الرئيسية / الشرق الأوسط / العهدة الرابعة في الجزائر وألمانيا: رؤية تحليلية لرابعة بوتفليقة ورابعة ميركل
العهدة الرابعة في الجزائر وألمانيا: رؤية تحليلية لرابعة بوتفليقة ورابعة ميركل
بوتفليقة - ميركل

العهدة الرابعة في الجزائر وألمانيا: رؤية تحليلية لرابعة بوتفليقة ورابعة ميركل

اعداد : د. لقرع بن علي – أستاذ العلوم السياسية، جامعة مستغانم (الجزائر)
– المركز الديمقراطي العربي
 

في يوم 24 سبتمبر 2017 أجريت انتخابات برلمانية في جمهورية ألمانيا الاتحادية، وقد أفرزت هذه الانتخابات فوز المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بعهدة رابعة على التوالي منذ سنة 2005. وبناء على هذه النتيجة، انتشرت في الجزائر موجة من الآراء حول هذه العهدة الرابعة لأنجيلا ميركل Angela Merkel، حيث ذهب البعض إلى حد التشبيه بينها وبين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي بقي في الحكم أربعة عهدات متتالية في الجزائر.

من هذا المنطلق، فإن الهدف من وراء كتابة هذا المقال ليس معارضة العهدة الرابعة التي فاز بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، وفي نفس الوقت لا يكمن الهدف في الدفاع عن العهدة الرابعة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بل المقصود هو معالجة هذه المسألة بطريقة موضوعية بعيدا عن التحيز والتخندق السياسي بين الموالاة والمعارضة في الجزائر.

وبالنظر إلى أهمية التداول على السلطة في الأنظمة السياسية المعاصرة، فإن السياسة المقارنة لم تغفل هذه المسألة التي تعتبر حيوية بل مؤشرا على مدى ديمقراطية نظام سياسي مقارنة بنظام آخر.

لكن يجب التنبيه إلى أن المقارنة في العلوم السياسية ليست منهجا اعتباطيا أو عفويا بل هي تخضع لضوابط معينة وشروط محددة. ولعل أهم هذه القواعد أنه لا يمكن المقارنة بين نظامين متشابهين كليا أو مختلفين كليا، وهذا يعني ضرورة وجود قدر من التشابه وقدر من الاختلاف حتى تصلح المقارنة.

وفي نفس الوقت لا يجب إهمال العوامل البيئية والدلالات التفسيرية أثناء إجراء المقارنة.

بناء على ذلك، تظهر اختلافات كبيرة بين الجزائر وألمانيا تجعل المقارنة صعبة المنال وسطحية في آن واحد باعتبارها لن تمكننا من الوصول إلى أي نتيجة، بل إن أصحاب المقارنة في الجزائر أرادوا تبرير العهدة الرابعة للرئيس الجزائري بوتفليقة بالعهدة الرابعة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وهذا الأمر لا علاقة له بالمقارنة، فالسياسة المقارنة لا تهدف إلى تبرير سلوكات أو قرارات في بلد ما بسلوكات وقرارات بلد آخر بل تهدف إلى التفسير ومحاولة بناء نظريات تصلح لدراسة وتحليل النظم سياسية، وهنا تكمن صعوبة الدراسات المقارنة في العلوم السياسية.

إن النظرة العلمية والموضوعية لهذا الموضوع تدفعنا نحو إعادة صياغة الطرح بشكل آخر، فإن كان البعض في الجزائر يبحث من وراء المقارنة عن تبرير فتح العهدات لرئيس الجمهورية، فإن الصواب يقتضي البحث عن المتغيرات التفسيرية التي تجعل النظام السياسي الألماني لا يتأثر سلبا بفتح العهدات ويحافظ على طابعه الديمقراطي وعلى فعالية أدائه السياسي والاقتصادي والتنموي وحتى فعالية سلوكه الخارجي.

وفي نفس الوقت البحث عن المتغيرات التفسيرية التي جعلت فتح العهدات في الجزائر يؤثر سلبا على النظام السياسي بالرجوع إلى الأحادية، وشخصنة السلطة، وتراجع الإصلاحات السياسية، وضعف الأداء السياسي والاقتصادي للنظام وحتى في سياسته الخارجية يعاني من تذبذب الأداء.

تعتبر ألمانيا دولة فدرالية من حيث الشكل تتبع نظام الحكم المحلي في تسيير الشؤون المحلية، وهذا يعني أن الحكم في ألمانيا يمارس على مستويين مستوى فدرالي ومستوى محلي، والدستور ينظم العلاقة بين الحكومات المحلية والحكومة الفدرالية التي تحكم الجمهورية الألمانية.

إن الحكومات المحلية على مستوى المقاطعات (الولايات) تتمتع باستقلالية واسعة في تسيير شؤونها في حين تكتفي الحكومة الفدرالية بالإشراف على شؤون السياسة الخارجية والدفاع والعدالة والجنسية والمالية العامة والنقد وصلاحيات أخرى معدودة حددها الدستور الألماني.

وفي المقابل نجد أن الجزائر هي دولة موحدة تتبع اللامركزية الإدارية، فالسلطة السياسية الحاكمة هي صاحبة الصلاحيات وتتدخل في كل ما له علاقة بتسيير شؤون الدولة سواء كان على المستوى المركزي أو على المستوى المحلي، بل نجد أن الجماعات المحلية تعاني من نقص الصلاحيات والتضييق عليها في بعض الأحيان.

إن هذه الصفة المتعلقة بشكل الدولة لا علاقة لها بتحديد العهدات، فالولايات المتحدة الأمريكية هي دولة فدرالية ونجد فيها تحديد العهدة الرئاسية بعهدتين فقط، ونجد دولة موحدة مثل فرنسا ذات النظام الإداري اللامركزي تأخذ بنظام تحديد العهدات بالنسبة لرئيس الجمهورية في عهدتين فقط.

غير أن المقصود هنا هو أن فتح العهدات في ألمانيا لا يؤدي إلى الاستبداد بالحكم والمركزية في صنع القرار مثلما هو الشأن في الجزائر. فهناك فرق كبير بين بلد مثل ألمانيا يمارس فيها الحكم على مستويين، وبلد كالجزائر يتميز بمركزية السلطة والحكم في قمة هرم الدولة.

علاوة على ذلك، يظهر الاختلاف الجذري بين طبيعة نظام الحكم بين البلدين، فالنظام السياسي في ألمانيا هو نظام ديمقراطي مبني على الفلسفة الليبرالية والتعددية الحزبية التنافسية ونزاهة الانتخابات وشفافيتها، مع وجود مجال واسع من الحريات المدنية والسياسية من حيث الممارسة بالنسبة للمواطن الألماني.

وهذا الأمر انعكس على الثقافة السياسية في ألمانيا، باعتبارها ثقافة مشاركة تبرز في الانتخابات والعمل الحزبي والعمل النقابي وكذلك الانخراط في العمل التطوعي الفعال بواسطة منظمات المجتمع المدني. وعلى العكس من ذلك نجد أن النظام السياسي في الجزائر مبني على الفكر الأحادي منذ الاستقلال، وحتى في ظل الانفتاح السياسي شهدنا تكاثرا عدديا للأحزاب بدون تنافسية، والانتخابات تكون دائما عرضة للتشكيك من أطراف معارضة أو حتى من مسؤولين سابقين في النظام. إضافة إلى أن مجال ممارسة الحريات المدنية والسياسية أصبح يضيق بمرور السنوات عوض أن يتّسع ليأخذ اتجاها معاكسا لسيرورة التحولات السياسية في العالم.

وبالنتيجة أصبح المواطن الجزائري يتصرّف بسلبية مع الشأن السياسي (ثقافة سلبية) مع وجود ثقافة تابعة لدى فئة من النخب السياسية والمثقفة بهدف الاستفادة من المزايا أو المناصب.

وبغض النظر عن مدة العهدة في ألمانيا التي تقدر بأربعة سنوات، ومدة العهدة في الجزائر التي تقدر بخمس سنوات مما يجعل أربع عهدات في ألمانيا تقدر بـ 16 سنة حكم لميركل في حين أن أربع عهدات في الجزائر تقدر بـ 20 سنة حكم لبوتفليقة، بغض النظر عن ذلك فإن من أرادوا تشبيه العهدة الرابعة لبوتفليقة بالعهدة الرابعة لميركل، قد تغافلوا عن عامل مهم جدا يتمثل في الاختلاف الجذري بين طبيعة النظام الدستوري في ألمانيا عن نظيره في الجزائر.

ففي ألمانيا هناك نظام برلماني يشكّل فيه البرلمان محور نظام الحكم، حيث نجد أن حزب الأغلبية البرلمانية هو الذي يشكّل الحكومة في حالة فوزه بالأغلبية المطلقة وإن لم يتمكّن من ذلك فهو مجبر على تشكيل حكومة ائتلافية. وهذا ما أثبته الواقع فأنجيلا ميركل لا تحكم وحدها، وهي لم تنتخب مباشرة من الشعب، بل هي زعيمة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاصل على الأغلبية النسبية في البرلمان، وحزبها متحالف مع أحزاب أخرى.

وبسبب الاعتماد على نظام التمثيل النسبي الذي لا يتيح في غالب الأحيان سيطرة حزب واحد على الأغلبية المطلقة، فإنه في ظل النظم البرلمانية لا وجود لتحديد العهدات، فالطبيعة الديمقراطية لنظام الحكم في ألمانيا والتعددية التنافسية ونزاهة الانتخابات ونظام التمثيل النسبي، كلها عوامل تساعد على بناء شراكة في الحكم بين حزب الأغلبية وأحزاب أخرى أو حزب آخر على الأقل.

أفرزت الانتخابات الأخيرة ليوم 24 سبتمبر 2017، نتائج متقاربة بين حزب أنجيلا ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) والأحزاب الأخرى. فقد حصل الاتحاد المسيحي الديمقراطي على 33% فقط من الأصوات، وجاء الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي ثانيا بنسبة 20.5% من الأصوات، في حين جاء في المركز الثالث الحزب المعارض عن اليمين المتطرف حزب البديل بنسبة 12.7% من الأصوات، وحصل الحزب الديمقراطي الحر على %10,7 من الأصوات، ثم اليسار الراديكالي %9,2 من الأصوات، وتحصّل حزب الخضر على %8,9 من الأصوات المعبر عنها[1].

إن هذه النتائج تبيّن بوضوح أن حزب انجيلا ميركل لا يمكنه أن يحتكر الحكم لنفسه ولوحده، بل هو مجبر على التفاوض مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة. وهنا ستجد أنجيلا ميركل نفسها مجبرة على تقديم تنازلات أو على الأقل إرضاء الأحزاب التي ترغب في التحالف معها، وهذا الأمر يؤثر على المدة الزمنية التي سيستغرقها تشكيل الحكومة، ففي سنة 2013 لم تشكّل الحكومة الألمانية إلا بعد مرور 86 يوما من الانتخابات البرلمانية.

في الجزائر يختلف الأمر جذريا عما هو سائد في ألمانيا، فالنظام المتبع دستوريا هو نظام شبه رئاسي نظريا لكنه نظام رئاسي تسلطي عمليا، يمثل فيه رئيس الجمهورية مركز السلطة من الناحية الدستورية. فرئيس الجمهورية في الجزائر ينتخب مباشرة من الشعب، وهو يتمتع بصلاحيات واسعة جدا في المجالات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

وهو بموجب الدستور يتمتع بسلطة التعيين في مختلف المناصب من قمة هرم الدولة إلى المستوى المحلي، والتشريع بالأوامر، ويمارس السلطة التنظيمية وسلطة إصدار ونشر القوانين.

ولا يمكن لمجلس الوزراء أن ينعقد دون حضور رئيس الجمهورية، ويرأس المجلس الأعلى للقضاء، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويرأس مجلس الأمن القومي إضافة إلى صلاحيات أخرى كثيرة لا يسع المجال لذكرها جميعا هنا.

ولهذا، فبحكم الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية، فإن فتح العهدات أدّى إلى شخصنة السلطة ومركزتها في شخص الرئيس بوتفليقة، في حين أن الوزير الأول لا يتمتع بصلاحيات فعلية بل لا يمكنه أن يمارس بعض الصلاحيات إلاّ بموافقة رئيس الجمهورية.

وحتى تركيبة الحكومة لا تعبّر بالضرورة عن الأغلبية البرلمانية، فالوزير الأول حاليا أحمد أويحي هو زعيم الحزب الثاني في الانتخابات التشريعية (التجمع الوطني الديمقراطي)، وفي الكثير من المرات يعيّن وزراء لا انتماء حزبي لهم، بل هناك وزراء ينتمون لحزب الأغلبية (جبهة التحرير الوطني) اسميا فقط دون أي انتماء نضالي. من جهة أخرى، وبحكم الدستور تطبّق الحكومة برنامج رئيس الجمهورية وليس لها برنامجها، مما يدل على أن رئيس الجمهورية في الجزائر يحكم وحده من الناحية الدستورية.

أما الأحزاب المشاركة في الحكومة فلا تتمتع بأي نفوذ أو تأثير، وإنما هي موالية لرئيس الجمهورية في إطار علاقة زبائنية وليست علاقة شراكة في الحكم.

علاوة على ذلك، فقد لجا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى تعديل الدستور في نوفمبر 2008 من أجل البقاء في الحكم لعهدة ثالثة ورابعة، لأن دستور 1996 لم يكن يسمح للرئيس بالبقاء أكثر من عهدتين. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن تعديل الدستور لم يخضع للاستفتاء الشعبي بل تم الاكتفاء بموافقة البرلمان بغرفتيه دون أي مناقشة.

أما أنجيلا ميركل فلم تلجأ إلى تعديل الدستور أو ما شابه ذلك من أجل البقاء في السلطة، بل استندت إلى شرعية الانجاز وشرعية الانتخابات النزيهة والشفافة.

إذن، من خلال ما سبق ذكره يتضح جليا غياب أي عناصر مشتركة بين النظام السياسي الألماني والنظام السياسي الجزائري تساعدنا على إجراء مقارنة هادفة بينهما. فالعهدة الرابعة لا تعبّر عن صفة تشابه بين النظامين، بل هي نتيجة لتراجع الإصلاحات السياسية والتراجع عن المسار الديمقراطي في الجزائر، أما في ألمانيا فهي نتيجة للفعالية في الأداء والانجاز الذي حققته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل منذ سنة 2005.

ولهذا فإنه لا جدوى من إجراء مقارنة تبريرية للعهدة الرابعة في الجزائر، بل يجب البحث عن الوسائل السلمية والآليات المؤسساتية التي تؤدي إلى إصلاح ديمقراطي للنظام السياسي في الجزائر، والمحافظة على المكتسبات الدستورية وعلى رأسها تحديد العهدة الرئاسية في عهدة قابلة للتحديد مرة واحدة فقط، فقد أثبت الزمن أنه في غياب انتخابات حرة ونزيهة فإن آلية تحديد العهدات هي الضامن الوحيد لتداول السلطة في الجزائر.

[1]  “النتائج الرسمية غير النهائية للانتخابات الألمانية،” في:

http://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D8%AC%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9/a-40667470

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى