الرئيسية / الشرق الأوسط / الدولة الكردية في المنظورين الأمريكي – الإيراني
الدولة الكردية في المنظورين الأمريكي – الإيراني
الدولة الكردية

الدولة الكردية في المنظورين الأمريكي – الإيراني

اعداد : د. فواز موفق ذنون – أستاذ وباحث أكاديمي – العراق- الاردن

  • المركز الديمقراطي العربي

 

للقضية الكردية تاريخ طويل من عمر الدولة العراقية ، وقد مرت القضية بمراحل مد وجزر مع الحكومات العراقية المتعاقبة إلى أن وصلت في مرحلتها الحالية التي تبلورت فيها أفق الاستقلال والانفصال من خلال السعي لإجراء استفتاء شعبي يتبعه اتخاذ خطوات تمكن القادة الأكراد من إعلان دولة كردية مستقلة في شمال العراق .

وبغض النظر عن المواقف الإقليمية والدولية من الخطوات الكردية لإعلان الاستقلال وتأسيس دولة وهي في مجملها مواقف تتموضع بالضد من المشروع الكردي ، فان مايهمنا هنا حصرا هو الموقف والرؤية الأمريكية والايرانية على اعتبار ان كلا الدولتين مؤثرتين بشكل فاعل في تلك البقعة الجغرافية المهمة من الشرق الأوسط وتملك أوراق عدة تلعبها في تلك المنطقة .. .
الدولة الكردية في التفكير السياسي الأمريكي

ولمعرفة حقيقة الرؤية الأمريكية يجب ان ندرك اولا ان الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ تسعينيات القران الماضي عدت الاكراد حليفا محليا ناجحا لها لاعتبارات تتعلق بسياسة الاحتواء التي مارستها الإدارة الأمريكية انذاك والتي سمحت للأكراد بإقامة منطقة شبة مستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد ، تطور ليصبح للأكراد دورا فاعلا في بوصلة السياسة الامريكية تجاه العراق ، لعل ابرزه كان في حقبة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش (2000-2008) من خلال سعي الأخير الى وضع قانون تحرير العراق موضع التطبيق وإعطاء الأكراد دورا في حربه لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين الذي تم في عام 2003 لتتحول السياسة الأمريكية من السياسة التقليدية في الاحتواء الى محاولة دمقرطة العراق، كان للأكراد نصيبا من تلك الأجندة التي انتهت بعراق اتحادي فدرالي رؤوا فيه الأكراد مطمحا لهم في إمكانية ان يكون لهم دورا رياديا في الدولة العراقية يوقف سنوات التهميش والحروب التي عانوا منها في السنوات الماضية من عمر الحكومات العراقية السابقة .

غير إن الأمور لم تجر في صالح الامال الكردية التي اصطدمت بالسياسات العراقية الجديدة بعد عام 2003 ، فدخلت القضية الكردية في منعطف اخر كان التوتر والخلافات تسوده في اغلب حالاته وهو يعبر عن العلاقة الجديدة مابين اربيل وبغداد التي وأن شهدت بعض التقارب بين الطرفين الا ان سرعان ماتعود الى القطيعة خاصة ابان حكم نوري المالكي رئيس الحكومة السابق (2006-2014) ، حاول من جاء بعده وهو حيدر العبادي من اعادة ترميمها وقد حقق نجاحا مؤقتا من خلال التنسيق المشترك لبعض القضايا الملحة واهمها محارية تنظيم داعش الارهابي الذي اجتاح ثلثي اراضي البلاد ، فكان التعاون العراقي- الكردي ضرورة استراتيجية مهمة من اجل انقاذ البلاد والعبور بها الى مرحلة اقل خطورة تستطيع معها الدولة العراقية الى الالتفاف نحو قضاياها الاخرى .

وما ان اقتربت الحرب ضد داعش من وضع اوزارها ، حتى بدات القضية الكردية تفرض نفسها مرة أخرى على طاولة القضايا الداخلية بعد ان أعلنت اربيل بان حكومة بغداد لم تكن بمستوى الشراكة الحقيقية معها وان اغلب الملفات السياسية بينهما ومنها ملف المناطق المتنازع عليها وملف الثروة النفطية مازالت تشكل عقدة المنشار في العلاقات بين الطرفين ، لتعود القضية الكردية من جديد إلى المربع الاول من العلاقة المتأزمة بين بغداد واربيل.

على هذا الأساس ، قرر صانعي القرار في كردستان العراق بدء الخطوات نحو إجراء استفتاء شعبي والتوجه نحو إعلان الدولة الكردية المستقلة ، متأملين من الولايات المتحدة دعمهم في هذه الخطوة التي يرونها حلما طال انتظاره ، وهي (اي القيادة الكردية) وهي تسعى لاقامة الدولة الكردية عينها على واشنطن لدعمها في هذه الخطوة ولسان حالها يقول بان الولايات المتحدة التي أرادت جعل العراق نموذج يحتذى به في الديمقراطية فشلت في ذلك المسعى وان اقليم كردستان هو الطرف المحلي الوحيد المؤهل للقيام بتلك المهمة .

ونرى ان صانع القرار الكردي ربما يعول على العلاقة الإستراتيجية التي تربطه بواشطن التي اتخذت من الأكراد حليفا مهما وبارزا في حربها ضد داعش وهذا مانتلمسه واضحا من خلال التقارب السياسي والعسكري الامريكي – الكردي خلال السنوات الأخيرة ليس فقط في العراق فحسب بل حتى في سوريا وهو التقارب الذي اثار انزعاج انقرة وطهران على حد سواء ، وهو القلق الذي لم تلتف اليه الولايات المتحدة بل العكس رأت بان الحليف الكردي هو افضل حليف ساعدها في جهودها لمحاربة داعش وهو ماكان يعلنه دائما الرئيس الامريكي دونالد ترامب من انه يقدر كثيرا الجهود الكردية في مساعدة التحالف الدولي في حملته ضد الارهاب ، كما يرى المراقبون من ان التسارع الكردي في الخطوات التي تؤدي الى اعلان الاستقلال ربما وراءه ضوء اخضر امريكي Green light ويستندون في ذلك الى ماقاله وليد فارس مستشار الرئيس الامريكي لشؤون الشرق الأوسط عندما صرح بان الولايات المتحدة بالرغم من انها تدعم الحوار بين بغداد واربيل ، الا إنها ستدعم الاستفتاء الذي اعلن عنه الرئيس مسعود البرزاني وستقبل بنتائجه ، مؤكدا بان الرئيس ترامب دعا في حملاته الانتخابية إلى دعم جميع حلفاء الولايات المتحدة الذي يحاربون داعش وأكد على الدور المحوري للأكراد بشكل خاص.

كما إن البعض يفسر الثقة المطلقة للرئيس البرزاني وللأكراد وهم يتجهون نحو إعلان الدولة الكردية من انه مدعوم خارجيا وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي ربما اكثر دولة معنية بحصول الأكراد على الاستقلال الذي ربما يوفر نفوذا إسرائيليا جديدا في المنطقة يكون على الأرض الكردية وقريبا جدا من العراق ومن الحدود الكردية – الايرانية وهو هدفا استراتيجيا ربما توظفه تل ابيب في إستراتيجيتها القادمة في المستقبل القريب يمكنها من مواجهة الهلال الشيعي بهلال إسرائيلي يمتد من فلسطين يمتد الى سوريا عبر الجولان وينتهي في كردستان العراق .

على ان الرواية التي تؤيد حصول الأكراد على موافقة أمريكية مسبقة حول إعلان دولتهم ربما يتناقض مع روايات اخرى تقول بان الولايات المتحدة ربما ترى بان الاستفتاء وخطوات الاستقلال ربما يؤثر على جهودها لمكافحة الإرهاب وان الوقت غير ملائم لمثل هذه الخطوات ، بل البعض ذهب بعيدا في ذلك بتأكيده على ان السفير الأمريكي في بغداد دوغلاس سليميان نقل ثلاث خيارات للمسئولين الأكراد حول موقف واشنطن من الاستفتاء ومن الاستقلال ومنها ان على اربيل إلغاء الاستفتاء وعدم ذكره مجددا وبذلك يستمر الدعم الأمريكي لهم ، أو إجراء الاستفتاء داخل إقليم كردستان فقط وهنا سوف لن تتدخل واشنطن وسوف تعده شأنا محليا ، او إجراء الاستفتاء في الاقليم وخارجه وهي خطوة تنظر اليها الولايات المتحدة بانها تصعيدية وانها لن تتدخل فيما اذا ادت الخطوة الى تدخل عسكري عراقي او اقليمي ضد الأراضي التي يحتفظ بها إقليم كردستان العراق.

ونرى بان هذه الرواية ضعيفة لايمكن الاعتماد عليها على الرغم من تداولها بقوة داخل الأوساط السياسية العراقية ، وتأتي مكامن ضعفها من إن البيت الأبيض أعلن مرارا وتكرارا من ان الولايات المتحدة سوف تستمر بدعمها للحليف الكردي سواء اجري الاستفتاء او تم تأجيله ،بل ان البعض يرى بان الولايات المتحدة ستدخل بقوة في الساحة العراقية لدعم مفاوضات جديدة بين بغداد واربيل تقوم على أساس التحول من كردستان من العلاقة الفدرالية ضمن الإطار العراقي إلى علاقة كونفدرالية تمكن بغداد من ابعاد خطوة الاستقلال ولو لفترة مؤقتة تمكنها من التقاط أنفاسها من الحرب الطاحنة مع تنظيم داعش الارهابي.

بقي أن نقول إن الاهتمام الأمريكي بالملف الكردي في هذه المرحلة يأتي في إطار مخاوف الإدارة الأمريكية من ان يتم استغلال الورقة الكردية من قبل إيران او خصوم رئيس الوزراء العراقي حيدر ألعبادي لمحاولة الضغط عليه للقيام بإجراءات عسكرية غير محسوبة النتائج قد تلقي بظلالها على المشهد العراقي الذي لايحتمل أي تعقيد جديد في ظل الحرب التي يخوضها العراق ضد تنظيم داعش الإرهابي ، ذلك ا ن تعقيد جديد في الساحة العراقية قد يمكن بعض الإطراف السياسية من استغلالها في الانتخابات النيابية القادمة بشكل يؤدي الى اصطفافات قومية وعرقية تمكن بعض الأطراف من العودة إلى تصدر المشهد السياسي العراقي وهي خطوة يراها ترامب قد تبعثر أوراقه السياسية الذي يحاول دعم الصوت المعتدل داخل البيت الشيعي العراقي وليس أدل على الانفتاح العربي – السعودي على العراق هذا الانفتاح الذي جاء بضوء اخضر أمريكي قد يعمل على الحد من النفوذ الإيراني ولعل الضغط الأمريكي على القادة الكرد لتأجيل الاستفتاء او تأجيل مسالة الاستقلال هي لضمان نجاح خطة الولايات المتحدة التي لاتريد اي طرف تعكير صفو خطتها التي تراها بانها تحقق نجاحا ملحوظا بانتظار ماسيؤول عليه المشهد العراقي في قادم الأيام ..

الرؤية الإيرانية للدولة الكردية الأبعاد ومكامن القلق:

أما عن موقف ايران فلإيران رؤية وموقف تكاد تنفرد به وهي تنظر بقلق بالغ إلى ولادة الدولة الجديدة في المنطقة التي أحكمت قبضتها عليها من خلال مد نفوذها السياسي والعسكري ، وتأتي عوامل القلق الإيراني من خلال أبعادا سياسية واقتصادية وقومية .

فالإبعاد السياسية تكمن في إن إيران التي مدت نفوذها السياسي والعسكري في هذه البقعة من منطقة الشرق الأوسط ترى بان مشروع الدولة الكردية ماهو الا سياسات أمريكية واسرائلية تهدف إلى تقطيع أوصال هذه المنطقة والتي هي بالتالي يساهم في كبح جماع هذا النفوذ وانكماشه من خلال إيجاد دولة لها تحالفات إستراتيجية مع واشنطن وتل أبيب التي سوف يكون لها موطئ قدم في هذه المنطقة وعلى مقربة من الحدود الإيرانية وهذا يساهم في مراقبتها امنيا واستخباراتيا وبذلك يكون هناك نفوذا وتواجدا إسرائيليا ممتدا من الأراضي الفلسطينية المحتلة مرورا بجولان السورية وانتهاءا بكردستان العراق يكون مضادا لما يسميه البعض بالهلال الشيعي الممتد من العراق الى سوريا الى مناطق حزب الله في لبنان.

اقتصاديا : إن قيام دولة كردية لديها مخزونا جيدا من النفط واقتصادا في طريقه إلى النمو وعلاقات متطورة مع الولايات المتحدة والأردن ودول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية ( العدو اللدود لإيران) يثير هواجس حقيقة لطهران ذلك ان إقليم كردستان لديه علاقات جيدة مع محيطه السني وبالتالي سوف تنشط الحركة الاقتصادية والاستثمارية مع الدولة الجديدة يتبعه نفوذا سنيا قويا يساهم في إضعاف النفوذ الإيراني او على الأقل تراجعه لصالح النفوذ العربي والأمريكي والإسرائيلي وكل حسب أوراقه ومصالحه وأهدافه السياسية والاقتصادية.وعلى هذا الأساس؛ فإن مخاوف إيران من الاستقلال يعود الى خشيتها من تحوّل المنطقة الى بؤرة نفوذ أقوى لخصومها ، مما سيشكل تهديداً مباشراً لأمنها .

قوميا : تنحصر وكما هو معروف في القلق الإيراني من قيام دولة كردية على تماس مع حدودها سوف يدفع الاحزاب والحركات السياسية داخل ايران ومنها الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني والحزب الشيوعي الإيراني وحزب الحياة الحرة الكردستاني – بيجاك- إلى خلق الفرصة لمحاولة الحصول على كيان مستقل وإذا كانت تلك الأحزاب تعاني من انعدام الدعم الخارجي فان قيام الدولة الكردية في العراق وتواجد سعودي – أمريكي – إسرائيلي على الحدود الإيرانية ، ربما يساهم في زعزعة الداخل الايراني لمصلحة الوضع الكردي الايراني الجديد ، فضلا عن اتخاذ اكراد ايران من الدولة الكردية الجديدة قاعدة لانطلاق حركاتها السياسية والعسكرية ضد النظام السياسي الايراني للحصول على وضع مشابه لاوضاع الكرد في العراق .

  • وأمام هذه المعطيات يبقى السؤال ماهي الخيارات التي يملكها صانع القرار الإيراني وهو يضع الدولة الكردية في تفكيره السياسي والعسكري ؟

والحقيقة إن الإيرانيين وهم يبدأون تحركاتهم من اجل وقف المشروع الكردي الجديد فان عينهم ترقب تطورات مابعد الاستفتاء ويأملون من ان القادة الكرد ربما لايقدمون على الاستقلال بقدر ماهي ورقة ضغط جديدة يستخدمونها للحصول على مكاسب من بغداد ، اما اذا ظهر العكس وبدأ الاكراد خطوات حقيقية لاعلان الانفصال والاستقلال بشكل نهائي فان ايران على الاغلب سوف تبدأ تحركا عسكريا –حربا بالوكالة- بالتعاون مع الفصائل الشيعية العراقية التي تدعمها لاعادة الامور الى نصابها السابق، وان اي تحركات سوف يسبقها تنسيقا عراقيا –تركيا- إيرانيا مشتركا بمعنى ان النظام السياسي في ايران سوف يستخدم ادواته العسكرية اذا ماشعر بان قيام الدولة الكردية باتت تهدد الامن القومي الايراني وهنا نستحضر الاجتماعات التي عقدها قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، مع القادة الكرد، قائلا لهم “لقد منعنا حتى اللحظة هجوم الحشد الشعبي عليكم لكننا لن نقوم بذلك مستقبلًا ” والحقيقة ان الزيارة في توقيتها حملت مضمونًا مهمًا من باب كونها زيارة لرجل عسكري تتمتع بحضور قوي في العراق وسوريا، واختيار ايران لشخصية عسكرية للقاء المسئولين في كردستان العراق كان لغرض توصيل رسالة فحواها أن إيران رافضة لفكرة تكوين دولة كردية عراقية مستقلة وسوف تستخدم كافة الوسائل التي بإمكانها ايقاف المشروع الكردي حتى لو تطلب الامر استخدام القوة العسكرية .

غير ان ذلك ربما يصطدم برد فعل امريكي معاكس خاصة وان ادارة ترامب تبدو اكثر تشددا مع ايران من الإدارة السابقة ، على إن ترامب سوف لن يشتبك مع إيران بشكل مباشر وإنما سوف يستهدف الفصائل الشيعية المدعومة إيرانيا وهو هدف أمريكي ربما تسعى إدارته إلى البحث عن مسوغ لاستهدافها .

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى