الثقافة الديمقراطية
الديمقراطية

الثقافة الديمقراطية

اعداد : ريناس بنافي  – باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

هناك انسدادات اشكالية بخصوص الديمقراطية في الثقافة العربية وهذه الانسدادات الاشكالية تتجلى في فكرتين .

  • 1-الفكرة الاولى التي تقول بان الديمقراطية ثقافة وان شرطها الثقافي هو العلمانية .
  • 2- اما الفكرة الثانية والتي تعتبر رد على الفكرة الاولى فتقول ان الديمقراطية ليست ثقافة ولكنها مجرد الية ومجموعة من الاجراءات وهذه الفكرة يروج لها اتباع التيار الاسلامي عموما .

الديمقراطية ثقافة ولا يمكن ان تكون الا ثقافة ولا ديمقراطية من دون ثقافة للديمقراطية .

في هذه الورقة سنقوم بتحرير واظهار وكشف الملامح العامة والتضاريس الحقيقية للديمقراطية كثقافة وتحديد ما المقصود بالديمقراطية كثقافة وستحمل هذه الورقة اربعة عناصر كبرى نغوص في أعماقها  .

  • العنصر الاول مقدمات حول الديمقراطية .
  • العنصر الثاني بطاقة الهوية التاريخية والاجتماعية للديمقراطية او الهوية العامة للديمقراطية .
  • العنصر الثالث ثقافة الديمقراطية كقيم سياسية لتحرير الممكن اي فحص وتحليل القيم السياسية للديمقراطية .
  • العنصر الرابع ملاحظات عامة ودراسات نقدية للديمقراطية .

مقدمة:

كانت الديمقراطية موضوع نقاش طويل، لم تنجح خلالها المناقشات والجدالات والتطبيقات والممارسات حول إعادة إنشاء الديمقراطية « في الوصول إلى اتفاق على بعض الأسئلة الأساسية عن الديمقراطية، كما لم تقدم أمثلة حقيقية عنها، حيث كانت موضوعاً لتنظير الفلاسفة أكثر منها نظاماً سياسياً يتبناه الناس ويمارسونه ».

يحدد روبرت . أ. دال معنى الديمقراطية بأنها: وضع مجموعة من القواعد والمبادئ – أي دستور – يحدد كيفية اتخاذ قرارات الجمعية، وفيه يعامل جميع الأعضاء (في ظل الدستور) كما لو كانوا جميعاً مؤهلين بشكل متساو للمشاركة في عملية اتخاذ القرارات بشأن السياسات التي ستتبعها الجمعية. (1)

ثم ينتقل للحديث عن المقاييس التي يجب أن نستخدمها لتقرير ما إذا كانت الحكومة ديمقراطية ، وإلى أي مدى ، فيقول: إن المعايير العملية هي التي تصف نظاماً ديمقراطياً مثالياً أو كاملاً ، وبما أنه لا يمكننا ـ في غالب الظن ـ أن نصل إلى « نظام ديمقراطي كامل» وذلك نظماً للقيود الكثيرة التي يفرضها علينا واقع الحياة ، فإن المعايير تقدم لنا المقاييس التي يمكن أن توصلنا إلى درجة «أقرب من الوضع المثالي».

فالديمقراطية ـ طبقاً لما يقوله روبرت . أ. دال ـ تتيح لنا فرصاً في المشاركة الفعالة والمساواة في التصويت ، والحصول على فهم مستنير، وممارسة السيطرة النهائية على جدول الأعمال، وتضمين البالغين، وهذه الفرص الست هي معايير العملية للديمقراطية.

ويقدم روبرت . أ. دال جملة من الأسباب تجعل الديمقراطية خياراً عالمياً، فالديمقراطية تساعد على تجنب الاستبداد، كما تضمن لمواطنيها عدداً من الحقوق الأساسية، ومدىً واسعاً للحرية الشخصية، وتساعدهم على حماية مصالحهم الشخصية الأساسية، كما تعمل الحكومة الديمقراطية على إتاحة الفرصة القصوى للأشخاص لممارسة حرية تحقيق الذات، أي أن يعيشوا في ظل قوانين من اختيارهم. (2)

إن الديمقراطية كفلسفة وكممارسة تعد محصلة من محصلات المشروع السياسي الحداثي. الذي يسلم بجملة من المقدمات النظرية الكبرى، وتوجهه قواعد محددة تم إبداعها ، داخل سيرورة معقدة من الصراع السياسي التاريخي العقائدي الطويل، حيث تبلورت قناعات ومبادئ سياسية جديدة، في فكر وواقع النخب السياسية المتصارعة في التاريخ الحديث والمعاصر. ومن هنا صعوبة عزل هذه التجربة عن مجراها التاريخي النظري العام، وكل عزل لهذه التجربة عن هذا المجرى، يفقرها، ولا يولد ما يكفي من التصورات القادرة على إسنادها وتعزيز مساراتها الواقعية.

إن إيماننا بالحداثة السياسية، يصاحبه إيمان مماثل بنظرتنا إليها من زاوية أنها عبارة عن أفق مفتوح على كل ممكنات الإبداع الذاتي في التاريخ، فلا يمكن تصور إمكانية تحقق الحداثة بالتقليد، بل إن سؤال الحداثة في أصوله ومبادئه العامة يعد ثورة على مختلف أشكال التقليد.

إن الاقتناع بالمبادئ الكبرى الناظمة للمشروع الفلسفي الحداثي، في النظر إلى الإنسان والتاريخ والمعرفة، يتيح لنا إطارا جديدا للتفكير في حاضرنا ومستقبلنا، بصورة مختلفة عن سقف القناعات المهيمنة على ذهنياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية والسياسية، ويفتح أمامنا إمكانية تأسيس المشروع الديمقراطي، باعتباره مشروعا تاريخيا قابلا للتطوير والتجاوز، أي قابلا لبناء وإعادة بناء التوافقات السياسية التاريخية والعقلانية، المطابقة لإشكالاتنا السياسية والتاريخية. (3)

يتعلق الأمر في موضوع أسئلة الحداثة السياسية في الفكر العربي، بالتفكير في ضرورة مراكمة رأسمال رمزي يوطن مشروع الحداثة في فكرنا، لتعزيز فرص التحول الديمقراطي بإسنادها نظريا، وذلك بفتح نقاش معمق حول مجموعة من الأسئلة، من قبيل: كيف يمكن تفكيك سقف القيم السياسية المنتشرة والمهيمنة في المجال السياسي العربي؟  ما هو دور التربية والتعليم في تفكيك الأنماط والبنيات الفكرية التقليدية السائدة؟ كيف يمكن بلورة وتطوير ثقافة ديمقراطية في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية؟

تفتح هذه الأسئلة موضوع الديمقراطية على فضاء التاريخ، إنها تفتحه على الفكر الديمقراطي، فكر الحداثة السياسية، لا لنقوم بنسخه، بل لنعمل على إعادة بنائه في ضوء الخصوصيات المحلية، والإشكالات المرتبطة بها. ونحن نعتبر أن نجاح المعارك الديمقراطية في الجبهة السياسية والاجتماعية والثقافية مرهون بتوسيع دائرة النقاش في الجبهات الأخرى، وفي الأزمة العميقة التي تعاني منها الأنظمة التسلطية في أغلب البلدان العربية، ما يؤكد أهمية التفكير في أسئلة الحداثية السياسية في الفكر العربي، وأسئلة التحديث في الواقع العربي.

تتيح أسئلة التفكير في رسم حدود ومعالم المجال السياسي في الفكر العربي، إمكانية التخلص من كثير من الظواهر التقليدية الموروثة، حيث تنصب هذه الأسئلة على أشكال الاختلاط والتداخل القائمة في الفضاء السياسي العربي.

إن الدفاع عن استقلال المجال السياسي، ومحاولة بناء وترتيب المكونات المحددة لملامح هذا المجال وبصورة عينية، تجعلنا نفكر في إشكالات فلسفية هامة، من قبيل أشكال التقاطع القائمة بين المجال الأخلاقي ومجال القيم السياسية، تقاطع المقدس مع السياسي، وعندما نضيف إلى هذه القضايا النظرية الكبرى الأسئلة الفرعية المتعلقة بالصراعات السياسية الاجتماعية والثقافية القائمة في الواقع، في مستوى مواجهة التأخر التاريخي المتواصل نتأكد من درجات الاختلاط الحاصلة، ونتبين أهمية الأسئلة المرتبطة بموضوع تعيين قسمات وملامح الفضاء السياسي في الفكر العربي المعاصر.(4)

العنصر الاول مقدمات حول الديمقراطية:

ان البحث في الثقافة الديمقراطية هو بحث في مجموعة من الاسئلة الحيوية والخطيرة والهامة .

  • السؤال الاول: كيف اصبحت الديمقراطية ممكنة وكيف استطاع الانسان تقيد السلطة بالقانون واخضاعها للقانون ممكنا .

فالسلطة السياسية التي تتركز في يدها اجهزة الاكراه والالزام الاجتماعي كيف استطاع الانسان ان يعالج الامراض التي نشأت عن الشأن السياسي ويروض هذه السلطة.

خلال مراحل التاريخ الانساني هناك محاولات عديدة لمعالجة الشان السياسي عبر سلسلة من الافكار منها محاولة افلاطون والبحث عن الجمهورية الفاضلة  ومنها محاولة الفارابي وتعليقه لمعالجة الشان السياسي على الصفات والشروط في رجل الحكم صاحب الامر ومنها نطرية العقد الاجتماعي وفصل السلطات وسيادة الشعب وغيرها من النظريات .

فاخضاع السلطة السياسية للقانون لم يكن قرارا فوقيا وانما كانت نتيجة حراك معرفي واجتماعي طويل تمخض عنه الديمقراطية بشكلها الحديث هذه الحركيات الكبرى حصلت في العقليات والذهنيات على مدى قرون غيرت في بنية وقناعات الانسان والتي كانت السبب في امكان البناء الديمقراطي ولولاها لما كانت الديمقراطية ممكنة فالديمقراطية قديمة وتبدا من عصر الفلاسفة اليونانين وتمر عبر مراحل لتصل الى عصر النهضة ونتيجة للتحولات العميقة في الوعي والثقافة ساعدة في ظهور الديمقراطية كمكتشف معرفي  .

وبدون البحث عن الحركيات الثقافية لايمكننا ان نفهم الادوار الحقيقية التي لعبتها الديمقراطية كثقافة في المجتمعات الحديثة والتي تشربت هذه القيم فالديمقراطية ليست مجرد تداول على السلطة وانتخابات بل هي ثقافة ولها مقاصد اجتماعية وسياسية تسعى الديمقراطية لتحقيقها . (5)

  • السؤال الثاني: كيف استطاع الغرب مواجهة والقضاء على الافكار الانقسامية والفتنوية.
  • السؤال الثالث: كيف استطاع الغرب مواجهة والقضاء على الاستبداد والطغيان.

ما الذي يمنع قيام نظام ديمقراطي عربيّ، اليوم، رغم نجاح “ثورات” في إسقاط أنظمة فاسدة؟ وما الذي يحملنا على رفض اختزال الديمقراطية إلى مجرد آليات انتخابية حرة ونزيهة (على فَرَض أنها كانت كذلك في الحالة العربية ما بعد “الثورة”)؟

نعم، المانع دون قيام نظام ديمقراطي في بلداننا مانعٌ سياسي: تجذر الاستبداد والكلانية (التوتاليتارية) في المجتمع السياسي: سلطةً ومعارضة . لكنه كذلك بسبب انعدام الشروط الثقافية والاجتماعية والتحتية لكل ديمقراطية، فالفكر والوعي العام يعانيان غياباً فادحاً للثقافة الديمقراطية . والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية خِلوٌ من القيم الديمقراطية . ثقافتنا مُصابة بالمطلقية، لا نسبية فيها ولا حسّ واقعياً، ومجتمعنا مصاب بالانغلاق على تقاليده، لا تسامح فيه ولا اعتراف بآخر مختلف .

لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين، ولا ديمقراطيين من دون تربية ديمقراطية وعلاقات ديمقراطية . وهذه لا تكون من دون ثورة ثقافية، وإصلاح ديني، وتجديد في علاقات الاجتماع، وتفكيك للبنى والذهنيات الموروثة والمغلقة .

ان تطبيق الديمقراطية يتطلب شروطاً يجب توافرها مثل الوعي السياسي، المستوى التعليمي، وتطور مفهوم المواطنة بإطاره القانوني، والولاء للدولة كحاضنة للجميع

الديمقراطية لا يمكن أن تتواجد في كيان معزول خارج جسم الظروف التاريخية والوجود البشري، وإمكانياتها وحدودها تعتمد على البنى الاجتماعية القائمة وظاهر الوعي، فهي قيمة أو مجموعة قيم لابد من توافرها حتى ينتج عنها سلوك. إذن هي حالة ذهنية يجب أن تدرك وتستوعب مضامينها في العقل البشري كجزء من ثقافته العامة، فلا يمكن للسلوك الديمقراطي أن يكون من دون توفر القيم ذات الطابع الديمقراطي، فحالة التحول المطلوبة من إطار سلطوي إلى آخر ديمقراطي تحتاج لوعي، أو إدراك لجوهر ومضامين القيم الديمقراطية والتي هي متعلمة، ومكتسبة ولها علاقة بالخبرة والممارسة الإنسانية.(6)

صحيح أن الديمقراطية مذهب فلسفي يعيد أصل السلطة السياسية إلى إرادة العامة “إرادة الشعب” لأنه مصدر السلطات، وتعود على شكل النظام السياسي إذ نميز بين نظام سلطوي وآخر ديمقراطي، لكن مقصدنا هنا الحديث عن مضامين الديمقراطية كقيم ثقافية واجتماعية، فالقيمة الأولى هي أن الفرد بحد ذاته قيمة، وحريته نقطة الانطلاق فلا يجوز تقييده أو تكبيله باسم السلطة ومن قبلها في مجالات الحياة وفضاءات السلطة، فهي أي الديمقراطية تروج لفكرة الحرية، وحق تقرير المصير، والاختيار، والاستقلال الذاتي المعنوي ومسؤولية الفرد عن اختياره، وحماية مصالحه والخبرات التي يشارك بها الآخرون، ناهيك عن احترام كرامة الإنسان كانسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو جنسه واحترام حرية الرأي والاعتقاد، والتعبير بكافة الإشكال وبقية الحريات كما هي الحقوق من مدنية وسياسية. الحقوق التي ولدت معنا والتي اكتسبت من وجود التنظيم السياسي الذي تطور مع تطور المجتمعات البشرية.

ولا ننسى أن من مضامين الديمقراطية مبدأ سيادة القانون كمعيار يتم التعامل به مع الجميع وهو ما يسمى المساواة أمام القانون والمساواة الأخلاقية الذاتية لكل الأفراد باختيار ما هو أفضل لذاته والمساواة السياسية بين المواطنين، والمساواة في توزيع عوائد الموارد والثروة.

التعددية السياسية والتي تعني التنوع بأشكاله المختلفة، الثقافة، الرأي، والفكر الذي ينظم من خلاله المجتمع متجها نحو مفهوم تداول السلطة السياسية والتي هي أهم مضامين الديمقراطية، يضاف إلى ذلك مضامين مثل: التسامح، والحياد القيمي، والعقلانية.

أما مزايا الديمقراطية فهي تعمل على معاملة الجميع على قدم المساواة وتلبية احتياجات المواطنين استناداً لمطالبهم الجمعيّة، وتدفع باتجاه الحوار والإقناع والسعي للحلول الوسط وترسيخ السلم الاجتماعي، وكفالة وحماية حقوق الإنسان وحرياته وتدفع باتجاه تجديد قوة المجتمع من خلال عمليات التجنيد السياسي التي يؤدي لبروز قيادات منتخبة بنزاهة وبحرية، وعدالة فهي توفر القيادات السليمة والفاعلة.

إن تطبيق أو تعزيز الديمقراطية يتطلب شروطاً يجب توافرها مثل الوعي السياسي، المستوى التعليمي (التعليم)، وتطور مفهوم المواطنة بإطاره القانوني، والولاء للدولة كحاضنة للجميع ورمز يحترم ويضحى من أجله وانحسار الانتماءات الضيقة والتقليدية، وأهمية وجود طبقة متوسطة عريضة لأنها الأساس في التغيير والاستقرار، ووجود مؤسسات مجتمع مدني فاعلة مثل الأحزاب السياسية، والجمعيات والنقابات والاتحادات النوعية، يضاف لذلك مستوى معيشي جيد يستطيع الفرد من خلاله تلبية احتياجاته ومتطلباته الحياتية  فالخبز قبل الديمقراطية.

إن نجاح الديمقراطية يعتمد على توفر البيئة الاجتماعية الحاضنة لتلك المضامين القادرة على تنميتها وحمايتها والحفاظ عليها، وتوفر الشروط اللازمة لانطلاقها من خلال دور فاعل لوسائل التنشئة السياسية المختلفة لتصبح تلك القيم والمضامين جزءاً جوهرياً من الثقافة العامة والسياسية كنمط فرعي، فالديمقراطية لا تنمو بالشعارات بقدر ما تنمو من خلال زرع قيمها ومضامينها في العقل البشري لممارستها في الحياة العامة كمنهج عام.(7)

أن تربية الوعي السياسي وتنميته مهمة تقع على عاتق المثقفين المستنيرين الذين ينبغي عليهم القيام بدور تنويري خطير فيما يشبه ما قام به المفكرون والفلاسفة التنويريين في أوروبا في القرن الثامن عشر فمهدوا بذلك لقيام الثورة الفرنسية وما نحن في أمس الحاجة إليه هو هذا الوعي السياسي الذي يحقق توحداً بين ماهية الإنسان وحريته بحيث يفقد وجوده في الحال إذا فقد حريته.

ثم يشير الدكتور  إمام عبد الفتاح إلى أحد الجوانب السلبية لغياب الوعي السياسي وهو ما تمثل في الفهم المغلوط بشأن تطبيق النظام الديمقراطي حيث ذهب كثيرون إلى معارضة تطبيق مثل هذا النظام بدعوى أنه نظام غربي مستورد فكيف يجوز لنا نحن العرب أن ننقل عن الغرب تجربته وهو ما يعتبره  الدكتور  إمام عبد الفتاح يدل على قصور في الوعي لعدة أسباب أن الديمقراطية، حسبما أشار، إنما هي تجربة إنسانية وليست نظاماً غربياً، فهي تجربة إنسانية عالمية في المقام الأول وليست تجربة الآخرين المختلفين عنا. ثم يذكر أن اليابان تطبق الديمقراطية وهي ليست دولة غربية وأن الهند كذلك تطبقها وهي ليست دولة غربية فضلاً عن دول آسيوية كثيرة وربما افريقية كذلك تسير في نفس الطريق. متسائلاً: ألا يدل ذلك ـ وفق المؤلف ـ على أنها تجربة إنسانية؟

ثم يتساءل عن أبعاد الحساسية من الديمقراطية الغربية ونحن نستفيد ونقتبس وننقل من الغرب آلاف الأفكار في جميع المجالات من السينما إلى المسرح إلى الإذاعة والتلفزيون.. فهل نوافق على ذلك كله ثم نرفض نقل العلاج لأمراضنا السياسية كما ننقل عنهم العلاج لأمراضنا الجسمية ؟(8)

يفتح آلان باديو في كتابه ”جمهورية أفلاطون” إمكانية النظر إلى الشرط الأفلاطوني للحكم، الحكمة، والتي هي شرط ضروري ومعقول في كل الأحوال، باعتبارها قد تصبح فرصة لتعميق الديمقراطية بدل إلغائها، وذلك حين نساهم في رفع مستوى الشعب الذي هو صانع القرار في النظم الديمقراطية إلى أعلى قدر ممكن من المعرفة والحكمة والتفكير “المثالي” والمرتبط بالقيم الكونية. وإذا كان أفلاطون يدعو إلى حكم الفلاسفة، فالسبب كما يشرح ذلك باديو أن الفلاسفة يتميزون بالقدرة على التحرّر من المصالح الخاصة والأنانية الضيقة، وذلك هو الشرط الأساس للتفرّغ لتدبير المصلحة العامة في طابعها الكوني والمجرّد. بمعنى أننا نستطيع من وجهة نظر باديو أن نستنتج من الموقف الأفلاطوني فرصة لترسيخ الديمقراطية المهددة بفعل سطوة المصلحة الخاصة، وذلك بأن نرسخ ثقافة شعبية متحررة بدورها من تسلط المصالح الخاصة. وبدل أن يحكم الحكماء، يمكننا أن نجعل الشعب يرقى إلى مستوى معقول من الحكمة والقدرة على تمثل فكرة الخير العام. وهذا هو الخيار الأفضل والأضمن بالنسبة لمستقبل الديمقراطية.

على أنّ المستوى الذي يلتقي فيه الفيلسوف “اليساري” الفرنسي ألان باديو مع الفيلسوف “اليميني” الأميركي ليو شتراوس هو المستوى الذي يؤكدان فيه حاجة المجتمعات المعاصرة إلى نوع من القيم المتعالية والمطلقة على طريقة مُثُل أفلاطون، مثل الخير والفضيلة والحق ونحو ذلك. لكن يتجلى الفرق الأساس بين الفيلسوفين في أن آلان باديو يدعو إلى تحرير فكرة المثل الأفلاطونية من التأويل الديني المسيحي الذي تعرضت له، والذي جعل الناس يتصورونها وكأنها مرادف للماورائيات الدينية، في المقابل يفتح ليو شتراوس الباب على مصراعيه أمام عودة القيم الدينية المحافظة نفسها لأجل دعم حاجة المجتمعات إلى المُثل ومناهضة نزعة النسبية الثقافية، والتي أضعفت مفاهيم الخير والفضيلة والحق، وجعلت كل شيء نسبيا حتى العدالة نفسها.

يتفق آلان باديو وليو شتراوس على أن نزعة النسبية الثقافية هي الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان، هذه الأخيرة التي تفترض نوعا من المعايير الكونية وحتى المتعالية إلى حد معين. لقد انتهت نزعة النسبية الثقافية بالنسبة لليو شتراوس إلى صعود النازية بعد أن أصبح كل شيء نسبيا بما في ذلك قيم العدالة والديمقراطية نفسها، وانتهت نزعة النسبية الثقافية بالنسبة لآلان باديو إلى تفشي قيم الأنانية والمصالح الخاصة وقيم السوق، ودمرت بالتالي نسيج التضامن الاجتماعي، ومن ثم أضعفت قدرة الشعوب على الاهتمام بالشأن العام كشرط أساس لازدهار الديمقراطية.

بالنسبة لليو شتراوس في كتابة “ما هي الفلسفة السياسية؟” فإنّ الديمقراطية تدهورت جرّاء موجات الحداثة السياسية نفسها، والتي انطلقت مع مكيافيلي خالية من أية مثل أخلاقية، وأفضت مع نيتشه إلى انهيار كامل لكل القيم والمثل العليا، ومن ثم لم يعد بالإمكان التعامل مع الديمقراطية نفسها باعتبارها قيمة مثالية، وإنما باعتبارها مجرّد حالة نفعية يمكن التغاضي عنها إذا ظهرت منفعة مختلفة. لأجل ذلك يدعو شتراوس للعودة إلى الفلسفة الكلاسيكية على رأسها أفلاطون فضلا عن الفارابي وابن ميمون.

هكذا، يمنحنا الفيلسوفان آلان باديو وليو شتراوس فرصة أخرى لإعادة قراءة فلسفة أفلاطون من جديد، وتوظيفها هذه المرّة في اتجاه حماية الديمقراطية وإعادة بناء أسسها وتأمين مستقبلها.(9)

تاريخ تطور مفهوم (الديمقراطية)

مفهوم الديمقراطية تبلور استجابة لإسهامات العديد من المفكرين من ثقافات وحضارات مختلفة حتى عندما كانت الديمقراطية تعني بالنسبة لهم معان تختلف عما تعرف به الديمقراطية اليوم ، بما أدى بالبعض لاعتبار الديمقراطية بمثابة تراث مشترك للإنسانية وأصبحت الديمقراطية تلقى قبولاً عاماً من مختلف الشعوب والنظم السياسية.

فبالعودة للحضارة اليونانية كان السوفسطائيون أمثال “بوروتاجوراس” و”بروديقوس” و “جرجياس” قد اهتموا بالتربية والتعليم في إطار الاهتمام بالإنسان عموماً مقابل اهتمام الفلاسفة السابقين بالطبيعة.

ومن إسهام السوفسطائيين الفكري الذي تأثرت به نظرية الديمقراطية الحديثة فكرة المشاركة الشعبية حيث رأوا توزع الفضائل السياسية وعلى رأسها العدل على البشر دون تمييز، وهو ما يؤدي إلى قدرة كل يوناني على معالجة أمور مدينته السياسية، كما أن قولهم بالنسبية وعدم احتكار الحقيقة أسس لفكرة الديمقراطية التي تقوم على التنافس السلمي على السلطة، وعدم تحول هذا التنافس إلى صراع، فاحتمالات الصراع تزداد إذا آمن أحد أطراف اللعبة السياسية بأنه وحده يملك الحقيقة المطلقة فيسعى لفرضها على الآخرين ولو أدى ذلك لإقصائهم و استئصالهم.

لكن تجلى الموقف السلبي للسوفسطائيين في اعتبارهم القوانين الوضعية السائدة قد سنَّت لتحقيق أهداف واضعيها, ومن ثم يجب على الفرد العاقل أن يحاول تجنب العمل وفق القوانين الوضعية.

وفي مقابل هذه النسبية المتغيرة, جاء سقراط وتلميذه أفلاطون بفلسفة مثالية تقدم الوجه الآخر المعارض لفلسفة السفسطائيين؛ فنبّه سقراط إلى خطورة مثل هذا الرأي على استقرار الدولة، لأنه قد يؤدي إلى فردية متطرفة إذ يؤكد كل منهما على أن القيم الأخلاقية موجودة وجوداً ثابتاً لا يتغير, ومنها تنطلق كافة القوانين والأنظمة، واعتبر سقراط القانون هدفاً أسمى، وهكذا يعيد سقراط للقوانين قدسيتها، تلك القدسية التي نال منها السفسطائيون.

ورأى سقراط أن مصالح الأفراد لا بد من أن تتفق مع الصالح العام للمجموع, لأن الخير الفردي لا يمكن أن ينفصل عن الخير العام، وقد انعكست أفكار سقراط على نظرية الديمقراطية بأخذها بفكرة حكم القانون في الدولة الديمقراطية التي تعمل للصالح العام.

وقد تأثر الفكر السياسي الروماني بالفكر السياسي اليوناني، وظهر العديد من المفكرين السياسيين في روما, على رأسهم بوليبيوس, وشيشرون.

وقد حقق الرواقييون أولى الخطوات على طريق الانعتاق من عقلية المجتمع القبلي المنغلق من خلال قولهم بمبدأ: وحدة طبيعة الإنسان، ومشاركة جميع البشر فيها.

كما ظهرت نظرية القانون الطبيعي أول مرة على يد فلاسفة الاغريق المتأخرين وبخاصةٍ الرواقيين stoiciens في أواخر العصر الاغريقي عندما أخذ الفكر السياسي يتحرّر من طغيان فكرة الدولة ويرى للفرد وجوداً ذاتياً مستقلاً عن الدولة أي وجوداً طبيعياً غير وجوده السياسي ، مناقضاً بذلك تعاليم أرسطو.

وقد كان القانون الطبيعي أساساً لفكرة الحقوق الطبيعية للفرد التي لا يجوز للدولة أن تتجوز عليها لأنها موجود قبل وجود الدولة التي لم تنشأ إلا لحماية هذه الحقوق.

صاغ  شيشرون نظرية القانون الطبيعي وذهب إلى وجود قانون طبيعي منتشر في جميع البشر وإلى أن الناس أحرار بخضوعهم لهذا القانون وإلى أنهم في ضوئه متساوون ؛ وإنما هم متساوون في تكوينهم النفسي وفي كونهم كائنات عاقلة وفي تمييزهم المشترك بين الخير والشر. (10)

واستمرت فكرة القانون الطبيعي على مدى قرون سلاحاً لمقارعة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والمساواة فالقانون الطبيعي بهذا الوصف ليس لأي حاكم أن يناقضه وهو يجعل البشر سواء فيما بينهم ويجعلهم مواطنين على نفس المستوى ويجب أن تخضع الدولة وتشريعاتها للقانون الطبيعي. وإذا كان واضحاً أن هذه النظرية قد وجهت الفكر الأوروبي نحو تدعيم حرية الفرد وذاتيته المستقلة فإنه يمكن القول إنها أسهمت أيضاً في دفع هذا الفكر في الاتجاه المؤدي إلى تكريس سيادة العقل الفردي .

هذا الاتجاه إلى تكريس سيادة العقل سوف يتلقى في القرن الخامس الميلادي دفعة قوية على يد القديس أوغسطين ، وتاتي المرحلة القلقة من مراحل العصر الوسيط ليظهر القديس توماس الاكويني. وتتجاوب رؤيته للسلطة السياسية مع رؤيته للإنسان : فالسلطة التي هي حق إلهي طبيعي ، مفوَّضة إلى الشعب ، بمعنى أن الشعب يختص بتعيين الحكام من وسطه .

لقد عرّف هيجل الدولة بأنها المطلق ، وفي نظر الفقيه الفرنسي العميد ديجي Duguit فإن جوهر الدولة يكمن في فرق القوة بين الحكام والمحكومين؛ أما كانت فقد أصلّ القانون، الذي هو نظام حياة الدولة، في القوة .

أما المفكر الهولندي (غروسيوس) فقد انتهى إلى القول: بأن القانون الطبيعي هو قرار عقل سليم ينير في أمر من الأمور فيحكم عليه بحسب مناسبته او مخالفته للطبيعة العاقلة وبذلك أسس لفكرة الحقوق الطبيعية المتميزة عن الحقوق الوضعية فهي حقوق لا يمكن انتزاعها، أو التنازل عنها كما انبثق من فكرة القانون الطبيعي الاعتقاد بوجود قيود على السلطة الحكومية، الأمر الذي يلزم الأفراد والسلطة بالخضوع لهذا القانون. وترتكز أعرق الوثائق القانونية البريطانية التاريخية على مبادئ القانون الطبيعي. ومن أشهر وأقدم هذه الوثائق وثيقة العهد الأعظم (الماجناكرتا) التي صادق عليها الملك عام 1215م، رغم اعتراضه على بنودها. وقد تمخض عن هذه الوثيقة خضوع الحكومة للقانون.

وفي عصر النهضة دعا مارسيليو دي مينارديني إلى مجتمع جمهوري قائم على السيادة الشعبية في حين دعا جون فورتيسكو  إلى الحدّ من السلطة الملكية،و اعتبارها مرتبطة بإرادة الشعوب، وتابعه في هذا جورج بوخينان.

ومن الأفكار التي قدمها ماكيافللي وكان لها انعكاسها على مفهوم الديمقراطية أهمية القانون لتنظيم المجتمع وأن يكون القانون معبراً عن المصلحة العامة وخطورة الفساد على استقرار النظام السياسي.

إلا إنه يمكن القول أن العديد من أفكار الديمقراطية الحديثة كان انعكاساً مباشراً لأفكار مفكري العقد الاجتماعي الذين قدموا مفهومين أصبحا فيما بعد من الأسس الجوهرية لنظرية الديمقراطية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هما :السيادة الشعبية، ومعناها أن شرعية الحاكم تنبع من موافقة الشعب، والثاني : العقد الاجتماعي، ويعني أن الدولة هي نتاج عقد بين أفرادها، وككل عقد فهو يرتب حقوقا واجبات.(11)

ومن مفكري العقد الاجتماعي توماس هوبز  وجون لوك فقد ألهم الديمقراطية الحديثة بأفكاره عن الحرية والمساواة و الفصل بين السلطات وحق مقاومة الحكم المستبد وتمثل إسهام جان جاك روسو في كتاباته (مقال في أصل التفاوت بين الناس) حيث قدم مفهوم الإرادة العامة والسيادة الشعبية.

و يرى روسو ان الحرية هي التي تميز الإنسان أكثر من الفهم وعالج روسو هذه المسألة التي في كتابه (العقد الاجتماعي) حيث يذهب إلى أن أن هذا الفرض (الحريات والحقوق) ممكن التحقيق عندما تجمع الكثرة المفككة على أن تؤلف شعبا واحداً، وأن تحل القانون محل الإدارة الفردية وينزل عن نفسه وعن حقوقه للمجتمع بأكمله وهذا هو البند الوحيد للعقد الاجتماعي إذ بمقتضاه يصبح الكل متساوين في ظل القانون، والقانون ارادة الكل تقر الكلي أي المنفعة العامة وأن الشعب لا يريد إلا المنفعة العامة. فالإرادة الكلية مستقيمة دائماً ومن يأب الخضوع لها يرغمه المجتمع بأكمله.

إن العقد الاجتماعي عند روسو ليس عقداً بين أفراد (كما عند هوبز) ولا عقداً بين الأفراد والسلطات (كما عند لوك) فبموجب هذا العقد، كما يرى روسو، فأن كل واحد يتحد مع الكل فالعقد هو بين المجموعة بحيث يضع كل واحد شخصه وقدرته في الشراكة تحت سلطات الإرادة العامة, وسيكون كل شريك متحداً مع الكل ولا يتحد مع أي شخص بشكل خاص.

إنّ آباء الثورة الفرنسية ، أعضاء الجمعية الوطنية ، وهم في غالبيتهم تلاميذ مدرسة جان جاك روسو يكرِّسون هكذا نظريته حول سيادة الإرادة العامة .

الدولة في تصور مدرسة العقد الاجتماعي ليست ضرورة طبيعية، بقدر ما هي ضرورة عقلية، هي لا تفرض وإنما تنشأ، لا يتحملها الإنسان بل يريدها، لأن مصلحته التي أظهر عقله فوائدها، فرضت عليه ذلك، فدولة مدرسة العقد الاجتماعي هي دولة الفرد والعقل، فهي دولة فردية عقلانية”‏ لكن الأفراد.. يتشكلون من وعي يصبح نهجاً عندما يعتقد ويدافع عنه مجتمع يتوجه لبناء دولة العدل والرفاهية والمساواة.

وهكذا بذرت نظريات العقد الاجتماعي بذور نظرية الديمقراطية فنبهت الشعوب إلى أن لها دوراً في حياة أفرادها والكلمة الفاصلة يجب أن تقولها الشعوب لا الحكومات. ناقشت هذه النظريات لأول مرة الحق الإلهي الذي استند إليه الملوك والأباطرة في حكمهم شعوب العالم. ولأول مرة تجرأت هذه النظريات بالقول(لا أحد يملك الحق الإلهي على حياة الآخرين وإن الله لم يفوظ أحداً لكي يتحكم بمصائر ملايين البشر ويسوقهم وفق رغباته وأهوائه). كان العقد الاجتماعي بداية اختمار فكرة الدساتير الحديثة التي قامت على أساس تمثيل الإرادة الشعبية العامة.

في كتابه المهم “روح القوانين”، حيث سعى إلى تعريف مبادىء الحكم الناجع. ميز مونتسكيو بصورة جوهرية وقد بنى مونتسكيو على أفكار هوبز ولوك في كتابيه “روح القوانين” و”رسائل فارسية” وميز بين ما أسماه بالحكومات الملكية القائمة على رقابة دستورية ومؤسسات مدنية وسيطة وبين الحكومات الاستبدادية الخاضعة لأهواء الحاكم ورغباته الفردية دون أي وسائط سياسية مدنية.

وعلى غرار لوك أصر مونتسكيو على أنه من أجل منع الاستبداد يجب عدم تركيز السلطة في يد الحاكم، لأن التجارب أظهرت أن أي فرد يتم منحه سلطة مطلقة فإنه يميل إلى إساءة استخدامها.

ولذلك أيد مونتسكيو تقسيم سلطة الحاكم إلى أفرع مستقلة. ولكنه بدلا من سلطتين، كما اقترح لوك، تحدث عن ثلاث سلطات: تشريعية (لسن القوانين) وتنفيذية (لتطبيق القوانين) وقضائية (لتفسير القوانين). ويرى أنه لضمان وجود الحرية يجب عدم السماح لنفس الأفراد، مهما كان انتماؤهم الاجتماعي، بممارسة هذه السلطات مجتمعة وفي الوقت نفسه.كما يذهب مونتسكيو إلى ضرورة أن تكون فروع الحكومة المختلفة مصممة بطريقة تضمن إمكانية مراقبة كل سلطة للسلطة الأخرى، فلا ينبغي لأي سلطة أن تكون قادرة على ممارسة وظيفتها من دون موافقة ومراجعة السلطتين الأخريين.

ويعتقد مونتسكيو أيضا أن حرية التعبير وما يطلق عليها في العصر الحديث “مؤسسات المجتمع المدني” مثل المؤسسات الدينية وهيئات الحكم المحلي والنقابات المهنية، تلعب دورا مهما في توازن السلطة عبر المجتمع.

وقد غدت مفاهيم مونتسكيو حول فصل السلطات وتوازن ورقابة كل منها على الأخرى، بمثابة حجر الأساس في الدساتير الديمقراطية حول العالم.(12)

العنصر الثاني بطاقة الهوية التاريخية والاجتماعية للديمقراطية او الهوية العامة للديمقراطية

  • 1- الديمقراطية هي بنت تمازج الروحين العلمية والتحررية
  • 2- الديمقراطية هي بنت الحرية اي هي بنت نمط من الحياة موجه نحو تحرير الممكن التاريخي

1- الديمقراطية هي بنت تمازج الروحين العلمية والتحررية

ليست الديمقراطية وحدها بل الازمنة الحديثة برمتها هي بنت هذا التمازج بين روح العلمية وروح التحرر وبداية النهضة الاوربية كانت تتشكل بهاتين الروحين والحداثة كانت انفتاح حقل الممكنات التاريخية نتيجة تمازج هاتين الروحين .

بداية عصر النهضة كانت ثورة ورفض للنزعة السكولائية والتي كانت تهتم بالاهوت بعيدا عن المعرفة الطبيعية والواقعية اي انها كانت دراسة كتب وشروح الكتب وشروح الشروح ولم تكن تدرس الواقع الاجتماعي والتاريخي والسياسي ولا الواقع الطبيعي  .

فالعلم الحديث كانت بدايته عملية انعتاق تاريخي ولم تكن مجرد اكتشافات علمية معرفية وكل معركة كان يخوضها العلم الحديث كانت اضافة الى التراكم المعرفي وكانت اذانا بافول عالم تاريخي برمته واذان بميلاد جديد .

وان نشات العلم الحديث مرتبط بالحرية وان النجاحات العلمية كانت تشكل بنيات الوعي والعقل العلمي وهي كانت تعيد انسجة عقل الامم عبر النجاحات للعلم في قرون عديدة وهذه النجاحات في بعض مجالات العلوم اكتسحت مجالات اخرى وشيئا فشيئا اصبحت كل مجالات الحياة علوم ومعرفة وان الروح العلمية التي تغلغلت في كل شئ ستطال الشان السياسي . وتم اعادة السؤال القديم كيف نعالج ادواء الشان السياسي او كيف نعالج امراض الشان السياسي .

معالجة الشان السياسي سيعالج من خلال بعد معرفي ولو لا البعد المعرفي لما كانت الديمقراطية ممكنة وهذا البعد يكمن في تلك الاضافة لقانون الفعل الانساني حيث يتغير بتغير سلمه اي بالانتقال من سلم للفعل الى اخر ويتغير قانون الفعل من الفعل الفردي الى الفعل الجماعي السياسي فالفعل الجماعي السياسي ليس فعلا فرديا واذا كانت الاخلاق تنفع في تخليق الفرد وفي توجيهه توجيها سليما في الحياة فان هذا الامر لا ينفع في معالجة الشأن السياسي لأنه بكل بساطة يمكن ان ياتي حاكم ذو اخلاق ومواصفات عالية ويقوم بنوع من الاصلاح والعدل ويذهب ويأتي من بعده حاكم لا يملك هذه المواصفات فتعود الامور الى ما كانت عليها اذن المعول عليه هنا ليس المواصفات العالية للحاكم  .

ان الانتقال من الفعل الفردي الى الفعل الجماعي السياسي تدخل مفاهيم جديدة منها مفهوم المؤسسة وقانون العلاقات القانونية بين المؤسسات ومفهوم المصلحة العامة ومفهوم الزمن السياسي  .

اذن فمعالجة الداء السياسي الجماعي لا يمكن ان تكون معالجة اخلاقية بل معالجة عبر مؤسسات وقوانين ودستور ولو لا هذا الاكتشاف لما كانت الديمقراطية ممكنة  .

والمعالجة المؤسساتية القانونية الموضوعية تكون بتقسيم السلطة على نفسها وتحد من السلطات بعضها ببعض الاخر والتي تمنح في هذا كله سلطة للمجتمع تتجسد عبر دستور وعبر ارادة عامة ولو لا هذا التحول المعرفي لما كانت الحداثة السياسية ممكنة .(13)

2- الديمقراطية هي بنت الحرية اي هي بنت نمط من الحياة موجه نحو تحرير الممكن التاريخي .

سؤال الحرية مرتبط بسؤال الممكن والامكان ففي ثقافتنا نفهم الحرية فهما سطحيا حيث نظن ان الحرية هي الادارة والتنمية والتي هي احدى دلالات الحرية السياسية او ان الحرية هي كل دوائر المباح من زاوية الفقه في حين ان سؤال الحرية منذ الازمنة الحديثة الى حد الان مرتبط بسؤال الممكن والامكان وبدون استيعاب هذا البعد الرئيسي من الفهم لا يمكن ان نكون قد فهمنا الحرية كقيمة منشئة ومؤسسة للأزمنة الحديثة .

الانسان كائن ذو ممكنات اي يمكن ان يصير الى غير ما هو عليه بمعنى ان الله خلق الانسان وخلق فيه الاستعداد لتسخير الكون وهذا الاستعداد له افق مفتوح فكان في بدايته يستخدم الحجر والنار للصيد ويستخدم ادوات فلاحية بسيطة الى ان وصل الى ما نحن عليه اليوم ولايزال الافق مفتوح والله جعل للإنسان استعدادات كفرد وكجماعة وامة وحضارة وخاصية القراءة والتخلق وتسخير الكون كلها خاصيات مفتوحة للإنسان يمكن ان تكون جسرا له للولوج الى الممكن والامكان والديمقراطية تنتمي الى روح الحرية ولحقل الامكان .

فالديمقراطية تعني انتماء للحرية:

ان الحاجة للنمو والتطور لا تمثل من البداية في شكل معرفة مؤسسة ومنظمة وعميقة في تاريخ البشرية لا تمثل في البداية الا كسلب الا كعدم رضا بالمعلوم ونوع من الاستشعار المبهم للمجهول هكذا يمثل الابداع وهكذا يمثل الجديد ثم اذا تهيات لها الظروف والفرصة والامكان يتشكل حتى يكتسب شكله النهائي .(14)

الامكان هو مظهر من مظاهر الحرية الانسانية او انه عمق الحرية الانسانية فالانسان كائن حر لان له ممكنات ولو كان كائنا بدون ممكنات فهذا يعني انه كائن فاقد للحرية الكئنات الاخرى ليس لها ممكنات فهدايتها كرهية وليس لها هداية طوعية ( الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) فهدايتها والياتها كرهية ولهذا تعتبر التحكم والهيمنة في قلبها وفي جوهرها وفي عمقها عملية تحكم بسقف ممكنات الاخريين وان الهيمنة على المستوى الدولي يعني تحكم دولة في ممكنات دولة اخرى وهي من ترسم سقف ممكنات تلك الدولة .

والانسان عندما يشعر بان قدراته مشلولة وانه عاجز وانه مكبل وانه لا يستطيع ان يفعل شئ هذا الاحساس هو احساس بفقدان الحرية وهو احساس بالعجز والانسان بقدر ما تزيد امكانياته وقدرته بقدر ما تزيد حريته وبقدر من ان مجال الممكن امامه مفتوح وواسع وانه اقدر على فعل شئ للتاريخ وعلى ترك اثر والوعي التاريخي منذ نشأته والى اليوم يحمل هذا العمق فالوعي التاريخي له علاقة وطيدة بالحرية وبالممكنات فالوعي التاريخي له القدرة على تحويل الزمن الى قوة للتحرر. (15)

يتحدث  د. محمد الأحمري عن فكرة مهمة وهي أن العلاقة بين الحرية والعدالة علاقة سببية فبوجود الحرية توجد العدالة ولا يمكن أن توجد عدالة بدون حرية ولذلك ينقل الأحمري عن ريمون بولان عبارته ((العدالة غير ذات معنى ولا وجود لها إلا بالحرية , ومن أجل كائنات حرة ..العدالة والحرية ليستا بقيمتين مستقلتين لأن الحرية هي موضوع العدالة الأول , والعدالة هي اسم النظام بين الكائنات الحرة ..ومن المحال الاختيار بين العدالة والحرية , إن الحرية من دون عدالة غير ذات معنى , وهي تصبح اعتسافا , والعدالة من دون حرية خلو من الإنسانية وهي تصبح ظلما . (16)

العنصر الثالث ثقافة الديمقراطية كقيم سياسية لتحرير الممكن اي فحص وتحليل القيم السياسية للديمقراطية

  • القيم السياسية الكبرى للديمقراطية او الديمقراطية كمنظومة قيم سياسية وثقافية

الديمقراطية هي خطوط حراكي كبرى اي حركيات ثقافية جعلت انتاج القيم السياسية الحديثة وبنات الوعي السياسي الحديث ممكنا وبدون هذه الخطوط والمسالك والحراك الثقافي ما كان يمكن تشكل القيم السياسية للديمقراطية وهذه القيم السياسية الكبرى هي الوعاء السياسي لنمط اجتماع موجه نحو تحرير الممكن

هناك ثلاث مصادر او منابع او موارد يتم من خلالها تشكيل القيم السياسية والاجتماع السياسي في الغرب:

1- العلم الحديث

2- الحداثة السياسية والتي تعكس الروح العلمية التحررية في الحقل السياسي في شكل اكتشاف معرفي كبير تهيئ الشروط لتفعيله

3- القلق والتوتر الوجودي والاخفاقات الكبرى التي شهدها الغرب الحديث

ان القيم السياسية للديمقراطية والتي تعتبر وعاء لنمط وجود اجتماعي موجه نحو تحرير الممكن اربعة وكل منها تتفرع الى منظومة قيم فرعية

اولا- القيمة الاولى الكبرى للحداثة السياسية وللديمقراطية كثقافة لا كمجرد الية ومسطرة هي

القدرة على تحديد وتشخيص ومواجهة الرذائل السياسية والتي هي بمثابة مفاعلات كبرى للانحطاط الانساني وقد واجهتها الازمنة الحديثة مواجهة معرفية على درجة عالية من الدقة بتشخيصها كامراض وانتاج الدواء لها مواجهة نقدية حاولت استئصالها من جذورها

ان اهم هذه الرذائل السياسية الكبرى والتي تعتبر مفعلات الانحطاط الانساني هي

1- ما يمكن ان نسميه بحق القوة والتي نجح الانسان الغربي القضاء عليها داخل مجتمعه وانتقل الى حقل اخر هو قوة الحق عبر الديمقراطية

2- القدرية السياسية لم تكن الديمقراطية ممكنة لو لا القضاء على هذه الرذيلة والمقصود بالقدرية السياسية ( الاستسلام وفقدان الامل وانه ليس في الامكان احسن مما كان ) هي اليأس من التغير وفقدان الامل والحلم فالحداثة السياسية ولدت الثقة على قجرة الانسان على التغير وقابلية المجتمع على الاصلاح ولكن بشرط ان يعثر من الناحية المعرفية على مفاتيح التغيير

3- الفكار الانقسامية والفتنوية والتي هي ادى المفاعلات الكبرى لانحطاط الانساني فالانسان داخل الفتنة يفقد القدرة على السمع والرؤية ويفعل بالاخرين ما يملي عليه هواه ويفقد الابصار وحينها نكون قد قضينا على التعايش السلمي

4- الرذيلة السياسية الرابعة والاخيرة والتي تتولد منها جميع الرذائل وهي الاستبداد والتي تعرف على انها الاستعباد فالاستبداد مقرون بالاستعباد والاستعباد هي اخراج الانسان من ادميته لانها بكل بساطة سلب لكرامة الانسان التي منحها الله اياه وهي استفراغ الانسان من جوهر انسانيته ومن قيمته الانسانية ومن كرامته (17)

القيم السياسية الكبرى للثقافة الديمقراطية

  • 1- القدرة على تحديد ومواجهة الرذائل السياسية الكبرى
  • 2- القدرة على بناء حياة سياسية

المقصود بالحياة السياسية للمجتمع هي المؤشرات والدلائل على الحياة الحضارية والثقافية فالمجتمع الحي سياسيا هو المجتمع الحي حضاريا وثقافيا والمجتمع بقدر ما يستوفي الحياة السياسية بقدر ما يستوفي الحياة الحضارية والثقافية والتاريخية

هناك مقومات للحياة السياسية او عناوين ودلالات للحياة السياسية او تعنى نسميها خصائص الحياة السياسية وهي:

1- الروح فالمجتمع الحي سياسيا تسري فيه الروح وتسري فيه الفكرة الحية الموقظة المنهضة والتي هي بمثابة الروح التي بها تحيا الامم فالذي يحيي الامم والشعوب هي الافكار واذا اردنا ان نعرف اجل امة من الامم فعلينا ان ننظر الى طبيعة الافكار التي تروج وتنشر في المجتمع

2- حركة المجتمع اي انه لا وجود لحياة سياسية داخل مجتمع ساكن لا شئ فيه يتحرك فالمجتمع المتحرك هو مجتمع يمتلك اليات المقاومة والاحتجاج وانضاج مطالبه والافصاح عنها اما بطرق قانونية او بفرضها على السلطة والمجتمع الذي لا يملك القدرة على المقاومة او على الاحتجاج او الافصاح عن مطالبه والتعبير عنها والحفاظ على الاسباب الحيوية للحراك السياسي فهو مجتمع ساكن ميت

والمجتمع الحي سياسيا هو مجتمع قادر على تحويل ازماته وصعوباته التي يعيشها الى محطات نمو فالمجتمع الحي لا تطحنه الازمات ولا تغلبه لان له اليات واسعة وثقافة اجتماعية وسياسية قادر على مواجهة تلك الازمات وحتى لو عجزت السلطة فالمجتمع قادر على ذالك عبر مؤسسات المجتمع المدني

والمجتمع المتحرك هو مجتمع منفتح لحركية السلب ولمختلف الصيغ حيث يكون الاصغاء من واجبه امام حركة الاحتجاج والتعبير والافصاح عن المطالب لان كل كل مظهر من مظاهر الاحتجاج والرفض هو بمعنى حاجة حقيقية للمجتمع وبه يتحقق النهضة والتطور

ويمكن ان نظيف على المجتمع المتحرك التنظيم المتحرك والحزب المتحرك وكل هؤلاء ان لم يصغو الى مطاليب المجتمع ولمظاهر الرفض والاجتجاج والقلق والتوتر فلا تطور ولاتقدم نحو الامام (18)

3- القدرة على تصحيح الذات

فالمجتمع الديمقراطي هو مجتمع قادر على تعديل البوصلة وقادر على تصحيح المسار وتعديل الوجه وان فقدان الحرية وفقدان الديمقراطية كمنظومة قيم هو فقدان للقدرة على التوجه الصحيح وان انهيار وسقوط الكثير من الدول كان بسبب عدم قدرة المجتمع تصحيح الوجه بسبب دكتاتورية النظام وان من مميزات المجتمعات الغربية انها باستمرار تنقد الضواهر السلبية عبر دراسات علمية صادرة عن مراكز دراسات متخصصة ترصد الضواهر السلبية داخل المجتمع وتضعها اما اصحاب القرار لتعديل الوجه وتسمى هذه العملية بالضبط الذاتي او التصحيح الذاتي وضبط الوجه

اما المجتمع الذي يفقد الية النقد الاجتماعي والسياسي والبحث عن الاسباب والعلل والامراض والتي يمكن ان تنشا داخله فهو مجتمع فاقد للقدرة على التوجه وعلى التصحيح الذاتي وضبط البوصلة حتى ياتي يوم وينهار هذا المجتمع(19)

4- القدرة على بناء قيم تنظم الحقل السياسي وتضمن استمرارية الديمقراطية كمحرك يضبط بوصلة التوجه وتصحيح الذات وهذه القيم هي

1- الشرعية وهية شرعية الكيان السياسي وشرعية السلطة السياسية

أ- شرعية تولي الحكم

ب- شرعية الاداء والانجاز فلا يكفي ان يفوز الحاكم بالانتخابات لكي يحكم بل عليه ان يكون اداءه للحكم جيدا يكون في خدمة الناس لكي يحصل على كامل الشرعية

تتطلب الديمقراطية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية لأن العملية الانتخابية الدورية تقسم السكان إلى معسكرين “خاسر” و”رابح”. لذا فإن الثقافة الديمقراطية الناجحة تتضمن قبول الحزب الخاسر ومؤيديه بحكم الناخبين وسماحهم بالانتقال السلمي للسلطة وبمفهوم “المعارضة الموالية” أو “المعارضة الوفيّة”. فقد يختلف المتنافسون السياسيون ولكن لابد أن يعترف كل طرف للآخر بدوره الشرعي، ومن الناحية المثالية يشجع المجتمع على التسامح والكياسة في إدارة النقاش بين المواطنين. وهذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوي بداهةً على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية الشائعة. وعلى الناخبين أن يعلموا بأن الحكومة الجديدة لن تتبع سياسات قد يجدونها بغيضة، لأن القيم المشتركة ناهيك عن الديمقراطية تضمن عدم حدوث ذلك.

إن الانتخابات الحرة لوحدها ليست كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً: فثقافة المؤسسات السياسية والخدمات المدنية فيه يجب أن تتغير أيضاً، وهي نقلة ثقافية يصعب تحقيقها خاصة في الدول التي إعتادت تاريخياً أن يكون انتقال السلطة فيها عبر العنف. وهناك العديد من الأمثلة المتنوعة كفرنسا الثورية وأوغندا الحالية وإيران التي إستطاعت الاستمرار على نهج الديمقراطية بصورة محدودة حتى حدثت تغييرات ثقافية أوسع وفتحت المجال لظهور حكم الأغلبية.(20)

2- الاختلاف وادارة المجتمعات المختلفة

الغرب لم يتمكن من بناء مجال حديث للاختلاف الا عندما قضى على الافكار الانقسامية والفتنوية واعطى للاختلاف منزلة سياسية وثقافية ومعنوية واعتبرها خطوط توتر منتجة لقيم جديدة او اضافية وفاتحة لافق وامكانيات جديدة

3- التحويل العميق لطبيعة السلطة

فالسلطة السياسية لم تعد السلطة الاساسية بل تحولت الى سلطة وظيفية والسلطة الاساسية تحولت للمجتمع والسلطة الاساسية في المجتمع هي سلطة الافكار والقيم داخل المجتمع فالسلطة الاساسية والحقيقية هي لسلطة التدافع والحراك داخل المجتمع واما السلطة السياسية فهي سلطة وظيفية لا سلطة اساسية فليس من حق السلطة السياسية ان تقرر للناس عقائدهم ولا ان تختار لهم القيم الكبرى الا في الحدود الذي يرضونه هم وهذا التحول العميق في طبيعة السلطة يجب ان يجسده مبدا كبير هذا المبدا هو ان السلطة حكم بين الخصوم وليست محكمة للحقيقة فالسلطة لايجوز لها الانحياو لطرف على طرف اخر داخل المجتمع وهي ليست سلطة لتحزيب الوظائف السياسية على حساب الكفاءة او على حساب العدالة والمساواة في الفرص (21)

يذكر الدكتور محمد حامد الأحمري مناقب الديمقراطية في الفصل السابع من كتابه الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق للحديث عن مناقب الديمقراطية كإحياء مسألة المصلحة العامة, وجعلها في صميم اهتمام الأفراد. فالفرد في المجتمع الديمقراطي مسؤول عن اختياره، وتقيميه وإمكانية إبقاء او عزل قادته, ويستطرد متحدثا عن مزايا المجتمع الديمقراطي ويصفه بأنه مجتع حيوي يشارك الفرد فيه بالشأن العام, وأن الديمقراطية تجعل عين المرء على مستقبل كل شيء, فهو ليس ابن اللحظة الحاضرة فقط مع ما لها من أهمية بل له اهتمام زماني مستقبلي, فالحياة في المجتمع الديمقراطي تُقيّم بخطة الأعوام القادمة المرسومة للفرد الحاكم وحزبه.

كما أن للفرد في المجتمع الديمقراطي أخلاقه المحسوبة مستقبليا, سواء بسبب المنفعة المقدرة للقادم, أو بسبب الأعراف العامة التي تجبر الفرد على المشاركة من خلال دفع الضرائب وتجعله يتعقب ماله, ويطمح أن تؤدي إلى تحسين مستوى حياته.

ويمضي موضحا فاعلية المجتمع الديمقراطي مقارنة بمجتمع مسلم غير ديمقراطي, ويورد مثالا بمستوى المصلحة الجماعية والأخلاق لهذين المجتمعين, لتشاهد النصوص الإسلامية التي تحث على المصحلة الجماعية ميتة في المجتمع المسلم غير الديمقراطي, وترى عكس في المجتمع الديمقراطي, وهذا يعود بأن الفرد في المجتمع الديمقراطي يرفع من مستواه الأخلاقي ومن مزاج الجمال والذوق لكونها مسؤولية يتوزعها الأفراد عبر مؤسساتهم هم, وليس عبر ما يتوهمون أنها مؤسسات الحاكم ومنافعه الذاتية, مع أنها ليست كذالك, ولكن الاستبداد كما يشير يلقى مسؤولية محاسن ومساوئ المجتمع على شخص واحد هو الحاكم, فلا يقوم الفرد حتى بمصلحته ومسؤوليته لأن كل شيء سوف يعزي للحاكم ولو كان شيئا تفاها, فيتحمل الفرد الحاكم قذارة البلد الحسية والخلقية وتستند إليه ويحاسب عليه في الوعي العام, وأن هذا من أساليب الحيل النفسية للمجتمع المقموع, فيرفضون حتى ما يهمهم ويفيدهم لأنه قد يفيد الحاكم المستد ولو للدعاية, فيصبح قرار الضرر عاما للجميع, بسبب عدم المشاركة في تقرير المصلحة العامة والقرار العام.

ويؤكد بأن الحاجة الى الديمقراطية هي الحاجة الى الأمن والاستقرار, كما تمنح المواطنين المسؤولية الفردية, وهذا ما جعل بعضهم يرى أنه ما تمّت مواجهة بين أمة ديمقراطية وأخرى مستعبدة إلا انتصرت الأمم الديقمراطية الحرة, وينقل تعليقا لـ “هيردوت” في فائدة الديمقراطية حيث يقول فيها ” إن الإثينين كانوا ولا فضل لهم من جاورهم في الشجاعة أيام خضوعهم للطغاة, فما أن نفضوا عنهم نيرهم حتى تقدمو الى الرعيل الأول بين المجتمع, وتبين من هذا أنهم رضو بالهزيمة حتى كانو مقهورين يعملون للسيد المسلط عليهم, فلما ملكو زمامهم حرص كل منهم على ان يبذل غاية ما وسعه لنفسه.(22)

العنصر الرابع ملاحضات عامة ودراسات نقدية للديمقراطية:

ينتقد ألان تورين في كتابه:«ماهي الديمقراطية» القداسة التي صارت تزحف نحو المفهوم في تأسيسه الغربي، غير أن ما يفعله تورين في البدء هو محاولة التعرف إلى المفهوم، وتجاوز تعريفه كحكم للأغلبية، أو كمقابل للديكتاتورية، فالديمقراطية كذلك لا يمكن أن تنهض على القوانين وحدها، بل ينبغي تأسيسها أيضاً على تطور التربية السياسية التعددية، وعلى قلق ما حيال العنف، فضلاً عن مفهوم حديث للمساواة.

إن كثيراً من الأسئلة تصاحب هذا المسعى نحو إدراك كنه هذه الديمقراطية وفيه يحاول تورين تعريف المفهوم على نحو إيجابي، فهو يرى أنّ الديمقراطيّة نظام من التوسّط الدائم بين الدولة والعناصر الناشطة اجتماعياً، الهدف المتناثر في هذه المؤلفات وما شابهها من مقالات وحوارات لتورين، يبحث في شروط جديدة لمجتمع جديد، وهو التفكير الذي ألمّ بالكاتب في حال تأمله للأزمة الأوروبية في أعقاب الأزمة المالية وتبعاتها والتساؤلات التي طرحتها، وإمكانية استخراج طرق تبحث في حلول للأزمة الفكرية السائدة التي مست عصب المجتمعات الأوروبية الحديثة خاصة تلك المتعلقة بالسوق والتعليم وأزمة البطالة، وغيرها من سلسلة كوارث جاءت كتجل لتلك الأزمة الكبيرة.

يضع الكاتب إشارة في غاية الأهمية عندما يتناول العداء القائم بين الثورة والديمقراطية، بدلاً من أن تمهد إحداهما الطريق أمام الأخرى، وكيف أن العالم قد صار، بعد أن أعيته الدعوات إلى التعبئة العامة، قانعاً بما تيسر من السلم والتسامح والراحة، فاختصر الحرية حتى باتت مجرد اتقاء لشر السلطة والتعسف، وربما أن فكرة اللاعنف جعلته يطرح في سياق هذه الدراسة سؤاله: إلى أي مدى صارت العملية الديمقراطية مهددة بعدم التسامح دينياً، أو إثنياً أو قومياً؟، ويبحر الكاتب عميقاً في التاريخ من أجل الإجابة، ومن أجل التحرر من الأوهام، والكاتب يقدم تفنيداً لكثير من الأفكار الزائفة التي سادت والتصقت بجسد المفهوم، وهو يعمل على تحريره لأجل إعادة الاعتبار للمفهوم في كونه قد درج الناس على الجمع بين الديمقراطية والتحرر من قيود الجهل والتبعية والتقاليد، وسعي الإنسان نحو التحرر من المطلقات وأيديولوجيات الدولة، حتى لا يعود خاضعاً إلا لسلطان الحقيقة ومقتضيات المعرفة.

يخوض الكاتب في مسألة الحد من سلطة الدولة، والتي يطالب بتحديدها بمزيد من الوضوح، إذ إنها قد تفضي في النهاية إلى استشراس سلطة أرباب المال والإعلام، بل إن الحد من السلطة السياسية قد يؤدي إلى تفكك المجتمع السياسي وتقهقر السجال السياسي، بحيث نصل إلى وضع تتواجه فيه سوق أممية واحدة من جهة، وهويات منكفئة على ذاتها من جهة أخرى دون وسيط بينهما، وهنا تكمن نقطة مهمة جداً، نجد آثارها ماثلة الآن بعد صعود التيارات القومية في أوروبا وبروز موجة العداء للاجئين والمهاجرين، وأخيراً تتوجت بفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ونلمس هذه النقطة في إشارة تورين غير العابرة إلى الدولة القومية التي أنشئت في بريطانيا الكبرى وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي فرنسا، والتي كانت قبل كل شيء مجموعة من الحلقات الوسيطة بين وحدة القانون أو العلم وتنوع الثقافات، وكيف يمكن أن تنحل في محلول السوق أو أن تتحول على العكس من ذلك إلى قومية متماهية مع ذاتها لا تعرف التساهل ولا التسامح، بحيث ينتهي بها المطاف إلى فجيعة التطهير العرقي وإلى الحكم على الأقليات بالموت والتهجير والاغتصاب والتشريد.

وهكذا أيضاً تتفتت الساحة السياسية وتتدهور الديمقراطية وتضيعان بين الاقتصاد وأبعاده العالمية وبين تلك الثقافات التي تنطوي عدائياً على ذاتها وتسعى إلى تعددية ثقافية مطلقة مثقلة برفض الآخر، فتتقلص الديمقراطية حتى تصبح في أحسن أحوالها، سوقاً سياسية منفتحة نسبياً، لكنها لا تجد أحداً يتمتع بجرأة الدفاع عنها، لأنها لم تعد موضوعاً لأي استثمار ثقافي أو عاطفي، وما ذهب إليه الكاتب هنا يوفر مقترحاً ربما لحلول ثقافية من داخل المنظومة نفسها لا يقطع معها، لكنه يدعو إلى القلق على مصير العالم بقوة، فالقراءة المتوفرة في الكتاب تستند على وقائع موضوعية وكذلك على استقراء رؤيوي صدقه مسار الأحداث على صعيد أوروبا والولايات المتحدة، لنعيش الآن في قلب الأزمة.

ويعالج الكاتب أيضاً قضية، هل الديمقراطية بالفعل هي حكم الأكثرية؟، أم أنها إلى جانب ذلك هي ضمانات الأقلية، والكاتب يدعو إلى عمل عياني ملموس، يسعى إلى الجمع بين قانون الأكثرية واحترام الأقليات، وإلى عملية استيعاب المهاجرين ضمن شعب معين، وإلى إيجاد طريقة تمكن النساء من الوصول بصورة طبيعية إلى موقع القرار السياسي، وإلى الحيلولة دون حدوث القطيعة بين الشمال والجنوب، ويطرح الكاتب الكثير من الأسئلة حول خطر التباعد المتعاظم بين وسائل السوق والعالم التقني من جهة، وعالم الهويات الثقافية المغلقة من جهة أخرى، وكيفية السبيل إلى دمج وحدة الأول بتبعثر الثاني، دمج الروافد المتعددة بالاتجاه الواحد، الموضوعية بالذاتي؟ وكيف السبيل إلى إعادة تركيب هذا العالم الذي يتطاير شظايا، سواء من الناحية المجتمعية أو من الناحية الجغرافية والاقتصادية؟.

وفي مسعى دؤوب يلفت الكاتب إلى أن إعادة التركيب المذكورة ينبغي أن تتم قبل كل شيء على صعيد القوة المجتمعية الفاعلة، فرداً كانت هذه القوة أو جماعة، كما ينبغي أن يتم على الصعيد نفسه دمج الفعل الوسائلي الذي لا مفر منه في عالم قائم على التقنيات والتبادلات، ويشير تورين إلى أن إثبات وجود الذات الفاعلة لا يتم في فراغ مجتمعي، بل يقوم على النضال ضد منطق الأجهزة المسيطرة، إنه يقتضي شروطاً مؤسساتية تشكل تعريف الديمقراطية بذاتها، ويفضي إلى امتزاج التنوع الثقافي عبر انضواء الجميع تحت وحدة القانون والعلم وحقوق الإنسان، والكاتب يضع اعتباراً خاصاً ومركزياً لفكرة الذات الفاعلة والصلة التي تربطها بثقافة الديمقراطية، وذلك من خلال ارتباط الفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية.(23)

الديمقراطية السياسية تبقى ناقصة بدون ديمقراطية اجتماعية. الأولى تهتم بمصدر السيادة والسلطة وحقوق المواطن السياسية ومساهمته في الانتخابات وتشكيل الأحزاب وإبداء الرأي ونشره… أما الثانية، والتي لها أولوية على الديمقراطية السياسية، فتهتم بتحسين أوضاع المواطن المادية، عن طريق مبدأ العدالة الاجتماعية من حيث توزيع خيرات البلد على كل المواطنين لأن للمواطن حق شرعي بنصيب عادل منها.

فالمساواة بين الأفراد في المجتمعات المنظمة تستند بشكل أساسي على هذه العدالة الاجتماعية. فأفراد الشعب المنبوذين والفقراء وقليلي الثقافة، لا يمكن أن يساهموا بشكل جدي في الحياة السياسية التي تتطلب معرفة بأمور الدولة وتسييرها وأمور السلطة ومداخلاتها. أولويات هؤلاء الناس هي لقمة العيش وليست السياسة. الحقوق الاجتماعية ضرورية لاعتبار الإنسان غاية في ذاته يجب احترامه ومساعدته على العيش الكريم. لأن هدف التنمية والتقدم في الدولة هو حرية المواطن ورفاهيته.

الديمقراطية الاجتماعية تسهل مشاركة المواطنين في العمل السياسي بشكل فعّال لأنها تسد حاجاتهم المادية وتعيد لهم اعتبارهم وكرامتهم وبهذا يصبح للديمقراطية بشطريها معنا واقعيا ومتكاملا. في حال تأخر الديمقراطية الاجتماعية، من الضروري رغم ذلك تحريك الديمقراطية السياسية ، لأن أي توعية سياسية، ولو كانت في حدود ضيقة، تساعد الناس على معرفة مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. (24)

فإشراك الناس في العمل السياسي يحرك كثيرا من طاقات كامنة فيهم للمطالبة بمجتمع أكثر عدالة. ربط أنصار المذهب الليبرالي بين الديمقراطية و فكرة الحريات الفردية و هذا المذهب هو نظرية في السياسة و الاقتصاد كما ذهب إلى ذلك ماكس فيبر و أصحابها ينظرون إلى العمل السياسي من زاوية المشاركة السياسية و حق المعارضة و هذا ما عبر عنه هانري مشال بقوله (الغاية الأولى للديمقراطية هي الحرية) و من الناحية الفلسفية ترتبط الديمقراطية السياسية بفلسفة التنوير تلك الفلسفة التي رفعت شعار (لا سلطة على العقل إلا العقل) و تجسدت هذه الفكرة بوضوح في فلسفة هيقل الذي قال:(الدولة الحقيقية هي التي تصل فيها الحرية إلى أعلى مراتبها ) و القصد من ذلك أن جوهر الديمقراطية قائم على حرية إبداء الرأي و احترام الرأي المخالف وواجب السلطة هو حماية الحريات المختلفة ( السياسة و الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية)

و في هذا السياق تظهر أفكار سبينواز الرافضة لفكرة التخويف التي تعتمد عليها الأنظمة الاستبدادية و هو يرى أن السلطة الحقيقية هي التي تحمي حرية الفكر و تضمن المشاركة السياسية للأفراد و من الناحية التاريخية تعتبر الثورة الفرنسية 1789 في نظر رجال الفكر و التاريخ أكثر الثورات التي حملت لواء الديمقراطية السياسية و خاصة دفاعها عن المساواة السياسية كما ذهب جفرسون في صياغته للدستور الأمريكي إلى المطالبة الحكومات الديمقراطية بحماية حق الأفراد في الحياة و التفكير و يمكن القول أن الديمقراطية السياسية تتميز بجملة من الخصائص أهمها :حرية الصحافة بجميع أشكالها و كذا تبني خيار التعددية الحزبية و الحق في المعارضة السياسية ،و ترقية و حماية الحريات الفردية المختلفة و الدفاع عن حقوق المرأة و الطفل باعتبار الإنجاب الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها كل هذه المبادئ، اختصرها كليسونفي مقولته: إن فكرة الحرية هي التي تحتل الصدارة في الإديولوجيا الديمقراطية و ليست المساواة.

إن قدرة الأحزاب على استيعاب البعد الاجتماعي للمشروع السياسي يساعد على التقدم أكثر نحو الديمقراطية في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد, أو العولمة, فإنه يبرر صعود نجم الأحزاب الليبرالية وخصوصا الجديدة أو اليمينية منها في الساحة السياسية الغربية والأوروبية, ويعود السبب إلى أن تلك الأحزاب باتت جزءا لا يتجزأ من الديمقراطية الليبرالية التي تدفع نحو الملكية الفردية وحرياتها أي نحو التراكم المطلق وغير العادل لرأس المال في الدول الصناعية, لكن رغم هذا الصعود لتلك الأحزاب فإنه لا تزال أحزاب الديمقراطية الاجتماعية عنصر قوة وبدأت بعضها يستعيد مجده في بعض دول أوروبا.

إن ما واجهته الدول الأوروبية والغربية بعد الحرب العالمية كانت أزمات اجتماعية تتمثل في البطالة والفقر والعوز وهو ما دفعها إلى تبني هذا البعد الاجتماعي في الديمقراطية, فالديمقراطية كانت موجودة بنسب متفاوتة في تلك الدول, وكل ما تم تبنيه قوانين مجتمعية تندمج مع النظام الديمقراطي العام وتتعايش معه. أما في دول الديمقراطيات الناشئة التي لم تكتمل دورتها بعد فإن ما تحتاجه اجتماعيا هو ما يساعدها على تحولها نحو الديمقراطية, ولا يعني ذلك أنها لا تحتاج إلى قوانين في البطالة والتأمين والعدالة مثلا, وإنما الحاجة التي نعنيها هنا هي الحاجة الاجتماعية المرتبطة الصلة بشكل النظام السياسي المنشود, وهذه الحاجة هي أبسط أبجديات الاستقرار الاجتماعي وهو السلم الأهلي والاجتماعي.(25)

يختبر تزفيتان تودورف برؤية الفيلسوف اللحظة التي غدت فيها الآثار المنحرفة للديمقراطية تُهدّد وجودها في حدّ ذاته. وهكذا يتناول في الكتاب الديمقراطية المريضة في العصر الراهن، داعياً إلى القيام بما وصفه بـربيع أوربي على غرار الثورات العربية.

بموازاة مع ذلك، صرّح بأن العدو يكمن بداخلنا نحن.. فالديمقراطية في الغرب باتت مريضة بسبب المبالغة التي تحيط بها، وحذّر من أن التهديد الأساسي للغرب يكمن في التوجهات الجديدة التي تتزايد داخل المجتمع مثل كراهية الأجانب والنزعة الوطنية المفرطة والليبرالية المتوحشة، كما يرى أنّ العصر الحالي يشهد عدة عوامل تضرُّ بالديمقراطية مثل هيمنة الجانب الاقتصادي الذي بات يُشكِّل الأولوية على حساب السياسي، وأنّ وسائل الإعلام صار لها نفوذٌ قويّ.(26)

يتعرّض تزفيتان تودوروف لمشكل الديمقراطيّة، ويذكر أنّ الديمقراطيّة الغربية تشهد انحرافات جديدة ومتزايدة داخل المجتمع، باتت تهدّد الديمقراطية، مثل النزعة الوطنية المفرطة، وكراهيّة الأجانب، ونفوذ وسائل الإعلام، والليبراليّة المتوحّشة وهيمنة الجانب الاقتصادي على الجانب السياسيّ. فالأخطار المحدقة بالديمقراطيّة والمهدّدة لوجودها أصلاً، لم تعد متمثلة في الخطر الخارجي المتمثّل في الإرهاب الناتج عن التطرّف الديني أو في وجود أنظمة دكتاتوريّة مثل الفاشيّة والشيوعيّة، خاصّة بعد زوال الأنظمة الكليانيّة نهاية الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين (1989)، بل في جملة من المخاطر الداخليّة التي تتمثّل في الأعداء الذين أفرزتهم، إنّهم يمثّلون أبناءها الذين نشؤوا من رحمها، لكنّهم غير شرعيين. (27)

يكتب تودوروف في الفصل الأوّل (قلق في الديمقراطيّة، من أعداء الديمقراطيّة الحميميون”إنّ الديمقراطية أفرزت بنفسها القوى التي بات تتهدّدها، ومن مستجدّات زمننا أنّ هذه القوى تتفوّق على تلك التي كانت تهاجمها من خارج.

وسيكون من الصعب على القوى التي تحاربها والتي تعمل على تطبيعها أن تستدعي الروح الديمقراطية، ومن ثمّة تمتلك مظاهر الشرعيّة”.

لقد باتت الديمقراطيّة في الغرب مريضة، تُحتضر على حدّ تعبير تودوروف بسبب المبالغة التي تحيط بها: مبالغة في الحريّة، مبالغة في التقدّم، مبالغة في إعطاء الحكم للشعب. لذلك لا يخفي تذمّره منها، لكونها صارت مخيّبة للآمال ومتناقضة مع نفسها، رغم استحضاره لتجربة العيش ضمن دول كليانيّة ومعاينته للفرق بين الأنظمة الكليانية والأنظمة الديمقراطيّة.

ولعلّ الغريب في الأمر هو أنّ الديمقراطيّة صارت مهدّدة من الداخل، “فعدوّ الديمقراطيّة كامنٌ فينا نحن”. ذلك أنّ “أعداء الديمقراطيّة الحميميون” ينشؤون عن الآثار القاسية التي تأتت من حاجة عميقة إلى الديمقراطيّة: الخطر الأوّل متأتٍّ من مطلب التقدّم، فتتحوّل الرّغبة في الدّفاع عن التطوّر والتقدّم إلى روح صليبيّة، الخطر الثاني هو الليبراليّة المتطرّفة المتأتّية من المبالغة في الحريّات الفرديّة، فتتحوّل الحريّة إلى طغيان للنظام الرأسماليّ الذي أصبح يهدّد رفاهيّة الجسد الاجتماعيّ.

والخطر الثالث متأتٍّ من التحديد المفهومي للديمقراطيّة على أنّها “حكم الشعب”، فالشعب هو المحدّد لماهيّة الديمقراطيّة، لكن من تنقصه الفطنة في التمييز بين القرارات هو الذي يمثّل خطراً على الديمقراطيّة، فينخرط الشعب انخراطاً مباشراً في القرار تحت تأثير العاطفة وبعيداً عن العقلانيّة، ولعلّ حادثة إعدام سقراط استجابة لرغبة شعب أثينا وتحت تأثيرات البلاغة السفسطائية خير دليل على ذلك، وهذا الخطر يسميّه تودوروف الشعبويّة.

فكيف تنجب الديمقراطيّة أعداءها الحميميين؟ ذلك هو وجه المفارقة، ولماذا تصبح الحريّة من جهة كونها قيمة من القيم الأساسيّة للديمقراطيّة عدوّاً خطيراً للديمقراطيّة نفسها؟ لماذا يفسد علينا هذا الشغف الديمقراطيّ أموراً كنّا عيّناها مطالب كونية مثل الحريّة والإرادة والتقدّم؟

إنّ الشعب، والحريّة، والتقدّم هي العناصر الأساسيّة المكوّنة للديمقراطيّة. لكن إذا أفْلَتَ عنصر من هذه العناصر وانشقّ عن البقيّة ليصبح مبدأ منعزلاً ومتفرّداً، فإنّه يتحوّل إلى خطر يداهم الديمقراطيّة من الدّاخل، فإنّنا نتحدّث حينها عن “الأعداء الحميميين  للديمقراطيّة”. يبدو أنّ مخاطر الديمقراطيّة متأتية من فرضيّة عزل أو تمييز أحد مكوّناتها، فما يجمع بين هذه المخاطر الملتصقة بها على اختلافها هو حضور صورة من صور الإفراط والتطرّف والمغالاة.

لقد كان أعداء الديمقراطية من الخارج، ممّن يرفضون مبدأ الديمقراطيّة نفسه، ويدعون إلى استبدالها بشيء آخر يزعمون أنّه “أسمى”، ففي الدول التي تحكمها دكتاتوريات فاشية (إيطاليا، كرواتيا، إسبانيا، البرتغال) كان هؤلاء يزعمون أنّ الديمقراطية أصابها الإعياء والوهن، وأنّ هذا النظام لم يعد يستجيب للتطلّعات الشعبيّة.

إلاّ أنّه حتى الدول التي لم تكن تعرف هذا المخطّط الفاشيّ (السياسي-الإيديولوجي)، كان هناك نوع آخر من التوليتارية يتمثل في أحزاب مهمّة من اليمين المتطرّف، كما هو الحال في فرنسا وبلجيكا. وبعد الحرب العالمية الثانية نمت دكتاتورية أخرى مختلفة تمثلت في التهديد الذي كان قادماً من أوروبا الشرقيّة، من أنظمة شيوعيّة تجسّدها الكتلة الشيوعيّة. ومنذ سقوط الإمبراطورية السوفياتية، تولّد في أوروبا الشرقيّة فكر يرى فيما حدث انتصاراً هادئاً للديمقراطية، في حين أنّها لم يعد لها أعداء خارجيون معلنون صراحة، بل أعداء حميميون.(28)

من هم أعداء الديمقراطيّة؟(29)

العدوّ الحميميّ الأوّل: وهو ما اصطلح على تسميته بـ”مطلب التقدُّم”، الذي يخصّص له تودوروف كامل الفصل الثالث من كتابه أعداء الديمقراطيّة الحميميون. يبدو هذا المطلب ملازماً للمشروع الديمقراطي نفسه، لأنّ الديمقراطية ليست حالة ترتّبت، مبدئيّاً، عن وضعية موجودة سلفاً، فهي لا تخضع لفلسفةٍ محافظةٍ، ولا لفكرٍ إرغاميّ، ولا تسعى للحفاظ على ما هو موجود سابقاً أو لاحترام التقاليد دون قيد أو شرط. كما لا تستند على كتاب قديم مقدّس كنوع من القانون الذي يجب دائماً تطبيقه بكيفيّة خاصة. وبطبيعة الحال، فإنّ هذا العامل من المتطلّبات محمودٌ في ذاته، إلّا أنّ ما تمَّ في مراحل معيّنة من الديمقراطية هو أنّها كانت تنشط من اعتقاد أكثر رسوخاً يتصوّرها حاملة لأفضل المنافع ويعتبرها إذّاك من المشروعيّة أن تُفرض على الآخرين بالقوّة، بما فيها الجيوش. ويستحضر تودوروف ما حدث مثلاً

في ليبيا، وقبل ذلك بسنوات في العراق أو في أفغانستان. إذ يبدو أنّ التطلّع للتقدّم -وهو أحد المبادئ المميِّزة للديمقراطية- يصير مصدر دمار للدول التي لا تتقاسم مع الدول المتقدّمة “تقدّمها الديمقراطيّ” ذلك هو وجه المفارقةً. فيتراءى لها الشرّ هُنا خيراً، ويكون الشرّ غواية للخير، كما جاء في عنوان أحد كتب تودوروف السابقة، ذاكرة الشرّ، غواية الخير الصادر سنة 2000 .

العدوّ الحميميّ الثاني: وهو الليبراليّة المتطرّفة، ويذكر تودوروف أنّ هذا الخطر يأتي، وبشكلٍ مُفارقٍ أيضاً، من أحد أروع مظاهر الديمقراطية ومكاسبها الأساسية، وبالأخصّ الديمقراطية الليبرالية، وهو: الدفاع عن الحرية الفردية؛ وذلك لأنّ الديمقراطية لا تكتفي بالدفاع عن سيادة الشعب، وإنّما تحمي كذلك حرية الفرد، حتى من التدخُّل المفرط من هذا الشعب نفسه. لذلك، فإنّ الديمقراطية الليبرالية مختلفة عما كُنّا نسميه أحياناً، تحت أنظمة ستالينية، بـ”الديمقراطيات الشعبية” التي كانت تُجرّد الفرد من كلّ استقلالية. تُسمّى الديمقراطيّات الحديثة ليبراليّة عندما تضيف لمبدئها الأساسيّ مبدأ ثانويّاً، هو حريّة الأفراد. فيظلّ الشعب صاحب السيادة، لكنّه لا يحترم حدود الفرد الذي يكون سيّداً في مملكته. ذلك أنّه لا يمكن تنظيم الحياة في المجتمع وفق مبدأ وحيد: فسعادة الجماعة لا تتوافق مع سعادة الفرد. نتحدّث حينئذ عن ضربين من الاستقلالية: استقلاليّة الجماعة أو الشعب واستقلاليّة الفرد. فلا ينبغي على الفرد فرض إرادته على الجماعة، كما لا يتدخّل الشعب ككلّ في الشؤون الخاصّة بالمواطنين حتىّ تنشغل الديمقراطيّة

بفكرة تحسين دائم للنظام الاجتماعيّ، وإن كانت الشوائب معطى مميّزاً لكلّ واقع اجتماعيّ.

لكن المشكل داخل ديمقراطياتنا الليبرالية يكمن في أنّ الاقتصاد الذي هو ثمرة المقاولة الحرّة لدى الأفراد، قد حلّ بهذا الاعتبار محلَّ السياسة وصارت تحكمه سلطة الربح، وهو ما مثّل أحد الآثار المنحرفة للمبادرة الفردية غير المراقبة، وقاد بشكل حتمي إلى أن يستولي الأكثر غنىً على الأكثر فقراً. وبإيجاز، فقد أصبح هذا النمط من الليبرالية، ترتيباً على ذلك كلّه، شكلاً آخر من السلطة المستبدّة: فقد ألحق طغيان الرأسمالية الضرر بحماية الشعب عبر الدولة. إنّ هذا الجاذب للكسب الفردي بات يُهدّد رفاهية الجسد الاجتماعي بأكمله.

العدوّ الحميميّ الثالث: هو الشعبويّة، وهي بمثابة قفا الديمقراطية المقلوب، ذلك أنّ الديمقراطيّة في معناها هي “حكم الشعب” وتتعلّق باستشارة الشعب، فمن البدهي أنّ الديمقراطية بدون الشعب ليست ديمقراطية؛ غير أنّ “الشعبوية” تمثّل عَقَبة كَأْدَاء في بحث انخراط الجماهير الشعبية انخراطاً مباشراً وكُلّياً، إذ في الغالب تتّفق على ما يصلح، وفق التحريك الوسائطي الأكثر مبالغةً وسهولة، وتهدف إلى أن يتخذ جزءٌ من هذه الجماهير نفسها القرار تحت تأثير العاطفة وخارج كلّ عقلانية. وهكذا فمن تنقصه فطنة التمييز بين القرارات الهامّة قد ينشئ خطراً حقيقيّاً. للعمل الجيد لكلّ ديمقراطية تليق باسمها، من خلال الفصل العادل والمناسب بين السلط (التشريعية، التنفيذية، القضائية). لقد صار المثال الديمقراطي مثالاً خائناً وفاسداً، وإن كان ذلك عن حسن نيّة. إنّ ديمقراطيّة اليوم مريضة، وعلّة مرضها هو دلالها لأبنائها الثلاثة: الحريّة، والتقدّم، وسلطة الشعب: هي مريضة بعناصر القوّة التي قامت عليها. إنّها مفارقة عجيبة: كيف يكون العدوّ هو الحميم أي الصّديق المرافق لنا دوماً؟ كيف يكون هذا الحميم حمّى لا تزول، يرافقنا كظلّنا، فلا نستطيع التخلّص منه ففي اندثاره تقتل الديمقراطية نفسها بنفسها؟ نتذكّر ها هنا قولاً فريداً لأرسطو في الصّداقة والصّديق: “آه يا أصدقائي، ليس ثمّة أصدقاء”، (أخلاق نيخوماخوس). كيف تتحرّر الدّيمقراطيّة ممّا هو حميمي فيها دون أن تسيء إلى نفسها؟

المراجع:

(1) روبرت . أ. دال عن الديمقراطية

(2) روبرت . أ. دال عن الديمقراطية

(3) كمال عبد اللطيف الأسئلة الغائبة في الديمقراطيات العربية سؤال المرجعية وأسئلة المجال دفاتر الشمال  العدد 6 سنة 2002

(4) كمال عبد اللطيف الأسئلة الغائبة في الديمقراطيات العربية سؤال المرجعية وأسئلة المجال دفاتر الشمال  العدد 6 سنة 2002

(5) د. حسن بن حسن الثقافة الديمقراطية

(6) د. عبد الاله بلقزيز الشروط الثقافية للديمقراطية

(7) د. عبد الاله بلقزيز الشروط الثقافية للديمقراطية

(8) د. إمام عبد الفتاح إمام الديمقراطية والوعي السياسي دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع سنة 2006

(9) سعيد ناشيد في حاجة الديمقراطية إلى أفلاطون مجلة العرب نُشر في 2014/08/25، العدد: 9659، ص(8)

(10) عبدالله جاد فودة الأصول الفكرية لمفهوم الديمقراطية في الفكر الغربي

(11) عبدالله جاد فودة الأصول الفكرية لمفهوم الديمقراطية في الفكر الغربي

(12) عبدالله جاد فودة الأصول الفكرية لمفهوم الديمقراطية في الفكر الغربي

(13) د. حسن بن حسن الثقافة الديمقراطية

(14) د. حسن بن حسن الثقافة الديمقراطية

(15) د. حسن بن حسن الوعي التاريخي

(16) د. محمد حامد الأحمري الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2012

(17) د. حسن بن حسن الثقافة الديمقراطية

(18) د. حسن بن حسن الثقافة الديمقراطية

(19) د. حسن بن حسن الثقافة الديمقراطية

(20) وليد عابد مفهوم الشرعية السياسية والثقافة الديمقراطية مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية “شمس”

(21) د. حسن بن حسن الثقافة الديمقراطية

(22) د. محمد حامد الأحمري الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2012

(23) علاء الدين محمود ألان تورين يعيد التفكير في الديمقراطية صحيفة الخليج

(24) نويل مبيض ( ألف باء الديمقراطية ) أسس وركائز وتطبيق الديمقراطية

(25) د. عادل عامر الديمقراطية السياسية والاجتماعية صحيفة الديوان الالكترونية

(26) تزفيتان تودوروف الديمقراطية باتت مُهدَّدة من الداخل والأمل في ‘ربيع أوروبي صحيفة القدس العربي

(27) فوزية ضيف الله شغف الديمقراطيّة عند تودوروف مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث

(28) فوزية ضيف الله شغف الديمقراطيّة عند تودوروف مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث

(29) فوزية ضيف الله شغف الديمقراطيّة عند تودوروف مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث

ريناس بنافي باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي لندن: renasbenavi@hotmail.com

  • تحريرا في 13-11-2017
أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى