الرئيسية / الشرق الأوسط / الخلاف القطري- الخليجي: مشكلة زعامة إقليمية
الخلاف القطري- الخليجي: مشكلة زعامة إقليمية
قطر

الخلاف القطري- الخليجي: مشكلة زعامة إقليمية

اعداد: د. مسيح الدين تسعديت – أستاذة محاضرة أ بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية
-المركز الديمقراطي العربي

 

لم يكن الخلاف القطري الخليجي بمنأى عن تحاليل المختصين في الشأن الدولي والإقليمي على حد سواء، غير أن معظم التفسيرات التي حظي بها لم تخرج عن دائرة ما تداولته الصحافة والتصريحات الرسمية للقادة السياسيين لأطراف الخلاف. ولذلك تميزت معالجة القضية في مجملها بمساندة أو تفنيد المبررات المختلفة التي قدمتها الدول التي شنت حملة المقاطعة الدبلوماسية والتجارية ضد دولة قطر. وخلافا لذلك ستسعى هذه الدراسة لتجاوز ما قيل حول هذه الأزمة وأسبابها، والبحث في حيثيات ما جرى إقليميا ودوليا، إضافة إلى تحليل شخصية قادة هذه الدول، من خلال مناهج تحليل علمية معروفة في حقل السياسة الخارجية على غرار مقترب الدور والمقترب السيكولوجي بغاية فهم سلوك هذه الدول وقادتها.

ومن ثمة ستكون إشكالية الدراسة كالآتي: هل الأسباب التي قدمتها دول المقاطعة الدبلوماسية على غرار مساندة قطر للإرهاب، وعلاقتها بإيران… وغيرها، كافية لتفسير الأزمة الخليجية-القطرية، أم أنها مجرد أزمة زعامة إقليمية وقضايا شخصية؟

أولا- عن مفهوم الأزمة:

باعتبار الأزمة هي حدث مفاجئ يحمل تهديدا كبيرا ووقتا قصيرا، مفاجأة وقلة المعلومات، فقد يكون من غير اللائق تسمية ما يجري بين هذه الدول من حملة إعلامية منذ 24 من ماي المنصرم، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر بداية من يوم 5 جوان 2017، وإغلاق المنافذ البرية والجوية معها بالأزمة، لأنّ عنصري المفاجأة وضيق الوقت ليس لهما وجود. لذلك ارتأت الباحثة تسمية القضية بالخلاف.

إنّ الخلاف هو وجود فرق في وجهات النظر يغذيه الاختلاف في المصالح ليصبح أزمة أو حربا، وقد يبدأ الخلاف بأزمة دبلوماسية أو أزمة اتصال كما هو الحال في هذه القضية، كما قد يعرف أزمات متتالية.

ثانيا- نقد مبررات دول المقاطعة:

قدمت المملكة العربية السعودية والدول التي ساندتها في حملتها ضد قطر جملة من الأسباب التي رأتها كافية لتبرير سلوكها تجاه دولة قطر. فبعد الخطاب العدائي المنسوب لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والذي اتضح أنه نتيجة لقرصنة مفتعلة، اتجهت السعودية والإمارات العربية إلى إدانة السياسة الخارجية القطرية بسبب مجموعة من القرارات والأنشطة التي رأتها تهديدا مباشرا لأمنها القومي والأمن الإقليمي على حد سواء، ومنها:

1– علاقة قطر بدولة إيران:

رأت دول المقاطعة ذلك خطرا على الأمن الإقليمي، وعلى وحدة مجلس التعاون الخليجي الذي تكون سنة 1981 كرد فعل على الثورة الإيرانية في 1979. غير أن الواقع الاقتصادي يفند هذه الإدعاءات بحيث تُمثل الإمارات ما نسبته 80 في المائة من حجم التبادل التجاري الخليجي مع إيران، ومركزًا ماليًا مهمًا للتحويلات الإيرانية. وفي لقاء جرى قبل ثلاثة أعوام، وجمع أعضاء الوفد التجاري الإماراتي بغرفة التجارة الإيرانية في طهران، صرّح سفير إيران لدى أبو ظبي محمد علي فياض أنّ الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات بلغ 15.7 مليار دولار في عام 2013، ونحو 17.8 مليارًا في عام 2012، و23 مليارًا في عام 2011، و20 مليارًا في عام 2010 [1]. لكن عام 2014 شهد قفزةً كبيرةً في حجم التبادل التجاري بين البلدين وأصبحت الإمارات أكبر الدول المصدّرة لإيران؛ إذ شكلت ما نسبته 27 في المائة من مجموع الواردات الإيرانية، وبلغ حجم التبادلات 41.620 مليار دولار.[2]

2– مساندة قطر للإرهاب:

تتهم الدول السالفة الذكر قطر بتمويل الإرهاب ورعاية الحركات الإرهابية، في حين تشارك قطر منذ 2001 في الحملة الدولية ضد الإرهاب، كما أن المملكة العربية السعودية نفسها متهمة خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بنفس التهم لاسيما في مساندتها للحركات السنية التي سرعان ما تحولت إلى تنظيمات إرهابية على غرار داعش.

والواقع أن هذه الإدانة تستمد حجتها من مساندة قطر لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ومعارضة الانقلابيين. ومع أنّ الولايات المتحدة تعتبر هذه الجماعة من ضمن الحركات الإرهابية الواجب محاربتها إلا أن الواقع يبطل هذه الاتهامات، وقطر كذلك.

ثالثا- إشكال الزعامة الإقليمية:

يقدم لنا اقتراب الدور مجموعة من المفاهيم التي تساعد في هذا الإطار على فهم الخلاف القطري -الخليجي أو بالأحرى السعودي- القطري على حقيقته. إنّ مفهوم الدور الوطني تعبير عن “الإرادات والأهداف والأفعال الناجمة عن عدد من المصالح والسياسات”[3]، حسب إدراك صناع السياسة الخارجية أو ما يسمى بإدراكات الدور الوطني National Role Conceptions، ويعرفها هولستي على أنها “التعاريف الخاصة بصناع السياسة الخارجية للأنواع العامة من القرارات  والالتزامات والقواعد والنشاطات الملائمة لدولتهم، وكذا الوظائف- إن وجدت- التي تؤديها الدولة في النظام الدولي أو أنظمته الفرعية.”[4]

وعلى الرغم من تعدد الأدوار التي تؤديها الدول إلا أنّ ما يهم في هذا الصدد هو دور القائد الإٌقليمي الذي يقوم على مجموعة من الواجبات أو المسؤوليات التي تتصورها الحكومة لنفسها ولعلاقتها بالدول الأخرى في منطقة محددة. وهنا يمكن الإشارة إلى أنّ لب الخلاف القطري السعودي بالأساس هو التنازع حول الزعامة الإقليمية، ومن ثمة تتبين الأسباب الحقيقية للخلاف فيما يلي:

1- السياسة الخارجية النشطة لقطر:

تميّزت السياسة الخارجية القطرية منذ عام 1995 بالحركية والمرونة ومحاولة بناء علاقات إقليمية ودولية متينة. وأقامت قطر علاقاتٍ متينة مع تركيا، وإسرائيل، وإيران، وكذا الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها. وهو ما صارت المملكة تعتبره منافسة لها أمام العديد من حلفائها الإستراتيجيين، لاسيما بعد استضافتها أكبر القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة في ” العُديد”. وقد ازداد الأمر حدة بعد مؤازرة قطر للثورات العربية، ثم معاداتها لحملة الثورات المضادة التي قادتها المملكة. في الوقت الذي رأت حلفاءها الإستراتيجيين يتخلون عنها خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ظلت العلاقات معها تتمحور ولأكثر من ستين سنة حول ضمان الطاقة، وتأمين المنطقة.

2- انحسار المد السني في المنطقة:

بعد العدوان الأمريكي- البريطاني على العراق، والإطاحة بالرئيس السابق صدام حسين، ثم تولي الشيعة لمقاليد الحكم ازدادت مخاوف المملكة من التوسع الشيعي في المنطقة. وقد بدأت ترى تلك الشكوك تتأكد بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية في العهدة الثانية للرئيس باراك أوباما مرحلة المفاوضات مع إيران من أجل تسوية الملف النووي[5]. وهكذا صارت كل صلة بالحركات السياسية التي تتلقى الدعم الإيراني تعد تهديدا للمملكة العربية السعودية بل والتواجد السني في المنطقة.

فعلاقة قطر بإيران ومساندتها لحركة حماس الفلسطينية المدعمة إيرانيا، تراه المملكة عرقلة لمسار السلام الذي تعتبر المسؤولة والقادرة على رعايته. كما أن مساندة إيران لهذه الحركة جعل من المملكة تعارض أي دعم لها باعتباره يعزز النفوذ الشيعي في الشرق الأوسط عامة، والمنطقة العربية بصفة خاصة. كما أنّ انقسام المعارضة السورية على نفسها بين موال لقطر وآخر للسعودية، بغض النظر عن الفئات الأخرى، استهجنته المملكة العربية السعودية كثيرا، باعتبار الاختلاف في المواقف معها يهدد الأمن الإقليمي.

3-الشعور بأحقية الريادة الإقليمية:

بعد زوال القوة العراقية على إثر العدوان الأمريكي- البريطاني سنة 2003،  وتراجع الدور المصري منذ ثورة 25 جانفي 2011 صارت المملكة العربية السعودية ترى نفسها الأجدر بالريادة الإقليمية، ومن ثمة صارت الأدوار التقدمية لدولة قطر سواء من خلال مواقف سياستها الخارجية، أو الآراء التي تبثها قناة الجزيرة، كلها تهديدات في إدراك صانع القرار السعودي، فمساندة قطر للثورات الشعبية مثلا أعتبر تهديدا مباشرا للعائلات الملكية القابعة على عروش العديد من الدول الخليجية.

والواقع أنّ الرغبة في الزعامة ظلت تراود العاهل السعودي الذي ظل معجبا بشخصية أمير قطر منذ أن كان وليا للعهد وقبل توليه للعرش، بحيث يمكن القول أن ذات الإعجاب تحول إلى المنافسة حول الزعامة الإقليمية بمجرد أن وصل إلى قمة العرش.

الخلاصة:

مما سبق يمكن القول أن الخلاف القطري- الخليجي يبقى بعيدا عن المبررات والحجج المقدمة من دول المقاطعة الدبلوماسية، بحيث يعبر بحق عن شعور سعودي بمنافسة لأدوارها الإقليمية والدولية من قبل دولة قطر التي باشرت منذ أزيد من عشريتين سياسة خارجية نشطة ومرنة. أما الدول الأخرى على غرار الإمارات العربية المتحدة فهي مجرد مجار لما تقوم به المملكة العربية السعودية.

كما يعد خوفا عن الدور الإقليمي المدرك من قبل صانع القرار السعودي، في ظل تزايد المد الشيعي في المنطقة بدء من العراق حيث الحكومة الشيعية المدعمة من طرف الولايات الأمريكية، وصولا إلى الدور الإيراني المتزايد بفعل دخول هذه الأخيرة مرحلة التسوية لملفها النووي مع القوى الغربية وعلى رأسها الحليف الإستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن ثمة تبقى حجج دعم قطر للإرهاب أو علاقتها بإيران مجرد حجج استخدمتها ذات الدول لتبرير سلوك المقاطعة الذي شنته ضد قطر.

[1] – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، “أزمة العلاقات الخليجية- القطرية: في أسباب الحملة ودوافعها”،

https://www.arab48.com، تم الإطلاع عليه بتاريخ  30.9.2017. [2]

[3] – Vít, BENEŠ, Role theory: A conceptual framework for the

constructivist foreign policy analysis? www.wiscnetwork.org/porto2011/papers/WISC_2011-768.pdf , consulté le13/11/2014.

[4] – K. J,. HOLSTI, National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy,

International Studies Quarterly, Vol. 14, No. 3 (Sep., 1970), pp. 233-309, maihold.org/mediapool/113/1132142/data/Holsti.pdf , consulté 13/11/2014.

[5] – Kylie Baxter & Kumuda Simpson, “The United States and Saudi Arabia through the Arab Uprisings”, Global Change, Peace & Security, Vol. 27, No. 2, 139–151, 13 May 2017.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى