كردية هو حقيقة مؤكدة.

والأكراد يرون أن الأقدار تصب في مصلحة الخطوة التالية نحو الاستقلال، إذ أن «حكومة إقليم كردستان» تُعتبر واحة من الاستقرار في منطقة مضطربة؛ فقد دافعت قوات البشمركة التابعة لها عن المنطقة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وعملت على حماية الأقليات، كما يمكن لـ «حكومة الإقليم» أن تولد عائدات من خلال صادرات النفط.

ولإثبات حق قادة «حكومة إقليم كردستان» في تقرير مصيرهم للعالم، غالباً ما يستشهدون بمظالم تاريخية، بما فيها انعدام الجنسية وحالات الإبادة الجماعية. ومع ذلك، فإن الاعتراف الدولي بدولة كردية خارج نطاق سيطرة الأكراد. وبالتالي، يُعتبر بناء دولة كردية الأولوية القصوى للقادة الأكراد ويجب أن يكون كذلك.

اعلنت رئاسة اقليم كردستان العراق ان رئيس الاقليم طلب خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون، “ضمانات” و”بدائل” لتلبية رغبة واشنطن في تأجيل الاستفتاء على الاستقلال مؤكدا ان “شعب كردستان سيمضي في طريقه ويقرر مصيره”.

وافاد بيان لرئاسة كردستان على موقعها الالكتروني ان تيلرسون اتصل هاتفيا بمسعود بارزاني معربا عن رغبة واشنطن في تأجيل الاستفتاء على استقلال الاقليم و”تأييدها استمرار المباحثات والمفاوضات بين الإقليم وبغداد”.

وأشار البيان إلى أن تيلرسون “أشاد بدور قوات البشمركة في القضاء على داعش”، ورحب بدور بارزاني والقيادة السياسية الكردستانية و”بقرار تشكيل وفد رفيع المستوى من إلاقليم الى بغداد للتفاوض معها حول الأمور السياسية”.

وفي هذا الإطار، أكد بارزاني ان وفدا من الإقليم “سيزور بغداد قريبا للتباحث حول المسائل المتعلقة بمستقبل العلاقات”.

وتساءل بارزاني حسب البيان “ما هي الضمانات التي من الممكن أن يتم تقديمها لشعب كوردستان بمقابل تأجيله للإستفتاء، وماهي البدائل التي ستحل محل تقرير المصير لشعب كوردستان؟”.

واعتبر بارزاني أن “الشراكة والتعايش السلمي الذي كان يشكل الهدف الرئيسي لكردستان مع العراق في المراحل التاريخية المتعاقبة التي مر بها الجانبان لم يتحقق، لذلك سيمضي شعب كردستان في طريقه وسيقرر مصيره”.

وتُقدّر «حكومة إقليم كردستان» الشرعية الدولية وتسعى إلى اكتسابها في سعيها لإقامة دولة مستقلة. وفي حين أن التدخل الغربي هو أمراً شاذاً، إلّا أنّ  الأكراد يرحبون به ويسعون إلى إقناع عواصم الولايات المتحدة والدول الأوروبية بحقهم في تقرير مصيرهم من خلال استفتاء حول الاستقلال.

وتدين «حكومة إقليم كردستان» بوجودها جزئياً للملاذ الآمن الذي فرضه المجتمع الدولي عام 1991. وقد زادت حقوق «حكومة إقليم كردستان» وصلاحياتها بعد تحرير العراق من حكم صدام الاستبدادي في عام 2003.

ولا تزال قوات البشمركة، كونها جزءاً لا يتجزأ من التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية»، تتلقى الثناء كون عناصرها مقاتلين متمكنين في سبيل الحرية الذين هبّوا لمواجهة إرهاب تنظيم «الدولة الإسلامية» ووحشيته.

وفيما اعتُبر بمثابة منح ثقة، قدمت «حكومة إقليم كردستان» حوافز مغرية للشركات الأجنبية، وخاصة في قطاع الطاقة، للاستثمار في كردستان العراق.

وعلى الرغم من هذه النظرة العالمية الظاهرة، لم يرحب المجتمع الدولي بالدعوة الكردية للاستفتاء والانفصال عن العراق، على الرغم من أن الكثيرين أعربوا عن تعاطفهم مع التطلعات الكردية.

صحيح أنه تم رسم حدود الشرق الأوسط بصورة عشوائية، إلا أنها تميل إلى الحفاظ على بقائها. فقد جدد جيران «حكومة إقليم كردستان» وأصدقاؤها البعيدون على حد سواء دعمهم لعراق موحد. كما انتقد المسؤولون الأمريكيون مراراً الخطوة الكردية كونها تشتت الانتباه عن المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».

وعلى صعيد أقرب إلى الوطن، حذرت تركيا، وإيران بشكل أكثر صراحة، الأكراد من زعزعة استقرار المنطقة من خلال تهديد السلامة الإقليمية للعراق.

وعلى الرغم من أن صورة الأكراد في العواصم الغربية مشرقة، إلّا أنّ الساحة الكردية ما زالت بعيدة عن أن تكون منظّمة. فقد أدى المأزق السياسي إلى إغلاق البرلمان لمدة عامين، بينما يعاني الاقتصاد الكردي من انخفاض أسعار النفط. وقد قطعت «حكومة إقليم كردستان» شوطاً طويلاً، إلا أن قصة نجاحها تفسح المجال أمام قصص جديدة من الفئوية، وسوء الإدارة الاقتصادية والفساد.

نشرت “واشنطن تايمز”مقال تحليلي للباحث “بلال وهاب” وهو زميل “سوريف” في معهد واشنطن حيث يقول:

على الأكراد ألّا يسعون للحصول على تأييد خارجي للتطلعات الكردية على حساب الشرعية السياسية والمؤسساتية المحلية. فالاستفتاء والسيادة قد يثيران في النهاية غضب جيران كردستان غير الودودين، مما يعني أن «حكومة إقليم كردستان» بحاجة إلى دعم مواطنيها بقدر حاجتها إلى حلفائها البعيدين.

ولذلك، فمن أجل أن يؤخذ مسعى الأكراد لإقامة دولة مستقلة على المدى الطويل على محمل الجد، يتعيّن عليهم إعادة الالتزام بالعملية الديمقراطية والاستثمار في مؤسسات الدولة.

وتحقيقاً هذه الغاية، لا ينبغي أن يكون الاستفتاء وبناء الدولة متتاليين أو متعارضين تماماً. وفي هذا السياق، يمكن أن يستخلص الأكراد عبرة أساسية من إسرائيل، التي يثير نجاحها إعجاب الأكراد على الرغم من ظروفها الصعبة.

وغالباً ما ينسب الأكراد الفرصة التي حظيت بها إسرائيل لإقامة دولتها إلى الدعم الأمريكي. إلا أن ذلك ليس صحيحاً تماماً، حيث أن قصة نجاح إسرائيل تُعزى بشكل أكبر إلى التزامها بالديمقراطية والحوكمة الشاملة، وسيادة القانون، وهي خصائص محلية ذات [إطار قانوني] تجذب الدعم السياسي والاقتصادي الدولي. إن ركائز تلك المؤسسات تسبق العلم الإسرائيلي والعملة الإسرائيلية.

وفي الوقت الذي تمضي فيه «حكومة إقليم كردستان» قدماً في الاستفتاء، فإنها تدين لمواطنيها وللعالم، الذين تسعى للحصول على دعمهم، بإعادة الالتزام بأجندة الحوكمة الرشيدة.

وسواء حصلت في النهاية على مقام الدولة المستقلة أم لا، تحتاج «حكومة إقليم كردستان» إلى قضاء مستقل ومحترف يلتزم بقوة بسيادة القانون؛ واقتصاد القطاع الخاص الذي تحرّكه الشركات الصغيرة ورجال الأعمال، وليس محسوبية الحكومة؛ وبرلمان قوي يشكل فرعاً حكومياً موازياً للسلطة التنفيذية؛ ومجتمع مدني مزدهر وصحافة حرة توفر الرقابة والمساءلة؛ وقطاع تعليم يعلّم الشباب أن يكونوا مواطنين وليس أفراداً خاضعين.

وهذه هي السمات المميِزة للدول القوية والمزدهرة والديمقراطية. ولا ينبغي الانتظار لتحقيقها إلى ما بعد الاستقلال، وهذا ما تدّعيه كل دولة متعثرة ما بعد فترة الاستعمار. وللأسف، ليس هناك الكثير في التدابير السياسية الحالية المعتمدة من قبل «حكومة إقليم كردستان»، الذي يمنع تطورها على هذا النحو.

وبمساعدة خارجية، تمكنت «حكومة إقليم كردستان» من إحراز بعض التقدم في تحسين الحوكمة. فعلى سبيل المثال، يساعد البنك الدولي على إعادة هيكلة وتنويع اقتصاد «حكومة إقليم كردستان» القائم على النفط، كما تساعد حكومات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا على إضفاء الطابع الاحترافي على قوات البشمركة الكردية.

أما شركات مراجعة الحسابات الدولية فهي تعزز شفافية قطاع النفط في المنطقة. وتُعتبر هذه المساعدة الخارجية ضرورية، لذلك فهي موضع ترحيب. ولكن في النهاية، يجب أن تستثمر «حكومة إقليم كردستان» في قدرتها المؤسساتية الخاصة لتعزيز شرعيتها في نظر المواطنين.

وتُعتبر هذه الرؤية واقعية، وعلى وجه التحديد لأن «حكومة إقليم كردستان» تسير في هذا الاتجاه منذ عام 1991. وقد تم ذلك بشكل متقطع وغير كامل، إلا أنه لا يمكن إنكار التقدم المحرز.

وبناء مثل هذه المؤسسات هو المسيرة الفعلية التي يتعيّن على الأكراد تسريع وتيرتها حالياً. ويجب أن لا يتمحور ذلك حول الحدود والأعلام والمقاعد في الأمم المتحدة، وتطلعات خارجة عن السيطرة الكردية، بل حول العمل الشاق المتمثل بتحسين إدارة الأراضي الخاضعة للسيطرة الكردية.

وسيؤدي الحكم الديمقراطي والفعال، بدوره، إلى تعزيز شرعية المسعى الكردي لإقامة دولة مستقلة. فالاستفتاء هو بمثابة قرع باب المجتمع الدولي من الجانب الكردي. إن استحقاق الأكراد لدولة خاصة بهم لن يكون كافياً، بل يجب على «حكومة إقليم كردستان» أن تتصرف وكأنها دولة.

وهنا يحتاج الأكراد إلى المساعدة والتشجيع من قبل أصدقائهم. فمنذ عام 1991، تستثمر الولايات المتحدة في ديمقراطية «حكومة إقليم كردستان» واستقرارها.

ويبقى استقلال كردستان قضية تستحق العناء، ويشكل الاستفتاء الكردي الطريقة الأمثل لتحقيق ذلك. ولكن في نهاية المطاف، إن إقامة دولة مستقلة فعلية لا تكون حول الحدود المعترف بها دولياً على خارطة بقدر ما تكون مرتكزة على ما يحصل (أو لا يحصل) داخل تلك الحدود.

وفي السابع من حزيران/يونيو أعلن بارزاني أنه سيتم إجراء استفتاء في مناطق العراق الكردية في 25 أيلول/سبتمبر على إقامة دولة مستقلة. ورغم أن التصويت غير ملزم، فإنه يشكل قاعدة لإقامة دولة مستقلة مشروعها يختمر منذ نال أكراد العراق حكما ذاتيا من حكومة بغداد بعيد حرب الخليج في العام 1991.

وتعارض سلطات بغداد الاستقلال المحتمل لكردستان وستكون المعارضة أشد اذا سعى الاكراد الى بسط سيطرتهم خارج منطقتهم الحالية.

وتعارض تركيا بشدة قيام دولة كردية على قسم من أراضيها او حتى على أراضي سوريا المجاورة حيث شكل الأكراد منطقة حكم ذاتي. واذا كانت انقرة تقيم حاليا علاقات اقتصادية مع سلطات كردستان العراق فان الامر يمكن ان يتغير في حال استقلال الاقليم ويمكن ان تؤثر معارضة تركيا بشدة على استمرارية كردستان العراق كدولة في حال استقلاله.

تشكل المحافظة على الحدود معياراً دولياً قائماً منذ زمن طويل. ويُعتبر التبرير الذي يقدمه الأكراد للانفصال عن العراق فكرة صائبة أو محقة لم يحن وقتها بعد.

ولكن وفق الحسابات السياسية الكردية العراقية، فإن المجتمع الدولي منشغلاً في الشرق الأوسط بقضايا أكبر من مسألة التعامل مع الأكراد، وهي ذهنية تشجع على مستوى من المغامرة أو ربما على المراهنة في أربيل.

وبعد الإشارة إلى ما سبق، يجدر القول إن المعارضة الدولية للاستفتاء الكردي اقتصرت لغاية اليوم على الخطابات، إذ لم يتخذ أي طرف دولي خطوات أو تدابير عملية لمنع التصويت. فعلى سبيل المثال، عندما أعلنت تركيا أن استفتاء أيلول/سبتمبر هو خطوة “خاطئة”، فقد حذرت من تصريحها بالقول إنها لن تغلق حدودها أو تغلق خط أنابيب النفط إلى منطقة جيهان التركية. ويُعدّ ذلك خبراً ساراً جداً لـ «حكومة إقليم كردستان».

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى