الجماعات الاسلاميةالدراسات البحثية

ما بعد الإسلاموية: حركة النهضة في تونس مثالا تطبيقيا

اعداد : محمد يحيى حسني – باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

إن التغيرات الحاصلة في حركات الإسلام السياسي، على مستوى التصور والخطاب والمواقف– تجاه بعض القضاياالتي مثلت أبرز التحديات أمام اندماج هذه الحركات في نسيج الدولة الوطنية الحديثة، مثل قضايا الدولة المدنية والتعددية السياسية والحقوق المدنية والحريات والمرأة والموقف من تطبيق الشريعة وقضية الدولة الإسلامية، والعنف، وعلاقة الدين بالدولة–دفعت بعض المحللين والخبراء، للتركيز عليها، والتفريق على أساسها بين الحركات الإسلامية. حيث ثمة اختلاف جذري مثلا، بين حركات الإسلام السياسي المنخرطة في اللعبة السياسية في إطار الدولة الوطنية، والحركات الإسلامية الجهادية بشتى أنواعها. كما أنه داخل حركات الإسلام السياسي أيضا توجد فروق جوهرية، بين حركات ما تزال تحافظ على تصوراتها المحافظة، التي على رأسها إقامة دولة إسلامية وتطبيق الشريعة وإقامة الخلافة، وأسلمة المجتمع، ورفض نموذج الديمقراطية الليبرالية ومرتكزاتها، في مقابل حركات إسلام سياسي أخرى غيّرت من خطابها وتصوراتها، وأصبحت “متصالحة” أو “متعايشة” أو “متكيّفة” أو بعبارة صريحة أصبحت تتبنّى قيم الحداثة السياسية، متمثلة في خطاب الحقوق والحريات المدنية والديمقراطية، وتراجعت عن بعض تصوراتها ومطامحها في إقامة دولة إسلامية وتطبيق الشريعة، وبالمجمل تراجعت عن خطاب الراديكالية الإسلاموية. وهذا النمط الأخير من حركات الإسلام السياسي، هو ما يندرج حسب آصف بيات، تحت مفهوم ما بعد الإسلاموية[1]، وهي ما تهدف هذه الورقة إلى تحليله وتفسيره، لكن عبر نموذج محدد، هو حركة النهضة في تونس. التي نزعم أن خطابها عرف تغيرا طيلة الفترة الممتدة ما بين 1965 تاريخ تأسيس الجماعة الإسلامية في تونس “النهضة حاليا” إلى ما بعد الثورة التونسية 2011. فما الذي تغير في خطاب هذه الحركة؟ وهل يمكن اعتبارها حركة إسلام سياسي ما بعد إسلاموي؟ وفي ماذا تتمثل ما بعد الاسلاموية في الممارسة السياسية والتصورات الفكرية لهذه الحركة؟. وما الفرق الفعلي، من خلال الممارسة والتصورات، بينها وبين الحركات السياسية الإسلاموية المعاصرة[2] مثل حزب التحرير في تونس وغيره من فسيفساء الإسلام السياسي مثلا؟.

يرى آصف بيات أنه من المبكر الحكم على تجربة النهضة في تونس، ولذلك لم يتعرض لها في التجارب التي استعرضها في عشر دول عن حركات وأحزاب ما بعد إسلاموية، لكننا نعتقد أن ممارسة النهضة السياسية، خاصة بعد اندلاع الثورة، ووصولها للحكم وتخليها عنه، ودخولها في حكومة توافق حاليا مع ألد أعدائها من الدستوريين ورموز النظام البورقيبي ونظام بن علي سابقا، يجعل تجربتها السياسية جديرة بالتوقف عندها كتجربة ما بعد إسلاموية، بل إن البعض قد يعتبرها نموذجا لإسلام ليبرالي[3]. هذا بالإضافة إلى النقلة التي عرفتها الحركة بعد مؤتمرها العاشر الذي أصدر وثيقة تأسيسية جديدة، كان من أهم عناوينها “فصل الديني عن الدعوي”، وهو موقف متقدم، بالمقارنة مع باقي تجارب الإسلام السياسي، بالنسبة لقضية محورية هي قضية الدعوة الدينية التي تعتبر مصدر قوة كبيرلأحزاب وحركات الإسلام السياسي[4].

إن الأطروحة التي يقدمها آصف بيات حول ما بعد الاسلاموية، قائمة على اعتراف إيجابي، بأن هنالك تطور فعلي حاصل لدى بعض حركات الإسلام السياسي، وهو تطور أو تغير بنيوي، على مستوى الخطاب والممارسة. فما بعد الإسلاموية عند آصف بيات ليست مجرد حالة بل هي مشروع. قائم على دمج التدين بالحقوق والإيمان بالحرية والإسلام بالتحرر، ولذلك يمكن القول إن ما بعد الاسلاموية تشكل “حداثة إسلامية” وعند بعض الاسلامويين هي تمثل “حداثة بديلة[5]“. في رؤيته لما بعد الاسلاموية يقول آصف بيات <<لقد نظرت إلى ما بعد الاسلاموية ليس فقط كحالة، ولكن أيضا كمشروع، أي كمحاولة واعية لتأطير مفاهيم ووضع استراتيجية لبناء منطق ونماذج متجاوزة للإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية والفكرية، ومع ذلك، وبهذا المعنى، فهي ليست علمانية أو معادية للإسلام أو غير إسلامية، فهي بالأحرى تمثل سعيا نحو دمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر، إنها محاولة لقلب المبادئ المؤسسة للإسلاموية رأسا على عقب، من خلال التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، ووضع التعددية محل سلطوية الصوت الواحد، والتاريخية بدلا عن النصوص الجامدة، والمستقبل بدلا عن التاريخ[6]>>. إذن هذا هو التحديد الذي يحدد به آصف بيات ما بعد الاسلاموية كنقيض للإسلاموية القائمة على أيديولوجيا راديكالية محافظة، تتمسك بفكرة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة وموقفها المتعصب من الحقوق المدنية والفردية، وحتى من الديمقراطية، وهو نفس التحديد الذي طرحه أيضا فرهنك رجائي، لكن انطلاقا من الحالة الإيرانية[7]، حيث تمثل الإسلاموية اتجاه الموجة الأولى من الثورة التي قادها الخميني وتياره الراديكالي، في حين مثلت ما بعد الإسلامويةاتجهات الجيل الرابع الإصلاحي الذي تزعمه محمد خاتمي الذي حاول استعادة العصرنة والإسلام على حد السواء[8]لكن آصفبيات لا يعتبر أن تيارات ما بعد الإسلاموية تيارات متجانسة كلها، بل تتضمن تفاوتات واختلافات، ونفس الشيء أيضا بالنسبة للتيارات الإسلاموية، والتي يعتبر بيات أن الإخوان في مصر نموذج لها، ويدرجها ضمن ما يسميه “الإسلاموية الانتخابية”.

هكذا إذن نكون قد حددنا ملامح ومحدّدات الإسلاموية وما بعد الإسلاموية، فكيف تنطبق محددات ما بعد الإسلاموية على حركة النهضة؟ ما هي التغيرات التي عرفتها هذه الحركة على مستوى الخطاب والتصورات والأفكار والممارسة السياسية؟ وكيف يمكن أن نقيس “نسبة” تطور ما بعد الإسلاموية في هذه الحركة مقارنة مع نظيراتها من ما بعد الإسلاموياتالمختلفة؟. وما الذي يمكن أن نُفسر به اتجاه حركة النهضة ما بعد الاسلاموي، الذي جعل البعض يعتبرها حركة إسلام ليبرالي؟.

سنحاول أن نتطرق لهذه القضايا من خلال وثائق الحركة الرئيسية والمتمثلة أساسا في الوثيقة التأسيسية الأولى لحركة الاتجاه الإسلامي[9] المنشورة بتاريخ 6 يونيو 1981، ومن خلال وثيقة المؤتمر العاشر للحركة، التي شكلت منعرجا فاصلا في مسارها، الصادرة بتاريخ 25 مايو 2016، وأيضا من خلال بعض مواقف الحركة من قضايا الحقوق الفردية، ونمط حياة المجتمع التونسي، الذي قطع أشواطا في العلمنة المجتمعية، وأخيرا من خلال أبرز كتاب ألّفه زعيم الحركة راشد الغنوشي “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” الذي صدرت طبعته الأولى 1993 وطبعته الثانية 2011. خاصة وأن عنوان الكتاب يشي بفرضية إمكانية قيام “دولة إسلامية” وإن كان ذلك في إطار من الحرية والحقوق المدنية والديمقراطية “الإسلامية” وفق تنظير الكاتب.

شهدت ستينات القرن الماضي نشأة النواة الأولى لحركة الاتجاه الإسلامي التي ستعرف لاحقا بالنهضة، وحينها أطلقت الجماعة على نفسها تسمية الجماعة الإسلامية، وانبثقت الجماعة كردة فعل على التحديث المجتمعي الذي قام به الزعيم التونسي لحبيب بورقيبة، والذي أدّى إلى تهميش دور الدين والمساجد والدعوة، في مقابل انتشار ظواهر التحرر، وتبني نمط الحياة الغربي، الشيء الذي اعتبره الإسلاميون شكلا من الانحراف الخطير الذي يهدد هوية المجتمع اللغوية والدينية. في هذا السياق نشأت الجماعة الإسلامية، بمنهج عملي دعوي سلفي بالمعنى العام حسب ما يذهب إليه أحميدة النيفر أحد مؤسسيها[10]وهكذا كانت نشأة الحركة بداعي إعادة الاعتبار إلى الإسلام، وأسلمة المجتمع الذي تخلّى بفعل التحديث البورقيبي عن الدين، لكن هذه النشأة وهذا التوجه لم يكن يحمل أي مضامين سياسية تجاه النظام القائم، وإنما اكتفت الحركة بالنشاط الدعوي في المساجد، وتوزيع بعض المنشورات التي تحث على “الأخلاق الإسلامية والتدين”. وربما ينطبق تحليل فرانسوا أبورجا على الحركة في هذه اللحظة التاريخية كشكل من المقاومة أمام النمط التغريبي الذي كان سائدا حينها[11] خاصة في البلدان المغاربية التي عرفت تحديثا “قسريا” من أعلى اتسم بطابع من العنف.

وستكون بداية المنعرج الذي ستعرفه الحركة، في منتصف السبعينيات، عندما تحولت إلى حركة الاتجاه الإسلامي، وأصبحت حركة إخوانية بشكل ما، وإن كان بعض رموزها حينها سيُعرّفون أنفسهم باعتبارهم “يسارا إسلاميا”. لكن هذه الْأَخْوَنَة التي كانت الطابع العام للحركة، لم تجعلها راديكالية أو متطرفة أو عنيفة، وإن كانت، كما يذكر مؤسسوها، متأثرة بأفكار البنّا وأبو يعلى المودودي والدعوة السلفية، لكنها من ناحية كانت منفتحة على التراث الإصلاحي التونسي وغير التونسي، حيث تشرّبت الحركة من تراث الطاهر بن عاشور التونسي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم، ولذلك من الصعب أن نقول بأن الحركة ينطبق عليها مفهوم “الإسلاموية السياسية” كما حدده كل من آصف بيات وفرهنك رجائي، منذ نشأتها، وإن كانت في مرحلة الجماعة الإسلامية وبعض من مرحلة تجربتها باسم الاتجاه الإسلامي، كانت إلى حد ما إسلاموية تتبنى خطاب أسلمة المجتمع ورفض التغريب، لكنها لم تكن “إسلاموية سياسية” بالمعنى الذي يطرحه آصف بيات. عقب الانقلاب الأبيض الذي قام به بن علي على بورقيبة 1987 وانفتاح بن علي أول عهده على حركة الاتجاه الإسلامي، شريطة تخليها عن هذا الإسم[12]، وقبولها بالاندماج في المجتمع التونسي، ستعرف الحركة منعرجا ثانيا، سيكون له تأثير بالغ عليها، وخاصة في المرحلة التي تراجع فيها بن علي عن سياسة الانفتاح وبدأ فيها التنكيل بقوى المعارضة التقليدية، بدءًبحركة النهضة، التي اعتقل رموزها وقامبتصفية العديد من أعضائها، وأودع في السجن عددا كبير منهم، مورست ضدهم “أبشع أنواع التعذيب”. ومع ذلك لم تتجه الحركة لخطاب العنف ولا ممارسته، مما يؤكد فرضيتنا أنها لم تكن حركة إسلام سياسي إسلاموي منذ النشأة. لكنها أيضا لحد هذه اللحظة لا يمكن الجزم بأنها ما بعد إسلاموية. فأين بدأ التغيير نحوخطاب ما بعد الاسلاموية انطلاقا من أهم وثيقتين للحركة “وثيقة تأسيس الاتجاه الإسلامي ووثيقة المؤتمر العاشر للحركة”؟

في وثيقة حركة الاتجاه الإسلامي 1981 لم تعتبر حركة النهضة نفسها ممثلة للإسلام، بقدر ما اعتبرت نفسها تعبيرا عن محاولة اجتهادية، تأخذ من عدة مشارب وتيارات، وهذا بحد ذاته ملمح إيجابي في تلك الفترة، لكنها مع ذلك جعلت من صلب أهدافها ومهامها “بعث الشخصية الإسلامية لتونس حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة الإسلامية بإفريقيا، ووضع حدّ لحالة التبعية والاغتراب والضّلال[13]” بالإضافة إلى المساهمة فيما أسمته الحركة حينها << بعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام على المستوى المحلي والمغاربي والعربي والعالمي، حتى يتم إنقاذ شعوبنا والبشرية جمعاء مما تردّت فيه من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلّط دولي[14]>>وفوق ذلك اعتبار أن “تطبيق الشريعة، هو من مقتضيات وظيفة الخلافة” التي كان يسعى إليها الإٍسلاميون أمام وطأة “الدولة الوطنية الحديثة”. ويمكن أن نقول هنا بأننا بالفعل أمام خطاب “شمولية إسلامية” على غرار الخطاب الشمولي لحركات الإسلام السياسي مثل الإخوان وحزب التحرير وغيرهم، وهو ما يُقرّه شيخ الحركة وزعيمها راشد الغنوشي عندما قال في إحدى مراجعات الحركة <<لقد أنشأنا حركة “شمولية”، شمولية الإسلام، ولكن تغير الزمن، “وإن جوانب كثيرة من حركتنا تتطلب الإصلاح والتعديل،حتى نكون أكثر التصاقا بالواقع[15]>> وإن كان هذا الكلام أتى متأخرا إلا أن مؤتمر الحركة في سنة 1986 أعاد تصويب رؤية الحركة الأصولية والشمولية، وجعلها “تَتَوْنَسْ” وتقلل من منسوب الأخونة في توجهاتها وخطابها. وسيتجذر ذلك الخطاب بشكل أكبر أثناء المهجر في ابريطانيا، حيث أخرج الغنوشي كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” الذي نظّر فيه للحرية كماهية للإنسان وأول مطلب ينبغي تحقيقه له. مركزا على خطاب الحقوق ونقد الاستبداد أو ما يسميه هو “الجور السياسي” وهذا في حد ذاته دليل على تشكل ملامح ما بعد الإسلاموية في الحركة، وإن كانت بطابع غير سافر، لأن الغنوشي يظل يتحدث عن الدولة الإسلامية والدستور الإسلامي الديمقراطي ووضع الحريات والأقليات والأحزاب داخل هذه الدولة الإسلامية، وإن بخطاب “مثالي” يحاول أن يعمل على تطبيع خطاب الحقوق المدنية والسياسية والفردية مع هذه الدولة الإسلامية، التي اعتبرها وائل حلاّق بمثاليتها الأخلاقية “دولة مستحيلة[16]” وذلك لأنها تهدف إلى تبني منطق الدولة الوطنية الحديثة، وإلباسها لبوس “التقوى والأخلاق الدينية”، لكن خطاب الغنوشي في هذا الكتاب شكل بداية ما بعد إسلاموية الحركة وفق التحديدات التي وضعهاآصف بيات، “. وقد وصف عزمي بشارة خطاب الغنوشي في هذا الكتاب وغيره من الكتب بالخطاب “ما بعد الإخواني[17]” الذي يهدف إلى تأسيس توجه إصلاحي جديد في الحركة.  لكن تجذير هذا التوجه سيكون بعد الثورة، التي ألقت بالنهضة إلى الحكم 2011. حيث قامت الممارسة السياسية للحركة على مبدأ التوافقات وعدم الاحتكار والانفتاح على الفرقاء السياسيين من أقصى أيديولوجيات اليسار والعلمانيين المختلفين عنها، كما لم تسعى الحركة إلى التصادم مع “نمط حياة المجتمع التونسي الحديثة” بحيث لم تتعرض لمدونة الأحوال الشخصية مثلا، التي أعطت للمرأة حقوقا كبيرة وواسعة، كما لم تتدخل في برامج التعليم لتغييرها، على الرغم من أن خطابها في الثمانينيات والتسعينيات، كان موجها بالأساس لنقد هذين القطاعين “قطاع مدونة الأحوال الشخصية والتعليم” باعتبار أنهما يعملان “على تغريب المجتمع وسلخه من هويته الحضارية العربية الإسلامية”. كما يُعتبر تنازل الحركة عن الحكم، ودخولها بعد ذلك كشريك في الحكم لنداء تونس المحسوب على التجمعيين والدساترة من النظام القديم، شكّل نمطا جديدا في الممارسة السياسية قائم على ابراغماتية سياسية، أبعد ما تكون عن مبدئيات وقطعيات الإسلام السياسي التقليدي. هذا على صعيد الممارسة، لكن في رأيي أن التغير الأكبر هو ذلك الذي حصل على صعيد الخطاب في مؤتمر الحركة العاشر 2016، الذي حدد ملامح جديدة للحركة، لعل أهمها: ما أسمته الحركة بمنهج التخصص “أي التخصص السياسي للحركة” الذي اعتبره الكثير مؤشرا على علمنة الحركة، لأنها فصلت فيه الدعوي عن السياسي أو ميزتهما عن بعضهما، وفرضت على أعضائها الاختيار بين العمل السياسي أو العمل الدعوي والثقافي، مع القطع بعدم إمكانية جمعهما. والملمح الثاني تمثّل في تعريف الحركة لنفسها باعتبارها حزبا وطنيا تونسيا وليست حزبا إسلاميا، حيث جاء في نص الوثيقة أن “النهضة حزب ديمقراطي بمرجعية إسلامية”. وأن المرجعية الإسلامية قوة توجيهية نحو أحسن العمل. وأن “الحقيقة في هذه المرجعية انكشاف دائم[18]” وهو ما يعني تكريسا للتاريخية والنسبية في فهم النصوص الدينية والتعامل مع التراث، وهو ملمح نقدي خاص بتيارات ما بعد الاسلاموية حسب آصف بيات. ويمكن القول بأن النهضة منذ هذه اللحظة “تَتَوْنَسَتْ”، وهذا يحيلينا إلى تأثير السياق التونسي بمعطياته الاجتماعية والفكرية والسياسية على حركة النهضة، فمن غير الممكن للنهضة أن تتموضع سياسيا بشكل مشتبك وتوافقي مع كيانات المجتمع المدني والأحزاب السياسية التونسية وبالمجتمع التونسي بفئاته المختلفة، دون أن تتنازل وتتخلى عن بعض تصوراتها. ولذلك فقد لعب السياق دوره في هذا الطابع المابعدإسلاموي لحركة النهضة. وبالنقيض مثلا يعتبر حزب التحرير التونسي نموذجا للإسلاموية المتجذرة في مقولاتها وتصوراتها، وما ذلك في نظري إلا نتيجة لعدم الاحتكاك بالسياق وبالمجتمع التونسي، حيث ظل الحزب على الهامش في العاصمة تونس وبالتالي لم يُطوّر خطابه، وبقيت مكتسباته السياسية كذلك هامشية، حيث لم يحظى بأي تمثيل في البرلمان، ويقتصر نشاطه على ندوات وبيانات تهاجم ما تسميه الدولة العلمانية في تونس وتيار التغريب، ويبشر في المقابل بالخلافة الإسلامية التي ستحل كل المشاكل بين عشية وضحاها! بينما نجحت حركة النهضة، لتنوع روافدها الفكرية، وانخراطها في اللعبة السياسية بشكل فاعل، واحتكاكها بالنسيج المدني والحزبي التونسي، في تغيير خطابها وتصوراتها. وأصبحت بذلك تيارا سياسيا ما بعد إسلاموي. وإن كان البعض ينظر بعين الريبة لهذا التحول ويعتبره تكتيكا سياسيا أكثر منه تعبيرا عن قناعة جوهرية. كما أن مفهوم ما بعد الإسلاموية نفسه وسياقه التحليلي تَحُفّه العديد من الإشكاليات في استعمالاته وتطبيقه، باعتباره مفهوما معياريا وإيجابيا يحاول أن يبني أو يصوغ تصورا لما ينبغي أن تكون عليه تيارات الإسلام السياسي، وفوق ذلك يتعسّف بعض الأحيان على هذه الحركات، بجعلها في هذا المستوى في حين أن تدقيقا في خطابها وممارساتها قد لا يقودنا بشكل فعلي إلى اكتشاف تغيير جوهري فيها. لكن المفهوم والمقاربة ما بعد الإسلاموية، تظل في نظرنا مقاربة تحليلية من شأنها أن تفسر التغيرات التي تحدث في “تيار الإسلام السياسي” الذي أصبح في الحقيقة تيارا متنوعا بشدة وأبعد ما يكون عن التجانس.

هكذا إذن رأينا كيف أن التحولات التي عرفها خطاب وممارسة حركة النهضة التونسية منذ ستينيات القرن الماضي وحتى الآن يمكن أن يُطلق عليه ما بعد إسلاموية سياسية وفكرية، لأن الحركة شهدت مسارا تحوليا واضحا، من جماعوية إسلامية في الستينيات تكرس نفسها للشأن الدعوي، في محاولة للتصدي لما أسمته موجة التغريب،إلى  منعرج السبعينيات عبر تبني خطاب سياسويإسلاموي شيئا ما “تحت مسمى حركة الاتجاه الإسلامي”  أدخلها في مواجهة مع النظام القائم “نظام بورقيبة” الذي تعامل معها بقبضة حديدية، سجن على إثره قادتها وحاول القضاء عليهم، لكن انقلاب بن علي على بورقيبة وتبنيه لخطاب سياسي منفتح في بداية عهده، أنقذ الحركة وأعادها من جديد إلى واجهة العمل السياسي لكن وفق صفقة كان من مقتضياتها تخليها عن خطابها الراديكالي الذي يتعلق بنمط حياة المجتمع، وتركها لتسمية “حركة العمل الإسلامي” وهذا كان أول منعرج لتوجه الحركة لما بعد الإسلاموية، لكن تراجع بن علي عن سياسة الانفتاح، وضربه بيد من حديد للحركة، لم يسمح لها بأن تتموضع سياسيا بشكل واسع في المجتمع، وتعمل على تطوير أطروحاتها، لكنها وعلى الرغم من ذلك لم تتبنى العنف، وإنما اكتفت بخطاب سياسي معارض للنظام القائم الذي اعتبرته من أبشع أنواع الاستبدادية. وتميزت هذه الفترة ببروز تنظيرات الحركة من المهجر في ابريطانيا مع شيخها الغنوشي، والتي أسفرت عن طابعها “ال”ما بعد إسلاموي، وإن كان ذلك التفكير كان يتم من داخل فرضية أو مقولة “الدولة الإسلامية” التي هي في حقيقتها دولة مدنية يحاول الشيخ الغنوشي جاهدا إلباسها لبوسا إسلاميا! لكن المنعرج الفعلي على صعيد الممارسة والخطاب كان بعد الثورة التونسية 2011، التي أعادت النهضة إلى تونس، وأوصلتها للحكم، في ظل مخاوف من أن تنقلب النهضة على مكتسبات المرأة والمجتمع المدني والحقوق، لكن الحركة تبنّت المنظومة القائمة وحاولت التعايش معها، عبر تطوير الخطاب الخاص بالحركة وتصوراتها، وهو ما تم بشكل كبير في مؤتمرها التاسع 2015 والعاشر 2016 الذي تم فيها إقرار الفصل بين الدعوي والسياسي في الحركة، وعرّفت فيه الحركة نفسها كحزب ديمقراطي وطني، وتبنّت مفهوما تاريخيا وتأويليا جديدا لأصول التشريع الإسلامي والتاريخ الإسلامي ككل.وكان ذلك أبرز ملمح لما بعد إسلامويتها، لأنها قطعت فيه مع خطاب الشمولية اللاّتاريخي، المميز للحركات الإسلاموية. وعلى صعيد الممارسة انفتحت النهضة على المجتمع المدني التونسي وعلى الأحزاب التونسية العلمانية، وهي تتواجد الآن جنبا إلى جنب في الحكومة مع حزب النداء المحسوب على النظامين القديمين. وقبل ذلك شكلت حكومة الترويكا مع حزبين علمانيين يساريين هما حزب المؤتمر برئاسة منصف المرزوقي، وحزب التكتل برئاسة مصطفى بن جعفر. وبالتالي يُمكن القول إن الحركة نموذج لما بعد إسلاموية على الشكل الذي حددها به آصف بيات وغيره. وإن كان خصوم الحركة السياسيين خاصة في أقصى اليسار لا يعتبرون أن الحركة تخلت بعد عن إسلامويتها، وأن ما تفعله هو نوع من المماطلة والخداع، لكننا كباحثين ليس من مهمتنا غير التعامل مع الوقائع والوثائق والخطاب المعلن، وهو خطاب يعكس في الحقيقة تطورا مستمرا داخل الحركة منذ نشأتها وحتى الآن.

قائمة المراجع:

أولا: مراجع عربية

أبورجا، فرانسوا. الإسلام السياسي صوت الجنوب، ترجمة لورين زكرى، القاهرة، دار العالم الثالث، 2001.

أركون، محمد. تحرير الوعي الإسلامي: نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، 2011.

بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.

بيات، آصف. “ما بعد الاسلاموية على نطاق واسع”، الفصل الأول، ترجمة محمد العربي، الكويت، دار جداول،2016.
الجورشي، صلاح الدين وآخرون، من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين: الإسلام السياسي في تونس، دبي، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2011.

حلاق، وائل، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.

رجائي، فرهنك. الإسلاموية والحداثة: الخطاب المتغير في إيران، الإمارات، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2010.

الغنوشي، راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993.

غليون، برهان ومحمد سليم العوا، النظام السياسي في الإسلام، دمشق، دار الفكر، 2004
ثانيا: وثائق

حركة العمل الإسلامي، وثيقة التأسيس في تونس 1981.

حركة النهضة، البيان الختامي للمؤتمر العاشر، تونس 25 مايو 2016.

file:///C:/Users/mha003/Downloads/bayen-Khitami%20(1).pdf

ثالثا: مراجع أجنبية

Roy,Olivier.L’échec de l’islampolitique, Paris, edition du Seuil, Octobre 1992.

Shehata, Samer.” Political D`awa: understanding the Muslim brotherhood`s” Participation in semi Authoritarian Elections” inIslamist Politics in the Middle East: Movements and change, London and New York, Routledge, 2012.

[1]آصف بيات، “ما بعد الاسلاموية على نطاق واسع”، الفصل الأول من كتاب: مابعدالإسلاموية: الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي، ترجمة محمد العربي، الكويت، دار جداول،2016.

[2]Olivier Roy, L’échec de l’islampolitique, (Paris, edition du Seuil, Octobre 1992).

[3]آصف بيات يعتبر أن موقف النهضة من جانب من الحريات الفردية، يجعل الحكم عليها بأنها نموذج لما بعد إسلاموية ليبرالية متسرعا
انظر: آصف بيات، مرجع سبق ذكره، ص 16.

[4]Samer s. Shehata, .” Political D`awa: understanding the Muslim brotherhood`s” Participation in semi Authoritarian Elections” in Islamist Politics in the Middle East: Movements and change, (London and New York, Routledge, 2012) PP 120 – 132.

[5]انظر: محمد أركون، تحرير الوعي الإسلامي: نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة، ترجمة هشام صالح، (بيروت: دار الطليعة، 2011).

برهان غليون ومحمد سليم العوا، النظام السياسي في الإسلام، (بيروت: دار الفكر، 2004) ص 13.

راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993).

[6]آصف بيات، سبق ذكره، ص 4.

[7]فرهنك رجائي، الإسلاموية والحداثة: الخطاب المتغير في إيران، دراسات مترجمة (الإمارات، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2010).

[8]نفس المرجع، ص 10.

[9]كانت هذه هي التسمية الثانية التي أطلقتها حركة النهضة على نفسها، بعد تسمية الحركة في منتصف الستينيات بالجماعة الإسلامية، وقد تخلت الحركة عن تسمية الاتجاه الإسلامي في إطار الشروط التي طرحها النظام للسماح لها بممارسة العمل السياسي، قبل أن تسوء علاقته بها لاحقا في 1989.

[10]أحميدة النيفر، شهادة عن سنوات التأسيس، ضمن كتاب “من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين: الإسلام السياسي في تونس” (الإمارات، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2011) ص 91.

[11]فرانسوا أبورجا، الإسلام السياسي صوت الجنوب، ترجمة لورين زكرى، (القاهرة، دار العالم الثالث، 2001).

[12]انظر: راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993) ص 18.

[13]وثيقة الاتجاه الإسلامي في تونس 1981 ضمن ملاحق كتاب: راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص 337.

[14]نفس المرجع، ص 337.

[15]

[16]وائل حلاّق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015).

[17]عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012) ص 174.

[18]وثيقة المؤتمر العاشر لحركة النهضة، تونس 25 مايو 2016.
file:///C:/Users/mha003/Downloads/bayen-Khitami%20(1).pdf

  • تحريرا في 17- 9- 2017
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق