الرئيسية / الشرق الأوسط / مئوية بلفور وتحديات الحفاظ على الدولة القطرية
مئوية بلفور وتحديات الحفاظ على الدولة القطرية
سايكس - بيكو

مئوية بلفور وتحديات الحفاظ على الدولة القطرية

اعداد : د. شاهر إسماعيل الشاهر  

أستاذ القانون والعلاقات الدولية – في جامعتي دمشق والفرات –  مدير المركز الوطني للبحوث والدراسات 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة منهجية:

إن مهمة قراءة التاريخ تعد من أصعب وأعقد المهام بالنسبة للباحثين، ذلك لأن الباحثين يكونوا محملين بقيمٍ ومثل لم تكن مطروحة أو متبناة في تلك اللحظة التاريخية، وتزداد المهمة صعوبةً إذا كان ذلك التاريخ قد أنتج حاضراً مريراً ولم يساهم في تقدّم المجتمعات وتطورها، الحقيقة أن قراءة التاريخ العربي الحديث والمعاصر لا تشذّ عن هذه القاعدة المنهجية.

وللتخلّص من هذه الورطة يحاول بعض الباحثين الإشارة بين الحين والآخر، وبين الفينة والأخرى إلى أنّه لكل لحظة تاريخية قوانينها التي تحكمها، وكّأن هذه الإشارات العابرة تعفيه من تأنيب الضمير وتجعل معالجته ذات صفة علمية.

أعتقد أن الطريقة الأسلم للتخلّص من هذه العقبة هو مناقشة الأحداث التاريخية من داخل الحدث، وليس الولوج إليها من اللحظة المعاشة، وبذا نكون حيّدنا إلى حدٍ بعيد قيمنا الحالية في دراسة التاريخ.

لحظة التأسيس:

لم يشكّل العرب يوماً دولةً على الجغرافية الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، حتى جاء الإسلام في الجزيرة العربية عام 629م، واستطاع أن يبني دولته على تلك الجغرافية، بل توسّع إلى الجغرافية المجاورة، الآسيوية والإفريقية والأوروبية، وانتقل الحكم الإسلامي من عهدٍ إلى عهدٍ حتى وصلت الإمبراطورية العثمانية، التي أصبحت تعاني من الضعف وتدخّل القوى الكبرى من خلال ما عرف بالمسألة الشرقية.

في منتصف القرن التاسع عشر انتشرت الفكرة القومية في أوروبا، التي تعني حق كل جماعة تنتمي إلى عرقٍ واحدٍ تشكيل دولة خاصة بهم، وعلى هذا الأساس تشكّلت الدولة الإيطالية والألمانية… . وبدأت أوروبا بتطبيق الفكرة القومية في الحروب المذهبية التي انتهجتها حركة مارتن لوثر(البروتستانتية).

كانت الفكرة جذّابة للمفكرين العرب وحاولوا الترويج لها للتخلّص من الدولة العثمانية وضعفها، ولكن المفارقة العجيبة بالرغم من التشابه الشكلي بين الحالة الأوروبية والحالة العثمانية، فالدولة العثمانية كما أوروبا كانت دولة دينية، لكن أوروبا كانت معاناتها الرئيسية الحروب الدينية، بينما الدولة العثمانية كانت تعاني من التخلف وتحتاج إلى التحديث.

لم يكتب لهذه الفكرة الانتشار إلا بوصول جماعة الاتحاد والترقي، إلى الحكم عام  1906، ومحاولتهم استنساخ الفكرة الأوروبية القومية تحت عنوان القومية الطورانية، والتي كانت تستوجب بدورها تتريك الجميع بما فيهم العرب. أثارت سياسة التتريك حفيظة العرب فاتجهوا نحو عدو الدولة العثمانية “إنكلترا وفرنسا”.

في لحظة التعاون مع الإنكليز والفرنسيين تآمروا على العرب والدولة العربية الموعودة، واتفقوا على تقسم ذلك الكيان إلى كيانات، وزرع كيان دخيل في أرض فلسطين.  وبتفكك الدولة العثمانية، خرج ما كان في السر إلى العلن، وأصبحت بلاد العرب تحت انتدابات واحتلالات إنكليزية فرنسية.

أخذ كل كيان يصارع من أجل نيل استقلاله، وهذه النضالات المنفردة ساهمت في صعوبة التضحية من أجل دول الوحدة، لأن ما يأتي بصعوبة يصعب التضحية به.

والحقيقة أن هناك نقطتين تثاران في هذه اللحظة التاريخية، الأولى أن خروج فرنسا وبريطانيا مدمّرتين من الحرب العالمية الثانية، حال دون استمرار الظاهرة الاستعمارية، والثانية هي أن أمريكا المنتصرة وغير المدمرة، هي من ساهمت في إنهاء النفوذ الغربي واقعياً، والذي تجسّد بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

نستطيع أن نخلص إلى أن القوة الغربية البديلة (أمريكا) سوف تساهم في إفشال أي خطوة توحيدية لتلك الكيانات، لأنّ لها مصلحة في إدامة الكيان المصطنع “إسرائيل”، ناهيك أن النضالات المنفردة سوف تكون عامل إعاقة، ويصعب على نخبة تلك الكيانات التضحية بالاستقلال لصالح دولة واحدة.

سايكس بيكو وتشكل الدولة القطرية:

قبل نحو مائة عام وقعت القوتان الاستعماريتان الرئيسيتان بريطانيا وفرنسا اتفاقية سرية عرفت لاحقاً باسم “سايكس- بيكو” تم بموجبها اقتسام إرث الدولة العثمانية في الشرق الأوسط بعد الحاق الهزيمة بها في الحرب العالمية الاولى.

تعد منطقة “الشرق الأوسط” الأكثر قابلية للتأثر بمتغيرات النظام العالمي بحكم قدراتها وإمكانياتها المحدودة، وضعف تماسكها، لاسيما اقتصادياً وسياسياً، واتساع نطاق وعمق صراعاتها، وأزماتها البنيوية، والتي تكشفت حدتها خلال الأحداث والتفاعلات الجارية في ساحتها، وتجلت مواطنها بين هويات وطنية (قطرية)، وقومية (عربية)، ودينية (إسلامية) متصارعة، ونزعات طائفية ومذهبية متنامية، وتحركات انفصالية، وولاءات أولية استبدلت بالدين، أو القبيلة، أو العرق، وحركات جهادية متطرفة تتقاطر تحت “حلم” إقامة الدولة الإسلامية، وجماعات مسلحة تتمدد في ساحات عربية بفعل التغذية الخارجية، مالاً، وسلاحاً، وعتاداً[1].

وتعود بداية مخططات التقسيم إلى مئة عام مضت، وتحديداً عام 1916، حين قررت كل من بريطانيا وفرنسا تقسيم إرث السلطنة العثمانية، عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، لتظهر مؤامرة “سايكس- بيكو”، والتي أدت إلى تغيير معالم دول “الهلال الخصيب”، وظهور الكيان الصهيوني على حساب الحقوق والأراضي الفلسطينية عام 1948.

ويتماشى الحديث المتداول حول تقسيم العراق وليبيا وسورية، وتدعيم النزعة الطائفية لدى “الأقليات” في سائر دول الوطن العربي، بشكل أو بآخر، مع محاولة تنفيذ تلك المخططات القديمة، وهو الأمر الذي يتناوله هذا البحث.

تشكلت الحدود الراهنة للمنطقة من خلال عملية طويلة ومعقدة من الاتفاقيات والمؤتمرات والصفقات والصراعات التي تلت تفكك الإمبراطورية العثمانية وفي أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى، غير أن روح سايكس- بيكو ظلت حية خلال تلك المرحلة والعقود اللاحقة حتى أزمة قناة السويس عام 1956 وحتى فترة تالية.

وخلال تلك المرحلة فرضت القوى الاستعمارية ارادتها وأقامت كيانات ودولاً ونصبت عليها زعامات وقيادات موالية لها بما يخدم مصالحها فقط دون النظر إلى الاعتبارات العرقية أو القومية أو الجغرافية ـأو الدينية أو اللغوية، مثل العراق وسوريا ولبنان.

يسعى البحث للإجابة على التساؤلات التالية:

من هي القوى المستفيدة من تغذية الصراع الطائفي بين السنة والشيعة والصراع المناطقي بين الأقليات في كل الدول العربية؟ ومن الذي يسعى لتكون هناك عدة دول في البلد الواحد مثل دول سنية وشيعية أو علوية أو كردية كـالعراق أو سوريا؟

فكرة التقسيم بعد سايكس بيكو:

بعد اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916، تم تقسيم ما تبقي من المشرق العربي عقب الحرب العالمية الأولى بين إنجلترا وفرنسا، والتي أعقبها وعد بلفور 1917 ، الذي ينص على تأسيس دولة لليهود في فلسطين.

إن القائمين على سايكس بيكو حرصوا على عدم السماح بقيام دولة كبيرة تهدد مصالحهم، فعملت على استمرار هذه الدول. وكان سبب نجاح هذه المعاهدة واستمراريتها سببين، الأول فشل قيام مشروع قومي عربي شامل، والسبب الثاني هو رفض الدول العربية بعد إعلان استقلالها وتحررها، إقامة وحدة عربية ينتج عنها دولة عربية واحدة، لأن قادة هذه الدول حرصوا على استمرار حكمها الفردي للبلاد؛ ما أدلى في النهاية إلى استمرار سايكس بيكو إلى يومنا هذا[2].

ونشأ عنها أربع كيانات، هي: لبنان، فلسطين، سورية، الأردن، لم تكن هذه الدول الأربع تحمل مزايا قومية تمثل الهوية الوطنية المحلية، لأن هذه الدول كان يجمعها تاريخ واحد، بعكس ما حاول القائمين على هذه الدول إبرازه من هوية وطنية خاصة مختلفة عن باقي الهويات الأخرى.

إن الهوية الوطنية الفلسطينية اتخذت طابعها الوطني لا من تنافرها مع الهوية السورية، بل من مواجهتها محاولات الإلغاء والطمس التي مارستها “إسرائيل” منذ قيامها في سنة 1948[3].

الدولة القطرية بعد أحداث عام 2011:

بعد وصول الأحداث والاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية إلى المآل الذي صار عليه، كثرت أطروحات أخرى لتقسيم المنطقة عبر مراكز الدراسات الاستراتيجية ومنابر الصحافة العالمية، لكنها لا ترقى كلها الى حدود المخططات لأنها أقرب الى التوقعات، ولم تصدر عن دوائر القرار.

لكن ثمة وقائع على الارض تزيد من شأنها إذا ما تمادت، وتشكل أساساً ليس لخطط جديدة فحسب، وإنما لخرائط جديدة فعلية في المنطقة، وأبرزها[4]:

  1. الفوضى الناجمة عن سقوط أنظمة، وتنامي التطرف المذهبي.
  2. سياسات التوازن الطائفي، التي اعتمدتها واشنطن بين إيران والدول العربية ذات الغالبية “السنّية”، وأدت في الواقع إلى إثارة نعرات الصراع الطائفي ومفاقمتها، خاصة في ظل الصراع الإيراني – السعودي على مناطق النفوذ في المنطقة، والذي لم تكن نتيجته سوى تعزيز قوى الإرهاب وتنظيماته إقليمياً ودولياً.
  3. محاولة تأسيس نظام أمني متعدد الأطراف ومتوازن في المنطقة، إذ تلعب بعض التحالفات الإقليمية، وبحضور مباشر من قوى دولية لها مصالح في المنطقة، أدواراً أمنية محدودة ومتنافسة، برعاية أمريكية. وتتمثل معضلة هذه الاستراتيجية الأخيرة في أن تنافس الأدوار والأجندات الأمنية بين القوى الإقليمية يهدد بتفجر مستمر للصراعات فيما بينها، أو بينها وبين القوى الدولية الآخذة في تأسيس مراكز أمنية لها في المنطقة.

كما تواجه دول “الشرق الأوسط” وشعوبها عدداً متزايداً من التهديدات، سواء التي تتعلق بهويتها، في ظل تصاعد مخاطر التيارات الأصولية الإقصائية، كجماعات عنف منظم، أو سياسات دولة تخشى قطاعاً من السكان، إذ يهدد ذلك باستمرار الصراعات المتنوعة في المنطقة، سواء بين دولها، أو بين المجموعات البشرية فيها، خاصة في الدولة التي تعاني انهياراً في أنظمتها السياسية، فإنه يمكن تحديد مصدرين للمخاطر المشتركة التي يمكن أن تواجه دول المنطقة وبقية دول العالم، جراء الأوضاع في “الشرق الأوسط”، أول هذه المخاطر هو بروز وتمدد ما يمكن وصفه بـ”الدويلات الجهادية”، وما تستقطبه من عناصر متطرفة وشديدة العنف من مختلف مناطق العالم ودوله، وتطرح هذه الدويلات تهديدات مباشرة يمكن إجمالها بالآتي[5]:

  1. تصاعد عمليات التطهير العرقي، وإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والإثنية “للشرق الأوسط”، كما حدث خلال سنوات تصاعد العنف الإثني في العراق، أو بشكل أكثر جسامة وخطورة فيما تشهده سورية من محاولات لإعادة رسم الخريطة السكانية. ولكن الخطر الأكبر فيما ينتج عن عمليات التطهير تلك.
  2. مخاطر استهداف دول ومناطق أخرى تعاني هشاشة إثنية من هذه الدويلات، حال ترسخ وجودها في منطقة ما، ومن ذلك تمدد تنظيم “داعش” من مناطقه الحصينة في الشمال السوري إلى داخل العراق. ويتفاقم هذا الخطر مع استخدام مثل تلك التنظيمات الإرهابية من قبل بعض القوى الإقليمية أو الدولية كأداة لمد نفوذها، أو تهديد قوى منافسة أخرى.
  3. احتمال تطور الصراع مع تلك الدويلات وتحولها إلى حروب إقليمية صريحة بين دول المنطقة، طمعاً في السيطرة على بعض المناطق التي تخضع لسيطرة هذه الدويلات.

ويبقى الخطر الأكبر في احتمال تطرف البعض من المتعاطفين مع أيديولوجيا الجماعات المؤسسة لتلك الدويلات، لا سيما أن مشروع هذه الدويلات بات يمثل لهم الغاية النهائية والمثالية لتصوراتهم الأيديولوجية. ويمكن القول إن “الشرق الأوسط” في الذكرى المئوية لسايكس- بيكو يقف في لحظة فارقة، لأن حدود دوله أصبحت هشة، وعرضة للانهيار في زمن قياسي، واذا ما حصل انهيار الحدود، فإنه لن يكون في اتجاه وحدة عربية أو إسلامية، بل سيكون لصالح تفتيت المفتت وتقسيم الكيانات لتلد عدداً أكبر من الدول الأصغر حجماً.

وفي مطلع عام 2013، أورد المقال الافتتاحي لجريدة الغارديان البريطانية أن الأكراد قد يكونون الفائز الأكبر من الأحداث والاضطرابات في المنطقة العربية والحرب الدائرة في سورية. وفي نيسان من العام ذاته، رأى مسعود البارزاني أن الظروف قد باتت مواتية لعقد مؤتمر قومي كردي تشارك فيه القوى الكردية في كل من العراق، وسورية، وإيران، وتركيا، وأكد أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الشعب الكردي[6].

فبعد “برنارد لويس” وخريطته المقترحة لإعادة تقسيم المنطقة، جاء “رالف بيترز” ليكمل المسير، ثم تبعه “باراج خانا” وتنبأ بتقسيمات أخرى. وفي العام 2014 صدر عدد جديد من “سلسلة ترجمات الزيتونة”، الذي يصدره مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ويضم هذا العدد الذي يحمل رقم 74، أربع مقالات تناقش كيفية إعادة رسم خريطة أجزاء من العالم[7].

المقال الأول، وهو عبارة عن مقتطفات عن نظرية لتقسيم المنطقة وضعها الجنرال المتقاعد “رالف بيترز”، إذ يرى أن الخريطة الجديدة ستحل بعضاً من مسائل “الحدود الفاسدة” وستعوض “المجموعات البشرية المخدوعة”[8].

وفي المقال الثاني يقول “باراج خانا” أن انقسام جنوب السودان هو مجرد بداية، وأنه من الممكن أن يشهد العالم قريباً 300 دولة مُستقلة ذات سيادة، وأنه لا ضير في ذلك[9].

وفي المقال الثالث يقول “ألوف بن وهو”، رئيس تحرير جريدة هآرتس الإسرائيلية أن الانتفاضات الشعبية المتصاعدة، والصراعات الداخلية الطاحنة ستؤدي إلى إعادة رسم خرائط إقليمية، والتي ستكون بعيدة كل البعد عن اتفاقية سايكس بيكو وغيرها من الاتفاقات[10].

أما المقال الرابع، للمؤلفين الأمريكي “فرانك جاكوبس” و”باراج خانا” المؤلف الهندي الأمريكي والخبير في العلاقات الدولية، خرائط واضحة لما يمكن أن تكون أحدث معالم الحدود الدولية حول العالم، دولة للعلويين، واتحاد الخليج العربي، وكردستان المستقلة، وأذربيجان الكبرى، وباشتونستان وبلوشستان[11].

داعش وتحديات بقاء الدولة القطرية:

يسيطر “داعش” على جزء كبير من أراضي سورية والعراق، وبدأت الاستعدادات لتحرير مدينتي الرقة والموصل، وإذا تواجهت المجموعات المشاركة في الهجومين في ما بينها، قد تتأخر هذه المعارك إلى وقت بعيد، ولكن حتى لو لم يحصل ذلك، فإن النزاعات الأخرى التي بقيت معلقة ستؤدي إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار في المنطقة، وإذا أدت الحرب الحالية إلى حروب جديدة، فإن دولة “داعش” ستظل قائمة.

إن القضاء على “داعش” لن يكون سوى البداية، فما بعد “داعش” ربما سيكون أصعب وأخطر، فالجرح الطائفي الذي انفتح في العراق وسورية على السواء لن يكون من السهل اندماله، خاصة وأن الحلول السياسية لن ترقى، بأية حال، إلى الأحداث الخطرة التي تجري في هاتين الدولتين، فالمجتمع الدولي اليوم لا يعترف بوجود مشكلة في العراق مثلاً، بل يقال: إن الولايات المتحدة الأمريكية أنجزت التسوية السياسية هناك، التي أُسِست على أساس التقسيم الطائفي. ويتم التركيز حالياً على سورية فقط، رغم تشابه الأحداث إلى حد بعيد مع الأحداث الجارية في العراق، ولا أحد يعلم كيف ستكون التسوية في سورية في ظل تضارب المصالح الإقليمية والدولية، وفي ظل غياب عربي واضح عن مجمل الأحداث في هذا البلد العربي[12].

لقد تم تحقيق نجاحات كبرى ضد تنظيم “داعش” في العراق وسورية، وربما لن يطول الوقت حتى يختفي من هاتين الدولتين، لكن زوال “داعش” لن يكون خاتمة الأحزان، بل ربما يكون بداية لآلام أخرى من نوع جديد، فالتنظيم أقام دولة التطرف بكل مقوماتها، وشكّل جيشاً من الإرهابيين الحاقدين على الإنسانية، فظهور التطرف بهذا الشكل الخطر، في العراق وسورية، يطرح أسئلة حقيقية عن المستقبل في هاتين الدولتين.

وختاماً:

لابد من الاشارة إلى أن المستفيد الوحيد من خرائط سايكس- بيكو الجديدة، وبدائلها الأكثر خطورة هي “إسرائيل”، ليس هذا فحسب، بل إن الكيان الصهيوني هو المحرك الخلفي لمخطط التقسيم الجديد، وبأيدي صهيونية تتم إعادة رسم الخرائط الجديدة.

إن اتفاقية سايكس- بيكو القديمة الكارثية ليست الأسوأ، فبدائلها أكثر تدميراً، وتتمثل في سيناريو أشباه الدول المدمرة ذاتياً من الداخل، والدولة الفاشلة والهشة المبنية على أنقاض الدولة المركزية المنهارة، وهو سيناريو جاري بالفعل في عدة دول منها العراق، ليبيا، اليمن، سورية، لكن هذا المخطط يمكن إجهاضه ومواجهته وليس مصيراً محتوماً.

إن حدود “الشرق الأوسط الجديد” ترسم بالدم، وبتنا شهوداً على إبادات وعمليات تهجير وتطهير قومي وعرقي وطائفي وديني واسعة في بلاد الشام وأرض الرافدين، أقدم منابع الحضارة الإنسانية.

لقد تم العمل على إخلاء هاتين المنطقتين من أقدم شعوبها وطوائفها ودياناتها، مثل المسيحيين والايزيديين والسريان والاشوريين والارمن والصابئة.

لقد انتهت اتفاقية سايكس- بيكو انتهت، لكن كل شيء الآن غامض، وسيكون هناك وقت طويل قبل أن تتضح ما هي النتائج.

[1] محمد السعيد إدريس، “تحليل النظم الإقليمية: دراسة في أصول العلاقات الدولية الإقليمية“، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2001، ص 124.

[2] – علي محافظة، “الخلفية التاريخية لقيام معاهدة سايكس بيكو”، ورقة عمل قدمت في مؤتمر مئة عام على سايكس بيكو: خرائط جدية ترسم، بيروت: المركز الفلسطيني للإعلام، أيار 2016.

[3] – صقر أبو فخر، “حيثيات وتداعيات سايكس بيكو”، ورقة عمل قدمت في مؤتمر مئة عام على سايكس بيكو: خرائط جدية ترسم، بيروت: المركز الفلسطيني للإعلام، أيار 2016.

[4] أمين قمورية، “الذكرى المئوية لسايكس– بيكو: إعادة رسم الحدود بالدم“، صحيفة النهار، 13/كانون الثاني/2016، على الرابط: https://www.annahar.com/article/301539.

[5] أمين قمورية، “الذكرى المئوية لسايكس– بيكو: إعادة رسم الحدود بالدم“، صحيفة النهار، مرجع سابق.

[6] David Hirst, “This could be the birth of an independent Kurdish state“, The Guardian, 9 January 2013.

[7] – ياسر المختوم، “الشرق الأوسط.. خرائط جديدة تُرسم”، مركز نماء للبحوث والدراسات، تاريخ 17/1/2014، على الرابط: http://www.nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?Id=341

[8] – Ralph Peters, Blood borders: How a better Middle East would look, Armed Forces Journal,2006.

[9] – Parag Khanna, Breaking Up Is Good to Do. Foreign Policy, 13/1/2011.

[10]– Aluf Benn, Caution: Middle East under Construction, Haaretz,25/3/2011.

[11] – Frank Jacobs AND Parag Khanna, The New World,22/9/2012.

[12]  شاهر إسماعيل الشاهر، دراسات في الدولة والسلطة والمواطنة، ألمانيا: المركز الديمقراطي العربي، 2017.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى