الرئيسية / قسم الدراسات المتخصصة / ظاهرة الصراعات الإثنية : الصراع الكردي في العراق نموذجًا
ظاهرة الصراعات الإثنية : الصراع الكردي في العراق نموذجًا
كردستان

ظاهرة الصراعات الإثنية : الصراع الكردي في العراق نموذجًا

اعداد: ريناس بنافي – باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي – لندن

  • المركز الديمقراطي العربي

 

إن المتتبع لمجريات الواقع العالمي الراهن يدرك ما للحركات الإثنية من أثار كبيرة على استقرار المجتمعات التي تتواجد فيها، وابرز مثال على ذالك ما حصل ( للاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا)، كما إن دولا أخرى بات الانقسام خطرا يداهمها نتيجة لوجود حركات اثنيه تدعو إلى الانفصال، ومن هذه الدول (سريلانكا والسودان واندونيسيا وإيران وتركيا والعراق) .
ظاهرة الصراع، ظاهرة معقدة ومتشابكة، يمثل وجودها احد معالم الواقع الإنساني، حيث تعود الخبرة البشرية بالصراع إلى النشأة الأولى للإنسان، وعرفتها علاقاته في مستوياتها المختلفة فردية كانت أم جماعية، وفي أبعادها المختلفة نفسية كانت أم ثقافية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

أصبحت الدراسات الإثنية والصراع ألاثني في السنوات الأخيرة محور نقاش رئيسي في ميدان علم الاجتماع وعلم السياسة .
وتتسم ظاهرة الصراعات الإثنية بالتعقيد، سواء فيما يتصل بخلفياتها و أسبابها، أو فيما يتصل بنتائجها وتداعياتها، ويمكن تصنيف هذه المتغيرات في مجموعتين رئيسيتين.

  • أولها البيئة الداخلية مثل طبيعة التعدد في المجتمع والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
  • ثانيها يتعلق بالبيئة الخارجية وما يرتبط بها من دور للقوى الدولية والإقليمية في الصراع.

مع انتهاء الحرب العالمية الأولى والثانية دخل النظام السياسي الدولي مرحلة جديدة، وهي قيام دول بحدود جديدة رسمتها الدول المنتصرة والتي تخدم مصالحها، وان حدود الكثير من هذه الدول لا تتطابق مع حدود الجماعات الإثنية.

وقد أدت الاتفاقيات بين الدول المنتصرة على تقسيم الدولة العثمانية ضد مصالح شعوب هذه المنطقة ذات القوميات المتعددة، وبالأخص ضد مصالح الشعب الكوردي، حيث وعدتهم في البداية ثم خذلتهم في النهاية، وقد جاءت اتفاقية سايكس بيكو لتؤكد تجزئة كوردستان . ويرجع سبب اندلاع الصراعات الإثنية إلى مزيج معقد من الدوافع يتمثل أبرزها في ضعف الاندماج بين الشعوب داخل الدولة، وذالك بفعل التخطيط العشوائي لحدود تلك الدول، مما أدى إلى عدم تطابق الحدود السياسية مع التجمعات السكانية، وهو الوضع الذي فشلت معظم الحكومات المتعاقبة على حكم العراق في التعامل معه بحكمة، وفاعلية وبناء نظام سياسي يحوي الجميع، بل أدت سياساتها التي تستند على جماعة معينة وتتجاهل وتستبعد الآخرين إلى حروب وصراعات وانعدام الثقة ومظالم.

ولهذا تفاقمت المشكلة واضطرت الجماعات التي تشعر بأنها محرومة اللجوء إلى السلاح لتحسين وضعها في عمليتي التوزيع للثروة والمشاركة السياسية في الدولة .

إن تجاهل النظام السياسي داخل أي دولة لمطالب الإثنيات، أو عدم الاعتراف بها، أو عدم استيعابها لتلك المطالب سيؤدي إلى لجوء الإثنيات إلى وسائل أخرى للوصول إلى تلك المطالب .

واهتمامنا بظاهرة الصراع يجب أن يقودنا إلى إيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية والسياسية من تهميش وتمزيق وفوارق معيشية تهدد امن المجتمع واستقراره، وان حل المشكلة لا يكمن في دراسة ظاهرة الصراع دراسة سطحية من دون الوقوف على الأسباب والمسببات وإيجاد حلول عملية لها قابلة للتطبيق.

والسؤال الذي نبحث عن جواب له هو :

  • هل من سبيل إلى استقرار سياسي ووحدة وطنية في مجتمع أسس بنيانه على التجميع الإجباري لشعوب غير متجانسة قوميًّا؟
  • هل التعدد ألاثني داخل الدولة مصدر ثراء أم مصدر شقاء؟
  • ما هي الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الصراع ألاثني داخل الدولة ؟
  • ما هي الإجرآت السياسية والإدارية والتي من خلالها يمكن لنا تجنب الصراع ؟
  • كيف يمكن لنا بناء دولة مستقرة يشعر الناس فيها بالوحدة والانسجام ؟

وتشير ملاحظة الواقع السياسي اليوم إلى أن الحركات العرقية و الإثنية قد أضحت تمثل واحدة من ابرز ظواهر الحياة السياسية وان لهذه الحركات شأن على استقرار المجتمعات التي تتواجد فيها فالصراعات إلى أين ستقودنا وماذا ينجم عنها في المستقبل.

أن المشكلة الأساسية لمثل هذه الدراسات تدور حول التساؤلات التالية:

ما هو الصراع وما هي أسبابه وكيف يمكن لنا تجنبه وما هي طبيعة الصراع الكوردي داخل العراق وكيف نشأ وما هو النظام السياسي الأمثل لعراق مستقر بعيدا عن الصراعات ؟

فالتعددية الإثنية والعرقية والمذهبية والطائفية في أي دولة هي ظاهرة طبيعية تتطلب إيجاد نظام سياسي ملائم يحقق العدل والمساواة، ويحد من الصراعات، والدولة بهذه الصيغة تحقق مطالب الجميع وتؤمن لهم حقوقهم عن طريق الدستور والمشاركة السياسية لكل أطياف المجتمع دينية كانت أم سياسية أو قومية، وما نراه في كثير من دول العالم المتعددة الأعراق والطوائف والمذاهب والإثنيات من تطبيق للنظام الفيدرالي والديمقراطية التوافقية هو أنسب الأنظمة لمجتمع متعدد كالعراق لتحقيق الاستقرار السياسي وتجنب الحروب الداخلية.

والهدف من هذه الدراسات هو:
1- التعريف بمصطلح الإثنية والعرقية والقومية ومصطلح الصراع ودراسة أهم النظريات التي تدور حول الصراع
2- بيان إن التعاطي بالقوة مع الظاهرة الإثنية لا تأتي بنتائج وعواقب سليمة الأمر الذي أدى إلى صراع دموي طال أمده
3- أثبات إن الدولة الوطنية لا تتحقق بالعنف والإكراه كما حدث في العراق وخاصة في ظل نظام حزب البعث
4- دراسة آليات حل وتسوية الصراع بالطرق القانونية
5- بيان إن الحل الوحيد لبقاء العراق موحدا هو عدم تهميش دور الجماعات والقوميات والطوائف الدينية كي يتسنى لنا بناء دولة وطنية لكل العراقيين .

عرفت العديد من مناطق العالم ظاهرة التنوع والاختلاف في صور متعددة إثنية، دينية، ثقافية، اقتصادية، منذ القدم. إلا أنها اتخذت أبعاداً جديدة في ظل التطورات الداخلية والإقليمية والدولية التي طرأت في الآونة الأخيرة؛ وتحديداً منذ مطلع التسعينيات. واكتسبت التعددية الإِثنية أهمية خاصة على الصعيدين العملي والأكاديمي في ظل ما طرحته الصراعات الإثنية من تحديات شهدتها مجتمعات مختلفة على امتداد دول العالم.

وتلعب التعددية الإثنية دوراً متعدد الجوانب في الحياة السياسية في الدول المختلفة، وتكشف خبرة الواقع الدولي وما شهده من صراعات إثنية عن أن ثمة إخفاقاً في إدارة النظم السياسية للتعددية الإثنية؛ الأمر الذي يبرر البحث عن أمثل السبل لتلافى تلك الآثار السلبية الناجمة عن سوء إدارة التعددية الإثنية وما تفرزه من تحديات ومشكلات.

وبحلول القرن الحادي والعشرين أخذت العلائق الإثنية تحتل الموقع المركزي الذي كانت تشغله القومية في مطلع القرن العشرين.

يعد مصطلح الإثنية من المصطلحات التي يكثر الحديث عنها مؤخرا من قبل الباحثين والمهتمين بالقضايا الدولية مثلما كان مصطلح القومية محط اهتمام الباحثين في بدايات القرن العشرين،يعود سبب اهتمام العلماء والباحثين بالظاهرة الإثنية والصراعات الإثنية لمالها من دور مهم في استقرار السياسة الدولية، وهناك تباين واختلاف في تحديد مفهوم الإثنية نظرا لتداخلها مع مفاهيم ومصطلحات كالقومية والعرقية والأقلية.

إن مفهوم الإثنية من أكثر المفاهيم جدلا في العالم إذا مثلت الإثنية مصدرًا من مصادر عدم الإستقرار السياسي.

ومنذ شيوعه وحتى الوقت الحاضر لا يزال من أكثر المفاهيم إثارة للجدل ،وعدم الاتفاق حول مضامينه ودلالاته حيث تردد محتواه بين التعبير عن فرعية أو أقلية ، والإفصاح في الوقت نفسه على جماعة أساسية أو أمة، كما أنه يتسع ليشمل كل أشكال التمايز لتصبح الجماعة الإثنية بمثابة خط متواصل يبدأ بالقبيلة وينتهي بالأمة كما أنه يضيق ليقتصر إما على الجانب الفردي لتلك. الأشكال أو على التمايز العرقي دون سواه .

وشاع استخدام الإثنية في الدراسات العلمية منذ فترة ترجع إلى بداية القرن الماضي وذلك على أثر التغيرات الكبرى في الخارطة الجغرافية السياسية التي نتجت بفعل الحروب التي أدت إلى انهيار وسقوط كثير من الإمبراطوريات والدول الكبرى مثل الدولة العثمانية وإمبراطورية النمسا والمجر والتعديلات الحدودية التي طرأت على حدود الدول الأوروبية بفعل نتائج تلك الحروب مما أدى إلى ظهور دول جديدة.

الجماعة الإثنية ( هي تلك الجماعة التي تتمايز عن غيرها بإحدى السمات الأساسية كالثقافة والعادات والتقاليد ونمط الحياة واللغة والدين ولها ارض مرتبطة بها تاريخيا ولا يشترط أن يكون لها كيان سياسي مستقل على شكل دولة )
تستند العرقية إلى خصائص جسدية أهمها لون البشرة وشكل الأنف ولون الشعر ومع وجود هذه العوامل إلا أن علماء الحياة ( البيولوجيا ) وعلماء الاجتماع لا يقبلون بان العرق مفهوم صحيح  والعرقية تختلف عن الإثنية في أنها قائمة على الأصل السلالي أو العرقي المشترك.

لم تعرف القومية، نظرياً، بمعناها الحديث إلا في نهاية القرن الثامن وتطورت في القرن التاسع عشر لدرجة إقامة دول على أساس الهوية القومية. قبل بروز عصر القوميات وبنيت الحضارة على أساس ديني لا قومي، وسادت لغات مركزية مناطق أوسع من أصحاب اللغة. مثلاً، كانت الشعوب الأوروبية تنضوي تحت الحضارة المسيحية الغربية وكانت اللغة السائدة في الغرب هي اللغة اللاتينية. بينما سادت في الشرق الأدنى والأوسط، الحضارة الإسلامية واللغة العربية. وفي عصر النهضة تبنت أوروبا اللغة اليونانية القديمة والحضارة الرومانية.

بعد ذلك احتلت الحضارة الفرنسية المكان الأول لدى الطبقة المثقفة في أوروبا كلها. ومنذ نهاية القرن الثامن عشر فقط، أصبحت النظرة إلى الحضارة نظرة قومية ، وأصبحت اللغة القومية وحدها هي لغة الحضارة للأمة لا سواها من اللغات الكلاسيكية أو من لغات الشعوب الأكثر حضارة.

يعرفها (جوزيبّه ماتزيني Giuseppe Mazzini) بأنها انتماء جماعة بشرية واحدة لوطن واحد شريطة أن يجمعهم تاريخ مشترك ولغة واحدة في ارض هذا الوطن .

والأمة هو شعور بالهوية المشتركة وتاريخ ولغة وأصول أثنية أو عرقية وحياة اقتصادية مشتركة وموقع جغرافي وقاعدة سياسية ولكن الأمة قد توجد دون هوية سياسية أو توجد دون مكونات لغوية أو ثقافية أو دينية أو أثنية مشتركة مثل الهند (1) .

والشعور بالأمة هو ما يسمى بالقومية التي تجسد الشعور بوعي الانتماء لهذه الأمة هناك ارتباط وثيق بين مفهوم القومية والأمة في أبحاث ودراسات علماء السياسة والاجتماع واستخدموها بمعنى واحد وهناك من يعتقد أن ( الأمة أو القومية ) لها معنيين احدهما اجتماعي والآخر سياسي .

فأما الاجتماعي فيظهر ترابط الفرد بكائن اجتماعي يتحد أفراده في اللغة والتاريخ والثقافة والمصالح المشتركة ويتمثل هذا الكائن الاجتماعي في الأمة . وأما السياسي فهي عقيدة سياسية قوامها الشعور القومي الذي يدفع أبناء الأمة إلى الاعتقاد بأنهم مجموعة بشرية متمايزة عن غيرها من الجماعات لها كيانها الذاتي وتطلعاتها القومية كما أن لها الحق من أن تنتظم في وحدة سياسية مستقلة عن غيرها بما يحقق شخصيتها القومية (2) .

يهتم علم السياسة اهتماما كبيرا بالصراع بل انه ما كان ليوجد لولا الصراع لان السياسة لا تكون لازمة من دونه ولا يقتصر الصراع على التفاعل المادي بل يتصل أيضا بأي شكل من الخلاف بشان الأهداف التي يجب السعي الى تحقيقها وقد كان ينظر الى الصراع على انه حالة شاذة لأنه كان يعتقد إن الحالة الطبيعية للإنسان هي حالة انسجام مع الناس الآخرين وهذا ما كان يعتقده أرسطو واعتقدته الكنيسة الكاثوليكية حتى جاء القرن الثامن عشر حيث أنكره مجموعة من العلماء اتهمو بالإلحاد مثل ماكيافللي (Machiavelli) وهوبز(Thomas Hobbes) أما في المنظور الحديث فان الصراع في العلاقات الاجتماعية والشخصية يعتبر أمرا طبيعيا ويتمثل دور الدبلوماسية على جميع الأصعدة في حصر ما ينجم عنه من ضرر ويرى ماركس إن التاريخ برمته عبارة عن صراع بين الطبقات وقبل انتهاء ذلك الصراع لابد من وقوع ثورات وحروب ويسود الاتفاق اليوم بين علماء الاجتماع على أن المجتمع يتألف من فئات تتنافس على الثورة والمركز والسلطة واقترح علماء السياسة لحل هذه الإشكالية رأيين .

  • (الأول) السلطويين يحبذون وجود زعيم قوي ينفرد بالسلطة ويضرب الناس على رؤوسهم
  • (الثاني) الديمقراطيون فإنهم يدعون الى المناقشة والتصالح والحلول الوسط

ويحدث الصراع الاجتماعي نتيجة لغياب الانسجام والتوازن والنظام والإجماع في محيط اجتماعي معين . ويحدث أيضا نتيجة لوجود حالات من عدم الرضى حول الموارد المادية مثل السلطة والدخل والملكية او كليهما معا .

تعرف دائرة المعارف الأمريكية الصراع بأنه حالة من عدم الارتياح أو الضغط النفسي الناتج عن التعارض أو عدم التوافق بين رغبتين أو حاجتين أو أكثر من رغبات الفرد أو حاجاته . أما دائرة معارف العلوم الاجتماعية فتعرف الصراع موقف تنافسي خاص، يكون طرفاه أو أطرافه، على دراية بعدم التوافق في المواقف المستقبلية المحتملة، والتي يكون كل منهما ، مضطراً فيها إلى تبنى أو اتخاذ موقف لا يتوافق مع المصالح المحتملة للطرف الثاني أو الأطراف الأخرى. ويذهب قاموس لونجمان إلى تعريف مفهوم الصراع بأنه حالة من الاختلاف أو عدم الاتفاق بين جماعات، أو مبادئ، أو أفكار متعارضة، أو متناقضة. أما قاموس الكتاب العالمي، فإنه يعرف الصراع بأنه (معركة أو قتال Fight، أو بأنه نضال أو كفاح Struggle، خاصة إذا كان الصراع طويلاً أو ممتداً)

المطالب الإثنية:
تطرح الجماعات الإثنية مطالب خاصة بأبنائها تتعلق بالنظام السياسي الذي تعيش في ظله والمجتمع الذي تنتمي إليه، ومن هذه المطالب تأكيد هويتها واحترامها بتمثيلها في النظام السياسي أو منحها وضعا خاصا في البلاد. وكلما تباينت قيم الجماعة الإثنية وهويتها وتمثيلها في المجتمع تزداد نزعتها إلى التمرد والانفصال. وعادة ما تكون اللغة والدين والعادات والتقاليد أكثر الموضوعات حضورا في المطالب الإثنية وقد تمتد إلى النشيد الوطني للدولة وأسماء المدن والرموز المختلفة في الدولة .

تشكلت الهويات الوطنية للدول الحديثة على أساس انتقاء عناصر معينة و تغييب العناصر التي لا تستجيب للحاجات السياسية للدولة في مرحلة تشكلها، ولمصلحة الطبقة المهيمنة في تلك المرحلة. وان تغييب الكوردية من المؤسسات بعد الإستقلال و انتقاء عناصر العروبة والبعد القومي كهوية للدولة، والترويج لشعارات مثل (امة عربية واحدة )، و شعار (نفط العرب للعرب) ، واختيار العلم الذي يحمل ثلاث نجمات دلالة على وحدة العراق وسوريا ومصر والنشيد الوطني القومي العروبي والمقولة الأتاتوركية ( سعيد هو ذاك الذي يصف نفسه بالتركي ) , و(كم أنا سعيد لكوني تركيا ) واعتبار اللغة التركية هي سيدة اللغات وأم اللغات لا يجوز التحدث بغيرها في تركيا ويقول رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ان اللغة التركية هي اللغة الرسمية في تركيا، وهي كذلك القاسم المشترك بين جميع طوائف الشعب التركي، وإن أي محاولة لتغيير هذه الحقيقة محاولة مرفوضة برمتها، بل إن طرح هذه المسالة حتى للمناقشة سيلحق الضرر بأخوتنا وهو صاحب شعار (شعب واحد وعلم واحد ولغة واحدة). وغيرها من الشعارات التي تعتبر من صميم هوية الدولة والتي لم يكن للقوميات الاخرى نصيب فيها.

فكلما زاد انسجام قيم وهوية الجماعة الاثنية مع الهوية العامة الوطنية في المجتمع والسلطة الحاكمة زاد الاندماج وعلى العكس كلما زاد تباين قيم وهوية الجماعة في المجتمع قل تمثيلها ويؤدي الى زيادة ميل الجماعة للخروج والتمرد على تلك القيم والهوية ومن ابرز رموز الهوية هي ( اللغة والألقاب والنشيد الوطني وعلم الدولة وشعاراتها وأسماء المدن والملبس والدين والعادات والتقاليد والمناسبات القومية وغيرها ) .

ففي الدول التي تتألف من إثنيات متعددة لا يمكن فرض (هوية قومية او أي صفة جزئية) لان ذلك سوف يثير النعرات العنصرية كما حصل بالعراق بحروب الشمال وسيرلانكا والسودان وتركيا .

وان البعض يتعامل مع الهوية العراقية من منظور قومي. أساسه (الاثنية القومية) وليس أساسها ( الهوية الوطنية العراقية الجامعة). فالحروب الأهلية بالعراق سببها النزعة العنصرية القومية للأنظمة الحاكمة بل للمعادلة السياسية التي قامت عليها الدولة العراقية منذ بداية القرن العشرين بتهميش الكورد والشيعة بالعراق. وفرض هوية قومية إثنية على الهوية الوطنية وعلى عموم العراقيين.

إن فشل مشروع الدولة الوطنية الحديثة في إدارة التعددية الاثنية و الثقافية، يعود بالدرجة الأساسية لفشل السلطات المتعاقبة على الحكم والمشتغلة في ميادين السلطة والثقافة والاقتصاد. وهو فشل لم تلعب التعددية الإثنية دورا فيه كما تدعي الكثير من الدول ألقاء اللوم على الإثنيات القومية. ويعود فشل مشروع الدولة بالأساس إلى إقصاء المواطنة ، الأمر الذي أدى إلى فشل تماسك الجماعة السياسية المنتجة للدولة من خلال ارتداد المواطنين إلى هوياتهم الطائفية والعرقية الضيقة وثقافاتهم الفرعية ، وهو ما أدى إلى فشل مشروع الدولة الحديثة في المنطقة العربية ، فعندما تفشل الدولة بالاعتراف بمواطنيها على قدم المساواة سيرتدون إلى الوراء للبحث عن الاعتراف. وهو ما أدى إلى إحياء الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية (3) .

إن المقومات الأساسية لبقاء أي دولة موحدة هي ديناميكية قدرتها على الاستمرار في حيويتها من خلال التجديد والتحديث والإبداع وفهمها واستيعابها للمتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تحصل في أجوائها الداخلية وفي محيطها الإقليمي الخارجي القريب والبعيد، وقابليتها على التأقلم في جميع الأجواء والظروف والوقائع الثابتة والمتغيرة والمساهمة فيها بشكل إيجابي للحفاظ على مكتسباتها الآنية والمستقبلية. وهذه المقومات تحتاج إلى متطلبات التخطيط الواعي والعقل العلمي الإبداعي السليم .

ونستنتج من نماذج تفكك الدول وانهيارها بان هذا الامر يعود الى :

1- المشكلة القومية التي لعبت دورا كبيرا في انهيار الاتحاد السوفييتي و يوغسلافيا الاتحادية ، إلا أنه لم تكن نتيجة للصدام بين القوميات والأديان، بل كانت نتيجة لعدم قدرة النظم الشمولية المركزية، على التعامل مع هذا التنوع القومي والثقافي بشكل جيد وعادل. وان التشدد من احد الأطراف يؤدي الى التشدد في الطرف الآخر كما حصل بين الصرب والألبان والروس والأقوام الاخرى ووصول أشخاص متشددين الى الحكم مثل ميلوسوفيج كان السبب في الصراع بين القوميات وان جمع الأعراق المتنافرة بالقوة يولد الكره والرغبة في الانفصال وان إخضاع القانون لخدمة قومية وغياب البرنامج الوطني ومناداة كل قومية بحقها وفرض فكر واحد على الشعب ومحو هويات الأمم الاخرى وإبدالها بهوية أخرى كل هذا يؤدي الى تفتت الدولة .

2- أسباب اقتصادية حيث إن تراجع الأيدولوجيات وعدم تلبيتها للاحتياجات الروحية والفكرية للإنسان بحاجة الى بديل يعمل على تفعيل القوانين الاقتصادية ويثير روح الإبداع وتغلب المصلحة وتجاوز التخلف وان انعدام الإصلاح يؤدي الى الإدارة الفاشلة للاقتصاد التي تزيد من معدلات البطالة و الفقر والتهميش والهجرة وتتراجع فرص التقدم ويكون هناك تهميش للناس ويصرف النظر عن احتياجاتهم وتتفاقم الهموم والمخاوف ويصل بهم الحال الى الإحباط بسبب الفساد الإداري والسياسي والاقتصادي والأخلاقي وبسبب انعدام او قلة الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليم وإهدار المال العام وعدم محاسبة المفسدين .

3- الطبيعة التركيبية لأنظمة الحكم يتحكم فيها مبدأ المصالح الذاتية الخاصة لكل دولة وهي أما أنظمة ملكية وإماراتية ووراثية أو أنظمة جمهورية شبه وراثية. في كلا الحالتين تعتبر هذه الأنظمة أنظمة دكتاتورية وسلطوية وليست أنظمة ديمقراطية مبنية على أسس دولة المواطنة والقانون والتعددية الحزبية يتمتع فيها أي مواطن بكل حقوقه الدستورية، حيث أن مصير البلاد السياسي والاقتصادي والتجاري والمالي. يساق حسب ما يشتهيه الملك أو العائلة المالكة أو العشيرة المالكة بينما في النظم الجمهورية تساق البلاد والعباد من قبل رئيس جمهورية عسكري ديكتاتوري أو من قبل حزب واحد حسب رؤياهم الخاصة. فهي حكومات قمعية لشعوبها. لا تحترم حقوق المواطن. ويغيب قيها دور الأحزاب والقوى الوطنية ، وتفشل الدولة إذا ضلت حكوماتها ترى في القوة وسيلة وحيدة للحفاظ عليها وان الفشل في إقناع الناس يؤدي الى فقدان الشرعية ولهذا فهي تلجا الى القوة المادية والقمع ليس لتحقيق الإقناع بل لفرض الخضوع وان القطيعة بين السلطة والمجتمع وانعدام العدالة الاجتماعية وانهيار النظم التربوية والتعليم وغياب الوعي الوطني وغياب المسائلة في الدولة والمجتمع وضعف المشاركة السياسية وغياب الديمقراطية يخدم مصالح الحاكم وحينها تنمو التيارات الاحتجاجية المناهضة للدولة (4).
إن القضية الكوردية هي إحدى القضايا الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط نظرا لموقع كوردستان الاستراتيجي من الناحية الجغرافية والاقتصادية والسياسية .

بقيت القضية الكوردية ولحد الآن بدون حل وبسببها عانى الشعب الكوردي من محن ومصائب مفجعة تهز لها القلوب مثل الإبادة الجماعية والقتل والحرق واستخدام الأسلحة المحرمة ضدهم والدمار والتخريب والتهجير الجماعي وإتباع سياسة الأرض المحروقة ومحاربة اللغة الكوردية وهويتها وعاداتها وتقاليدها والتعريب والتتريك والتفريس .

وان الحكومات التي تقتسم كوردستان ومعها القوى العالمية لم تحاول حل هذه القضية حلا عادلا يرضي جميع الأطراف بل بالعكس فهم يقومون بكل ما أوتو من قوة الى طمس هذه القضية او إظهارها للعالم بشكل مختلف يشوه القضية الكوردية ويتهم الشعب الكوردي بالإرهاب وقطاع الطرق والعصات والمتمردين والخارجين عن القانون .

لذا فان جميع الحلول التي طرحت لم تقدم الحل الجذري للقضية الكوردية استعرضنا خلال هذا البحث تاريخ الشعب الكوردي وبينا :

1- إن الشعب الكوردي شعب عريق ويتميز عن شعوب المنطقة من حيث ( اللغة والملامح العرقية والأزياء والعادات والتقاليد الخاصة به)  ويتألف الأكراد من طبقتين من الشعوب، الطبقة الأولى، كانت تقطن كوردستان منذ فجر التاريخ ( شعوب جبال زاكروس)، وهم شعوب ( لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري أو حوري، نايري)، وهم الأصل القديم جداً للشعب الكوردي والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو-أوروبية التي هاجرت إلى كوردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كوردستان مع شعوبها الأصلية وهم ( الميديين والكاردوخيين)، وامتزجت مع شعوبها الأصلية ليشكلا معاً الأمة الكوردية .

2- يبلغ تعداد الشعب الكوردي الآن حوالي 40 مليون نسمة يعيشون على مساحة جغرافية متصلة ببعض تقدر بحوالي (500 ) مليون كلم مربع موزعة بين تركيا وإيران والعراق وسوريا وأجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق .

3- كان للشعب الكوردي دول وإمارات عديدة قبل الإسلام وبعده وقد حكم الأكراد أنفسهم وسادوا المنطقة أحيانا .

4- تعرض الأكراد الى الاضطهاد والظلم من قبل الاستعمار ومن بعده الحكومات والأنظمة التي تتقاسم كوردستان بسبب مطالبه المشروعة وعدم التعامل الحضاري مع هذه المطالب حيث أدى هذا الامر الى ثورات عديدة قادها الأكراد ضد هذه الأنظمة راح ضحيتها الآلاف من الضحايا وتعرض الشعب الكوردي الى الكثير من العنف والكوارث والإبادة وتدمير المدن والقرى .

5- إن ترك هذه القضية من دون حل سيعقد القضية ويؤدي بالمنطقة الى نتائج خطيرة وقد رأينا كيف إن الصراع الكوردي كان له التأثير المباشر وغير المباشر فيما يشهد العراق اليوم فان السبب الحقيقي للحرب العراقية الايرانية والتي دامت ثماني سنوات كان بسبب شط العرب وبعض المناطق التي تنازل فيها العراق لايران مقابل عدم دعم الأكراد وكانت النتائج الكارثية لهذه الحرب هي السبب في دخول صدام حسين الى الكويت وما تلتها من حرب الخليج الثانية والحصار المفروض على العراق في التسعينات من القرن العشرين وما تلاها من سقوط نظام البعث سنة 2003 وستبقى هذه القضية ليس في العراق لوحده بل في تركيا وإيران وسوريا تفرز الآثار والنتائج السلبية والخطيرة على مستقبل شعوب المنطقة بأسرها الى إن يتم حلها بشكل عادل .

6- لابد من الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي وحقه في إن يقرر مصيره كبقية الشعوب كسبيل وحيد لإعادة الاستقرار والسلام الى المنطقة وكل الحلول الاخرى ليست إلا حلول جزئية مؤقتة وغير عادلة ولا تؤدي الى الاستقرار ومن الواضح انه منذ ما يزيد على تسعين عاما والدول التي تتقاسم كوردستان تستخدم كل أنواع العنف وتلتف على حقوق هذا الشعب وتحاول بشتى الطرق إن تقمع ثوراته ولكن دون جدوى فهل ثمة ما يبرر تكرار مثل هذه المحاولات الفاشلة ؟ .

لابد لنا من إن نتوقف قليلا في هذه الخاتمة عند بعض الأسباب التي أشعلت وتشعل هذا الصراع الخطير والسبب الاكثر بروزا هو تكوين العراق الحديث في أواخر عام 1920 من ثلاث ولايات عثمانية هي بغداد والبصرة والموصل بشكل قسري، ولم تكن الحدود السياسية للدولة القطرية متجانسة مع الحدود الثقافية والاجتماعية أو العرقية أو القبلية والعشائرية؛ بمعنى آخر استقطبت الدولة القطرية مجتمعات غير متجانسة بل متصارعة أحياناً عرقياً أو طائفياً أو عشائرياً أو مذهبياً، وهذا التكوين أو النشوء القسري لكيانات قطرية جعل من هذه الدول في بعض الأحيان مهيأة تلقائياً ومرتعاً للصراعات عند توفر أجواء سياسية واجتماعية و اقتصادية.

ومن الملاحظ أن الحدود الاستعمارية التي رسمت على الخرائط في أوروبا عكست بالأساس مصالح القوى الاستعمارية، ولم تعترف بمصالح الشعوب المقسمة، وقد واجه الملك فيصل هذه العقبة في بواكير عمر الدولة العراقية الحديثة في سعيه لإشراك الشيعة في مناصب وزارية وإدارية وإقناع الأكراد بالالتحاق بهذه الدولة الجديدة .وواجهت مساعي الدولة العراقية إلى إشراك الشيعة في العملية السياسية عموما معارضة علماء الدين في النجف والكاظمية، حيث أصدر هؤلاء عام 1922 فتاوى تحرم المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي، الأمر الذي أدى إلى نفي عدد منهم إلى خارج العراق .

واصدق تعبير لهذا الفشل هو ما صرح به الملك فيصل في رسالة موجهة الى أركان حكومته والمؤرخة في الخامس عشر من آذار عام 1932 يقول فيها بانه ( ليس هناك شعب عراقي بعد بل انه عبارة عن مجموعة كتل بشرية خيالية لا تجمعها الرابطة الوطنية ) إن الأكراد والشيعة كانوا من ابرز المعارضين لهذا الكيان فقد بدا الأكراد بإعلان الحرب على بريطانيا والحكومة العراقية المتمثلة بالملك وعارضها أهل الجنوب حيث أصدروا فتوى تحرم على الشيعة المشاركة في الحكومة وكانت هناك مشاعر عدم ارتياح لدى أهل البصرة من ضم ولايتهم الى العراق في دولة موحدة ذات نظام من المركزية الشديدة فقد طالب وجهاء البصرة في المذكرة التي قدموها الى المندوب السامي في بغداد بأنهم يرغبون في إيجاد رابطة معينة بين ولايتهم والعراق بحيث يطلق عليها ولايتي البصرة والعراق المتحدتين وتضمنت المذكرة مطالب عديدة أهمها إقامة اتحاد فيدرالي وجعل البصرة إقليما فيدراليا ذو صلاحية واسعة .

مطالبة جماعة من أهالي البصرة باللامركزية عام 1921، حينما كان الانكليز يعملون على تشكيل العراق. وهي وثيقة من 23 نقطة نشرها، مشكورا، الأستاذ حميد احمد حمدان التميمي، معاون مدير مركز دراسات الخليج العربي في جامعة البصرة، في كتابه الموسوم البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914-1921? (مطبعة الإرشاد- بغداد، الصفحات 635-640 ).

قدم أربعة آلاف وخمسمائة رجل من أهالي البصرة عريضة يوم 13 حزيران 1921 الى المندوب السامي البريطاني، حاكم العراق آنذاك، يطالبون بتثبيت اللامركزية في إدارة العراق، وقدموا تصورات مهمة لذلك ورؤيتهم لشكلها، أهمها هي:

1- النقطة الثانية عشر منح البصرة استقلالا سياسيا منفصلا. (أي أنهم كانوا يطالبون بإقليم خاص بهم قبل تسعون عاماُ!)
2- النقطة الثانية عشر: ورجاؤنا هو أن تكون مقاطعة البصرة مقاطعة منفصلة تحت إشراف أمير العراق او أي حاكم ينتخبه أهالي العراق وتكون هذه الرابطة بين البصرة والعراق وحدة يطلق عليها اسم ولايتي العراق والبصرة المتحدتين.
3- النقطة الثالثة عشر: ويكون للبصرة مجلس تشريعي منتخب خاص بها ويكون لهذا المجلس السلطة التامة في التشريع المختص بالشؤون المحلية ولحاكم الولايتين المتحدتين الحق في رفض او طلب تعديل أي تشريع يمس بمصالح أهل العراق.
4- النقطة السابعة عشر: ويكون للولايتين علم مشترك يرمز الى اتحادهما وتشترك الولايتان في تعيين نوابها السياسيين بالخارج ويعهد إليهم رعاية مصالح الولايتين معا وتكون الطوابع والنقود والأوراق المالية والمقاييس مشتركة بينهما ويقرر المجلس المشترك المذكور آنفا قيمها وعياراتها.
5- النقطة التاسعة عشر: وتوزع أموال الرسوم الجمركية المحصلة من ميناء البصرة على الولايتين بالنسبة التي يقررها المجلس المشترك.
6- النقطة العشرون: ويكون للبصرة قوة من رجال الشرطة وجيش خاصان بها ويشترك جيش البصرة مع جيش العراق في دفع الغارات الخارجية عن أي قسم من أقسام الولايتين المتحدتين وتدفع البصرة سنويا مقدارا نسبيا محدودا لإعالة جيش حكومة العراق ويكون هذا الجيش تحت إمرة حاكم الولايتين.

ولكن الاستعمار، متمثلا بوزير المستعمرات آنذاك ونستون تشرشل، الذي خط بقلمه حدود العراق، وقف الى جانب دعاة المركزية بقوة ودعمهم، وقطع الطريق على اللامركزية. وكذلك قامت الشركات الأجنبية في البصرة بالعمل ضد مشروع اللامركزية خوفا من إن ذلك سيزيد عليهم الضرائب والرسوم في تنقّل بضائعهم من البصرة الى بغداد.

و يجدر بنا الإشارة إن هذا السجال كان قائما في وقت لم يحسم فيه أمر ولاية الموصل، من ضمها الى العراق، مع قوميتها الكوردية الكبيرة، او إعادتها الى تركيا التي كانت تطالب بها في المؤتمرات والمنتديات العالمية الرامية الى إعادة هيكلة الدولة العثمانية من بعد سقوطها في الحرب العالمية الأولى .

وتكررت المطالبة باللامركزية في البصرة ثلاثة مرات اخرى، حسب تدوين المؤلف، في أيار 1922، وكانون الثاني 1924، وتشرين الأول 1928، وجاءت هذه الثالثة في تزامن مع صحوة الشيعة على الظلم السياسي الكبيرة المرتكب بحقهم، بتوجيه من مراجعهم الدينية آنذاك، كونهم يشعرون بأنهم مواطنين من الدرجة الثانية لقلة تعييناتهم ولشحه صرف موارد البلد في مناطقهم .

واليوم نسمع دعوات من السنة تنادي الى نفس الشئ ولنفس السبب ففي لقاءات وتصريحات لزعماء السنة في العراق. عن تساؤلات عمّا يشعر به العرب السنّة في العراق. فيرد هؤلاء الزعماء عن تقييمهم لأوضاع السنّة حالياً في العراق إن ( الانطباع الذي يشاهدونه لدي الناس من خلال زياراتهم ولقاءاتهم إنهم يشعرون بالإحباط الشديد وبأنهم مواطنون من الدرجة الثانية وغير مشاركين حقيقيين في السلطة، وهذا أمر خطير يجب أن يُعالج بحكمة وبسرعة قبل أن تتطور الأمور إلى التفكير بنوع من الانفصال. وعلى بغداد أن تنتبه إلى أنها يجب أن تكون عادلة مع الجميع). ولدى استيضاحهم ما إذا كانوا يقصدون فعلاً أن عدم معالجة المسألة سيؤدي إلى تفكير السنّة بخيار الانفصال فتكون الإجابة (نعم). (مشروع الأقاليم يدور بقوة في المناطق السنّية وهذه خطوة يمكن أن تعطي نوعاً من الاستقلالية للكيانات، ونخشى إذا لم تتم إدارة الأمور بمستوى عال من المسؤولية أن يتفكك البلد لاحقاً ).

بالإضافة الى هذا السبب الرئيسي هناك أسباب اخرى أشعلت الحروب في العراق وهي عدم التجانس الاجتماعي وإخفاق مشروع الدولة الوطنية و المناطق المتنازع عليها في كركوك والموصل و ديالى وآثار التعريب و التعامل اللا حضاري للحكومات مع مطالب الأكراد وغيرها من الأسباب .

إن عدم حل هذه المشكلة وتركها عالقة بدون حل سيكون التهديد الحقيقي للعراق ككيان دولة او مجتمع . وان نجاة العراق من واقعه المأساوي والوصول الى مستقبل مشرف لايمكن إن يتم من خلال المعالجات الجزئية او من خلال عمليات التخدير السياسية وإذا كنا نريد مستقبل أفضل للعراق لابد من تبني نظرية ( صفر مشاكل ) في داخل العراق وذالك بتجفيف منابع الصراع وفي محيطه الخارجي وبذالك يتسنى لنا إن نبني دولة حديثة وقوية .

ثم تناولنا موضوع الصراع وأهم النظريات التي تدور حول الصراع وبينا الأسباب التي تؤدي الى الصراع فالتميز والظلم يؤديان الى ثورة ورد فعل عنيف وان القوميات التي تظلم لابد إن تثور لانتزاع حقها الذي سلب منها ولهذا نجد إن هناك عشرات الدول مهددة بالتفكك والانهيار وان هناك الكثير من الدول تصرف نسبا عالية سنويا من ميزانيتها في علاج آثار هذا الامر ورأينا كيف إن دولا كبيرة مثل الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا قد انهارت .

إن التعاطي بالقوة مع الظاهرة الإثنية لا تأتي بنتائج وعواقب سليمة الأمر الذي يؤدى إلى صراع دموي يطول أمده وإن الدولة الوطنية لا تتحقق بالعنف والإكراه كما حدث في العراق وخاصة في ظل نظام حزب البعث . وخلص هذا البحث من خلال محاولته معاجلة الظاهرة الإثنية وتنامي الوعي الإثني وارتباطه بالمشاركة السياسية وأثر ذلك علي التطور السياسي لبنية النظام السياسي والاقتصادي والثقافي في الدولة. الى تبني الديمقراطية واللامركزية والفيدرالية كنظام سياسي يحكم البلد من خلال توافق المكونات العراقية دون إقصاء او تهميش .

لأن سيطرة أثنية أحادية علي مفاصل السلطة في ظل وجود إثنيات اخرى تري نفسها بعيدة عن صنع القرار السياسي وتعاني من إهمال في التنمية الاقتصادية وتمارس عليها فرض ثقافات مركزية تجعلها تعاني اغتراب تجاه ثقافاتها الأم كل ذلك يؤدي إلي تنامي الوعي الإثني الذي يهدد معه بنية النظام السياسي .

وانتهى الرأي الى إن هناك مجموعتين أساسيتين من استراتيجيات إدارة التعددية الاثنية تتمايزان من حيث الطبيعة والغايات وهما :
الاستراتيجيات التساومية لإدارة التعددية الاثنية والتي تستهدف بالأساس الحفاظ على ذالك التنوع والتعدد الإثني وتفعيل الجوانب الايجابية فيه من خلال التركيز على الجوانب المشتركة بين الجماعات لخلق هوية عامة جامعة .

الإستراتيجية القسرية والتي تستهدف إزالة أوجه التعدد الإثني واستئصالها عبر الأدوات القمعية بصورها المختلفة .
وأكدنا من خلال هذه الدراسة ما من نظام يستطيع البقاء والاستمرار استنادا الى السلطة والقهر وحدهما لذا فعليه إن يعمد الى دعم قدراته التنموية بإبعادها المختلفة على نحو يحقق الاندماج الوطني اللازم للتعايش بين الجماعات الاثنية القائمة في البلاد وبما يحفظ للنظام استقراره واستمراره عبر دعم شرعية النظام لدى قطاعات الشعب .

وفي متناول هذا البحث ذكرنا تجارب لدول متعددة في إدارة التعددية الاثنية وبينا كيف إن بعضها نجح في هذا وأسس لدولة مستقرة وقوية بينما البعض الآخر فشل لأسباب ذكرناها وأدى هذا الفشل الى تفكك الدولة وتجزئتها .
وفي الختام ادعو السلطات في اقليم كوردستان متابعة الندوة الحوارية التي تنظمها مركز الجزيرة للدراسات بالتعاون مع المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية بعنوان “المسألة الكردية في المشرق” واقامت مؤتمر حول القضية الكوردية في اربيل بعد هذا المؤتمر واطلاق فضائية باللغة العربية تكون مهمتها ايصال الصوت الكوردي الى الفضاء الخارجي وكشف الاباطيل والخرافات التي تلصق بالأكراد والقضية الكوردية وفتح مركز للدراسات الاستراتيجية يقوم بكتابة التاريخ الكوردي واخر للدراسات السياسة والاجتماعية والاقتصادية والامن القومي .
————–
(1) د .محمد عاشور مهدي التعددية الإثنية، إدارة الصراعات وإستراتيجيات التسوية:المركز العلمي للدراسات السياسية الطبعة الأولى 2002 ص 77
(2) المصدر السابق
(3) فالح عبد الجبار إشكالية الوطني والإثني المذهبي في العراق مجلة إضافات (المجلة العربية لعلم الاجتماع) مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد الأول، شتاء 2008 ص 76
(4) برهان غليون في جذور تفكك عالم العرب وبؤس أحوالهم مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي

تحريرا في 1-10-2017

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى