الرئيسية / الشرق الأوسط / استفتاء “كردستان العراق” وماذا بعد ؟
استفتاء “كردستان العراق” وماذا بعد ؟
الدولة الكردية

استفتاء “كردستان العراق” وماذا بعد ؟

اعداد : سيدي محمد حيماد – باحث في العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية

  • المركز الديمقراطي العربي 

 

تعيش منطقة الشرق الأوسط وضعا معقدا جدا؛ في العلاقات الدولية والجيوستراتيجية الإقليمية على امتداد  القرن العشرين. ويفسر ذلك بوجود رهانات خاصة بالمنطقة.  وفي مقدمة هذه الرهانات، القضية الفلسطينية و رهان النفط و الهويات المتداخلة.

لقد أثبتت فترة ما بعد الحراك العربي أن هناك تحولات في الجغرافيا السياسية، وأن منظومة التفاعلات في المنطقة اصبحت إكثر مرونة وأكثر ارتباطا بالمصالح المرتبطة بقضايا محددة، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كل أنماط التفاعلات التي سادت في المنطقة، مثل نمط المحاور الجامدة على غرار محور الثوريين و المحافظين، أو دول المهادنة و الممانعة.

شهد إقليم كردستان العراق في الأيام القليلة الماضية تنظيم حكومة الإقليم لإستفتاء يقرر فيه أكراد العراق مصيرهم  في البقاء تحت السيادة العراقية أو الاستقلال. في  خطوة مفاجئة من حيث التوقيت؛في ظل ما يعرفه العراق من صراعات  بين مختلف التيارات العراقية من جهة ، و الحرب ضد ما يسمى “بتنطيم الدولة” من جهة أخرى ، ناهيك عن وجوده في بؤرة توتر وصراع كبرى في العالم. فما هي دوافع وتداعيات اجراء استفتاء كردستان العراق ؟

1 حق تقرير المصير: السندات القانونية والتطبيقات

يعرف حق تقرير المصير على أنه حق أي شعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب في أن يعيش في ظله أو السيادة التي يريد الإنتماء اليها. إن حق الشعوب في تقرير مصيرها،  حق طبيعي وغير قابل للتنازل أو التقييد بقوانين دستورية أو أعراف، وهو حق قانوني ملزم لكافة الدول في هيئة الأمم المتحدة، وقد استقلت بموجبه العديد من الدول إبان الحرب العالمية الثانية. وهو حق مكفول بموجب المواثيق والعهود الدولية :

  • ميثاق الامم المتحدة، نص المادة 55 : «  رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار و الرفاهية الضروريتين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب بأن يكون لكل منها تقرير مصيرها…»
  • ميثاق الامم المتحدة نص المادة 1 الفقرة الثانية: إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام.
  • العهد الد ولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والإجتماعية والثقافية نص المادة 1 الفقرة الأولى: لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
  • قرار الأمم المتحدة رقم 1514 سنة 1960 الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، وهو ما شكل محورا استندت عليه جميع القرارات اللاحقة الخاصة بتقرير المصير الصادرة عن الأمم المتحدة، و الذي تم فيه استبدال مصطلح مبدأprincipe  تقرير المصير بمصطلح حق droit  تقرير المصير.

ومن أشهر تطبيقات الحق في تقرير المصير نجد بيان الاستقلال الأمريكي في 1776 الذي تضمن جملة من المبادئ منها إعلان أن كل الناس خلقوا على قدم المساواة، وأن لديهم حقوقا حباهم  بها الخالق لا يجوز التصرف فيها، ومنها حق الحياة و الحرية والسعي وراء السعادة، وهي أقوى وأشهر عبارة  في إعلان الاستقلال الأمريكي، وأكثر جملة تأثيرا في اللغة الانجليزية. وحفزت المواطنين الأوربيين لدفع حكوماتهم نحو مزيد من الديمقراطية، كما استفادت منها الشعوب الحديثة التواقة الى الاستقلال والديمقراطية. اذ هناك صلة قوية ومباشرة بين حق الشعوب في تقرير مصيرها وبين مفهوم حقوق الإنسان من جهة و الديمقراطية في صيغتها القديمة والحديثة من جهة أخرى.

2 استفتاء كردستان العراق: بحث في الدوافع و المسوغات

من المؤكد ان تفكير الأكراد في إقامة دولة كردية ليس وليد اللحظة، بل هو حلم راودهم مذ مطلع القرن العشرين؛ فبعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وضع الحلفاء تصورا لإقامة كيان سياسي كردي مستقل  في معاهدة “سيفر” سنة 1920 الموقعة بين الإمبراطورية العثمانية والحلفاء. إلا أن رفض الحركة القومية بزعامة مصطفى كمال أتاتورك أجهض امال الأكراد حيث تم التوقيع على معاهدة لوزان 1923  وتم تأجيل  المشروع الكردي مقابل تعهد  أنقرة بمنح سكان تركيا الحماية التامة و الكاملة، ومنح الحريات دون تمييز، من دون أن ترد أية إشارة للكرد فيها،  كما لم تجر الإشارة إلى معاهدة سيفر، وعد الكرد هذه المعاهدة ضربة قاسية ضد مستقبلهم ومحطمة لأمالهم.

إلا أن جهود ومحاولات الأكراد استمرت في سبيل إقامة دولة كردية مستقلة،بدءا بمملكة كوردستان 1922­-1924 و جمهورية كردستان الحمراء 1922-1929 و مرورا بجمهورية ارارات الكردية 1927 و جمهورية مهاباد 1946 وإقليم كردستان العراق سنة 1970 لكن أي من هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح . لتأتي محاولة زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في هذا الصدد.

أعلن مسعود البرزاني رئيس حكومة إقليم كردستان العراق يومه الاثنين 25سبتمبر 2017 عن تنظبم استفتاء تاريخي يقرر فيه أكراد العراق مصيرهم بين البقاء في كنف الحكومة العراقية أو الاستقلال، في خطوة  مفاجئة-لدى أغلب المتتبعين والمراقبين- وتحمل أكثر من دلالة. إن تفسير إقدام البرزاني على هذا القرار لا يخرج عن احتمالين اثنين:

احتمال أول: أن هذا الاستفتاء يأتي تتويج لنضال الشعب الكردي: وتحقيقا لتطلعاته إلى الحرية والاستقلال. لا يخفى على أحد تطلعات الأكراد في إقامة كيان سياسي خاص بهم،كما لا يخفى على أحد التضحيات التي قدموها في سبيل إقامة وطن يجمع القومية الكردية .

احتمال ثانٍ:  يتمثل في رغبة خاصة لدى البرزاني في دخول التاريخ، و تخليد اسمه  كزعيم و رمز في الذاكرة الكردية؛ إذ يعرف إقليم كردستان العراق أزمة سياسية منذ سنة 2009 نتيجة انتهاء المأمورية الرئاسية لمسعود البرزاني، وعدم توافق القوى السياسية الثلاث(الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني ، الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني ثم  حركة التغيير بزعامة نوشيروان مصطفى) في الإقليم على تنظيم إنتخابات رئاسية.

يرغب مسعود البرزاني من وراء إجراء الاستفتاء إلى تحقيق إجماع وطني عليه؛  فالاستقلال هو مطلب جماهيري، كما يرمي إلى دخول الانتخابات الرئاسية و التشريعية المزمع تنظيمها في نونبر المقبل بأريحية كبيرة.

ما يزكي هذه الفرضية أكثر هو عدم الحديث  عن مدى التزام القيادة السياسية بنتيجة الاستفتاء،  و إعلان قيام الدولة في ظل التصويت بنعم عن سؤال: هل تريدون أن يصبح كردستان العراق و الأراضي الكردية خارج الإقليم دولة مستقلة؟ ، خصوصا أن أكثر من 92%  من المستفتين صوتوا بنعم، و قد تجاوزت نسبة المشاركة 72% حسب النتائج الرسمية للجنة العليا للاستفتاء في الإقليم، مما يطرح شكوكا حول مدى جدية البرزاني في هذا الطرح،  وبالتالي فإن تنظيم الاستفتاء ما هو إلا هروب الى الأمام من قبله.

لكن في كلتا الحالتين؛ فمن المؤكد أن البرزاني نجح في تحقيق إجماع وطني منقطع النظير حول شخصه كسياسي وزعيم وطني، وفي حالة تراجعه عن تفعيل نتيجة الاستفتاء -ولو مرحليا- واختيار التفاوض مع الحكومة المركزية فانه سيتفاوض من موقع قوة، إن لم يمل شروطه.

كما لا يمكن الإقدام على خطوة من هذا الحجم من دون التنسيق مع الإدارة الأمريكية، الحليف التاريخي للأكراد .

3 استفتاء استقلال كردستان العراق الابعاد والتداعيات

كيف يمكن المطالبة بحقوق الانسان الخاصة في اطار شعب فاقد لحريته، لحقه في تقرير المصير ؟

خلف إجراء الاستفتاء العديد من ردود الفعل المنددة، بل و المتوعدة بإجراءات عقابية حيال إجرائه ، مما يفتح المنطقة بمصراعيها على المجهول و احتمالات المواجهة العسكرية.

تبحث الحكومة العراقية التنسيق  مع حكومات الجوار، الرافضة للمشروع الكردي، لمواجهة مشروع الانفصال الذي يهدد الامن القومي لهذه البلدان. ويمكن إبراز مواقف هذه الدول في مايلي:

موقف الحكومة العراقية:

ترى بغداد أن الاستفتاء غير قانوني وغير شرعي، و مرفوض، ولا تعترف بنتائجه، ولا تغير في واقع العراق القانوني و الدستوري و الجغرافي و السيادي، كون الإقليم جزء من الأراضي العراقية والسيادة و يخضع للعلاقة الاتحادية مع الحكومة في بغداد. و وصف رئيس الوزراء العراقي في كلمة بثها التلفزيون العراقي،”الاستفتاء بأنه غير دستوري وغير شرعي”، وقال إن حكومته غير مستعدة للتفاوض أو التحاور بشأن نتائجه. وختم تصريحاته قائلا :”لن نسمح في العراق بتأسيس دولة عرقية أو مذهبية”. و ذهبت الحكومة العراقية إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات والتدابير من جملتها التنسيق مع الدول المعنية لوقف التعاون مع ا إقليم بخصوص المنافذ الحدودية والمطارات وتصدير النفط، و متابعة الأموال المودعة بحساب الإقليم وسياسيين أكراد من واردات النفط، بالإضافة إلى إجراءات ستتخذ في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة إقليم التي فرضت فيها سياسة الأمر الواقع.

موقف تركيا:

ترفض الحكومة التركية فكرة تقسيم العراق لما يمكن أن يخلقه من مشاكل وتحريك للنعرات العرقية بالمنطقة ولارتداداته السلبية على الملف الكردي في الداخل التركي، اذ اعتبره الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” بأنه عمل من أعمال الخيانة، بل وصرح قائلا : أن الدفع ألى استفتاء الانفصال فيه مخاطرة بجر المنطقة إلى الحرب، وهدد باتخاذ إجراءات عقابية إن استمر، أضاف أن كل الخيارات متاحة، من الإجراءات الاقتصادية إلى الخطوات العسكرية البرية والجوية. ويمكن القول أن السياسة التركية تستمد  موقفها هذا من مقولة “المعلم” و مؤسس الحركة الاسلامية الحديثة “نجم الدين اربكان “: عندما يتركز الاهتمام الدولي على سوريا والعراق فاعلم أن الهدف تركيا “.  لكن الأهم من هذا و ذاك؛ هو الدور الذي يمكن لتركيا لعبه في حصار الإقليم المفترض اقتصاديا؛ بالنظر إلى حجم المبادلات التجارية؛ حيث تعتبر تركيا الشريك الاقتصادي رقم 1 مع الإقليم و الممر الاوحد لإمدادات “نفط كركوك” إلى الخارج خصوصا اذا تم التنسيق في ذلك مع الطرف الايراني.

موقف إيران يرفض النظام الايراني استفتاء كردستان العراق، و مباشرة عقب الإعلان عن نتائجه أجرت الحكومة الإيرانية مناورات عسكرية مشتركة مع الحكومة العراقية على الحدود  مع كردستان العراق، بل و أبقت على وحدت عسكرية ومدفعية على حدودها مع الإقليم.

كما وذهب رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية إلى أنقرة للتنسيق في الموضوع وبحث الخيارات العسكرية المتاحة  في حال إعلان استقلال الاقليم. هذا ويمكن تبرير معارضة\تخوف النظام الايراني لاستقلال إقليم كردستان العراق بالنظر إلى التركيبة الإجتماعية المختلطة للمجتمع الإيراني، و إلى طبيعة العلاقة غير المستقرة بين النظام الإيراني و القومية الكردية في هذا البلد.

لكن بعد نجاح الثورة في إيران؛ وفي ظل انحصار حركات المد القومي في نهاية القرن العشرين، استطاع نظام الثورة احتواء هذا المكون الكردي تحت عباءته المذهبية.

موقف سوريا:

جاء تصريح وزير الخارجية السوري “وليد المعلم” بدعم وحدة العراق ورفض  استفتاء انفصال الإقليم ،معربا في الان نفسه عن استعداد حكومته للتفاوض مع الأكراد على مطلبهم الخاص بالحكم الذاتي. ياتي هذا التصريح متضمنا لرسالة مشفرة لأكراد تركيا و للحكومة التركية التي تشن حربا على الأكراد و الرافضة لأي شكل من أشكال الاعتراف بالتواجد الكردي  فيها. اما الأكراد في سوريا فقد اصطفوا إلى جانب النظام في حربه الأخيرة مقابل وعود بإدارة ذاتية في المستقبل.

موقف امريكا :

يشكل مشروع القرار الامريكي المعروض على الكونغرس و الذي ينص على دعم “البشمركة” والعشائر السنية بمعزل عن مواقف الحكومة العراقية نقطة مهمة في مسيرة الاعتراف الامريكي باستقلال اقليم كردستان العراق؛ فوفق دراسة منشورة بالمجلة العسكرية الامريكية المتخصصة بعنوان  “حدود الدم نحو نظرة افضل للشرق الاوسط” اعدها “رالف بيترز” وهو ضابط امريكي و نائب رئيس هيئة الاركان للاستخبارات العسكرية الامريكية في وزارة الدفاع  جاء فيها قوله “ان فرصة تقسيم العراق فرصة عظيمة لتصحيح هذا الظلم، ضيعتها الولايات المتحدة الامريكية وشركاؤها في التحالف بعد سقوط بغداد؛ فالعراق الدولة التي تشبه شبح فرانكنشتاين دولة مكومة من أجزاء يصعب دمجها،…. إن رفض ديمقراطيات العالم مناصرة استقلال الأكراد يعد خطيئة ضد حقوق الإنسان أكبر بكثير من تلك الأخطاء التي تثير وسائل الاعلام لدينا بشكل متكرر. و للعلم فإن كردستان حرة تمتد من ديار بكر حتى تبريز، ستكون أكثر الدول المؤيدة للغرب في المنطقة الواقعة بين بلغاريا واليابان”.

خاتمة:

إن هذا الاستفتاء ما هو إلا حلقة من حلقات قادمة في سيناريو تقسيم المنطقة و تفتيتها . قد يكون توقيت الاعلان عن الاستفتاء و إجرائه مفاجئا للبعض، و غير مناسب، لكنه مناسب للأكراد أنفسهم فمن صالح الأكراد تنظيم الاستفتاء على استقلال الإقليم قبل إنتهاء الحرب على “تنظيم الدولة”، باعتبارها  عامل قوة بالنسبة  للقيادة السياسية الكردية، حيث وفرت الحرب قدرات تسليحية كبيرة للبشمركة الكردية ضمنت من خلالها  انتشارا أوسع و نفوذا أكبر في المناطق المتنازع عليها وفي مقدمتها كركوك النفطية، و بعد طرد ما يسمى “تنظيم الدولة” من الموصل كبرى حواضر محافظة نينوى، لذا يراهن الأكراد على إجراء الاستفتاء في هذه المناطق وضمها الى الإقليم، أو تقوية موقفهم في التفاوض حولها بعد الاستفتاء على أقل تقدير.

ختاما يمكن القول، أن استقلال إقليم “كردستان العراق” يبقى هدفا استراتيجيا، وخيارا ثابتا في الأجندات السياسية الغربية، و ستعمل على تنزيله ولو بعد حين.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى