الرئيسية / الشرق الأوسط / تأزم الوضع الإقليمي: السعودية وإيران إلى أين؟
تأزم الوضع الإقليمي: السعودية وإيران إلى أين؟
ايران - اليمن - السعودية

تأزم الوضع الإقليمي: السعودية وإيران إلى أين؟

اعداد الباحث السياسي: محمد كريم جبار الخاقاني

 

الأزمات في منطقة الشرق الأوسط تبدأ ولا تنتهي , فالمنطقة شهدت العديد من الصراعات المستمرة ومنذ فترة طويلة , فلم تعرف تلك المساحة الجغرافية المهمة في العالم الهدوء , فكانت الأزمات تتوالى فيها بدوافع وغايات دولية وإقليمية , فكان التوتر في علاقات الدول مع بعضها هو المبدأ السائد على عكس نظريات العلاقات الدولية التي تجعل من حالة السلام أساس العلاقات وتعزيزها, وأما ما يحدث في هذه المنطقة الملتهبة فنجده المرتكز في تكوين العلاقات سواء بشكل مباشر أو عن طريق الوكالة أو ما يُعرف بحروب النيابة, ولعل من نافلة القول, نرى بان مصداق تلك المقدمة هو ما طبع علاقات دولتين لهما الثقل السياسي على امتداد الرقعة الجغرافية لمنطقة الشرق الأوسط وهما المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران , فكلاهما يعمل على ترسيخ تلك المكانة الإقليمية وذلك باستخدامه أدوات لتحقيق مشروعه مع تشكيك كل منهما بنوايا وأهداف الآخر.

فمنذ قيام الثورة في إيران عام 1979 والعلاقات بين الطرفين تشهد توترات غير مسبوقة , إذ دعمت السعودية النظام العراقي السابق في حربه ضد إيران التي استمرت ثمان سنوات وذلك عبر دعمه بالمال من اجل عدم تمدد الثورة الإيرانية إلى خارج حدود الدولة الإيرانية, إذ رفع المسؤولين الإيرانيين آنذاك شعار ( تصدير الثورة) لتكون منطلقاً للتوجهات الإيرانية الجديدة ولكن مع دعم خليجي لنظام صدام حسين غير المحدود باعتباره البوابة الشرقية , أصبح العراق كبش الفداء ومنطقة الصراع المتجذر في منطقة الشرق الأوسط بين القومية العربية والقومية الفارسية , ومع اشتداد تلك الحرب اتسعت دائرتها وخصوصً مع استغلال الإيرانيين لموسم الحج لترويج فكرة عالمية ثورتهم من منطلقات إسلامية , مما تسبب بصدامات مع قوى الأمن السعودي كما حدث في موسم حج 1987وما نتج عنه من سقوط ضحايا من الطرفين وتوتر في العلاقات بين الدولتين, ومع انتهاء الحرب بين العراق وإيران عام 1988 , ابتدأت صفحة جديدة من التوترات بينهما بعد متغيرات النظام الدولي الجديد وخصوصاً بعد احتلال الكويت من قبل النظام العراقي السابق في صيف عام 1990 لتبدأ حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت بتحشيد التحالف الدولي بقيادة أمريكية التي اتخذت من المملكة العربية السعودية منطلقاً لهجماتها ضد العراق ومعها استمرت فصول المد والجزر بين دول المنطقة , فالحدث الجديد قد غير من معادلات التحالفات والتوازنات بعد انتهاء عهد القطبية الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق, إذ ابتدأت بعد ذلك مرحلة التفرد الأمريكي في العالم وخصوصاً في تلك المنطقة , فبدأت سياسات واستراتيجيات الولايات المتحدة تجاه إيران من اجل احتواءها ولاسيما بعد تصنيفها أمريكيا بأنها من دول محور الشر الذي يجب على الجميع محاربته والتضييق عليه مع دول العراق وسوريا وكوريا الشمالية وليبيا , ولكن مع تغير الوضع الدولي بعد أحداث 11- أيلول 2001 , بدا التوجه نحو انتهاج سياسات أكثر فاعلية وذلك بالتدخل العسكري المباشر الذي دشن عصر الاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003.

ومع احتلال العراق بدأت صفحة جديدة للتوترات بين المملكة العربية السعودية وإيران , من منطلق ابتعاد العراق عن محيطه العربي والارتماء بأحضان إيران لتكون بداية صراعاً بينهما بالوكالة امتد ليشمل دولاً عربية أخرى كما هو حاصل في اليمن وسوريا ولبنان والبحرين, لتشهد المنطقة العربية صراعات جديدة أدخلتها في أتون أزمة تلو أخرى , وذلك من اجل فرض توجهات وتصورات كل من الطرفين , لتعيش تلك الدول أوضاعاً مأساوية بشكل حقيقي أصبح يهدد كياناتها , فكل الدولتين لهما من الصلات مع أطراف داخلية مؤثرة داخل تلك البلدان سمح لهما بالتدخلات المباشرة من اجل تغيير سياسة دولة باتجاه تصعيد موقفها تجاه الأخرى مما انعكس داخلياً على تصاعد وتفاقم حلوله وتعقيد مسارات التفاهم حول الخروج من تلك الأزمات على الرغم من التدخل الدولي المباشر وداخل أروقة مجلس الأمن لإيجاد حلول مرضية ومثال ذلك في اليمن وسوريا.

فإذا ما أخذنا العراق كمثال على طبيعة الصراع بين السعودية وإيران , نجد بان كلا الدولتين تكيل اتهامات للطرف الآخر وتتبادل التوجسات بشان أحقيتها في التدخل في شؤون العراق مستغلة أوضاع العراق الداخلية وانشغاله بمحاربة التنظيمات الإرهابية, فيعد عام 2003 منطلقاً لسياسة إيرانية جديدة في العراق وذلك من خلال دعم إيراني لمجلس الحكم الذي عينته الإدارة الأمريكية المحتلة للعراق لتكون إيران أول دولة تعترف بذلك المجلس مما هيا لها أسباب القرب أكثر من الداخل العراقي , في الوقت الذي أخذت فيه  الدول العربية ومن ضمنها المملكة العربية السعودية الابتعاد وعدم اعترافها بمجلس الحكم وانطلاقاً من تصورات مذهبية طائفية واستمرت تلك الحالة طيلة المدة السابقة , مما أضفى طابع التشنجات الدائمة التي عرفتها علاقات العراق مع اغلب الدول العربية انطلاقاً من تلك النظرة الخاطئة التي أسست لم يعرف بزيادة التدخل الإيراني وتوسعه في أكثر من دولة عربية , لذا فقد أحجمت تلك الرؤية العربية على إعادة العلاقات العراقية العربية لفترة طويلة جداً لغاية مجيء حكومة السيد حيدر العبادي بعد انتخابات عام 2014, التي جاءت في ظل تطورات خطيرة غير مسبوقة هددت كيان الدولة العراقية بعد احتلال عصابات داعش لأكثر من ثلثي مساحته الإجمالية , لتدخل المنطقة في صراع جديد من اجل تحرير تلك المساحات الشاسعة .

لقد عملت حكومة السيد العبادي على انتهاج سياسة خارجية مبنية على أسس مغايرة لما انتهجته الحكومات العراقية السابقة وذلك من خلال سياسة خارجية متوازنة مع جميع الدول مع التأكيد على ضرورة عدم الوقوف بمحور دون آخر وعدم الاصطفاف لطرف على حساب الطرف الآخر, تلك الدبلوماسية الجديدة أعادت للعراق مكانته كطرف أساسي في تفاعلات المنطقة , فالزيارات المكوكية التي قام بها السيد العبادي لدول المنطقة وخصوصاً للمملكة العربية السعودية وتركيا وإيران وغيرها من الدول المحورية أثبتت ومن دون شك الدور الكبير الذي تمارسه الدبلوماسية العراقية من اجل الخروج من نفق الأزمات المستمرة التي تميزت بها المنطقة.

فالتقارب العراقي السعودي مؤخراً كانت له نتائج ايجابية على صعيد تمتين العلاقات مع الجار السعودي وذلك من خلال الانفتاح في مختلف المجالات وخصوصاً في الجانب الاقتصادي والتجاري مما يؤكد على عمق تلك العلاقات الثنائية وعلى تعزيزها بشكل يخدم تطلعات كل الجانبين بعيداً عن لغة التصارع والتصادم بينهما, وهذا يعني إمكانية تفعيل الجانب الدبلوماسي الذي سيكون له ثراً ايجابياً على مستوى العلاقات , فمستوى التمثيل الدبلوماسي الرفيع وعودة العلاقات بين الطرفين وزيادة التبادل التجاري بينهما , كل ذلك له من الأثر المتزايد على تحسن البيئة الأمنية في المنطقة وخصوصاً إن اتفاق الطرفين على مكافحة الإرهاب كان واضحاً في القضاء على تلك الزمر الإرهابية وهذا ما كان لولا الزيارات المتبدلة بين مسؤولي الدولتين على مستويات عليا.

إن التوترات الحالية بين إيران والسعودية تنعكس من دون شك على طبيعة التفاعلات في المنطقة خصوصاً مع تغلغل نفوذ البلدين في أكثر من بلد , مما يُنم عن تفجر للصراعات الكامنة بينهما لاسيما في اليمن , إذ إن اتهام ولي عهد المملكة ( محمد بن سلمان) لإيران مباشرة بتزويد الحوثيين بصواريخ باليستية لضرب المملكة يرقى لمستوى عدوان إيراني مباشر على السعودية وفقاً للمدة (51) من ميثاق الأمم المتحدة يتطلب رداً دولياً للرد عليه , في المقابل نجد بان الرد الإيراني جاء على لسان رئيسها ( حسن روحاني) ملمحاً للقدرة الإيرانية على مجابهة أي رد سعودي , إذ إن الاتهامات  المتبادلة بين الطرفين  من شانها أن تعمل على إشعال حرباً لا تبقي ولا تذر, فالسعودية تتهم إيران بانها زودت الحوثيين بصواريخ لضرب السعودية , وفي المقابل ردت ايران بالنفي على تلك الاتهامات, وانتقلت المساحة المتبادلة للاتهامات لشمل لبنان في ظل استقالة رئيس الوزراء اللبناني ( سعد الحريري) بعد زيارته للمملكة مرتين خلال أسبوع واحد ولاسيما أنها  تأتي بعد لقاؤه مستشار المرشد الإيراني ( علي اكبر ولايتي) في بيروت , لتزيد تلك الاستقالة من حجم التوترات بين الطرفين في ظل اتهام الحريري لإيران بالتدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية من خلال ذراعها حزب الله .

إن تلك التوترات تسهم في زيادة الاحتقان بين الجانبين لاسيما بعد دخول المشاكل المذهبية والطائفية في تلك الاتهامات, إذ تكيل كل من الدولتين الاتهامات للتدخلات في شؤون الدول الداخلية وخصوصاً في اليمن ولبنان وربما تتسع القائمة لتشمل دولاً أخرى.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى