الرئيسية / تقارير / القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا تتلقي ضربة مُوجعة بالنيجر
القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا تتلقي ضربة مُوجعة بالنيجر
قوات أمريكية

القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا تتلقي ضربة مُوجعة بالنيجر

اعداد : السفير بلال المصري – سـفـيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر

  • عضو الهيئة الأستشارية في المركز الديمقراطي العربي

 

أكد الجنرال François-Xavier قائد عملية Opération Barkhane العسكرية الفرنسية في مالي في تصريح أدلي به لموقع إذاعة فرنسا الدولية نُشر في 13 سبتمبر 2016عقب مقابلة رئيس بوركينافاسو Roch Marc Christian Kaboré له ” أنه لم تعد هناك جماعات إرهابية قادرة علي العمل علي مستوي منطقة الساحل , بل أنه علي العكس من الإنطباع الذي يمكن أن يكون لدي المرء , فإن جيوش مجموعة الدول الخمس بالساحل G5 وعملية Barkhane إحرزا نجاحاً مهماً ضد الجماعات الإرهابية (لم تعمل بعد بصفة خماسية) , فلم تعد هذه الجماعات بقادرة تكتيكياً علي الإستيلاء علي مدينة ما والسيطرة عليها ” .

كان هذه هو تقدير قائد حملة Barkhane الدموية الفرنسية في مالي , أذاعه علي العالم ليعطي إنطباعاً هو أول من يؤمن يقيناً بزيفه عن قدرات الجماعات الجهادية في الصحراء الكبري علي العمل والحركة القتالية , وهو ما تأكد له وللعامة خلال الأربع عشر شهراً الماضية بعد إدلاءه بهذا التصريح , حيث شهدت مالي وشمال وجنوب غرب النيجر عمليات للجماعات الجهادية آخرها تلك التي أعلنت مجموعة Iyad Ag Ghali في 9 يوليو 2017عنها بهجومها علي موقع لحملة عسكرية نيجرية بمحافظة Tahoua في Midal بقرب الحدود مع مالي وعلي بعد 500 كم من Niamey , وأدت إلي مصرع 5 جنود نيجريين , وفي 5 أكتوبر 2017 أعلن عن أن هجوماً شنه هؤلاء أو غيرهم ضد سفينتين نهريتين هما Tombouctou و Modibo Kéita في خط يصل بلدة Koulikoro بمدينة Gao بشمال مالي ولم يسفر هذا الهجوم عن ضحايا , بالإضافة إلي عمليات أخري في أماكن مُتفرقة بمالي وعلي حدودها مع النيجر .

لكن الضربة الأوسع تأثيراً والأكثر إيلاما تلك التي وُجهها هؤلاء الجهاديون لعسكرية الولايات المتحدة الحليف العسكري الرئيسي لفرنسا في أفريقيا جنوب الصحراء , إذ أعلن العقيد Mark Cheadle المُتحدث باسم القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM في مؤتمر صحفي عُقد في 4 أكتوبر2017 عن مصرع أربعة وإصابة إثنين آخرين (عقب الحادث ردد الإعلام الغربي – صحيفة البريطانية The Guardian علي موقعها بتاريخ 15 أكتوبر 2017- أن مروحيات Super Puma الفرنسية أخلتهم من مكان المعركة , لكن إتضح فيما بعد من واقع تأكيد صادر عن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا أن شركة خاصة للطيران تدعي Berry Aviation مقرها نيجيريا هي من قامت بالإخلاء الطبي بمقتضي عقد مُبرم لهذا الغرض وسبق تعاونها مع القيادة الأمريكية العسكرية في أفريقيا الوسطي) , وكانت هذه القوة مُكونة من 12 فرد من قوات العمليات الخاصة الأمريكية ذوي القبعات الخضراء , كما قُتل أربعة وأصيب ثمانية من جنود القوة النيجرية , أثناء قيامهم بهذه المهمة المُشتركة التي قوامها 40 مُؤلفة من عناصر من القوات الخاصة الأمريكية وأفراد من كتيبة أمن وإستخبارات تابعة للنيجر , وذلك في كمين نصبه لهم المهاجمين بقريةTongo Tongo الواقعة علي بعد 190 كم تقريباً شمال العاصمة نيامي بشمال محافظة Tillabéri بجنوب غربي جمهورية النيجر بعد قتال لم يستغرق سوي نصف الساعة , وأشار العقيد Cheadle أن هناك قتلي في صفوف المُهاجمين لكنه لم يحدد عدداً إذ قال ” أن مهمتهم لم تكن معنية بالعدو , وأن هذا التهديد لم يكن ُمُحتملاً في هذا الوقت ولم يكن هناك ثمة غطاء جوي” , وكان الإعلان الأمريكي عن هذه الخسائر علي مرتين إذ أعلن أولاً عن مقتل ثلاث من القوات الخاصة الأمريكية وبعد ذلك بيومين أخطرت قوة بحث مُكونة من 40 رجل أمن نيجري مدعومة من قوة فرنسية ومن طائرات أمريكية بلا طيار عن العثور علي جثة عسكري أمريكي رابع كان قد أعلن عن فقده ومركبته التي أطلقت عليها النيران , وهذه هي المرة الأولي كما قالت Dana W. White المتحدثة باسم البنتاجون التي يلقي فيها عسكريين أمريكيين مصرعهم في قتال بالنيجر , من جهة أخري صدر بيان عن هيئة أركان قوات النيجر المُسلحة أشار إلي أن دورية مشتركة هُوجمت من قبل عناصر مُتطرفة تقلها مركبات و20 دراجة نارية .

أشار موقع Washington Examiner في 11 أكتوبر 2017 إلي تصريح أدلي به للصحفيين رئيس هيئة العمليات الجنرال Mark Milley عقب مؤتمر رابطة جيش الولايات المتحدة AUSA بواشنطن في 9 أكتوبر 2017 , حيث قال ” أنه لديهم فكرة جيدة عمن وراء هذا الهجوم ” لكنه لم يعط تفاصيل , إلا أنه قال ” لدينا معلومات عن المجموعة التي فعلت ذلك وطبيعتهم وتنظيمهم ” .

أشارت شبكة CNN الأمريكية في 11 أكتوبر نقلاً عن مسئوليين عسكريين قولهم أن الحادث قيد التحقيق وأن الإجراءات الأمنية بالنسبة للفرق العاملة في أفريقيا في سبيلها للمراجعة .

علي الجانب النيجري فقد عقد رئيس النيجر Issoufou Mahamadou إجتماعاً لبحث الموقف وتداعياته بعد ظهر 6 أكتوبر 2017 لمجلس الأمن الوطني CNS والذي يضم رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية والمالية وكبار العسكريين , فيما أصدرت وزارة دفاع النيجر بياناً عن الهجوم بتاريخ 9 أكتوبر أشارت فيه إلي أن الهجوم حدث في حوالي الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً ضد دوريةUne patrouille مُشتركة من قوات الأمن والدفاع النيجرية و” شركاء ” أمريكيون كانوا يتحركون بمنطقة الحدود النيجرية مع مالي وما لبثوا أن وقعوا في كمين نُصب لهم بمعرفة العناصر الإرهابية تقلهم مركبات يزيد عددها عن عشرة و20 دراجة نارية وذلك قرب قرية Tongo-Tongo الواقعة علي بعد 80 كم من شمال غرب بلدة Ouallam (جنوب غربي النيجر وتتبع منطقة Tillabéri) وبعد معركة خاضتها القوة المُشتركة إتسمت بالشجاعة والتنافسية كانت الخسارة في صفوف قوات الأمن والدفاع النيجر 4 قتلي و8 جرحي وفي صفوف الشركاء الأمريكيين ثلاث قتلي(أضيف إليهم رابع فيما بعد) وجرح إثنان . ويُلاحظ في مضمون وتوقيت بيان وزارة دفاع النيجر أنه أكد أن الهجوم كان ضد دورية مُشتركة أي أن من هُوجموا لم يكونوا في وضع ثبات , كما أن بيان وزارة دفاع النيجر لم يُشرلا من قريب أو بعيد إلي أن قوة العمليات الخاصة الأمريكية كانوا في مهمة حوار مع “زعماء محليين” كما أشار المتحدث باسم القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا , كذلك فالفارق الزمني بعيد نسبياً بين إعلان الولايات المتحدة عن هذا الهجوم وإعلان النيجر عنه ونتيجته فالولايات المتحدة أعلنت في مساء نفس يوم الهجوم أي في 4 أكتوبر بينما كان بيان وزارة دفاع النيجر في 9 أكتوبر ولم يصدر إلا بعد 3 أيام من إجتماع مجلس الدفاع الوطني , مما يشير إلي إرتباك لدي القيادة السياسية بالنيجر .

أشار موقع GEOPOLIS Afrique في 5 أكتوبر 2017 ” أنه وعلي سبيل المفاجأة أُكتشف أن هناك ثمة وجود غير مُعلن للجنود الأمريكيين في الساحل , فقد لقي بعض من عناصر قيادة العمليات الخاصة الأمريكية مصرعهم وهم في مهمة في منطقة حدودية بين النيجر ومالي وذلك في كمين نصبته لهم مجموعة مُنبثقة عن تنظيم الدولة الإسلامية ” , وتساءل Jacques Deveaux كاتب هذا المقال عن عدد القوات الأمريكية بالنيجر ؟ مُعقباً بقوله أنه من المستحيل معرفة العدد , إلا أنه أشار إلي خطاب الرئيس Obama الذي أرسله لمجلس النواب عام 2015 وأشار فيه إلي أن عدد القوة الأمريكية بالنيجر يبلغ 350 رجل , لكن موقع STARS AND STRIPES في 6 أكتوبر 2017 أشار بالإحالة علي القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا إلي أن للولايات المتحدة موقعين تعمل بهما قواتها بالنيجر في إطار ما وصفه الموقع “التعاون الأمني ” أحدهما في العاصمة Niamey والآخر في شمال النيجر بمدينة Agadezللطائرات بدون طيار واهي التي زارها قائد Africom الجنرال Thomas D. Waldhauser في 2 نوفمبر 2016 (أقامت ألمانيا في أكتوبر 2016قاعدة عسكرية في نيامي كنقطة دعم للنقل الجوي من أجل قوة الأمم المتحدة متعددة الجنسيات للإستقرارالمتكامل في مالي MINUSMA) , كما أشار الرئيس Obama أيضاً أن عدد هذه القوات بالنيجر يبلغ حالياً 800 رجل بعد أن كان 645 رجل في يونيو الماضي و300 في الكاميرون و300 في أفريقيا الوسطي يواجهون جيش الرب الأوغندي) , فيما أشارت France 24 نقلاً عن VICE News في 18 مايو2017 أن القوات الأمريكية الخاصة تنفذ حالياً 100 مهمة , وأنه في عام 2006 كانت الولايات المتحدة تنشر 1% فقط من قواتها المتواجدة خارج الولايات المتحدة بأفريقيا , وقد بلغت هذه النسبة 3% في عام 2010 ثم وفي عام 2016 أصبحت النسبة 17% , وأنه بناء علي ما ذكرته القيادة الأمريكية للعمليات الخاصة فإن هناك عمليات خاصة أكثر تُنفذ في أفريقيا عنها في أي مكان آخر بالعالم عدا الشرق الأوسط , وأن 1700 جندي أمريكي مُنتشرين لمساعدة العسكرية الأمريكية في 20 بلد أفريقي في الحرب علي “الإرهاب” , وإتصالاً بهذا أشار موقع Los Angeles Times في 9 أكتوبر 2017 إلي تصريح أدلي به الجنرال Donald C. Bolduc القائد السابق لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية لمجلة Special Warfare Magazine في يناير 2017بقوله ” أن مستقبل العمليات الخاصة ليس العراق أو أفغانستان لكن في مناطق فيها من نري أنهم منتمون لمنظمات متشددة في عنفها تنتشر في مناطق منها أفريقيا ” ., ولهذا التصريح علاقة بالطبع بإتجاه العسكرية الأمريكية في النظر إلي ما يمكن فعله بعد هجوم 4 أكتوبر .

بالرغم من أن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا لم تشر إلي المسئول عن الهجوم إلا أنها أشارت إلي أنها ستقوم بإصطياد المُتمردين Insurgents , إلا أنه وحتي الآن لم تعلن أي جهة أو منظمة عن مسئوليتها عن الهجوم , إلا أن مسئوليين أمريكيين طلبوا حجب أسماءهم ومناصبهم تحدثوا عن شكهم في أن الفرع المحلي لتنظيم الدولة هو من يتحمل هذه المسئولية , فيما أحالت مجموعة الأزمات هذا الهجوم الأول من نوعه ضد العسكرية الأمريكية بالنيجر علي أنه من قبل مجموعتين هما تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبري Islamic State in the Greater Sahara وتحالف جهادي آخر يقوده المالي Iyad Ag Ghaly وكلاهما أعلن مسئوليته عن الهجوم وغيره وفقاً لما زعموه , فيما أشار PAUL MCLEARY وهو صحفي مُتخصص في شئون الدفاع بمقال له نشره موقع THE CABLE في 5 أكتوبر 2017 أنه من غير الواضح الجهة التي نفذت هذا الهجوم المُميت لكن قوات النيجر لطالما جابهت جماعات جهادية مثل تنظيم الدولة المُنبثق عن جماعة Boko Haram (التي لنا أن نتصور بناء علي المعلومات المُتناثرة عنها في الإعلام الغربي وتابعه العربي أن عناصرها القليلة تتحرك في مناطق بأفريقيا حديها يقعان ما بين شاطئ المتوسط وخط الإستواء وهو أمر يصعب هضمه منطقياً) ومثل قاعدة المغرب الإسلامي في المنطقة التي وقع فيها هذا الهجوم , وأدعي Robbie Corey-Boulet بموقع World Politics Review في 6 أكتوبر 2017 ” أن مثل هذه الجماعات ماهرة في إستغلال الصراعات الطائفية لمزيد من إنخراط بعض من سكان هذه المناطق بصفوفها خاصة من الرعاة المُنتمين لقبيلة الفولاني المُهمشة ” , وعلي كل فقد حسم البنتاجون في تصريح أدلي به لإذاعة صوت أمريكا في 11 أكتوبر 2017 العقيد Michelle Baldanza المُتحدث باسمه حيث قال “أن مقاتلي تنظيم الدولة نصبوا كميناً للقوة الأمريكية / النيجرية المُشتركة وأطلقوا عليها النيران في 4 أكتوبر مما أدي إلي مصرع أربعة أمريكيين وجنود نيجريين ” , ونقلت الإذاعة عن مسئول أمريكي آخر لم تسمه – نظراً إلي أن التحقيق مازال جارياً في هذا الأمر – قوله ” أنه بمجرد أن أنهت هذه القوة إجتماعاً مع زعماء محليين وإذإ بأفرادها وهم في طريقهم ليستقلوا عرباتهم هُوجموا وحدث ما حدث ” .

من جهة أخري أشار موقع World Politics Review أن The New York Times قالت ” إن مسئولي البنتاجون أعربوا عن صدمتهم بعد هذا الهجوم وأنهم أشاروا إلي أن الولايات المتحدة تعكف علي مراجعة وتقييم التهديدات وكيفية الموافقة على عمليات محددة ( وهي إشارة قد تصف مهمة من تعرضوا للهجوم علي أنها كانت قتالية) , وهو ما أكده العقيد Mark Cheadle المتحدث باسم القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا في تعقيب له علي الحادث حيث قال ” إننا نعيد التقييم فهذا أمر غير مُتوقع , إذ أننا لم نُقدر أن يقع مثل هذا النوع من الهجمات وعلينا أن نرصد موارد أكثر له حتي نقلل الخطر ” , لكن المبرر الساذج الذي ساقه العقيد Mark Cheadle المتحدث باسم القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا لتفسير تواجد القوة الخاصة الأمريكية في قرية بقرية Tongo Tongo النائية بشمال النيجر مبرر باهت من الصعب أن ينطلي علي أي مراقب للوضع العسكري الأمريكي في أفريقيا خاصة بعد إقامة القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا في أكتوبر2007 إذ أنه قال ” أن القوة الأمريكية المكونة من 12 من قوات العمليات الخاصة الأمريكية بمعية 20 علي الأقل من قوات النيجر المسلحة ذهبت لهذه القرية للتحدث إلي لزعماء محليين عن الأمن , وأنهم لهذا السبب لم يتوقعوا هجوماً ما ومن ثم فلم يكن هناك ثمة غطاء جوي حمائي لهم ” , وفي الحقيقة أن وصف العملية المميتة في قريةTongo Tongo بغير المتوقعة عذر أقبح من ذنب , إذ أن المصالح الأمريكية تعرضت لخطر سابق بالنيجر , ففي 14 اكتوبر 2016 تم إختطاف القس الأمريكي Jeff Woodke والذي كان رائداً بإرسالية Jeunesse en Mission Entraide et Developpement وهي فرع من Youth With a Mission من حيث كان ببلدة Abalak الواقعة علي بعد 635 كم بشمال شرقي نيامي عاصمة النيجر , وهي منطقة تعتبرها السفارات الغربية بالنيجر “منطقة حمراء” تنصح رعاياها بالإبتعاد عنها إذ تكثر فيها عمليات الإختطاف لقاء فدي مالية , وكان Jeff يعيش بهذه المنطقة لسنين وجري إختطافه وفقاً لإفادة وزير داخلية النيجر Mohamed Bazoum من منزله علي يد عناصر جماعة التوحيد والجهاد بغرب أفريقيا Mujao التي تُوصف بأنها مُتشددة حيث قتلوا حارسي أمن من أمام منزله وجندي من الحرس الوطني ثم إتجهوا به نحو شرقي مالي , وهي عملية من عمليا عديدة عايشت واحدة منها بنفسي عندما كنت أعمل بالنيجر في الفترة من 2009 حتي 2013 , ففي هذه العملية تم إختطاف خبراء فرنسيين عاملين بموقع إستخراج اليورانيوم حول مدينة ARLIT بشمال النيجر بمعرفة مجموعةAREVA المملوكة في معظمها للدولة الفرنسية , فمازال الإعلام الغربي خاصة الفرنسي يتعامي عن الحقيقة الواضحة , وهي أن قطاعات مختلفة من شعب النيجر يمقت بطبيعته الوجود الغربي العسكري علي أراضي بلاده والتي أضرمها أكثر وأكثر الميل الغربي والفرنسي خاصة نحو السخرية من كل ما يتعلق بأفريقيا وشعوب منطقة الصحراء , وهو بالضبط الدافع الذي حرض شعب النيجر علي التعبير بكل ما أوتي من عنف عن غضبة من كل ذلك , ففي يناير 2015 إحرقت الجماهيير الغاضبة في النيجر معظم الكنائس بالعاصمة والأقاليم إحتجاجاً علي الرسوم المُسيئة للنبي صلي الله تعالي عليه وسلم التي نشرتها مجلة CHARLIE HEBDO الفرنسية الساخرة تحت ذريعة الحرية التي لا تمتد ولا تجرؤ أن تمتد للإساءة للسامية ( نسبة المسلمين بالنيجر تبلغ 99,5% من السكان) , ووفقاً لباحثين كثر منهم Antonin Tisseron بمعهد Thomas More فإن عداء شعب النيجر تجاوز مجرد الدوافع الدينية والإجتماعية ليصل إلي الدوافع الإقتصادية , ففرنسا يراها شعب النيجر السبب الرئيسي لفقرهم المدقع بإستغلالها اليورانيوم لأكثر من 45 عاماً دون فائدة عادت علي الشعب الذي يعاني شبابه من البطالة كا جاءت الحملة الفرنسية الأمريكية علي ليبيا عام 2011 وبالاً علي هذا الشباب , فقطاع كبير منه كان يعمل بليبيا في أمن إلي أن دُمرت ليبيا فعاد للنيجر فراراً , ويري قطاع مهم من هذا الشباب والمعارضة يقيناً أن الرئيس Mahamadou Issoufou المُعاد إنتخابه لفترة رئاسية ثانية في إنتخابات مُختلف علي نتيجتها أجريت في مارس 2016 يلقي دعماً فرنسياً وغربياً لتجاوبه مع متطلباتهم العسكرية والأمنية , إذ أنه هو الذي أعاد الوجود الفرنسي علي أراضي النيجر عام 2010 , وهو ما كان يرفضه الرئيس الأسبق Mmadou Tandja وغيره من سابقيه , كما أن الرئيس Tandja أصر علي تغيير نمط ومضمون تعاقدات فرنسا (مجموعة Areva) بشأن إستغلال اليورانيوم مما أجبر الرئيس الفرنسي الأسبق نيقولا ساركوزي علي زيارة نيامي في مارس 2009 لمدة 4 ساعات فقط تصحبه فيها Anne Lauvergeon رئيسة مجموعة Areva فقط لتوقيع إتفاق جديد مع النيجر يختلف في شروطه عن التعاقدات المُجحفة السابقة , وهو السبب الرئيسي بل والوحيد في تقديري لإنقلاب ثلة من العسكريين عليه والإطاحة به في 18 فبراير 2010 .

من جهة أخري عمل الإعلام الموالي للمصالح الغربية والأمريكية تحديداًعلي ترسيخ والترويج لكل ما تقذف به الذراع الإعلامية للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM لوسائل الإعلام الأفريقية والعربية , فقد برر كل من Jean-Hervé Jezequel مدير مشروع غرب أفريقيا و Hamza Cherbib الباحث المُساعد الهجوم الذي قام به إسلاميين ضد عناصر القوات الخاصة الأمريكية في قرية Tongo Tongo بالنيجر بقولهما علي موقع all Africa في 5 أكتوبر 2017 ” أن العنف الجهادي لا يمكن فصله عن التوترات الطائفية الأعمق والمُتعلقة بالتنافس المحلي علي الموارد والنشاط الإقتصادي غير المشروع ” , وحاولا معاً من خلال مضمون مقالهما التأكيد علي الأسباب القبلية والإقتصادية لهذا الهجوم , ولم يجشما نفسيهما عناء التلميح ولو من بعيد بأن الوجود العسكري الأمريكي المُتمدد بالنيجر يثير حفيظة السكان لعلاقة مثل هذا الوجود بالسيادة التي يتشدق بها بعض الرؤساء الأفارقة بالحديث عنها وبالتمسك بها عندما ينشأ بين بلادهم وبلد جار صراع أو نزاع ما علي الحدود أو السياسات , وعلي كل حال لم ينس كلاهما أن ينوها إلي أن هجمات سابقة نفذها في الأشهر الأخيرة تنظيم الدولة في الصحراء الكبري بقيادة أبو وليد الصحراوي (المُنتسب لقاعدة المغرب الإسلامي والمُنشق عن جماعة المرابطين والذي يُشكك البعض في ولاءه لتنظيم الدولة الإسلامية والذي تعتبر المنطقة المُمتدة ما بين Ansongoو Ménakaمسرحاً لنشاطه ) , إلا أن بعض المراقبين يشيرون إلي أن أبو وليد مد نطاق نشاطه بعمليات قام بها في بوركينافاسو التي تعرض أحد فنادقها في العاصمة Ouagadougou لهجوم “إرهابي” من قبل عناصر قاعدة المغرب الإسلامي في يناير 2016 أسفر عن 29 قتيل وأكثر من 50 جريح , وكذلك في النيجر حين أغار في أكتوبر 2016 علي سجن Koutoukale الذي تحرسه قوات النيجر الحكومية , وهجوم آخر نفذته جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين وهو تحالف من جماعات مُسلحة أسس في مارس 2016 بقيادة Iyad Ag Ghali وهو طوارقي من مالي أعلن عن ولاءه للقاعدة , وهو ما يؤكد من حيث لم يقصد Jean-Hervé Jezequel أن المنطقة مُلتهبة وتستحق الحذر في الحركة من جانب العسكريين الأمريكيين وغيرهم , وهو ما أكده تقرير International Crisis Group الذي أشار إلي أن الموقف في مناطق الحدود بين النيجر ومالي يدعو للقلق وأن سلطات النيجدر لديها شك في أن شباباً ينتمي لقبيلة الفولاني Peul في محافظتي Tahoua و Tillabéry لديهم صلات قربي مع أفراد من الجماعات الجهادية وأن حكومة النيجر أذنت لجماعات مُسلحة من الطوارق من مالي مثل جماعة imghad و doosaak بمطاردة عناصر جهاديةعلي أراضي النيجر , وأن أفراد ينتمون لقبيلة الفولاني بالنيجر أفادوا Crisis Group بأنهم يشكون في أن فرنسا تدعم هذه الجماعات من خلال عملية Opération Barkhane .

ما تقدم الإشارة إليه يتعلق بمعركة ما بين الحكومات وبين هذه الجماعات التي أصبح من اليسير جداً ربطها بالقاعدة حتي إشعار آخر ليسهل إصابتها بسهام النقد بعيداً عن ربطها بالقضية الأصلية وهي قضية سيادة دول منطقتي الساحل والصحراء علي أراضيها بحيث تتحرك فيها كتائب من جيوش العالم تقتل فئات من شعوب هذه المنطقة لمجرد إعتناقها فكراً يصفه عدوها بأنه متطرف ومُتشدد ويشاركهم في توصيفاتهم قادة هذه الدول وقطاع كبير من إعلامهم دون النظر إلي أنه طالما تخلي قادة الدول عن التمسك بسيادة دولهم لأي سبب كان وأستمر النهب الإقتصادي الفرنسي لمواردهم الطبيعية , فإنه سيكون من الصعب بل من المستحيل عليهم جميعاً التحلي بالحيادية والموضوعية كونهم أطراف في معركة ولهم مصالح مختلفة تماماً عن تلك التي يدافع عنها أولئك الذين يوصمونهم بالتطرف والتشدد لدرجة أنستهم مثلاً أن الجهاد فريضة في عقيدة هؤلاء , أما أن تقوم هذه الجماعات بإستهداف عسكريين أمريكيين , هنا لا يمكننا الشك في أن لهذه الجماعات وجهة نظر ثابتة إزاء الصراع مع الحكومات بمنطقتي الساحل والصحراء فهي تراها حكومات تابعة تدعمها الولايات المتحدة وفرنسا وحلفاؤهما الغربيين في حرب صليبية , والبعد عن هذه الحقيقة يقترب بنا للمبررات الأكثر من سخيفة التي يتخمنا بها الإعلام الغربي وتابعه العربي عندما يقول لنا أن هؤلاء متطرفون فيما الحكومات المُوغلة في الفساد ليست متطرفة في فسادها فالنظم السياسية منذ إستقلال دول منطقتي الساحل والصحراء في ستينات القرن الماضي لم تقم بتنمية حقيقية ملموسة في بلادها وتركتها نهباً لدورات الجفاف والتصحر أدت إلي مجاعات مزمنة أضاعت ما تبقي من سيادة لهذه الدول إذ ظلت وستظل تنتظر حاويات الدعم الغذائي الآتية من الأمم المتحدة من ” مانحين” كالولايات المتحدة وحلفاءها والتي بدونها هوت الدولة وأنهار آخر طابق من مبناها , ولهذا السبب ولتعويض نقص المنطق المُتزن في تبرير هذا الحدث المُفعم بالمعاني المُتعلقة بالتداعيات السياسية والعسكرية المُحتملة والحالية بمنطقتي الساحل والصحراء ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي مُتمثلاً في القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM فإن هناك إسئلة أخري مُثارة وتنتظر إجابة سواء من جانب حكومة النيجر أم الولايات المتحدة أو كلاهما ومن بين هذه الأسئلة : أنه بالنظر إلي أن القوة التي هُوجمت والمكونة من خمس أفراد وفي قول آخر 12 فرد معروفة باسم A-Team وتنتمي إلي كتيبة Alpha من قوات العمليات الخاصة بمعني أنها قوة مُنتقاة وعلي قدر رفيع من التدريب والجاهزية وبالتالي فإن تواجدها في قرية نائية بمحافظة Tillabéri مُرتبط بتنفيذ عملية نوعية ولا يمكن أن تكون هذه العملية كما تدعي الولايات وحلفاءها عملية مكافحة تهريب للسلع أو للمخدرات أو للبشر كما أن عدد الضحايا الأمريكيين كان كبيراً نسبياً إن قيس بعدد ضحايا القوة النيجرية المُصاحبة والتي يُقال أن قوامها 20 فرد , وبناء علي ذلك فما هي العملية المُستهدفة والحالة هذه ؟ ولماذا لم تؤد المساندة الجوية العسكرية الفرنسية إلي إنقاذ الجنود الأمريكيين رغم إستخدامهم طائرات Mirage وطائرات الهليوكوبتر الهجومية التي أشار Mark Cheadble المتحدث باسم قيادة AFRICOM إلي إنها قُدمت للنجدة اقوة الأمريكية / النيجرية المُشتركة بمجرد تلقيها الإشارة لدعمها علي الأرض ؟ , وفي هذا الصدد أشارت شبكة CNN الإخبارية في 11 أكتوبر إلي أن الطائرات العسكرية الفرنسية طارت إلي موقع الهجوم في محاولة لدعم القوة الأمريكية التي علي الأرض لكن عدد من المسئوليين العسكريين الأمريكيين أفادوا الشبكة بأن حكومة النيجر لم تأذن بضربات جوية علي أراضيها وأضافوا أن إدارة الرئيس Trump تتحدث مع حكومة النيجر عن عمل عسكري أمريكي وشيك لضرب الجماعة التي وراء مصرع الجنود الأمريكيين , كما أشاروا إلي أن فرنسا هي الأخري فتحت تحقيقاً لجمع معلومات عن الجناة , وكل هذا وغيره يعني أن هناك تنسيقاً يومياً بين العسكريتين الفرنسية والأمريكية في مالي والنيجر وتشاد ودول أخري بمنطقتي الساحل والصحراء , كما أن هجوم 4 أكتوبر كان – وفقاً لإفادة البيت الأبيض – كان أحد الموضوعات التي تضمنها الإتصال الهاتفي بين الرئيسين Donald Trump وEmmanuel Macron يوم الجمعة 6 أكتوبر أذ أنهما تحادثا في شأن العمليات المُشتركة بينهما ضد الإرهاب في منطقة الساحل لإلحاق الهزيمة بالقاعدة والجماعات الإرهابية الأخري , ومما قيل إجابة علي سؤال عدم فعالية المساندة الفرنسية نقلاً عن رسميين أمريكيين أن سداً من الآليات والمدافع والقذائف الصاروخية من 50 عنصر من الميليشيا أجبر قوة العمليات الخاصة الأمريكية والنيجرية علي التراجع نحو مواقع دفاعية بقرب الحدود مع مالي , وهو ما أكده أيضاً موقع USA TODAY في 6 أكتوبر 2017 نقلاً عن مسئوليين أمريكيين أشاروا إلي أن الهجوم قام به ما بين 40 إلي 50 متطرف (هل يعتبر مجرد هجومهم علي قوة أجنبية علي أراضي بلادهم تطرفاً ؟ أوهل كان مكتوباً علي جباههم أنهم مُتطرفون ؟ وما هي العلامات الجسدية التي تعبر عن التطرف؟ فكلمة أو إصطلاح ” الإرهاب” أصبح في منتهي الإبتذال ) وهي قوة عددية مماثلة للقوة الأمريكية / النيجرية مع فارق التسليح والمساندة الجوية الفرنسية لصالح القوة الأمريكية .

في تقديري أن تواجد قوة العمليات الخاصة الأمريكية برفقة كتيبة أمن وإستخبارات نيجرية بقرية Tongo Tongo القريبة من حدود النيجر مع مالي كان لغرض قتالي إذ من الأدلة علي ذلك أن بيان وزارة دفاع النيجر أشار إلي أنها ” دورية ” , كما لم يُشر إلي مهمتها ولم يشرإلي أنها توجهت إلي قرية Tongo-Tongo تعييناً , إذن فقد إقتربنا والحالة هذه من معني أن القوة توجهت إلي هناك للإشتباك مع المهاجمين , ومن الطبيعي أن تتجنب القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM البوح بذلك لعظم تأثيره الضار علي المعنويات وكذلك علي مصداقية مهام هذه القيادة التي تدأبت علي الإعلان رسمياً أن مهامها تدريبية وليست قتالية , إذ ما الداعي لتوجه جنود أمريكان لمناطق حدودية بين النيجر ومالي وهي مناطق تواجد كثيف وفعال للجهاديين ؟ فهذه المناطق ربما كانت أخطر وأكثر حساسية لدي العسكريتين الفرنسية والفرنسية من المناطق التي يتكثف فيها تواجدهما في شمالي النيجر ومالي , ففي الأول من يونيو 2017 أُعلن عن أن هجوماً شنته العناصر “الإرهابية” علي نقطة عسكرية نيجرية في محلية Abala التابعة إدارياً لمنطقة Tilaberri العسكرية وتقع بقرب الحدود مع مالي وتبعد 230 كم شمالي نيامي وخلف هذا الهجوم 6 جنود من الحرس الوطني وإثنان من الجندرمة النيجرية وذلك بالرغم أن هذه المنطقة مشمولة بحالة الطوارئ .

علي كل الأحوال فقد أشارت شبكة CNN الإخبارية الأمريكية في 17 أكتوبر إلي أن وزارة الدفاع الأأمريكية شرعت في إجراء مراجعة مبدئية Initial review للبعثة في النيجر وكذلك للكمين الذي نصبته أفراد تنظيم الدولة , وأشارت الشبكة إلي أن هذه المراجعة تهدف إلي تحديد دقيق لما حدث , وأن التحقيق الشامل في الأمر صدر من القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا سيشمل الأفرع العسكرية وعناصر وكالات مخابرات الولايات المتحدة التي كانت مُنخرطة في هذه المهمة وأن الفريق المُكلف بالتحقيق متواجد الآن في الميدان ليقف علي ما حدث والإعداد الذي جري لمهمة القوة التي هُوجمت في 4 أكتوبر , ويُتوقع نهاية هذه التحقيقات بنهاية هذا الأسبوع وأشارت CNN نقلاً عن مسؤليين أمريكيين قولهم أنه من بين الأسئلة الرئيسية في هذا التحقيق ما يلي :

– لماذا أشارت المخابرات إلي أن الحادث ” غير مُتوقع ” بالنسبة لمجموعة العمليات الخاصة الُمكونة من 12 فرد؟ وهل كان هناك ثمةإفتقاد للمؤشرات التي تشير بأن داعش تعمل بهذه المنطقة؟ وهل إلتقي قرويون بموالين محتملين لتنظيم داعش ؟ ولماذا كان هناك هجوم في هذا الوقت بعد عدة زيارات للمنطقة ؟ وكيف حدث أن تخلفت جثة الجندي David Johnson عندما وقع هؤلاء في الكمين , وهل نجا من الكمين أم قُتل من فوره ؟ وأين تم العثور علي جثته وضعاً في الإعتبار موضع مكان الإشتباك أو الكمين؟ وهل كانت خطة الإجلاء والرد السريع التي تعتمد على الفرنسيين كافية ؟ إذا أن الأمر إستغرق 30دقيقة للوصول لمكان المعركة , إذن فماذا عن وصول المساعدة لفريق في معركة نارية إستغرقت مدة 30 دقيقة ؟

كانت السلطات الأمنية والخارجية الفرنسية مدركة تمام الإدراك خطورة الوضع بمنطقتي الساحل والصحراء خلافاً لما أعلنه الجنرال François-Xavier قائد عملية Opération Barkhane العسكرية الفرنسية , ولذلك وفي يونيو الماضي رحب مجلس الأمن الدولي بمشروع قرار فرنسي ينص علي تمركز لقوة حفظ سلام أممية في مالي , لكن إزاء إصرار الولايات المتحدة لم يشر مشروع القرار إلي أي إمكانية لتمويل الأمم المتحدة لهذه القوة التي قوامها 12,000 رجل, والتي ستعمل بالمنطقة جنباً إلي جنب مع قوة فرنسية مُتواجدة في مالي بالفعل قوامها 4,000 رجل تعمل في إطار عملية Barkhane العسكرية هناك .

رد الفعل الأمريكي بشأن هجوم 4 أكتوبر :

لا شك في أن هذا الهجوم المميت والأول من نوعه ضد الوجود العسكري الأمريكي والذي وُجه ضد صفوة عناصر قيادة العمليات الخاصة بأحد مواقع تمركز تابعة للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM في النيجر يحمل في طياته معان مختلفة من بينها إستدعاء الذاكرة العسكرية الأمريكية للهجوم الذي تعرض له العسكريين الأمريكيين عام 1993 في عملية ” إعادة الأمل” في الصومال التي كان قوامها 27,000 جندي أمريكي وقُتل خلالها بعض من أفرادها ومُثل بهم شر تمثيل , وهو كذلك هجوم نوعي لم يتعرض له التواجد العسكري الأمريكي خلال المهام التي نهضت بها العناصر العسكرية للقيادة العسكرية الأمريكية بنقاط تمركزها بالعديد من الدول الأفريقية التي بنت معها هذه القيادة علاقات منذ بدء عملها في أكتوبر 2007 حتي للآن أو وقعت معها إتفاقات خاصة تحت مُسمي Formal Partnerships وهي إتفاقات وقعتها القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا مع 13 دولة أفريقية حتي الآن , إذ لم يتعرض أفراد هذه القيادة لهجمات مميتة كتلك التي حدثت لها بالنيجر بالرغم من أن العسكرية الأمريكية ممثلة في AFRICOM مُنخرطة في أربع صراعات بأفريقيا علي الأقل حتي وقتنا الحاضر (ليبيا والصومال وبحيرة تشاد ومنطقة الصحراء الكبري وتحديداً شمال مالي بالتنسيق مع العسكرية الفرنسية) , وإذا كان رد الفعل الإعلامي الامريكي إزاء هذه الواقعة ذات المغزي العسكري/ السياسي الواضح محدوداً فهو أمر مفهوم , لكن هذا لن يعني أبداً أنه ليس هناك من رد فعل حالي أو مُرتقب داخل القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM نفسها يتسق مع خطورة الحدث وموجات تأثيره السلبي علي أفراد القيادة أي علي روحهم المعنوية بل ومهامها مُستقبلاً في أفريقيا ومنطقتي الساحل والصحراء علي وجه التعيين , فقد إعترف Lt. Gen. Kenneth F. McKenzie مدير هيئة الأركان المُشتركة لسلاح مشاة البحرية الأمريكية في مؤتمر صحفي في 5 أكتوبر نشره موقع STARS AND STRIPES في 6 أكتوبر 2017 ” بأن هناك ثمة خطر علي قواتنا بالنيجر ” .

جاء رد الفعل الأمريكي علي أعلي مستوي عسكري مناسب لرمزية الحدث وإن بعبارات غير مباشرة , فقد أشار رئيس هيئة الأركان الأمريكية الجنرال Mark Mille في الإجتماع السنوي لمؤتمر رابطة جيش الولايات المتحدة AUSA بواشنطن في 9 أكتوبر 2017 ” إننا نقوم بالتدريب وتقديم النصح والمساعدة للجيوش الأصلية Indigenous armies في عموم العالم , وإني أقدر وأتوقع أن هذا الأمر سوف يزيد ولا ينقص في الأعوام القادمة ” , وهو ما يعني أن الهجوم الذي شنه “الجهاديون” أو الإرهابيون في النيجر أيا ما كانت المنظمة التي ينتمون إليها كان هجوماً ضد عسكريين أمريكيين ذهبوا خارج القاعدتين اللتين للولايات المتحدة بالنيجر وتوجهوا إلي قرية Tongo Tongo علي بعد 190 كم شمالي نيامي عاصمة النيجر , ووفقاً للراوية التي أوردتها شبكة NIGERDIASPORA في 5 أكتوبر 2017 فإن معركة نشبت بين بين القوة الأمريكية/ النيجرية في 4 أكتوبر قرب قرية Tongo Tongo التي لا تبعد كثيراً عن حدود النيجر مع مالي إلي الجنوب من بلدة Ménaka المالية والتي تعرضت لهجوم من هؤلاء ” الإرهابيون ” القادمون من مالي مما دعي القوة المُشتركة لتتبعهم إلا أن القوة المُشتركة وقعت في كمين , في الوقت الذي كانت فيه طائرات Mirage الفرنسية تحلق حتي ليل 4 أكتوبر في المنطقة لمتابعة المهاجمين .

أشار موقع إذاعة “صوت أمريكا ” في 11 أكتوبر 2017 إلي تصريح أدلي به Jim Mattis وزير الدفاع الامريكي تعليقاً علي هذا الحادث , إذ قال ” إن الدورية ضُربت بشكل عنيف في منطقة لم تكن القوة المعادية تعمل فيها من قبل وأن الطائرات الفرنسية القاذفة للقنابل هرعت في مدي نصف ساعة لتحلق فوق هذه المنطقة , وأنا أرفض كلية فكرة أنها (أي إستجابة مجموعة العمليات الخاصة الأمريكية) كانت بطيئة ” , كما أشار موقع NEWSY في 13 أكتوبر أن الرئيس الأمريكي لم يصدر عنه حتي 12 أكتوبر رد فعل مباشر عن هذا الحادث الدامي وهو الذي دأب علي تدوين الكثير مما يود قوله علي منصته المُفضلة Twitter .

ومع كل ذلك فلم تفلح الجهود العسكرية والأمنية في إختراق لغز إختفاء المهاجمين الذين إبتلعهم فضاء الصحراء بعد تنفيذهم للهجوم مباشرة , ليفتح هذا الموقف السبيل لسؤال كبير لابد وأن يُطرح بغض النظر عما يُقال عن هؤلاء ” الجهاديون أو الإرهابيون” , والسؤال هو هل يعني فشل هذه الجهود أن المهاجمين إختفوا أم أنهم ذابوا في أمواج السكان المحليين ؟ بمعني أن هناك ثمة حاضنة شعبية لهؤلاء مكنتهم من التسامي ليتحولوا بعد قيامهم بهجماتهم من مقاتلين إلي سكان عاديين , إذن فالسؤال ضروري حتي بالرغم من ثقل وكثافة الدعايات الأمريكية والمحلية في صحافتي مالي والنيجر والمضادة بالكامل لهؤلاء “الجهاديين” ووصمهم بالإرهاب علي طول الخط , والسؤال التالي هو كيف تستقيم هذه المهمة لمجموعة من قيادة العمليات الخاصة الأمريكية مع مهام التدريب التي يدعي رئيس هيئة الأركان الأمريكية أنها مُوكولة إلي العناصر العسكرية الأمريكية بالنيجر ؟ وهو ما جعل New York Timesالأمريكية تشير إلي أنه عندما وقع الجنود (الأمريكين والنيجريين) في الكمين لم تهرع أي من الطائرات الهليوكوبتر الأمريكية لمكان الهجوم وأنه بالرغم من أن الكونجرس لم يُصدق أبداً علي البعثة (العسكرية الأمريكية) بالنيجر – كما هو مُتبع وفقاً للدستور – إلا أن القيادة العسكرية الامريكية لأفريقيا طلبت من المشرعين مزيد من المساعدة قبل شهور من هذا الهجوم , كذلك فإن البيان الصادرعن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا في هذا الشأن يؤكد أن مجموعة العمليات الخاصة الأمريكية كانت تصطحب مجموعة من عناصر الأمن النيجري ليتحدثوا إلي ويطوروا العلاقات مع قادة محليين بهذه القرية النائية الواقعة بشمال محافظة Tillabéri بجنوب غربي النيجر قرب الحدود المُضطربةمع مالي , وهي بلا شك مهمة حوارية تخرج تماماً عن إختصاص ذوي القبعات الخضراء التابعين لقيادة العمليات الخاصة , وإن كان هذا الأمر ملح لدرجة الخروج عن قاعدة الإختصاص المهني فكان يكفي واحد أو إثنان من العمليات الخاصة الأمريكية , لكن أما وأن 12 منهم هم من توجهوا لقرية Tongo Tongo فالأمر والحالة هذه يدعوا لإيجاد تفسير غير القول بأنهم كانوا هناك لحوار مع قيادات محلية , خاصة وأن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا لديها من هم مُختصون بالعلاقات العامة أو السياسات العسكرية , وبالتالي فحديث رئيس هيئة عمليات الجيش الأمريكي حديث لا يتناسب مع الواقع العسكري الحالي لا في النيجر ولا في مالي ولا في أفريقيا عموماً وهو الواقع الذي زاده إنشاء القيادة العسكرية الأفريقية ميلاً إلي العسكرة جنباً إلي جنب مع الوجود العسكري لفرنسا من خلال إتفاقيات الأمن والدفاع وهي تزيد عن 20 إتفاق وبروتوكول وقعتها مع مستعمراتها السابقة بأفريقيا الفرانكفونية مُضافاً إليه مؤخراً الوجود العسكري للصين التي إقامت أول قواعدها العسكرية بأفريقيا بجيبوتي , لكل ذلك فالأفضل تجنب الرد تفصيلاً علي مقولة رئيس الأركان الأمريكي تلك لأنها قد تستهلك مادة الحديث عن هجوم 4 أكتوبر الدامي .

من المتوقع أن تضع القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا في إعتبارها عند تحليلها لحادث 4 أكتوبر – الذي أُخطر به الرئيس الأمريكي Trump مساء الأربعاء 4 أكتوبر – الإمكانات البشرية المحدودة لجماعة أبو وليد الصحراوي التي يُقدر بعض المراقبين بأنها تتجاوز الأربعين فرد بقليل , إضافة لإفتقاد هذه الجماعة لكل ما تملكه AFRICOM لتأمين أفرادها من غطاء جوي حمائي سواء أثناء العمليات أو سابقاً عليها بالإستطلاع أوالهجوم إذا ما تطلب الموقف بإستخدام قاعدة طائراتها التي بلا طيار Drones في بمطار مدينة Agadez بشمال النيجر القريبة من محافظة Tillabéri , وإذا ما علمنا أن تدريب قوات النيجر المُسلحة هو أحد مهام القيادة العسكرية الأمريكية التي رددت اكثر من مرة مقولة عدم جاهزية وكفاءة قوات النيجر , فإننا سنكون مُضطرين لإستجلاء مصداقية هذه المقولة ثم ربما الشك في كفاءة هذا التدريب الذي أصبح الآن علي المحك سواء من حيث مستواه أو كفايته بعد هذا الهجوم الدامي من قبل عناصر جهادية أقل تسليحاً وغير مُغطاة جوياً كعناصر القوات الخاصة الأمريكية .

تأثير الهجوم الدامي علي مستقبل قوة الساحل الخماسية G5 Sahel :

مما لا شك فيه أن الهجوم الدامي علي مجموعة من عناصر العمليات الخاصة الأمريكية يحمل في طياته تداعيات سلبية علي القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا نفسها وعلي قوة خماسية مُرتقبة تتكون من بعض دول الساحل منها النيجر وهي القوة التي تبنت العسكرية الفرنسية منذ ما قبل هذه الهجوم بشهور مسألة إقامتها وهي التي أعلن عنها الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز خلال مقابلة لصحيفة الفرنسية معه في ديسمبر 2016 , فمن المعلوم أن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا تبرر تواجدها العسكري علي أراضي منطقتي الساحل والصحراء بأنه لأغراض التدريب لقوات دول أفريقية ربما تزيد عن 20 دولة حتي الآن وأهم هذه الدول هي تلك التي في سبيلها لإقامة قوة الساحل الخماسية G5 Sahel من أجل مكافحة أكفأ للإرهاب , ولما كان من المنطقي أن يثير هذا الهجوم فكرة سلبية مُؤثرة مٌؤداها أن القوات الخاصة الأمريكية ليست علي المستوي النموذجي كي تقوم علي تدريب العناصر العسكرية الأفريقية ومنها دول القوة الخماسية تلك , وإذا ما أضفنا إفتراض يزيد من سلبية هذه الفكرة لأنه الأفتراض الأسوأ والمُعاكس لما طرحته القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM من أن الهجوم كان مُباغتاً , أي أننا لو إفترضنا أن القوة المُشتركة الأمريكية / النيجرية قصدت جهة قرية Tongo Tongo لهدف قتالي مباشر , فإننا والحالة هذه نكون أمام معضلة تتعلق بالثقة القتالية , ومما قد يعزز إفتراض ألهدف القتالي أن الإعلان عن الخسائر البشرية الأمريكية جاء علي مرحلتين نظراً لإفتقاد جثة الجندي الأمريكي الصريع الرابع والتي جري البحث عنها علي مدي يومين حتي وجدت في يوم الجمعة 6 أكتوبر في مكان لا يبعد كثيراً عن مسرح القتال الذي وقع فيه 3 جنود أمريكيين صرعي , وهذا يعني ببساطة أن مسرح القتال كان مُمتدا ولم يقتصر علي نقطة إلتحام أو إشتباك واحدة بل نقطتين وربما أكثر بما يعني أن القوة الأمريكية / النيجرية تحركت في نسق قتالي يعتمد علي توزيع أفرادها , وإلا فما هو سبب عدم العثور علي جثة الصريع الرابع مساء 4 أكتوبر ثم العثور عليها في مكان آخر بعد يومين ؟ , إن هذا السؤال وحده إن لم يهدم منطق المفاجأة وعدم التوقع الذي ساقته AFRICOM نظراً لتواجد قوة بهذا العدد هناك لإجراء حوار مع زعماء محليين , فإنه أي السؤال يؤكد أن القوة عندما هُوجمت أو عندما بادرت بالهجوم كانت مُوزعة .

إذن هناك تأثير سلبي لهذا الهجوم قد يمس مسألة علاقة الولايات المتحدة أو AFRICOM تحديداً بمقترح إقامة مجموعة الساحل الخماسية G5 Sahel , سواء علي مستوي التمويل وهو الأمر المُثار حالياً أو علي مستوي العلاقات التدريبية بين AFRICOM ودول القوة الخماسية للساحل , إذ من المُستبعد أن تنهض العسكرية الفرنسية بمسألة التمويل وحدها خاصة وأن السوابق الفرنسية تؤكد أن فرنسا تتجه إلي البحث دائماً عن ممولين ولو من خارج المنطقة لعملياتها العسكرية , فقد طلب الرئيس الفرنسيFrancois Hollande من الإمارتيين خلال زيارته لأبو ظبي دعمها لتدخل بلاده العسكري في شمال مالي بالسلاح أو بالعون المالي لتمويل عملية Serval الدموية هناك عام 2013 * ( صحيفة The National في 16 يناير 2013) , كما أنه من المعلوم أن موريتانيا أعلنت في وقت سابق علي ذلك أعلنت أنها غير معنية بالترتيبات التي تتخذها النيجر وبوركينافاسو ومالي بشأن إقامة قوة ثلاثية معنية ببسط الأمن في منطقة Liptako-Gourm التي أعلن في 24 يناير 2017 عن إتخاذ قرار ثلاثي لإقامتها والتي لم تظهر إلي حيز الوجود حتي الآن , فموريتانيا بجانب أنها بعيدة تماماً عن منطقة Liptako-Gourm فهي أيضاً مُثقلة بأعباء أمنية داخل وفي محيط حدود الدولة الموريتانية المُباشر , وإن كانت الخارجية الفرنسية قد أعلنت في 6 يوليو 2016 عن دعم مشروع التعاون العابر للحدود بالساحل Appui à la coopération transfrontalière au Sahel من منفذين ماليين هما وزارتي الخارجية والدفاع الفرنسيتين , وبعد ذلك إتفق رؤساء تشاد والنيجر ومالي والنيجر وبوركينافاسو في ختام إجتماعهم معاً في مارس 2017 علي إقامة قوة عسكرية خماسية للساحل G5 Sahel تساهم فيها كل من تشاد والنيجر وبوركينافاسو ومالي وموريتانيا لمجابهة “الجهاديين”.

هناك ثمة تطور طرأ فجأة وربما إكتسب معني سلبي قد يضيف صعوبة ما لتشكيل مجموعة الساحل الخماسية G5 Sahel بالرغم من أن أسبابه المباشرة ليست ذات صلة بترتيبات إقامة القوة العسكرية الخماسية التي يُقترح أن يكون قوامها 5,000 جندي تتولي مهمة مواجهة التهديد المُتنامي للجماعات “الإرهابية” و “المُتشددة” والتي يُنتظر أن يكون أول تمركز لكتيبة منها أول أكتوبر 2017 علي أن يكتمل إنتشار باقي الكتائب ميدانيا في مارس 2018 , وهذا التطور السلبي هو إنسحاب مئات من الجنود التشاديين المُتواجدين بالنيجر منذ عام 2016بعد هجوم لجماعةBOKO HARAM علي منطقة Bosso , وذلك بناء علي إتفاق حكومتي تشاد والنيجر علي إرسال 2000 جندي تشادي لتعزيز الأمن علي أراضي النيجر وتحديداً في نقاط بمحافظة DIFFA والمُطل جزء منها علي بحيرة تشاد التي تعتبر منطقة توتر ومواجهات مع عناصر جماعة BOKO HARAM , فقد نشرت وكالة Reuters خبراً في 12 أكتوبر 2017 نقلاً عن عاملين بالمنظمات الإنسانية المُنتشرة في هذه المناطق , أكدوا ذلك , , كما نشر موقع NIGERDIASPORA في 14 أكتوبر هذا الخبر نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية التي أحالته علي مصدر أمني بمنطقة Diffa أكد أن الإنسحاب كان تدريجياً وأن آخر دفعة جنود تشاديين غادروا مؤخراً (ما يعني أن الإنسحاب تم لكامل القوة التشادية) , وقد أشار الموقع أن التيليفزيون التشادي بث يوم 8 أكتوبر خبراً يشير إلي ” أن حكومة تشاد لا تصدق مزاعم تشير إلي قواتنا من حدود تشاد مع النيجر , والأمر لا يخرج عن كونه إعادة تمركز لقواتنا من أجل تأمين أفضل لحدودنا التي تعتبر مسامية ” . وقد أشارت Reuters إلي أن حكومة تشاد لم تقدم سبباً لذلك الإنسحاب , إلا أن الوكالة ربطته بالقرار الذي إتخذته منذ أكثر من شهر إدارة الرئيس Tramp بحظر حصول مواطني تشاد لأراضي الولايات المتحدة , فقد صدر إعلان رئاسي أمريكي في 24 سبتمبر 2017 لتعزيز قدرات الفحص وعمليات الكشف لمحاولات دخول الإرهابيين أو مُهددات الأمن العام الأأخري لأراضي الولايات المتحدة , وتضمن هذا الإعلان 6 دول منهم تشاد التي أُشير في نص الإعلان ” أن حكومة تشاد شريك مهم وله قيمة عالية لدي الولايات المتحدة في الجهود المُضادة للإرهاب , وتتطلع حكومة الولايات المتحدة إلي توسيع التعاون معها في مجالات تتضمن الهجرة وإدارة الحدود , وقد أبدت تشاد ترحيباً واضحاً لتحسين هذه المجالات , إلا أنه بالرغم من ذلك فلم تبد تشاد تعاوناً علي نحو مُلائم في مجال تبادل المعلومات المُتعلقة بالسلامة العامة والإرهاب وعدم الوفاء بمعيار رئيسي واحد علي الأقل من معايير المخاطر , يُضاف إلي ذلك أن عدداً من المجموعات الإرهابية ناشطة في تشاد أو محيط جوارها , وتشمل هذه المجموعات عناصر من BOKO HARAM و قاعدة المغرب الإسلامي , وفي هذا الوقت هناك (حاجة) للمشاركة في معلومات لتحديد هؤلاء الأجانب الذين يسعون للحصول علي تأشيرة دخول للولايات المتحدة وهم ممن يمثلون تهديداً للأمن القومي وللسلامة العامة مما يرفع من مخاطر الإرهاب في هذا البلد , وبناء عليه فإن دخول الولايات المتحدة بالنسبة لطالبي تأشيرة المهاجرين أو غير المهاجرين والسائحين من تشاد تصبح بموجب ذلك مُعلقة ” .

إنتقدت فرنسا في 27 سبتمبر قرار الرئيس الأمريكي بحظر سفر التشاديين للولايات المتحدة , وذلك علي لسان الناطق باسم خارجيتها Agnes Romatet-Espagneالذي قال ” لقد علمنا ودهشنا من قرار الولايات المتحدة مد الحظر علي دخولها ليشمل المواطنين التشاديين , فتشاد شريك حاسم في المعركة ضد الإرهاب وهو شريك حشد منذ البداية ودفع ثمناً باهظاً في هذه المعركة” , وكذلك فعل رئيس مالي Ibrahim Boubacar Keita إذ صرح في 28 سبتمبر 2017 مُطالباً الولايات المتحدة بإزالة حظر السفر علي مواطني تشاد إلي الولايات المتحدة , مبرراً طلبه هذا بأن ” هذا القرار يمكن أن يؤثر علي إلتزامات تشاد الأمنية ” , وهو بالضبط ما أشارت إليه وكالة Reuters في تعقيبها علي الخبر الذي أوردته , إذ قالت أن هذا القرار ربما كان سلبياً علي ارتباطات التعاون التشادي / الأمريكي فيما يتعلق “بالحرب علي الإرهاب” التي إستطاع الرئيس إدريس دبي حليف الولايات المتحدة المخلص أن يحولها كحكام ألف ليلة وليلة بالشرق الأوسط – في تقديري – إلي ما يُشبه السلعة النقدية الرئيسية للدولة التشادية , إذ أنك تجد القوات التشادية مُوزع جزء مهم منها في عمليات حفظ السلام الأممية والأفريقية بل وتلك الثنائية كالقوة المُرابطة بمحافظة DIFFA بجنوب شرق النيجر , إلا أنه وفي تقديري أيضاً فإنه نظراً للأهمية المتنامية التي توليها العسكرية الأمريكية مُتمثلة في AFRICOM للدور العسكري التشادي , فقد كان من المنطقي أن يكون قرار الإدارة الأمريكية بحظر دخول التشاديين – والذي قُصد منه إيصاد أي باب أو نافذة لتسرب تشاديين منتمين للجماعات الجهادية من تشاد إحكاماً للإجراءات الأمنية الحمائية الأمريكية – موضوعاً للتشاور بل والإتفاق المُسبق بشأنه بين الحكومتين الأمريكية والتشادية , إلا أنه وحتي إذا ما كان القرار التشادي بسحب جزئي للقوة التشادية من محافظةDiffa بالنيجر رد فعل علي القرار الأمريكي المُفاجئ , إلا أن الرئيس التشادي Idriss Déby سوف لا يستطيع الإبتعاد أكثر من ذلك مُكتفياً بسحب جزئي لهذه القوة وذلك لثلاث أسباب رئيسية : أولها أن الرئيس التشادي نفسه باق في السلطة منذ ديسمبر 1990 تحت غطاء الدعم والحماية الغربية التي وفرت له في سلطته ملاذاً آمناً بعيداً عن بعض البؤر الضوئية الإعلامية الغربية التي تركز علي النظم دائمة المكوث في السلطة بدون عملية ديموقراطية حقيقية , وها هو ذا يُستقبل في زيارته الرسمية لفرنسا وغيرها من الدول الغربية إستقبال الحليف في المعركة علي الإرهاب “الإسلامي” وبدون أن يزل لسان أي رئيس أوروبي للحديث معه عن تلك الرغبة التي بلغت حد الشهوة لديه للبقاء في سلطة مُؤبدة أو حتي عن إنتهاكه لحقوق الإنسان , إذ أنه طالما حافظت وصانت هذه النوعية الرديئة من الحكام الأقوياء وبشراسة علي شعوبهم الضعفاء في مهانة أمام الغرب والشرق , مصالح الغرب في تشاد أوغيرها فستظل ماكثة كالطود علي ذروة السلطة الشاملة في بلادها , وستثبت الأيام أن تشاد سيظل حليفاً دائم الإخلاص للإستراتيجية العسكرية / الأمنية للولايات المتحدة في عموم منطقتي الساحل والصحراء ثانيها أن حكومة النيجر لم تعلن عن إنسحاب ما تم أو وشيك للقوة التشادية في Diffa , لكن الجانب التشادي وفقاً لإذاعة فرنسا الدولية علي موقعها في 15 أكتوبر 2017 نقلت عن رسميين تشاديين تأكيدهم أن ما حدث هو مجرد عملية إعادة تمركز وأنتشار لقواتها المُوزع مجهودها علي أكثر من جبهة ضد “الجهاديين” وضد التهديدات المُحتملة التي مصدرها دارفور وجنوب ليبيا , وقد أشارت مصادر إعلامية غربية أن هذا الإنسحاب التشادي كان مصدراً لإرتياح سكان محافظة Diffa إذ أن وجود الجنود التشاديين هناك كان مثاراً لغضبهم , وقد أشارت إذاعة فرنسا الدولية RFI إلي أن الجزء من القوات التشادية المُنسحب من النيجر تمركز في منطقة Wour وهي واحة في أقصي شمال تشاد بمنطقة Tibesti الصحراوية القاحلة , ومن المعروف لدي المراقبين أن منطقة شمال شرقي تشاد من المناطق المُلتهبة أمنياً ولا سيطرة عسكرية تشادية فعالة عليها , ثالثها أن عبء الموارد البشرية العسكرية أصبح بالفعل ثقيلاً علي تشاد بالرغم من أنها تحصل علي تمويل غير مُعلن من “المانحين الدوليين” لتمويل أي إنتشار عسكري لها داخل وخارج أراضيها , خاصة وأن منطقة شمال شرقي تشاد تمثل بإستمرار هماً أمنياً علي نظام الجزء الوحيد المُتماسك فيه هو قمته ولأسباب ليست ذاتية , وبسبب هذا الوضع فإن الأمر يستوجب بالفعل إما ترشيد القوة العسكرية الخارجية لتشاد عددياً أو إعادة تنظيمها وتوزيعها لتحقيق وفورات ربما تحتاجها تشاد عند مساهمتها في القوة الخماسية للساحل G5 Sahel حالة إقامتها بشكل مُكتمل , كما أنه من جهة أخري سوف لا يكون ثمة داع والحالة هذه لتمركز 2,000 جندي تشادي دفعة واحدة في Diffa بعد إنطلاق القوة الخماسية التي ستساهم فيها تشاد أيضاً , ومن هنا كان لابد من سحب جزئي وليس إنسحاباً جزئياً للقوة التشادية في Diffa لمواجهة متطلبات أمنية مُلحة في شمال شرقي تشاد , وربما يتم سحب كامل القوة التشادية من Diffa فيما بعد لإدماجها في قوة الساحل الخماسية إن تم نشرها ميدانيا في مارس 2018 كما قيل . , في الوقت الذي أعلن فيه وزير دفاع نيجيريا في 17 أكتوبر عن أن الحكومة الفيدرالية أن هناك شراكة بين بلاده والولايات المتحدة وبريطانيا والأردن للحصول علي تقنيات فائقة الفاعلية لمجابهة جماعة Boko Haram في شمال شرقي نيجيريا .

الجانب الإيجابي الوحيد من وراء هذا الهجوم كان لفرنسا إذ أنه أتي ليؤكد علي أصوبية وجهة نظرها الفرنسية الداعية لإقامة مجموعة الساحل الخماسية G5 Sahel وهي وجهة نظر تجادل فيها الولايات المتحدة , وكانت فرنسا قد أعلنت فرنسا في يونيو 2017 عن أملها في أن تتمكن وبسرعة من التصويت علي مشروع قرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يقضي بتمركز قوة عسكرية أفريقية في مالي لمحاربة الإرهاب , وقد وزعه المندوب الفرنسي في مجلس الأمن علي أعضاءه في 6 يونيو 2017 أملاً من فرنسا في أن يحظي هذا المشروع بالدعم السياسي والقانوني من أجل إرسال هذه القوة المُؤلفة من 5,000 جندي إلي مالي وبالتالي توفير البيئة المناسبة لتنفيذ ما ورد بإتفاق السلام المُوقع عام 2015 بين الأطراف المالية , وهي القوة التي تعارض الولايات المتحدة وبريطانيا إنشاؤها لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل , وفي سياق محاولتها تمرير مشروع القرار في هذا الشأن إقترحت باريس نصاً جديداً له في 9 يونيو 2017 حددت فيه الجماعات الإرهابية التي علي هذه القوة المُرتقبة مواجهتها بعد إقرار الأمم المتحدة لها , ويحظي هذا المشروع بتأييد روسي وصيني وأوروبي وأفريقي , إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا مازالتا ترفضان من حيث المبدأ إنشاء هذه القوة , مع ملاحظة أن هناك حالياً بمالي قوة Minusma الأممية لحفظ السلام في مالي , والتي ستُستبدل بقوة G5 Sahel في حالة إجازتها من قبل مجلس الأمن الدولي , كما أن لفرنسا حملة عسكرية هي في الواقع عدوانية الطابع إلا أن الإعلام الفرنسي بتوافق مع الدولة الفرنسية يصفها بأنها قوة حفظ سلام في مالي أخذت مُسمي عملية opération Barkhane التي أنشأت في الأول من أغسطس 2014 ويقع مقر قيادتها في عاصمة تشاد (وهو ما يؤكد أن تشاد ما هي قسم من أقسام وزارة الدفاع الفرنسية وفرعاً رئيسياً للمكتب الثاني Le deuxième bureauأو المخابرات الفرنسية) وييشمل نطاق عملها منطقة الساحل وليس شمال مالي فحسب وهي العملية التي حلت محل عمليتي Operation Serval في مالي وعملية Opération Épervier في تشاد , وأحسب أن كثافة تمركز كل هذه الحملات والتنظيمات العسكرية والأمنية بشمال مالي يُعتبر بحق منظراً رومانياً بإمتياز ويدعوا أصحاب النظر وربما من يتشدقون بوصف أنفسهم بأنهم مُتحضرون للدهشة والإستغراب , إذ أنك تجد العسكريات الأمريكية ولها قاعدة في مدينة Mopti بوسط مالي والفرنسية في شال مالي وبينهما الأممية وكلها تعمل في مالي بكثافة مما أحال شمالها إلي ” حفلة عسكرية ” أو معسكراً متعدد الجنسيات , وفي الواقع فإن القصة الحقيقية التي دفعت فرنسا لتكثيف تواجدها العسكري في شمال مالي والنيجر وتنسيقه مع العسكرية الأمريكية بدأت حتي قبل حملتي Oddyssey Dawn و Opération Harmattan ضد ليبيا في مارس 2011 عندما تجددت ثم تصاعدت عمليات إختطاف الخبراء الفرنسيين العاملين لدي مجموعة Areva في مواقع إستغلال اليورانيوم في منطقة / مدينة Arlit بشمال النيجر عام 2010 وتوجه خاطفيهم برهائنهم إلي شمال مالي بعد عبورهم حدود النيجر مع مالي ولم تفلح فرنسا بطائرات إستطلاعها بتقنياتها الفائقة طراز Atlantique , من اللحاق بالخاطفين أو الإستدلال علي مكامنهم , وأستمر هذا التنسيق قوياً حتي أنه تضمن تنفيذ إنقلابين عسكريين الأول في النيجر في 18 فبراير 2010 أُطيح فيه بالرئيس العنيد Mamadou Tandja والثاني في 22 مارس 2012 وإطيح فيه بالرئيس المالي Amadou Tomani Toure قبل إنتهاء مدته الرئاسية الثانية والأخيرة بأقل من شهرين إنتقاماً منه كونه لم يتماه مع النص الفرنسي الأمريكي لمسلسل لإعادة تواجدهما العسكري المُكثف في شمال مالي , فقصة التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي التي ترددها الخارجية والدفاع والإعلام الفرنسي الذي يستمد حريته من ترهات العقلية الإستعمارية الفرنسية التي لم تبل بعد , هي قصة مبنية علي أن التدخل العسكري الفرنسي ” إنساني وأنه إنقاذ ” تماماً عندموا جردوا حملاتهم العسكرية لأفريقيا تحت ذريعة “جلب الحضارة ” , وهي في الواقع قصة مختلفة كلية عن تفاصيل الواقع في مالي وفي النيجر , خاصة وأن لفرنسا قبل إعادة تواجدها العسكري في شمال مالي دور مخابراتي غير منكور من قبل المراقبين في دعم إنفصال الطوارق عن بقية الدولة المالية وذلك عندما أصدرت حركة تحرير أزواد MNLA في 4 يونيو2012 (وهي جبهة معظم عناصرها لديهم أرتباطات علنية مختلفة بفرنسا يدعمها المكتب الثاني الفرنسي فالتآمر الفرنسي علي منطقة الصحراء قصة طويلة بدءاً من عهد ديجول الذي حاول تنفيذ خطة لإقامة جمهورية صحراوية هناك) من حيث كانت تتمركز بمدينة GAO بياناً مُوقعاً من بلال أج الشريف الأمين العام للحركة يشير فيه بعد مقدمة أشارت إلي منتدي GAO الذي عُقد في الفترة من 25 إلي 26/4/2012 وللإتــفــاق الــمبدئي مع جماعة أنـصار الدين إلي ما يلي :-

1- إخلاص الحركة للمثل السياسية التي منها التصميم علي الإستقلال للأزواد كحل نهائي للصراع ما بين الأزواديين ومالي .

2- إلتزامها بألا تكون أزواد مصدراً للقلق للبلدان المجاورة ورفضها لكل ما يخل بالأزواد وشعبها .

3- إدانتها لبيانات ومقالات إعلامية وصحفية معينة تحاول بشكل صريح تلغيم (العلاقة) بين الأزواديين والقاعدة .

4- رفضها التدخل الأجنبي في أزواد مؤكدة علي ضرورة إتاحة الفرصة للأزواديين لإدارة مشاكلهم الداخلية .

5- مناشدتها كل الأزواديين التجاوب مع ضرورة الوحدة الوطنية ورفض كل الصراعات الداخلية وكل سياسة من شأنها التحريض علي الإنتقام و / أو التمييز تحت اي شكل من الأشكال .

6- أن الإتفاق المبدئي الذي وقعته الحركة وأنصار الدين محل دراسة من الطرفين وأن هناك لجنة ستوضع لمتابعته (الإتفاق) كيما تتعامل مع الإختلافات المتعلقة بالنقاط المُعلقة .

7- أن الحركة ستنشئ مجلساً إنتقالياً يدير البلاد في الفترة القادمة وسيعمل علي إقامة حكومة وحدة وطنية .

أعلنت حركة تحرير أزواد بعد هذا البيان التمهيدي إستقلال ما يُسمي بجمهورية الأزواد في 6 أبريل 2012 ولاقي هذا التصرف الأحادي إستحساناً من بعض أعضاء البرلمان الأوروبي وإسرائيل ومن الصحيح أن الولايات المتحدة وحلفاءها رفضوا هذا الإعلان لكنهم إكتفوا بذلك وراقبوا هذا التطور إلي أن إستطاعت جماعة أنصار الدين بعد معركة خاضتها ضد عناصر الحركة الوطنية لتحرير أزواد le Mouvement national de libération de l’Azawad في 28 يونيو 2012 من طرد كل عناصرها وإحباط مشروع الإنفصال الذي عارضته النيجر بقوة حيث بها مكون سكاني طوارقي مهم , ومع ذلك ظلت جماعة أنصار الدين التي حافظت بقوة علي وحدة أراضي جمهورية مالي وليس حركة تحرير أزواد MNLA (حركة طوارقية) هي الخطر المُحدق ويهدد مصالح فرنسا والولايات المتحدة وحلفاؤهما الغربيين , فكل ما في الأمر أن التيارات والجماعات الجهادية في الصحراء الكبري مازالت تمثل جيوب المقاومة العنيدة للتواجدين الإقتصادي والعسكري للولايات المتحدة وحلفاءها الأطلسيين , فيما قادة هذه الدول لا يهتز لهم جفن من إنتهاك سيادة دولهم بتواجد هؤلاء العسكريون الأمريكيون والفرنسيون علي أراضيهم ولا حديث حاد أو هادئ منهم عن إنتهاك هذه السيادة بل ترحيب دافئ مُحاط بكل المبررات التي منها ” الحرب علي الإرهاب ” , ومن بين الملاحظات التي سجلتها وقتئذ أن لا حكومة مالي أوالنيجر أو تشاد أو بوركينافاسو وبهذه الدول كتل سكانية طوارقية , إتفقت علي أو هددت بمجابهة حركة تحرير أزواد عسكرياً كما تفعل الآن مع من يسمونهم بالإرهابيين أو الجهاديين, والسبب واضح لبعض المراقبين للإنتشار العسكري الغربي في الصحراء الكبري .

علي كل حال فمسألة إقامة قوة الخمس للساحل G5 Sahel تصطم حتي الآن بحائطين يسدان طريق وصولها إلي حيز التنفيذ الكامل أولهما وجود ترتيبات عسكرية عاملة بمالي حتي وقتنا هذا وذلك “لحفظ السلام ” كما يدعون هناك تتمثل في القوة الأممية لحفظ السلام في مالي Minusma وفي إستمرار عملية opération Barkhane العسكرية الفرنسية يجاورهما قوة Liptako-Gourmالثلاثية ثم هناك قوة أخري تعمل في شمال شرقي نيجيريا وحول بحيرة تشاد التي تطل عليها نيجيريا والنيجر والكاميرون وتشاد وهي قوة مُشتركة متعددة الجنسيات أو Multinational Joint Task Force والتي نشأت كقوة لنيجيريا عام 1994 توسعت عام 1998لتشترك فيها مع نيجيريا كل من النيجر وتشاد وبنين والكاميرون وتتخذ من N’Djamena عاصمة تشاد أيضاً مقراً لها , وهي قوة معنية بمواجهة جماعة BOKO HARAM التي ستوجهها أيضاً مجموعة الخمس للساحل G5 Sahel التي لن تشارك فيها نيجيريا التي تنطلق من أراضيها جماعة BOKO HARAM , يُضاف إلي ذلك مؤخراً ما ورد ” بإعلان Bamako ” الصادر في ختام أعمال اللقاء الذي نظمه التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا CEDEAO بالتعاون مع الإتحاد الأفريقي في Bamako عاصمة مالي في الفترة من 12 إلي 14 أكتوبر 2017 والداعي إلي إنشاء منصة Plateforme لمواجهة الموقف الأمني في منطقة الساحل وفي غربي أفريقيا , وبالطبع لفإن هذا التواجد والتعاطي العسكري / الأمني المتعدد يتطلب تنسيقاً بين هذه البعثات العسكرية والمهام الأمنية وبعضها البعض وبينها وبين قوات مالي المسلحة , ثانيهما المسألة التمويلية والتكاليفية لإنشاء قوة G5 SAHEL المُراد إنشاؤها , فبالإضافة إلي الإتجاه الأمريكي الحالي الرامي إلي خفض المعونات والمساهمات الخارجية , نجد أن الأمم المتحدة نفسها مُثقلة بأعباء مالية حالية تتعلق ببعثات حفظ سلام أخري منها علي سبيل المثال بعثة حفظ السلام الأممية في الصومال Amisom التي جري تمديدها في يوليو 2017 وتتكلف هذا العام 600 مليون دولار , كما أن أمين عام الأمم المتحدة Antonio Guterres أوضح لوكالة في 17 أكتوبر 2017 أن دول القوة الخماسية طورت ميزانية إقامة هذه القوة بما يُقدر بنحو 423 مليون يورو بما في ذلك تكلفة عمليات العام الأول من إنشاءها , وأشار إلي أن ما توفر من التعهدات التي بُذلت لتمويلها لا يتعدي ربع هذه الميزانية أي 108 مليون يورو (نشرت وسائل إلامية أنها 10 مليون يورو من كل دولة من الدول التي تتكون منها القوة و50 مليون يورو من الإتحاد الأوروبي و8 مليون يورو من فرنسا , وسيعقد مؤتمر للمانحين لإستكمال التمويل في ديسمبر ببروكسل) , ولم ينس السيد Guterres التحذير من من أن منطقة الساحل تنزلق إلي عنف شديد وأن الأمم المتحدة يجب أن تساعد المنطقة في مواجهة تهديد ميليشيا الإسلاميين وقال أن الأمم المتحدة لديها في هذا الشأن 4 خيارات لمساندة القوة الخماسية للساحل بما في ذلك إقامة مكتب دعم للأمم المتحدة في الساحل ومشاركة الموارد من قوة حفظ السلام في مالي التي قوامها 1,300 جندي , أما بالنسبة لقوة الخمس للساحل فقد أعلن Abdoulaye Diop وزير خارجية مالي عقب إجتماع لوزراء الدول الخمس للقوة عُقد في بماكو في 5 يونيو 2017 أن هذه القوة مُخطط لها أن يكون قوامها 10,000 جندي لتأمين المناطق المالية الثلاث التي لها حدود بين مالي والنيجر وبوركينافاسو , وأن هذا العدد ضعف العدد السابق إقتراحه وذلك نزولاً علي دواعي الضرورة , وأوضح أن هذه القوة ستنتشر في مالي وفضاء دول قوة الخمس للساحل G5 Sahel لمكافحة الإرهاب والتهريب بأنواعه , وقد أشار موقع إذاعة فرنسا الدولية في 5 يونيو 2017 إلي ما صرحت به Féderica Mogherini ممثلة الإتحاد الأوروبي من “أن الإتحاد قدم لإنشاء القوة دعماً مالياً بمبلغ 50 مليون يورو ” , لكن لم تعلن حتي الآن المساهمات المالية من دول هذه القوة ولا من الولايات المتحدة .

هناك تقديرات نُشرت عقب هجوم 4 أكتوبر الدامي في بعض وسائل الإعلام الغربية تشير إلي أن هذا الهجوم الذي صرع 4 من عناصر العمليات الخاصة الأمريكية من شأنه أن يؤثر علي قرار أمريكي مُحتمل لتمويل قوة الساحل الخماسية أو G5 Sahel , إلا أنني أري أن تمويل الولايات المتحدة للقوة الخماسية أصبح المسار إليه ضيقاً بل حرجاً حتي إشعار آخر , إذ أن العسكرية الأمريكية تري تجميع قوي دول الساحل والصحراء في إطارها هي أي في الشراكة المُضادة للإرهاب عبر الصحراء(Trans-Sahara Counter Terrorism Partnership) وإنها أي الولايات المتحدة إن ساهمت في قوة الساحل الخماسية فكأنها والحالة هذه تشجع إقامة تنظيمات وترتيبات خارج إطارها أي خارج الشراكة المُضادة للإرهاب عبر الصحراء والتي تعمل من داخل القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM , ثم أنه رغم أنه من المُتوقع أن يتم تنسيق العمليات بين الولايات المتحدة والقوة الخماسية , إلا أن قيادة تفضل AFRICOM أن تقوم هي بالتنسيق وهذا لن يتم كاملاً إلا إذا شاركت وتفرغت دول هذه القوة في الشراكة المُضادة للإرهاب عبر الصحراء , وتجنب تشتيت وإستهلاك جهودها , كما أن الولايات المتحدة تعلم أن بالعلاقات السياسية بين دول الساحل الخماسية وبعضها وكذلك بين دولتين أو أكثر من دولها وبين نيجيريا التي لم تشارك في هذه القوة الخماسية ربما من باب تجنب الإزدواجية أو محدودية القدرة Span of Capabilities , إذ أن الأفضل للولايات المتحدة لأكثر من سبب تفرغ دول القوة الخماسية لبذل جهد واحد بالتعاون والتنسيق الأمريكي المباشر , خاصة وأن هجوم 4 أكتوبر جعل العسكرية الأمريكية في مواجهة إنتقامية مُحتملة مع جهاديي الصحراء الكبري قد تستهلك وقتاً وجهداً من القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا لإستعادة هيبتها ومصداقيتها بل وثقتها في نفسها ولدي رؤساء دول المنطقة زبائن هذه القيادة .

هناك ثمة حاجة عندما نثير مسألة إنشاء قوة الساحل الخماسية للإشارة إلي أن مساحة التطابق المتاحة بين وجهتي نظر نيجيريا والولايات المتحدة في مواجهة BOKO HARAM محدودة أو علي الأقل ليست علي المستوي الذي تتمناه وتتوخي تحقيقه السياسة الأمريكية في منطقتي الساحل والصحراء , فالولايات المتحدة تريده تواجداً عسكرياً وأمنياً كثيفاً لها علي أراضي نيجيريا لمواجهة جماعة BOKO HARAM وهو ما تقاومه نيجيريا وهي لذلك لا تريد بدورها الإندفاع نحو تقوية مركز الولايات المتحدة في السياسات الأمنية لنيجيريا لعلاقة ذلك مباشرة بمسألة السيادة التي تتمسك بها , وفي تقديري أن نيجيريا وهي تفعل ذلك إنما تريد أن تعزل الولايات المتحدة ما أمكنها ذلك عن التدخل في السياسات الداخلية المُعقدة لأنها بطبيعة كيانها السياسي دولة فيدرالية بها بعض بؤر التوتر بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي , كما أنها تواجه تمرداً من قبل حركة إنعتاق دلتا النيجر MENDفي جنوب نيجيريا أكثر قدرة من BOKO HARAM علي إلحاق الضرر بإقتصاد نيجيريا , لكن الولايات المتحدة تفضل التعامل أولاً مع الخطر الإسلامي مُتمثلاً في جماعة BOKO HARAM التي يضعها الإعلام والسياسة الغربية في بؤرة الإهتمام وهو أمر يظل محموداً – إتساقاً مع وجهة نظرهم – إن كان مؤسساً علي التعامل مع الوضع الإنساني في شمال شرق نيجيريا وفي الأجزاء من الدول المُطلة علي محيط بحيرة تشاد علي أنها أزمة غذائية إنسانية سببها الرئيسي فشل قادة الدول في تحقيق تنمية مُستدامة وليس BOKO HARAM كما تردد الولايات المتحدة وحلفاؤها ومن بينهم النرويج التي في هذا الإطار إستضافت في العاصمة Oslo إستضافت بمشاركة نيجيريا وألمانيا والأمم المتحدة المؤتمر الإنساني بشأن نيجيريا ومنطقة بحيرة تشاد في 24 فبراير 2017 والذي تعهد فيه المانحين بمنح 200 بليون Naira علي ثلاث سنوات للمنطقة لمنع المجاعة , وقد أوضح وزير خارجية نيجيريا في تصريح له في 25 فبراير هذا المعني أيضاً عندما أشار إلي أن هذا المؤتمر يأتي في وقت تعاني فيه نيجيريا من ركود بسبب العملية العسكرية المُكلفة ضد BOKO HARAM , ومن هنا يمكن فهم لماذا كثفت الولايات المتحدة من تواجدها العسكري الأمني في النيجر حيث إنطلاقاً منها يستطيع 800 عنصر عسكري وأمني أمريكي تابعين لقيادة AFRICOM متابعة ما يجري بالدول المجاورة للنيجر وفي مقدمتها نيجيريا للإحاطة بما تصفه واشنطن علي أنه خطر الجماعات الراديكالية (كانت تُسمي قبل ذلك “أصولية”) , في شمال نيجيريا ومحيط بحيرة تشاد وأهمها جماعة BOKO HARAM , ومن الناحية الأخري متابعة بل وإمكانية التدخل بحرية أكبر نسبياً في مالي سواء من داخلها وعلي نحو خاص داخل مثلث مناطق الشمال الرئيسية في Gao و Mopti و Tombouctou والذي له ضلعين أحدهما مع الجزائر والنيجر والآخر مع موريتانيا , أو من خلال قاعدة الطائرات بدون طيار في Agadez بشمال النيجر والتي تكلف إنشاؤها 100 مليون دولار .

في ضوء ما تقدم يمكن طرح تقدير أعلي للمخاطر التي من المُتوقع أن تواجهها القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا , فعلي حين كان تقدير هذه القيادة أن تكثيف تواجدها بالنيجر سيعوض تواجدها العسكري والأمني المحدود في نيجيريا , وظل هذا التقدير صالحاً حتي حدث الهجوم الدامي في 4 أكتوبر وأنتهي بمصرع 4 من عناصر العمليات الخاصة الأمريكية وجرح آخران , مما سيضطر قيادة AFRICOM إلي إجراء مراجعة لتقديراتها بشأن النيجر ومالي معاً , إذ أن المنظمات الجهادية بهما سواء طوارقية أو عربية أو منهما معاً لديهما منهج قتالي يدمج أراضيهما معاً في مسرح قتالي واحد , وهو منهج عسكري/ أمني تحاول العسكريتين الأمريكية والفرنسية العمل به بمساندة من نظم بالمنطقة أوضح مثال لها تشاد التي إحترفت الترويج لإقامة والإنخراط في قوات حفظ سلام آخرها مجموعة الخمس لدول الساحل G5 Sahel والإنضمام لترتيبات أمنية / عسكرية قائمة بالإضافة للقوات الأممية بمناطق صراع مختلفة بأفريقيا , وستمضي الولايات المتحدة وفرنسا في إحكام عسكرة منطقة الصحراء الكبري خاصة مع تماهي النيجر ومالي – وهما نظامان يفتقدان إلي إجماع وطني – مع أهداف الإستراتيجية الأمريكية / الفرنسية العسكرية المُدمجة واللتان تجتهدان بكل الوسائل لإستئصال أخطر جيوب المقاومة الإسلامية لتواجدهما العسكري بالمنطقة , ومن بين وسائل إحكام عسكرة منطقة الصحراء الكبري ترويج فرنسا لإقامة ترتيبات من دول المنطقة مثل تلك الجارية الآن تحت مُسمي G5 SAHEL .

زيادة التواجد العسكري الأمريكي بالنيجر له علاقة بالآتي :

أولاً لابد من إيضاح صورة العلاقات العسكرية بين النيجر والولايات المتحدة , فهي تتأسس علي إتفاق مُوقع في 14 يونيو 1962بموجبه تقدم واشنطن معدات وخدمات للنيجر لتأمين أمنها و” إستقلالها ” ثم وقعت الدولتان إتفاقاً آخر في 9 يونيو 1980 يمنح النيجر الحق في الإلتحاق بالبرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري بالمراكز والمعاهد العسكرية الأمريكية , وظلت العلاقات العسكرية علي مستواها المحدود إلي أن فاتحت الولايات المتحدة كل من النيجر وتشاد وموريتانيا في أكتوبر من عام 2002 في شأن مبادرة عموم الساحل أو Pan Sahel Initiative التي دخلت حيز العمل في نوفمبر 2002 ثم تطورت لتكون Trans-Sahara Counter Terrorism Partnership , إلا أن الولايات المتحدة أوقفت لفترة قصيرة تعاونها العسكري مع النيجر إبان عهد الرئيس Tandja إحتجاجاً علي رغبته في التمديد لفترة رئاسية ثالثة (مع أن رؤساء عرب وأفارقة كثر نفذوا هذه الرغبة وبرضي أمريكي بل أحياناً بدفع أمريكي) فيما عُرف هناك بالأزمة الدستورية والسياسية في النيجر 2009 حتي أُطيه به بإنقلاب عسكري في 18 فبراير 2010 , وفي يناير 2013 وقعت الولايات المتحدة مع حكومة الرئيس المُنتخب Issoufou إتفاقاً بشأن “وضعية القوات ” أو Status of Forces أتاح للأولي زيادة إنخراطها العسكري في عموم أراضي النيجر وأرتبط ذلك بالطبع بتطوير محطة الطائرات التي بلا طيار أو Drones من طراز Predator بمدينة Agadez بشمال النيجر وكذلك بدعم أمريكي إنطلاقاً من النيجر لمهام العسكرية الفرنسية في شمال مالي التي تخوضها فرنسا هناك تحت ستار قيم مُزيفة كالتي تعلنها مراراً العسكرية الأمريكية وتستخدمها لتسويغ “الحرب علي الإرهاب” , ثم وفي فبراير 2013 أعلن البيت الأبيض أن الرئيس Obama أمر بإرسال 100 من الأفراد العسكريين للعمل بالنيجر في مهمة إستخباراتية Intelligence collection وهي المهمة التي أشارت صحيفة The Guardian البريطانية أن رئيس النيجر Issoufou هو من طلبها , ومن الغريب في هذا الصدد أن يشير Atlantic Council في تقرير للدكتور Peter Pham عن هذا الشأن بقوله ” أن النيجر بالطبع كانت خياراً طبيعياً ليس فقط بسبب موقعها الوسطي جغرافياً , بل لإن حكومتها المُنتخبة ديموقراطياً نجت من الإضطرابات الإقليمية وأثبتت أنها حيلف يُعتمد عليه في الجهود المبذولة لإحتواء وهزيمة التشدد العنيف” ونسي أو تناسي الدكتور Pham أن حكومة النيجر وغيرها وهي تثبت أنها حليف يُعتمد عليه تضحي بالسيادة وبإستقلال مفاهيمها عن ما هو تشدد أو إرهاب لمجرد تلقي عون عسكري ما ودعم نظامها السياسي كلما تماهي مع الإستراتيجيات العسكرية الغربية , علي كل حال ففي عام 2013 أيضاً والذي يمثل أكثف تحرك عسكري أمريكي مع النيجر منحت الولايات المتحدة سلاح الجو بالنيجر طائرتان نقل صغيرتان من طراز Caravan Cessna 208 Grand وعدد من سيارت نقل Toyota كل ذلك بقيمة تتجاوز 10 مليون دولار , وفي فبراير 2014 إستضافت النيجر علي أراضيها أكثر من 1,000 جندي من 18 دولة أفريقية وأخري غربية منها الولايات المتحدة التي تكفلت بتكاليف هذه التدريبات التي نظمتها ونسقتها قيادة العمليات الخاصة الأمريكية وكانت تدريبات معنية بمجال مكافحة “الإرهاب” , ثم وفي 23 يوليو 2015 قام وزير دفاع النيجر Karidjo Mahamadou بزيارة للولايات المتحدة ليلتقي بنائب وزير الدفاع الأمريكي Bob Work ليبحث معه مجالات تعاون تقع في نطاق عريض منها المجال الأمني وتم خلال هذا اللقاء تبادل للأفكار بشأن جماعة Boko Haram وأمن الحدود علي نطاق شمال غرب أفريقيا , كما جري حديث بينهما عن الأولويات المشتركة للبلدين من أجل الشراكة وتوسيع التعاون في مجال الدفاع , بعد ذلك وفي أكتوبر 2015 أهدت واشنطن طائرتان أخريان من نفس الطراز للعمل في مجال الإستخبارات والإستطلاع مع 40 مركبة و250 ألبسة عسكرية وأجهزة إستقبال ومعدات حماية ثم سلمت طائرة أخري من نفس الطراز عام 2016 , وكل ذلك كان يعني من وجهة نظري محاولة نجحت من العسكرية الامريكية لجعل العلاقات العسكرية والأمنية مع النيجر ترقي إلي مرتبة التحالف كحالة تشاد , وبموجب علاقة التحالف تلك إستصدرت القيادة العسكرية الأأمريكية لأفريقيا موافقة من الرئيس Issoufou تتيح لعناصر قيادة العمليات الخاصة الأمريكية القيام بعمليات قتالية كتلك التي أعتقد أن هجوم 4 أكتوبر كان إحداها , وفي الواقع فإن الموقع الجغرافي للنيجر إضطردت أهميته بسبب تعدد التظيمات الجهادية عن يمين وشمال النيجر بإعتبارها نقطة وسيطة بين خطرين يُشاع أنهما خارج النطاق الجغرافي للنيجر وهم الإسلاميين الجهاديين في مربضهم بشمال مالي وجماعة BOKO HARAM المتناثرة حول محيط بحيرة تشاد التي تطل عليها النيجر من جهة محافظة Diffa, وبالإضافة فلدي النيجر ثروة هائلة من خام اليورانيوم تبررلفرنسا والولايات المتحدة التواجد أمنياً وعسكرياً لتتبع عمليات تهريب مُسخلص اليورانيوم أي الكعكة الصفراء Yellow Cake , وتجدر الإشارة إلي أن التواجد العسكري الأمريكي والفرنسي في النيجر يستفز قطاع عريض من شعبها فالحقيقة أن هناك تيار إسلامي بالنيجر كامن ولكنه قوي لدي قطاع عريض من السكان الذين هم خليط من قبائل الجيرما والهوسا والفولاني و99,5% منهم مسلمين علي المذهب المالكي , ومن مؤشرات وجود نمو هذا التيار أنه في أعقاب إنقلاب 18 فبراير 2010 وفي المرحلة الإنتقالية التي تولي فيها المجلس العسكري السلطة وإبان وضع المجلس الإستشاري لمشروع الدستور الجديد حظرت السلطات العسكرية مظاهرة شعبية كبيرة تطالب بتضمين هذا الدستور لمادة تنص علي أن الإسلام هو دين الدولة ولكن الإنقلابيين والنخبة الموالية بالمجلس الإستشاري أبقيا علي مبدأ علمانية الدولة وهو رفض شاذ إذ أن الدستور الأسباني مثلاً ينص علي كاثوليكية الدولة , فما هو الفرق وما هو الخطر من ذلك ؟ .

إن الهجوم الدامي للعناصر الجهادية ضد قوات العمليات الخاصة الامريكية يعتبر تطوراً نوعياً في علاقة التيار الجهادي بالصحراء الكبري بالوجود العسكري الغربي بالصحراء , فلفترة طويلة كان الوجود العسكري الفرنسي هو الهدف الأول والأخير يُضاف إليه علي سبيل الإلحاق عسكريات دول الصحراء المُتماهية بسلطة رؤساءها مع إستراتيجية الإستنزاف الإقتصادي الفرنسي لموارد هذه الدول من خلال إتفاقيات غير متكافئة ومجحفة وتحت ضغط القوة العسكرية الفرنسية التي من ضمن أدوارها تأمين أنظمة موالية كما فعلت في تشاد عام 2008 عندما تصدت القوة الفرنسية المتمركزة بالعاصمة N’Djamena لزحف قوات المعارضة التشادية المُسلحة التي نجحت في دخولها لكن القوة الفرنسية مُستخدمة الطيران العسكري ردتهم وفكت حصارهم للقصر الجمهوري حيث كان الرئيس Idriss Déby قابعاً ومنزوياً خائفاً في أحد أركانه .

ولإن العسكرية الأمريكية كثفت من وجودها في النيجر من خلال تعزيز الموارد البشرية العسكرية الأمريكية ومن بينهم مجموعة من قيادة العمليات الخاصة تعمل في إطار Trans-Sahara Counter Terrorism Partnership بالإضافة إلي قاعدتين للطائرات التي بلا طيار Drones واحدة في Niamey العاصمة وتُستخدم بصفة رئيسية طائرات من طراز Predator والأخري تكلف إنشاؤها 100 مليون دولار وتقع خارج مدينة Agadez بشمال النيجر وكلاهما لجمع المعلومات عن الأجزاء الشمالية بصحراء مالي والنيجر معاً حيث يتحرك أبناء الطوارق الذين يُعتقد أنهم الداعم الرئيسي والحاضنة الطبيعية للتيار الجهادي في الصحراء الكبري الممتدة من موريتانيا وحتي واحة سيوة بالصحراء الغربية لمصر , وهم أيضاً من تشير إليهم تقارير متواترة عن مسئوليتهم عن تهريب الأسلحة بأنواعها ومختلف أنواع السلع الأخري , لكل ذلك فإن هجوم 4 أكتوبر سيؤثر بشدة علي وضعية وتطتيكات الإستراتيجية العسكرية للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM , ذلك أنه ولأول مرة يكون هناك إشتباك بين الجهاديين أو لنفترض أنهم عناصر قاعدة المغرب الإسلامي والقوات الأمريكية فمنذ سنوات كانت الأهداف القتالية لهؤلاء الجهاديون مُركزة علي الفرنسيين سواء بقتلهم أو إختطافهم مقابل دفع فدي , لكن أما وأن هذه الأهداف أُضيف إليها الأمريكيين كما هي حالة هجوم 4 أكتوبر فإن الأمر يتطلب النظر إلي العلاقات المُحتملة للتواجد العسكري الأمريكي في النيجر في ضوء عملية المراجعة التي ستجريها AFRICOM لوضعيتها في النيجر وربما في أفريقيا عموماً , ولهذا يمكننا النظر إلي عملية المراجعة تلك في ضوء إرتباطها بعوامل مختلفة قد يبدو للبعض أنها مُنفكة الصلة بهجوم 4 أكتوبر , لكنني أري أن هذا الهجوم المُوجع له ظلال علي مجمل مهام القيادة العسكرية لأفريقيا في منطقتي الساحل والصحراء التي يجد المرء أن القوي الإسلامية هي المقاوم الوحيد لهذا الوجود الذي لاشك ينتهك السيادة وكان من الجدير للتيارات الليبرالية واليسارية أو الوطنية عموماً مشاركة التيار الجهادي في معركة السيادة تلك , لكن هذه التيارات للأسف جري إستنواقها علي يد أجهزة الأمن الضالة , إذ إن أنصارها للأسف لا يعتبرون الوجود والقواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية وغيرهما ماساً بالسيادة وهو في نظري شذوذ في السلوك السياسي الوطني , وعلي كل حال فالواقع أنه بعد هجوم 4 أكتوبر ستُجري القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا عملية مراجعة شاملة Comprehensive ومُعمقة , ومن بين هذه العوامل :

1- ثقل الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الصحراء الكبري :

من الواضح أن العسكرية الأمريكية تعمل بفاعلية وتركيز نسبيين في بلدين بهما غالبية سكانية مسلمة وهما جيبوتي حيث للولايات المتحدة قاعدة عسكرية Camp Lemonnier ومطار خاص بالطائرات بلا طيار بالإضافة إلي مطارChabelley , والنيجر التي إتسع فيها نطاق الوجود العسكري الأمريكي – كما تقدمت الإشارة – و يعتبر موقعهما مُتداخلاً ومُتماساً جغرافياً مع الدول ألأفريقية جنوب الصحراء وشمالها وهذا هو أحد أسباب التركيز الأمريكي عليهما لتحقيق أحد الأهداف الرئيسية للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا وهي مواجهة المقاومة الإسلامية “الجهادية” بل وعلي التوازي التيار الإسلامي السياسي في منطقتي الساحل والصحراء , وهو هدف إستراتيجي مُشترك ودائم للسياستين وللعسكريتين الأمريكية والفرنسية (منفردتين وفي إطار السياسة الدفاعية للإتحاد الأوروبي) وهي سياسة مُعبرة كذلك عن رؤية حلف شمال الأطلنطي التي دمجت منطقة الصحراء الكبري مع فضاء البحر الأبيض المُتوسط فيما يُعرف بنطاق البحر المتوسط الكبير Greater Mediterranean Region ويتعامل الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع منطقتي الساحل والصحراء بإعتبارها هدفاً إقتصادياً بالغ الأهمية تجب إحاطته بحماية عسكرية توفر ديمومة الإستغلال المُنتظم لمواردها , لكن هذا يحدث في ظل حالة الإرتباط والإندماج أحياناً ما بين التيار الإسلامي الجهادي في شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الجزائرية ومنطقتي الساحل والصحراء , وهي علاقة بدأت بحالة تماس ثم تطورت ونمت إلي أن وصلت لحالة من التداخل مع هذا التيار في تشاد والنيجر ومالي , وإذا ما تجردنا من متلازمة الفرز والتصنيف وتناولنا موضوع القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا فإننا سنجد أن الولايات المتحدة هي القوة الدولية الوحيدة التي أنشأت 6 قيادات عسكرية جغرافية تغطي المعمورة منها AFRICOM تغطي أفريقيا فيما عدا مصر التي أبقتها العسكرية الأمريكية في إطار مهام القيادة العسكرية المركزية , وأستطاعت العسكرية الأمريكية منذ إنشاء هذه القيادة وبداية عملها في أكتوبر 2007 أن تنشئ علاقات وتنظم تدريبات عسكرية شاركت فيها كثير من الدول الأفريقية , صحيح أن هناك بعض المقاومة السياسية من قبل بعض الدول الافريقية مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا لتعاون مفتوح مع هذه القيادة , إلا أنه في النهاية يمكن القول بأن قيادة AFRICOM لديها علاقات معهما , ومع أن معظم الدول الأفريقية رفضت أو لم تتجاوب بدرجة كافية مع رغبة أولية لقيادة AFRICOM لإقامة مقر لها في أحد الدول الأفريقية , إلا أن هذه الدول نفسها لم تمانع في إقامة علاقات عمل مع AFRICOM , لكن الصحراء الكبري ظلت هي نطاق المقاومة المسلحة الوحيد في أفريقيا للوجود العسكري الغربي مُتمثلاً في العسكريتين الفرنسية والأمريكية اللتين بينهما تنسيق سياسي / عسكري/ أمني علي أعلي مستوي , مما إستنهض وحفز التيار الجهادي في دول الصحراء الكبري لمقاومتهما معاً , وفي ضوء ذلك فإن هجوم 4 أكتوبر بالنيجر يعتبر إفتتاحية – وربما يكون ذلك مصدر خشية الأمريكيين – لمسلسل هجمات تالية علي القوات الأمريكية في النيجر التي أحد مهامها جمع المعلومات عن “جهاديي” الصحراء الكبري عموما وشمال مالي بوجه خاص (قاعدة المغرب الإسلامي – الدولة الإسلامية – المرابطين – التوحيد والجهاد – أنصار الدين ألخ ) وتحليلها بواسطة الفنيين بقاعدتي الطائرات التي بدون طيار في Niamey و Agadez , .

إن السؤال المطروح حالياً فيما يتصل بثقل الوجود العسكري الأمريكي في النيجر هو :

هل سيدفع هجوم 4 أكتوبر الذي أدي إلي مصرع 4 من الجنود التابعين لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية إلي تغيير ما في القاعدة المُعلنة من قبل الإدارات الأمريكية المتتابعة للرؤساء Bush وObama بل وTrump والقائلة بحصر مهامها الأفريقية وتعاونها العسكري مع فرنسا في الإمداد بالدعم اللوجيستي والمالي والإسخباراتي فقط تجنباً لأي إشتباك قتالي لقواتها علي الأرض ؟ , وقد يكون من المناسب حتي للأمريكيين – والحالة هذه – من أجل التوصل إلي إجابة حاسمة علي الأقل تجنباً لخسائر تنجم عن إلتزامها بالتخصص في مواجهة التيارات الإسلامية سواء السياسية أو الجهادية أو كلاهما , أن تطرح سؤالاً آخر لتجيب عليه أو تهمله وهو : هل من المجدي للسياسة اوالعسكرية الأمريكية التعامل مع هذه التيارات , بعد الخلاص من كم ضخم من المعلومات التي تتسم بالسفاهة والسطحية والتحيز غالباً عن الإسلام وتياراته المتنوعة سياسية كأنت أو تربوية دعوية أو جهادية والتي تستمدها الإدارة الأمريكية من محطات المخابرات الأمريكية بالشرقين الأدني والأوسط والصحراء الكبري ومن بعض النخب العربية والأفريقية ومن احكام متخلين يتعاملون معهم إستحوذوا علي السلطة بإنقلاب أو مؤامرة أو عملية إنتخابية عبثت بها أصابع الأمن أو حتي التربيطات والفواتير العائلية ؟ , كما علي الأمريكان قبل طرح أي سؤال يتصل بكل ذلك أن يتحلوا ببعض الموضوعية قبل أن يجيبوا علي سؤال أولي آخر فيه من الراءة أكثر مما فيه من السذاجة وهو : هل يقبلون عمل أو مهام لقيادة عسكرية تابعة مثلاً لتشاد أو لروسيا أو الصين أو لمصر علي أراضي الولايات المتحدة , بدون أن يثير أو يستفز ذلك المشاعر الأمريكية إن لم يكن علي قاعدة الوطنية فعلي قاعدة السيادة رغم أن كلاهما مُرتبط بالآخر ؟ وعلي فرض أن القيادة السياسية الأمريكية قبلت ذلك – وهذا مستحيل في ظل النظام الديموقراطي الأمريكي – فهل ستعتبر مقاومة ذلك التواجد العسكري جنوناً أو إرهاباً أو عملاً غير وطني ؟ إن مشكلة النخبة السياسية ومعظم النخبة الفكرية الأمريكية أنهم يتصورون أنفسهم منتمين لعالم آخر في كوكب آخر غير الأرض أو أنهم كائنات فضائية عليا أو Aliens فتري القيادة السياسية الأمريكية والنخبة المحيطة بها يتصرفون مع بني البشر وكأنهم شعب الله تعالي المُختار ؟ لاشك في أن مقاومة وجود أجنبي تحت أي ذرائع عمل مشروع ولنا في المقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية مثالاً , ومع أن الأمر شديد الوضوح , ويجب – إن كان لدي الأمريكيين قدرة علي الخروج من صندوقهم الذهبي – القول بإن الجزء المُهيمن علي القرار الأمريكي من نخبة واشنطن يعلم مدي تلوث العمليات الإنتخابية في الدول الأفريقية ويعلم بالضرورة أنها أتت برؤساء يقبلون بوجود عسكري أجنبي بمساندة تشريعية من برلماناتهم التي تتحكم فيها أحزابهم الممولة سواء من الخارج أو النخبة الإقتصادية بالداخل وهذا ليس إتهاما بالعمالة بقدر ماهو بيان لتطور طرأ في العقلية السياسية لدي هؤلاء وهي عقلية نزعت عن وجهها لثام السيادة والإستقلال مفضلة كشف الوجه الشائه لهم رغم تجميله بمساحيق الإعلام الضال ونظم التعليم التي يجتهد الأمريكيون في مقايضة الحكام الضعفاء بإبقاءهم مقابل محو أي نص بالمناهج الدراسية يتصل بترسيخ الهوية أيا كانت إسلامية أو حتي شيوعية فهم يريدون أجيالاً لا سند لها ولا حائط تستند عليه من وراءها , يريدون شعوباً بلا ماض أو مستقبل , إذ يكفي أن الحاضر بإيدي أمريكية , لكن ربما لا يدرك أو يتخيل هذا الجزء المُهيمن من النخبة السياسية الأمريكية أنه فيما وراء دخان تبعية هؤلاء الحكام يأتي مقاومون تحت ذرائع ودوافع أقوي ربما من دوافع العسكريين الأمريكيين , فهؤلاء يدافعون عن سيادتهم علي أراضيهم , وذاك يدافع عن أطماعه في هذه الأرض التي لا سيادة له عليها .

2- الوجود العسكري الفرنسي في منطقتي الساحل والصحراء :

من الثابت أن هناك تنسيقاً يومياً وميدانيا بين العسكريتين الأمريكية والفرنسية وكانت عملية إسقاط نظام القذافي في ليبيا بمثابة المرجع الأم والأول في تنسيق الجهدين العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وفرنسا وكانت حالة أزمة أفريقيا الوسطي قبل ذلك تكراراً لللتنسيق والدعم بين العسكريتين الفرنسية والأمريكية لمواجهة تداعيات دخول عناصر حركة Seleka إلي بانجي في 10 ديسمبر 2012 وتولي Michel Djotodia وهو مسلم ينتمي لهذه الحركة 2011 رئاسة جمهورية أفريقيا الوسطي بعد أن تمكنت Seleka من إقصاء نظام الرئيس Bozizé في 24 مارس 2013 , وهو بالطبع ما لم يرق للفرنسيين فعمدوا إلي إجبار Djotodia علي التخلي عن السلطة بممارسة ضغوط مختلفة منها الدعم العسكري الفرنسي الكبير لحركة Anti-Balaka المسيحية , وكانت فرنسا في الواقع جزءاً مهماً من أزمة أفريقيا الوسطي , وعلي كل حال ففي الواقع أن هناك ثمة ظل من الحقيقة يفسر تلبية العسكرية الأمريكية للطلب الفرنسي بالدعم في أفريقيا الوسطي والذي تم من خلال إتصال هاتفي أجراه وزير الدفاع الفرنسي Jean-Yves Le Drian بنظيره الأمريكي Chuck Hagel للتدخل في هذه الأزمة التي وصفتها فرنسا زوراً ” بالإنسانية ” , فالوزير الفرنسي أخطر وزير الدفاع الأمريكي أن قوات حفظ السلام الأفريقية MISCA تحتاج إلي مساندة ودعم سريع فكان الدعم اللوجيستي الأمريكي من خلال AFRICOM للعملية العسكرية الفرنسية في أفريقيا الوسطي , ولم يكن التدخل الأمريكي لدعم العسكرية الفرنسية مجرداً من المصلحة الأمريكية , فمن الجلي أن الولايات المتحدة بعد تفعيل AFRICOM أولت أهمية عسكرية متزايدة لأفريقيا الوسطي ذلك أن AFRICOM وطيلة عهد الرئيس Obama بنت نظاماً لوجيستيكياً متقدماً يُعرف رسمياً بشبكة أعمال التوزيع السطحي للقيادة العسكرية الأمريكية Africom Surface Distribution Network والتي يُشار إليها أيضاً بطريق التوابل الجديد وعقده الرئيسية تقع في Manda Bay و Garissa و Mombasa بكينيا وفي Kampala و Entebbe بأوغندا وفي Bangui و Djema بجمهورية أفريقيا الوسطي وفي Nzara بجمهورية جنوب السودان وفي Dire Dawa بإثيوبيا وفي جيبوتي حيث القاعدة الأمريكية في Camp Lemonnier , وهذا الطريق الذي أقامته القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا عقدتين من عقده بأفريقيا الوسطي وبالتالي فقد أولت العسكرية الامريكية لهذه الأزمة إهتماماً لكنه في النهاية لم يتضمن مهاماً قتالية .

ربما يكون النجاح الأمريكي في أزمة أفريقيا الوسطي وفي إطار غير قتالي قد أغري القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا للإندفاع إلي أزمة مالي وخاصة شمالها , تلك التي تفاعلت وفقاً لعوامل مختلفة فوصلت إلي ذروتها بالإنقلاب العسكري لأسباب من أهمها عدم الرضي الأمريكي / الفرنسي عن تعاون الرئيس المالي Amadou Tomani Toure , الأمر الذي أدي بالأزمة بتحفيز أمريكي / فرنسي إلي ذروتها بإنقلاب عسكري قاده ضابط برتبة متوسطة يدعي Amadou Sango في 22 مارس 2012 مُطيحاً بالرئيس Tomani Toure قبل إنتهاء رئاسته الثانية والأخيرة بشهر أو نحو ذلك , وبعد هذا الإنقلاب عملت الدبلوماسيتين الأمريكية / الفرنسية معاً في مجلس الأمن الدولي وخارجه لإستصدار القرار 2085 في 20 ديسمبر 2012 الذي علي أساسه طلبت الحكومة الإنتقالية بمالي التدخل العسكري الفرنسي لمواجهة متمردي الشمال المالي أو الإرهابيين فكانت عمليةServal العسكرية الفرنسية التي إنتهت في 15 يوليو 2014 لتحل محلها عملية أخري سُميت بعمليةBarkhane أو الكثبان هلالية الشكل التي بدأت في الأول من أغسطس 2014 لنفس الغرض , وخلال العمليتين جري تنسيق عسكري / أمني أمريكي / فرنسي علي نطاق واسع بدأ منذ ما قبل الإنقلاب العسكري في مالي في مارس 2012 وفي إطار من التنسيق المُشترك تكفلت العسكرية الأمريكية بإمداد العسكرية الفرنسية بصفة شبه يومية بمعلومات إستخباراتية مُستقاة من طلعات الطائرات التي بلا طيار Drones التي غطت صحراء شمال مالي وشمال النيجر حيث يقطن الأزواديين أو الطوارق الذين جانب كبير منهم مُناهض للوجود العسكري الأجنبي , حتي أن كثير من الطوارق سمعتهم يطلقون علي هؤلاء صفة “الكفار” .

هناك ثمة شك في ضوء الإنخراط العسكري الأمريكي في مواجهة الجهاديين في شمال مالي أو الآتين منهم للنيجر , في أن يكون الهجوم عليهم في 4 أكتوبر بالقرب من قرية Tongo Tongo بالنيجر والقريبة من الحدود مع مالي إنتقام من عملية قتالية نفذتها قيادة العمليات الخاصة الأمريكية , ومما يسبغ منطقاً ما علي هذا الشك أن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا لم تقترب مباشرة من شمال مالي إلا من خلال إستخدام طلعات الطائرات التي بلا طيار دعماً لعمليتي Serval و Barkhane أي منذ ما بعد الإنقلاب العسكري في مالي في 22 مارس 2012 وحتي ما قبل هجوم 4 أكتوبر 2017 فطيلة هذه الفترة التي لا تقل عن خمس سنوات لم تشتبك العناصر العسكرية الأمريكية مع الجهاديين , ولا هؤلاء إشتبكوا مع العسكريين الأمريكيين , فلماذا إذن في هذا التوقيت يحدث الإشتباك في 4 أكتوبر , ما لم يكن هناك ثمة حدث ما وقع وأستفز الجهاديين للهجوم ؟ , ولا يخرج توصيف هذا الحدث غير أن يكون جنود العمليات الخاصة الأمريكيين قد نفذوا عملية قتالية ضد الجهاديين في شمال مالي أو بمكان ما بالنيجر أو علي حدودها , إذ ليس من مصلحة الجهاديين علي الأقل من وجهة نظر تكتيكية أو تعبوية جذب الأمريكيين للمعركة الدائمة مع العسكرية الفرنسية , كما أن هناك فرضية أخري لكنها مُستبعدة لكن الإطار العام للوجود العسكري الأمريكي / الفرنسي يفرض علي طرحها , وهي أن تكون العسكرية الفرنسية تريد دفع العسكرية الأمريكية للإنزلاق لمعركة أخري مع الجماعات المُسلحة بشمال مالي ليخف الضغط القتالي عليها لأنها ولفترة طويلة أصبحت مُثقلة بجزء من تمويل عملية Barkhane وكل الجهد القتالي وإُنهكها تواصل وتيرة حرب العصابات وهجمات الجهاديين هناك , والتي بالقطع تحدث لكننا لا نعلمها في ظل التعتيم الإعلامي الذي تفرضه العسكرية الفرنسية علي وضعها في شمال مالي الأمر الذي لا يمنح فرصة لرؤية ما يحدث هناك , وهو نفس ما تفعله القيادة العسكرية الأمريكية في أفغانستان منذ وقت طويل , وقد أشرت سابقاُ أن بعض من شباب قبيلة الفولاني Peul في محافظتي Tahoua و Tillabéry أفادوا Crisis Group بأنهم يشكون في أن فرنسا تدعم هذه الجماعات من خلال عمليةOpération Barkhane , وعلي كل حال فقد أورد موقع Strategy Page في 16 أكتوبر 2017 مؤشراً مبدئياً عن الخسائر العسكرية الفرنسية إذ أشار إلي أنه منذ يونيو 2017 وحتي الآن تضاعفت هجمات “الإرهابيين” بالمقارنة بالفترة السابقة من العام ذاته أي من يناير حتي يونيو 2017, بمعني أنه يقع شهرياً ما بين 15 إلي 20 هجوم منذ يونيو 1759 هجوم وأن 20% من هذه الهجمات كان ضحاياه من الجيش والشرطة المالية و28% من قوة حفظ السلام الأممية و13% من القوات الفرنسية البالغ قوامها 4,000 فرد متمركزين في شمال مالي , ومن ثم فإنه قد يكون من مصلحة العسكرية الفرنسية والحالة هذه الحصول علي مشاركة قتالية أمريكية بكسر قاعدة قصر الجهد العسكري الأمريكي علي الإمداد المعلوماتي والمالي واللوجيستي فقط (مولت الولايات المتحدة القوة المتعددة الجنسيات التي تتكون من نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون وبنين لمواجهة ما يصفونه بالإرهاب وجماعة BOKO HARAM) والتي قامت عليها الإستراتيجية العسكرية / الأمنية الأمريكية لأفريقيا وتطبقها – وفقاً للمُعلن – حتي الآن في منطقتي الساحل والصحراء المُتداخلتين جيوسياسياً , والسبيل إلي ذلك ربما يكون بتحريض فرنسي لعناصر مأجورة تنفذ عملية هجومية ضد قوة العمليات الخاصة الأمريكية في موقع غير مغطي أو محمي مما يجذب الأمريكيين فيما بعد نحو ساحة الوغي بمالي والدخول في دائرة لا تنتهي من الإنتقام المُتبادل مع الجهاديين .

3- التوتر السياسي بالنيجر :

يبدي رئيس النيجر Mahamadou Issoufou تجاوباً مُفرطاً مع إستراتيجيات الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة العسكرية والأمنية في بلاده وفي منطقتي الساحل والصحراء , وهو ما لا تتفق معه فيه قوي المعارضة وقطاع من قوات النيجر المُسلحة , فهو قد سمح بالتواجد العسكري الفرنسي الذي ألحت عليه فرنسا بعد سلسلة إختطافات نفذها جهاديين وإستهدفت علي مدي أعوام 2009 / 2010 و2011 الخبراء التعدينيين الفرنسيين بمنطقة مناجم اليورانيوم التي تعمل بها مجموعة Areva المملوك معظمها للدولة الفرنسية بمنطقة Arlit بشمال النيجر , وسمح كذلك بتوسيع التعاون العسكري مع الولايات المتحدة التي أقامت قاعدتين للطائرات بلا طيار واحدة خارج العاصمة نيامي والأخري في أجاديز بشمال النيجر , وكان ذلك الأمر – في تقديري – بالإضافة إلي سياسات أخري إقتصادية تتعلق بإستغلال فرنسا لليورانيوم موضوعاً لتوتر المعارضة السياسية وقوي عسكرية مناوئة للتعاون العسكري المتسع مع العسكريتين الفرنسية والأمريكية وهو ما كان سبباً رئيسياً في تطور تردي العلاقة بين الحكومة والمعارضة إلي حد أن ألقي القبض في مايو 2017علي Amadou Djibo زعيم إئتلاف أحزاب المعارضة بالنيجر والذي صدر بحقه حكم قضائي في 5 أكتوبر 2017بثلاث أشهر مع إيقاف التنفيذ بسبب دعوته التي أعلنها للمعارضة بأن تتحد معاً ضد الرئيس Issoufou لإجباره عنوة علي التخلي عن السلطة بإستخدام الوسائل القانونية والدستورية , وسبق ذلك تطور أكثر خطورة إذ أعلنت حكومة النيجر في 17 ديسمبر 2015 عن إلقاء القبض علي 9 عسكريين منهم الجنرال Souleymane Salou رئيس الأركان ومفتش عام الجيش السابق (الذي قيل وفقاً لمحطة تليفزيون Anfani الخاصة في 8 يناير 2016 أنه إعترف بتورطه في 17 يناير 2015 في محاولة الإنقلاب علي الرئيس Issoufou وأنه يطلب العفو من الرئيس والأمة) ومعه المقدم Dan Haoua قائد قاعدة Niamey الجوية وآخرين , وذلك بتهمة التخطيط لإنقلاب عسكري يطيح بالرئيس Issoufou وهي المحاولة التي أوضح الرئيس Issoufou في خطاب مُتلفز في 18 يناير 2015 تزامن مع الإعلان عن هذه المحاولة الإنقلابية , أن المُتآمرين قد خططوا لإستخدام القصف الجوي وأنهم منعوا حركة الوحدات العسكرية من العاصمة لمنطقة Diffa جنوب النيجر , لكن أحد زعماء المعارضة وهوAmadou Boubacar Cisse قال ” إننا لا نري أي دليل محاولة إنقلاب “وقد عاصرت إتهاماً سابقاً للرئيس Issoufou لعناصر من الجيش بتهمة تدبير إنقلاب عسكري عليه في دورته الرئاسية الأولي التي بدأت عام 2011 .

يعد اليورانيوم أحد أهم أهداف التواجد العسكري والإستخباراتي الفرنسي والأمريكي في النيجر إحكام الرقابة علي موارد اليورانيوم بشمال النيجر سواء التي تستغلها مجموعة Areva المملوك معظمها للدولة الفرنسية أو التي تستغلها الصين بمنطقة Agadem , خاصة بعد إضطراد المواجهة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة مؤخراً , ويعتبر المنهج الذي يتبناه رئيس النيجر في شأن التعاطي مع الثروة القومية الأولي للنيجر من اليورانيوم أحد أهم القضايا التي بسببها تتحرك أو لا تتحرك قوي المعارضة السياسية ومنظمات المجتمع المدني النيجرية بإتجاه دعم أو معارضة الرئيس كذلك يشكل إستغلال اليورانيوم من الشركات الأجنبية وأهمها بل وأقدمها الفرنسية وآخرها مجموعة Areva قضية رئيسية قد تؤدي إلي دعم رئيس النيجر كما هي حالة الرئيس Issoufou حالياً أو الإطاحة به لعدم خضوعه للشروط المُجحفة في التعاقد كما حدث للرئيس السابق Mamadou Tandja والذي أطاح به إنقلاب عسكري في 18 فبراير بدعم فرنسي/ أمريكي .

هذا المناخ السياسي المتوتر داخلياً قد يغل يد الرئيس Issoufou عن إطلاق يد العسكرية الأمريكية في تنفيذ إنتقام من الجماعات الإسلامية القتالية بسبب هجوم 4 أكتوبر, إذ أن هذا التوتر السياسي ومع قطاع من العسكرية النيجرية تصاعد بدرجة غير مسبوقة , كما أن شعب النيجر لا ينظر للوجود العسكري الأمريكي والفرنسي علي أنه دعم للنيجر أو أن له أثر إيجابي ما علي إقتصادها والتنمية إذ أن النيجر تعيش لسنين سابقة في دورات متكررة للأزمات الغذائية , وإيضاحاً لذلك أشير إلي أن ديوان رئيس وزراء النيجر بالتعاون مع اللجنة الأوروبية أصدر ما أسماه نشرة نظرة خاطفة BULLETIN FLASH برقم 28 بتاريخ 15 مايو 2010 كان عنوانها ” تركيبة الموقف الغذائي في المناطق المُعرضة في 30 أبريل 2010 ” وقد تضمنت هذه النشرة أرقام تدل علي أن الأزمة إما أنها غير قابلة للحل أو أن حلها ممكن لكن بإيجاد أزمة أكثر منها تعقيداً أي أزمة الإدارة أو لنقل الإرادة وهو معني يتضمن المعني السابق فالنشرة المُشار إليها أشارت في مقدمتها إلي أن عدد السكان بالنيجر يبلغ نحو 15 مليون نسمة والذين منهم في موقف غذائي حرج يبلغ عددهم 777,542 مقابل 14,550 في العام السابق وأن 829,635 نسمة في موقف غذائي صعب في مقابل 78,943 نسمة في العام السابق وأن مليون وعشرة الآف و419 نسمة في موقف رقيق الحال لكنه مُنذر مقابل 254,419 نسمة في العام السابق , وفي الحقيقة فإن الجداول الموضوعة في هذه النشرة من الدقة بحييث أنه من الصعب تصور أنها أهملت إنساناً واحداً جائعاً أو في عوز لم تدرجه , لكن الأزمة مستمرة متكررة وشديدة الوطأة بحيث لا يمكن فك إشتباكها مع إستقلال قرار من يتخذ القرار السياسي بهذا البلد وكل ما يفعله الغرب بضعة حاويات لسد حاجة آنية من الغذاء دون أي إستثمار في التنمية الزراعية بل الإكتفاء بالإستثمار الفرنسي والكندي والأمريكي في إستخراج اليورانيوم من الشمال والذهب من مناجم Samira , أما الرئيس Issoufou وحزبه فينظرون للتعاون العسكري مع فرنسا بإعجاب مشوب بمشاعر الإطمئنان والرضي , وقد أشارت صحيفة GUARDIAN THE البريطانية إلي تصريح أدلت به السيدة AMOS VALERIE مساعدة أمين عام الأمم المتحدة للشئون الإنسانية ومنسقة إغاثة الطوارئ بالأمم المتحدة بمناسبة زيارتها للنيجر أشارت فيه إلي ” أن النيجر مازالت بعد لم تنحسر عنها أزمتها الغذائية التي أصابت أكثر من نصف عدد سكانها البالغين 15 مليون نسمة والتي تلقت بسببها أكثر من 270 مليون دولار من المساعدات الغذائية هذا العام , لكنها قد تمر بمشاكل مماثلة طالما تزيد أعداد السكان بالنيجر لمستويات غير منتظمة مع التغير المناخي الذي يؤثر علي النشاط الزراعي , فالسكان هم المشكلة الرئيسية بالنيجر التي تعد واحدة من أفقر البلدان بالعالم التي بها واحدة من اعلي معدلات سوء التغذية والأمية بالعالم وبها ما يقرب من 50% من سكان هذا البلد دون سن الــ 15 عاماً وهو رقم سيتضاعف في مدي 21 عاماً فيما عدد سكانها الآن 15,2 مليون نسمة حالياً متوقع لهم أن يصلوا إلي 50 مليون نسمة في مدي عام 2050 , لذا تشكل زيادة السكان ضغوطاً علي كل شيئ ” .

4- المصالح الإقتصادية الأمريكية في أفريقيا :

يُخيل للكثيرين أن لفظ الصحراء مُعادل للفظ الفراغ لكن هذا التخيل فيه إجحاف بنعم الله تعالي الذي بفضله تميزت الصحراء ربما بسبب نتائج التغيرات المناخية والجيولوجية علي كوكبنا بإستيعابها لثمرات إيجابية من هذه التغيرات المتعاقبة ولهذا يمكن وصف الصحراء عموما بأنها تحتوي في باطنها وعلي ظاهر أراضيها موارد إقتصادية مُتجددة وأخري غير مُتجددة وهذه الموارد الإقتصادي الثرية مختفية أو صعبة الإدارة أو تحتاج إلي تقنية عالية وبالتالي تمويلا كافياً لإستغلالها وهي علي كل حال موارد أُسيئ تقديرها من عدة أوجه من جانب كل الدول التي تترامي فيها هذه الصحراء بالرغم من بعض محاولاتها لإظهار الإهتمام بها مؤخراً لكنه إهتمام لم يتجاوز العنوان الأمني مع إسباغ طابع إداري مُتغير أيضاً لدواع أمنية أي بتغيير مزمن في الخرائط الإدارية لحوالي 12 دولة أفريقية تمر عليها تلك الصحراء لكن من بينها دول تعتبر بحق صحراوية الطابع كون الصحراء تشكل أكثر من 70% من أراضيها وهي علي وجه التحديد المغرب / موريتانيا / مالي / النيجر / تشاد / الجزائر / ليبيا ومصر الصحراء الغربية وإمتدادها في شمال غرب السودان وتعد هذه الصحراء موضوعاً وموضعاً للصراع من جانب القوي الكبري إرتفعت وتيرته حالياً , وهو الأمر الذي بدأ بشكل جاد ممنهج منذ مطلع الخمسينات من القرن الماضي بشكل أصبحت فيه هذه الصحراء فضاء إستراتيجي من وجهة جيوسياسية دولية أُلحق بها تعبير آخر لاحقاً هو الساحل LE SAHE وهو النطاق الجنوبي المُتاخم للصحراء الكبري ويقع ما بين هذه الصحراء وإقليم السافانا , وبينما لا يُلاحظ إهتمام إقتصادي بإقتصاديات الصحراء من جانب الإدارة السياسية والإقتصادية بهذه الدول الأربع لأسباب موضوعية وتاريخية فإننا علي الجانب الآخر نجد للأسف كل العناية والإهتمام بل والبحث العلمي من جانب القوي الكبري والتي هي في ذات الوقت ذات ميول إستعمارية أصيلة ومتجددة .

بالنسبة للولايات المتحدة فقد وضعت مؤسستها العسكرية Pentagon في عام 2001 إستراتيجية مؤداها إستخدام العسكرية الأمريكية في تأمين إمدادات الموارد المعدنية من أفريقيا والتي تتضمن موارد الذهب والبترول والألماس واليورانيوم والنحاس والبوكسيت والكوبالت ألخ , وتمنح الحرب علي الإرهاب أو “الجهاديين” مسوغاً للمؤسسة العسكرية الأمريكية في نشر تواجدها العسكري والأمني في القارة الأفريقية , ومن المعروف أن النيجر ثالث أكبر منتج عالمي لليورانيوم ومالي بها مناجم ذهب , وإذا ما أعتبرنا الجماعات الجهادية مصدراً لعدم إستقرار أنظمة الحكم الأفريقية , فلماذا لا نجرب ولو لمرة واحدة إختبار فرضية التعادل Equation hypothesis التي مؤداها إعتبار الوجود العسكري الأمريكي مُتمثلاً في القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM ومعه الوجود العسكري الفرنسي في مالي وغيرها مصدرا آخر لعدم الإستقرار أو إستفزازاً للقوي الإسلامية بدول الساحل والصحراء وهم يشكلون كتلة سكانية كبيرة بها , ولو حتي علي قاعدة إعمال العصف الذهني ؟ , لكننا نري أيضاً العسكرية الفرنسية هي الأخري تعزز من تواجدها العسكري في بعض الدول الأفريقية الفرانكفونية وفي مقدمتهم مالي والنيجر بطلب من رئيسها Mahamadou Issoufou الذي يتخذ مواقف ضد الإسلاميين بالنيجر ومالي أكثر هجومية من فرنسا نفسها , إذ نشرت فيها فرنسا قوة عسكرية خاصة أيضاً لوقف إختطاف رهائن فرنسيين ودعم قوات النيجر بعد الهجومين المزدوجين اللذين قامت بهما جماعة التوحيد والقتال في مدينةِAgadez بشمال النيجر في مايو 2013 , وهما العمليتان اللتين بررهما أبو وليد الصحراوي المتحدث باسم هذه الجماعة بقوله ” إننا وبحمد الله تعالي قد نفذناهما ضد أعداء الإسلام في النيجر , فلقد هاجمنا فرنسا والنيجر لتعاونها مع فرنسا في حربهما ضد الشريعة , ولسوف نستمر في تنفيذ الهجمات ضد فرنسا وكل البلاد التي معها ضد الإسلام في شمال مالي ” .

موارد الصحراء الكبري تشكل إذن أحد الأسباب الرئيسية من وراء أقامة الولايات المتحدة لقيادتها العسكرية لأفريقيا AFRICOM , أو بمعني أكثر تحديداً إقامة ما يُسمي بالشراكة المُضادة للإرهاب عبر الصحراء (Trans-Sahara Counter Terrorism Partnership) والتي في إطارها توجه جنود قيادة العمليات الخاصة إلي قرية Tongo-Tongo علي بعد 200 كم من العاصمة Niamey في مهمة تؤكد القيادة الأمريكية العسكرية لأفريقيا أنها مهمة حوارية مع زعماء محليين هناك , أي حوار هذا ؟ إن المرء عندما يذهب إلي قرية مثل Tongo-Tongo أو غيرها سيجد أناس فقراء مساكين لا هم لهم إلا أن يمر اليوم وفي جوفهم لقمة تسندهم ليستمروا في حياة صعبة …. أي إسفاف هذا الذي يرددونه …. إن من يستخدم هذا المنطق السخيف ليس من المناسب علي نحو مقابل أن تصدقه وهو ينعت من يقاومونه بالإرهاب , الإرهابي الحقيقي هو من يأخذ منك يومك وغدك بنهب ثروتك وموارد بلدك بمساعدة من وكلاءه المحليين رؤساء الدول , وهذا هو السبب للتقدير بأن هجوم 4 أكتوبر لن يكون – طالما صدق الأمريكيون أنفسهم – إلا في إتجاه قيادة AFRICOM لتعزيز وجودها مع تحسين وسائل الحماية هذه نتيجة التحقيق الجاري , فالولايات المتحدة أقامت قيادتها العسكرية لأفريقيا لحماية والحفاظ علي نصيب الأسد من الموارد الأولية الأفريقية وليس للترويج للديموقراطية والتعاون الإقتصادي كما أدعت في منطوق إنشاءها , فمنطقتي الساحل والصحراء مكان بحث وإستغلال دؤؤب من الشركات المتعددة الجنسيات التابعة للقوي الغربية عن وللموارد الأولية وهي والصين الشعبية في حالة تنافس محموم للفوز بأكثر مما ينبغي من هذه الموارد وتنافسهم هذا هو الذي يؤدي بهذه الزعامة المحلية أو تلك بالدول الأفريقية بالٌإقتراب من سدة الرئاسة أو البعد عنها أو الإطاحة به إن كان علي رأس السلطة ولم يستجب لضغوط هؤلاء الفاعلين الذي يُطلقون علي أنفسهم مانحين وهم يمنحون لهذه الدول علي سبيل الرياء معونات هي أصلاً نقاط دم من جسم هذه الشعوب المغلوبة علي أمرها لإعطاء إنطباع رحيم لعمليات إستغلال لا رحمة فيها , ولهذا ومما يعكس أهمية هاتين المنطقتين تعيين المملكة المتحدة في 28 سبتمبر 2012 النائب Stephen O’Brien ممثلاً خاصاً لها لدي منطقة الساحل , علي غرار ما فعله الإتحاد الأوروبي , فمن المعروف لدي من يعملون كدبلوماسيين بمنطقتي الساحل والصحراء أنه ليس لبريطانيا تمثيل دبلوماسي منتشر في معظم دول هاتين المنطقتين , لكن الدواعي الإقتصادية هي من فرض إتخاذ قرار كهذا , وبالتالي فإن التواجد العسكري الأمريكي والفرنسي لابد من أن يكون مُبرراً وأنسب المبررات له هو محاربة الإرهاب , لكن لماذا جاءت قواتهم من علي بعد آلاف الأميال لتحارب الإرهاب أليس هذا التصرف مشابهاً لقدوم قواتهم من مئات السنين لإستعمار نفس هذه الدول , لكنهم وهم يأتون هذه المرة يسيئون لجيوش الدول الأفريقية كلها إذ أنهم يبررون تواجدهم أنه من أجل معركة أفضل مع الإرهاب بتدريب قوات الجيوش لبعض الدول الأفريقية , وفي ذلك أبلغ إساءة لهذه القوات – إن كانت قياداتها تدرك ذلك – وهو بالضبط ما قاله دكتور Cheikh Tidiane Gadio مدير المعهد الإستراتيجي لعموم أفريقيا IPS لإسبوعية REWMI في 16 أكتوبر2017 عندما أشار إلي أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية من مصلحتهم أن يُظهروا أفريقيا علي أنها غير قادرة علي التكفل بأمنها وأنها لذلك بحاجة إليهم علي كل المستويات , وتراهم يركزون في المناطق التي بها جيوب مقاومة لإستراتيجياتهم الإقتصادية “, وللعلم فإن منطقتي الساحل والصحراء يُخطط لإستغلالها من قبل الأوروبيين إستغلالاً أقصي مُستقبلاً , إذ أن هناك ميل شديد الوضوح للإتحاد الأوروبي للإقتراب أكثر فأكثر من منطقة الصحراء الكبري لأسباب إقتصادية تتعلق بالأمن الأوروبي من موارد ومصادرالطاقة (اليورانيوم/ البترول/ الشمس) وهذه المنطقة تحديداًهي التي يأمل الأوروبيون في تأمين مشروعاتها الحالية والمرتقبة بها , وحتي الآن هناك مشروعين في هذا الصدد أولهما مشروع علي الأجل الطويل وهو مشروع في مجال الطاقة المتجددة ويقوم إستغلال الطاقة الشمسية بالصحراء الكبري في مساحة 17 ألف كم مربع بالصحراء الكبري لتوليد الطاقة الكهربائية التي ستُنقل بتقنية حديثة معينة عبر كوابل لأوروبا , وتستفيد من المشروع دول أفريقية وأوروبا , وهذا المشروع وضعته وأعلنت عنه مؤسسة DESERTEC الألمانية في 18 يونيو 2009وتبلغ تكلفته 555 مليار دولار , ووفقاً لمصادر صحفية فسيُنفذ في مدي عام 2050 , ويفي بنسبة لا تقل عن 25% من مجمل إحتياجات أوروبا من الكهرباء , ثانيهما علي الأجل المتوسط وهو مشروع خط أنبوب الغاز الطبيعي من دلتا النيجر بنيجيريا TRANS SAHARAN GAS PIPLINE بطول 4400 كم ويعبر الصحراء الكبري , وهو أيضاً من المشروعات التي يعول عليها الإتحاد الأوروبي في إطار إستراتيجيته لأمن الطاقة والمشروع مُصمم بحيث يمد أوروبا بالغاز من خلال ربطه بخط الغاز القائم وبخطوط أخري هي خط عبر المتوسط TRANS – MEDITERRANEAN وخط المغرب- أوروبا وخط MEDGAZ وخط GALSI وكلها خطوط تعبر المتوسط ويُقدر طول خط الغاز العابر للصحراء والقادم من نيجيريا حتي المتوسط 4,200 كم منهم 1,030 كم داخل أراضي نيجيريا و853 كم داخل أراضي جمهورية النيجر و2,310 كم داخل أراضي الجزائر ويسير الخط في 50% من طوله في إقليم السافانا الإستوائي شبه الجاف قبل أن يصل إلي جبال الأطلس وأخيراً يصل إلي منطقة حاسي الرمال وهي منطقة إلتقاء لأنابيب البترول و الغاز الطبيعي الواصلة للساحل الجزائري علي المتوسط , وتقدر تكلفة المشروع 10بليون دولار لإنشاء الخط و3 بليون دولار لتجميع الغاز والبنية الأساسية اللازمة للخط , * (ورقة بحثية أعدها KOIC CONAN في بعنوان ” خط الغاز العابر للصحراء : نظرة للمهددات التي تواجه نجاحه ووسائل منع الفشل “) , ويُقدر الإتحاد الأوروبي أنه قد يعرقل تحقيق هذا المشروع ما تراه دول الإتحاد علي أنه ” تهديدات إرهابية ” فيما هي في تقديري ” مقاومة بالمتاح من وسائل” من قبل السكان منخرطين أو غير منخرطين في التيار الإسلامي الإيجابي أي الذي لا يكتفي بالشجب والإدانة بل ينحو إلي القتال خاصة في وجود حكومات مستسلمة تماماً للشروط الغربية في إستغلال إقتصادي بخس لمواردها , أفهل لا يحرض كل ذلك الأوروبيين والأمريكيين علي تأمين مصالحهم بمواجهة التنظيمات الجهادية التي يرونها إرهابية لمجرد أنها تقاوم إعادة إستعمارهم وسلبهم لموارد شعوبنا ويتماهي مع وجهة نظرهم التي توصم من يقاومونهم بالصحراء الكبري بتهمة الإرهاب إعلام عربي كسيح ؟ .

عموماً لابد من الإشارة إلي الواقع المحيط بمشروع خط الغاز العابر للصحراء إذ أن هناك يربض من حوله نوعين من الخطر أحدهما خطر حركة تحرير دلتا النيجر MEND والآخر جماعة BOKO HARAM وبالتالي فهذا الخط حتي يسلك طريقه لابد من تعبيد الطريقين الرابطين ما بين حكومة نيجيريا وحركتي التمرد بها , وهو وضع مُشابه إلي حد ما بوضع خط الغاز الروسي الأوكراني المُحاط بنزاع سنوي بين البلدين بشأن التسعير ومشاكل أخري سياسية وعسكرية بين البلدين مما أثر علي إنتظام الإمدادات لأوروبا , أما مشروع الصحراء فدونه أسباب مختلفة تعترضه تمويلية وسياسية وكذلك أمنية تتمثل في المعركة الدائرة بين العسكريتين الأمريكية والفرنسية والجهاديين , ولذلك نجد أن ألمانيا أنشأت قاعدة لها في النيجر بررتها بأنها نقطة إرتباط مع القوة الألمانية المتمركزة بشمال مالي وإلي حد ما فالتبرير غير مكتمل لأن هناك أسباب أخري تتعلق بمشروع DESERTEC وبطموحات ألمانيا الإقتصادية الأخري بالصحراء الكبري .

إن الإستراتيجية العسكرية والأمنية بالرغم من بعض الخلافات الثنائية مازالت قوية وعاملة ومُنسقة بين أعضاء حلف شمال الأطلنطي , وهذا مما يفسر التداخل والتكامل ما بين حلف شمال الأطلنطي والسياسة الأمنية للإتحاد الأوروبي في بعض المناطق ومن أهمها منطقتي الساحل والصحراء لقربهما الجغرافي وتداخلها مع منطقتي الشرق الأوسط وجنوب المتوسط , وهو السبب الذي كما أشرت دعا المبعوث الإيطالي الخاص للشرق الأوسط Maurizio Massari خلال زيارته لبعض الدول بالخليج العربي في ليصرح في 10 أبريل 2012 بأن منطقة البحر المتوسط الأكبر Greater Mediterranean Region تضم دول الصحراء الكبري , في إشارة لمفهوم جيوسياسي جديد يصف الإمتداد الإقتصادي الجديد للإتحاد الأوروبي , ومن ثم ومرة أخري فلن يؤدي هجوم 4 أكتوبر لتقلص في الوجود العسكري الأمريكي في منطقتي الساحل والصحراء , بل سيعمل علي إصلاح الأخطاء والعمل علي تجنب أي ميل للإشتباك مع الجهاديين أو الإقتراب من مكامنهم وإتاحة فرصة أكبر للصحراء كي تأكل وتستنزف العسكرية الفرنسية .

التواجد الصيني العسكري في أفريقيا :

للصين الشعبية تواجد إقتصادي مهم في النيجر لكنه إكتسب دفعته الأعظم إبان عهد الرئيس Mamadou Tandja , ويأخذ هذا التواجد أشكال مختلفة ما بين إتفاقات علي القروض الصينية من بنك EXIM الصيني وبناء جسر كبير علي نهر النيجر وحصول الصين علي مزرعة كبيرة بالنيجر وبين التركيز الصيني علي الإستثمار في مجالات البترول إذ وقعت الصين إتفاق بترول مع النيجرعام 2009 يغطي مجالات البحث والإستكشاف والإنتاج , وبموجبه حصلت علي إمتياز البترول بمنطقة Agadem وإتفاق آخر بإقامة مصفاة تكرير بترول بمدينة Zinder بجنوب البلاد بطاقة إنتاجية قدرها 20 ألف برميل/ يوم والتي أفتتح العمل فيها في 28 نوفمبر 2011(علمت وقتئذ من مصدر مُطلع بالنيجر في 2ديسمبر 2011 أن سلطات النيجر المعنية علمت أن الصينيين إحتالوا علي حكومة النيجر بالمغالاة في تكاليف إقامتهم لمشروع مصفاة تكرير ZINDER التي بلغت ما بين 900 إلي مليار و200 مليون دولار وأنهم باعوا من خلال هذا المشروع برميل البترول المُكرر بـنحو 76 دولار فيما بلغت تكلفته حوالي 10 دولارات , وأضاف المصدر أن السفير الصيني لدي النيجر اُستدعي وأُحيط علماً بما تقدم , وأن الصين في رد فعلها السريع أبدت تفهمها لما أبدته حكومة النيجر – والذي يبدو أنه كان موثقاً – فعرضت إستعدادها لتمويل إقامة طريق بين محافظة DIFFA المُتاخمة لبحيرة تشاد يصلها بحدود النيجر مع تشاد بطول 200 كم , لكن ومع ذلك فقد أُحيل هذا الأمر برمته لبرلمان النيجر الذي طالب بعمل مراجعة للمشروع من الوجهتين التكاليفية والفنية) , أما اليورانيوم فقامت الصين بإستغلاله من خلال شركة Société des mines d’Azelik الصينية بمنطقة تقع علي بعد 200 كم من Arlit الواقعة جنوب وجنوب غربي والتي يستخرج منها الفرنسيين اليورانيوم علي مدي 40 عاماً , وكادت الصين أن تحصل علي إمتياز منجم Imoraren ثاني أكبر منجم يورانيوم بالعالم الذي فاوضت النيجر مجموعة Areva الفرنسية بشأنه وتعثر التفاوض بسبب رغبة الجانب الفرنسي تأجيل الإستثمار في عملية الإستغلال فيه بعد الحصول علي الإمتياز وإزاء إصرار الرئيس Tandja علي أن يكون البدء في الإستثمار عقب توقيع التعاقد فقد رضخت Areva بعد أن هرع الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي لزيارة النيجر في مارس 2009 ليؤمن توقيع Areva لعقد Imoraren قبل تحول النيجر للصين ومنح الإمتياز لها , ووفقاً لموقع BLOOMBERG الإخباري في 2 يناير 2011 فإن المؤسسة الوطنية النووية الصينية وهي أكبر بان للمفاعلات بدأت في إنتاج أول برميل من اليورانيوم من مناجم تعدين اليورانيوم التابعة لها في منطقة AZELIK بالنيجر , وقد أصدرت هذه المؤسسة من مقرها في بكين ما يُشير إلي ذلك دون أن تعطي مزيداً من التفصيلات , وقد أشار الموقع بالإحالة علي الجمعية النووية العالمية إشارتها إلي أن الطلب الصيني علي اليورانيوم ربما يرتفع إلي 20 ألف طن سنوياً بحلول عام 2020 وبما يزيد قليلاً عن ثلث الإنتاج العالمي من اليورانيوم والبالغ 50,572 / طن / عام عالمياً .

كان هذا التواجد الصيني في النيجر مجرد نموذج لتطبيق إستراتيجية إقتصادية فعالة للنفاذ الإقتصادي في عموم أفريقيا وهي إستراتيجية ثبت نجاحها وثبت أيضاً أنها أحد الأساب التي دفعت الولايات المتحدة لتكثيف تواجدها العسكري والأمني في النيجر , وإن كانت أولي أولويات القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا هناك هي ” محاربة الإرهاب” , إلا أن الوجود الصيني القوي والمتنامي في النيجر يظل سبباً لقلق أمريكي وأوروبي , وعلي الجانب المقابل فإنه مما لاشك فيه أن هجوم 4 أكتوبر 2017 الذي أدي لمصرع 4 من عناصر قيادة العمليات الخاصة الأمريكية يعتبر بالنسبة لإستراتيجية الصين في أفريقيا والنيجر تطوراً إيجابياً لما قد يمثله من تحول عناصر القيادة العسكرية الأمريكية إلي أهداف تُضاف إلي الأهداف الفرنسية للجهاديين بالصحراء الكبري , وهو ما يعني إستنزافاً لقدرات العسكرية الأمريكية التي أصبحت من الوجهة العملية لها أعداء لا يرغبون في تواجدها علي أراضيهم , لكن في نفس الوقت فإنه أي هجوم 4 أكتوبر يمثل كذلك إنذاراً غير مباشر للصين نفسها كي لا تفكر- ومن المُستبعد في الواقع أن تفكر- في التواجد عسكرياً بالنيجر أو بالصحراء الكبري عموماً ولتكتفي إلي حين بالقاعدة البحرية العسكرية التي أقامتها في غربي مدينة جيبوتي وهي أول قاعدة لها خارج أراضي الصين , والتي بدأت الصين في التفاوض مع جيبوتي عام 2015 لإقامتها وبالفعل بدأت عملية إقامتها ويُتوقع الإنتهاء منها صيف 2017 وذلك بتكلفة تُقدر بنحو 590 مليون دولار , وهناك أكثر من مبرر إقتصادي وعسكري لإقامتها فهي تعتبر وراء ظهر بحر الصين الجنوبي وبينهما المحيطين الهادي فالهندي فبحر العرب وخليج عدن وهو المدي الذي تتداخل فيه مهام ثلاث قيادات عسكرية أمريكية هي الآسيوية والمركزية والأفريقية , كما أن الوضع في اليمن وقناة السويس يتطلب تنشيطاً للدور العسكري الصيني في محيط قاعدتها البحرية في جيبوتي ولهذا نجد سفير الصين لدي الإتحاد الأفريقي يصرح من بكين في 22 يوليو 2017 لوكالة Associated Press ليشير ” بأن بلاده تنظر في إرسال قوة حفظ سلام لمنطقتي رأس وجزيرة Dumeira الحدوديتين المُتنازع عليهما بين جيبوتي وإرتريا , كما أنها يمكنها التوسط في النزاع القائم بينهما ” والذي نشأ نتيجة إحتلال القوات الإرترية لهما إثر الإنسحاب المُفاجئ للكتيبة القطرية يومي 12 و 13 يونيو2017 حيث كانت ترابط بموجب إتفاق الهدنة الذي وقعته إرتريا وجيبوتي بوساطة قطرية في 6 يونيو 2010 وأدي إلي تسوية مُؤقتة للنزاع وهو الإتفاق الذي نصت المادة 6منه علي إضطلاع قطر بمسئولية المراقبة في هاتين المنطقتين لحين التوصل لتسوية نهائية للنزاع .

الوجود الإقتصادي الصيني الكثيف بالنيجر يعتبر أحد الكوابح الرئيسية لأي ميل عسكري إنكماشي أمريكي بالنيجر بفعل هجوم 4 أكتوبر خاصة وأن هذا التواجد العسكري الأمريكي يغطي بإستخدام قاعدتي الطائرات التي بلا طيار Drones في Niamey و Agadez منطقة عمليات متسعة يصل مداها إلي جنوب الجزائر وشمال مالي وتشاد خاصة منطقة الشمال الشرقي بها التي تعد بالنسبة لنظام إدريس ديبي منطقة خطرة تتحرك فيها التنظيمات الجهادية المُسلحة بحرية نسبية لطبيعتها الجبلية والصحراوية والتي تتماس عملياتياً مع جبهة حوض بحيرة تشاد التي تعد مجالاً خطراً تربض فيه عناصر جماعة BOKO HARAM المسلحة والتي أدرجها الأمريكيين منذ وقت طويل في قائمتهم المُتضمنة الجماعات المُعتبرة “إرهابية” بالعالم .

نتيجة :

الهجوم الذي إستهدف عناصر من قيادة العمليات الخاصة الأمريكية يوم 4 أكتوبر 2017 بقريةTongo Tongo الواقعة علي بعد 190 كم تقريباً شمال العاصمة نيامي بشمال محافظة Tillabéri ضربة مُوجعة للعسكرية الأمريكية , لكنه أيضاً إعلان من قبل جهاديي الصحراء الكبري بأن عناصر القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا تم إعتمادهم هدفاً معادياً لهم مع الفرنسيين , ومع ذلك فليس من المتوقع أن تسفر نتائج التحقيق الذي شرعت فيه السلطة الأمريكية المُختصة عن التوصية بمنهج إنكماشي عسكري في النيجر , والمتوقع إتخاذ إجراءات تصحيحية فيما يتعلق بالتغطية الحمائية الجوية والأساليب المُتبعة في عمل وكالات الإستخبارات الأمريكية بالمنطقة , ومع ذلك فسيظل الدافع المُحرك للجهاديين أقوي ومتجاوزاً لقدرات وكالات الإستخبارات الأمريكية وتكتيكات ما يُسمي بالشراكة المُضادة للإرهاب عبر الصحراء (Trans-Sahara Counter Terrorism Partnership) والتنظيمات العسكرية لدول هذه المنطقة المتعاونة مع الإستراتيجية العسكرية الأمريكية وآخرها القوة الخماسية للساحل G5 Sahel , فالدافع الذي لدي الجهاديين روحي أما الدافع المُحرض لعناصر القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا وللقوة الخماسية فيقع ما بين الدفاع عن مصالح مادية غير مُستحقة والدفاع عن نظم سياسية محلية مُتناقصة القوة ذائبة في هوي القوة المُسيطرة عليها , واهذه النظم المحلية لا أمل في أن تشعر يوماً بمذاق الكرامة أو العزة إذ تعتبرها معاني بائدة , رغم أن القوي الكبري جلبت عسكريتها للمنطقة لتعزيز سيادتها , هذا التعزيز الذي تجاوز حتي وصل إلي درجة الهيمنة علي هؤلاء الحكام المحليين وإعلامهم المُتعفن الذي أصبح ببغاء يكرر ما ينطق به العدو .

هجوم 4 أكتوبر لن يغير كثيراً الإتجاه العسكري الأمريكي القائم علي مبدأ ” إفعلها بنفسك” , وهو ما أكده ALEMAYEHU G. MARIAM الذي أشار في تقرير له نُشر بموقع THE HILL بتاريخ 5 مايو 2017 تحت عنوان ” الولايات المتحدة ليست بحاجة إلي إثيوبيا في حربها علي الإرهاب في القرن الأفريقي” , ذلك أن الولايات المتحدة قررت إعادة تمركزها حالياً بالصومال بعد إنسحابها من الأراضي الصومالية عام 1993 بعد فشل عملية “إعادة الأمل” بسبب الضربة المُؤلمة التي تلقتها بعد ضرب الجهاديين هناك لمروحيتين من طراز Black Hawk بمقديشيو مما أدي إلي مصرع 18 عسكري أمريكي مُثل بهم في شوارع مقديشيو مما إضطر إدارة الرئيس كلينتون بإتخاذ قرار بالإنسحاب من الصومال , لكن إدارة الرئيس TRUMP قررت وضع مقاربة جديدة للصومال بموجبها عادت العسكرية الأمريكية إلي أراضي الصومال , وقد أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا في 14 أبريل 2017 عن إرسال 40 عسكرياً من اللواء 101المحمول جواً للصومال ” لمساعدة الجيش الصومالي الحكومي علي القتال بشكل أفضل ضد عناصر حركة الشباب ” , مما يعني تناقص الدور الإثيوبي العسكري هناك , ويعني أيضاً عدم ثقة العسكرية الأمريكية في العسكريات الأفريقية وبدرجة أقل في عمليات حفظ السلام الأفريقية , وهو ما قد يؤثر علي تناول العسكرية الأمريكية لمسألة دعم إقامة القوة الخماسية للساحل G5 Sahel , فهجوم 4 أكتوبر سيكون نطاق تأثيره محصوراً داخل منهجيات وتكتيكات القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا ولن يتعدي ذلك ليوثر مثلاً علي وجهة نظر العسكرية الأمريكية بشأن الإعتماد علي العسكريات الأفريقية في تنفيذ مهام حماية مصالح الولايات المتحدة في القارة الأفريقية وإلا لما أنشأت AFRICOM , فالولايات المتحدة تعلم عبر منافذ ومراكز العصف الذهني لديها أن الجيوش الأفريقية والشرق أوسطية عدوها الوحيد هو الديموقراطية وحربها المفتوحة دائما ما تكون مع هذه القيمة الأخلاقية والسياسية فقط , ففي ندوة حضرتها عُقدت بالنيجر في الفترة من 29 إلي 31 مارس 2011 بعنوان ” الجيش والسلطة السياسية في الحوكمة الديموقراطية بالنيجر” أشارت أحد الأوراق المُقدمة إلي أن أفريقيا فيما بين 1952 وحتي 1989تاريخ بداية سقوط الإتحاد السوفيتي شهدت 53 إنقلاباً عسكرياً ثم 22 إنقلاب فيما بعد 1989, وأن جزر القمر وحدها سجلت منذ إستقلالها ما بين 15 إلي 18 إنقلاب عسكري , أما الدول التي لم يكن بها إنقلابات عسكرية فتحصي علي أصابع اليد منها السنغال وبتسوانا وجزر موريشيوس , فإذا أضفنا ظاهرة القواعد العسكرية لدول أجنبية بدول أفريقية , فإننا سنجد أنه أصبح هناك فصل في العقيدة السياسية لدي بعض قادة النظم الأفريقية ما بين مبدأ السيادة وبين الإتفاق مع قوة دولية كفرنسا أو الولايات المتحدة أو الصين لتأجير جزء من أراضيها لأقامة قاعدة عسكرية .

القاهرة تحريراً في 18 أكتوبر 2017

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى