الرئيسية / الشرق الأوسط / كيف رسمت “عملية الشعلة” والجزائر عام “1942” السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ؟
كيف رسمت “عملية الشعلة” والجزائر عام “1942” السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ؟
عملية الشعلة

كيف رسمت “عملية الشعلة” والجزائر عام “1942” السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ؟

-المركز الديمقراطي العربي

عملية الشعلة، أول عملية هجومية تشنها أميركا في ساحة الحرب الأوروبية، وحتى تنفيذ عملية أوفرلورد الخاصة بإنزال نورماندي كانت أكبر عملية برمائية في التاريخ. ( قبل عام ونصف العام من غزو الحلفاء لنورماندي، في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) في عام 1942،غزا ما يقرب من 110 آلاف جندي أميركي وبريطاني شمال أفريقيا) ولكن بعيداً عن مقارنتها بنورماندي  من حيث الحجم والتعقيد والمخاطر، كان لعملية الشعلة أيضاً تداعيات هائلة، وذلك لأنها ساعدت على تحديد المسار المستقبلي والنتيجة النهائية الناجحة للحرب.
 
لو لم تكن عملية الشعلة كبيرة بما يكفي، لظلت جديرة بالتذكر لدورها المهم في وضع شروط للعلاقات الأميركية طويلة الأجل مع معظم قادة الشرق الأوسط وشعوب المنطقة ومن بينهم اليهود، الذين أدوا دوراً محورياً في هذه القصة بأكثر من طريقة.
 
خططت القيادة الأمريكية البريطانية لشن هجوم على الأراضي التابعة لحكومة فيشي في شمال أفريقيا وهي الجزائر وتونس والمغرب. وكان الفرنسيون (حكومة فيشي) يملكون 125,000 جندي في هذه المناطق إضافة إلى المدافع الساحلية و250 دبابة و500 طائرة و10 سفة حربية كما تواجدا 11 غواصة ألمانية في الدار البيضاء بالمغرب.
 
في عام 1942 ضغط الاتحاد السوفيتي على كل من بريطانيا والولايات المتحدة لبدأ عملية عسكرية ضد ألمانيا النازية وفتح جبهة ثانية عليهم في أوروبا لتخفيف الضغط على الاتحاد السوفيتي. فضل القادة الأمريكيون تنفيذ عملية انزال عسكرية على الضفة الشرقية من القناة الإنجليزية بأسرع وقت ممكن إلا أن بريطانيا رأت أن النتائج المترتبة على هكذا عملية ستكون كارثية.
وبناء على ذلك أقترح مهاجمة شمال أفريقيا الخاضع لحكومة فيشي الموالية للألمان. وسيعزز الاستيلاء على شمال أفريقيا سيطرة الحلفاء على البحر الأبيض المتوسط وسيسهل عمليات غزو جنوب أوروبا في عام 1943.و”في 7 تشرين الثاني/نوفمبر، خاطب روبرت ساتلوف وإيليوت كوهين منتدى سياسي في معهد واشنطن. وساتلوف هو المدير التنفيذي للمعهد. وكوهين هو أستاذ في زمالة “روبرت أوسغود” في “كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز” ومدير “مركز فيليب ميريل للدراسات الاستراتيجية”. وفيما يلي موجز المقرر لملاحظاتهما”.

أعد هذا الملخص ساموئيل نورثروب:

  • روبرت ساتلوف:

أسهمت القرارات التي اتُخذت خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرةً بدرجة كبيرة في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ففي عام 1945 اجتمع الرئيس روزفلت مع مؤسس المملكة العربية السعودية، الملك عبد العزيز، ووعده بضمان الولايات المتحدة للأمن [في المنطقة] مقابل التدفق الحر لموارد الطاقة.

وفي عام 1948 اعترف الرئيس ترومان بدولة إسرائيل ووضع الولايات المتحدة في قلب القضية العربية-الإسرائيلية منذ ذلك الحين. ولكن لا بدّ أيضاً من ذكر عملية الغزو التي قادتها الولايات المتحدة في شمال أفريقيا عام 1942 – والمعروفة بـ”عملية الشعلة” – وأثرها الأقل شهرةً ولكن بنفس القدر من الأهمية على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1942، اجتاحت القوات البريطانية والأمريكية شمال أفريقيا التي كانت خاضعة لسيطرة حكومة فيشي الفرنسية في أول عملية هجومية قادتها الولايات المتحدة في مسرح العمليات الأوروبي.

وعلى الرغم من التداعيات العسكرية الكبيرة المترتبة عن “عملية الشعلة”، إلا أنّها دخلت إلى حدّ كبير في طي النسيان. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أن الخصوم الفرنسيين للولايات المتحدة قد تحوّلوا إلى حلفاء على نحو عاجل ولأن العملية لم تخلّف أثراً عسكرياً دائماً على المنطقة.

ومع ذلك، كان لـ “عملية الشعلة” تأثيراً سياسياً كبيراً على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من ناحيتين.

أولاً: قرّر القادة الأمريكيون التراجع عن مخططهم الأساسي القاضي باستبدال الحكام المحليّين المعيّنين من قبل حكومة فيشي بقادة قوميين، لكن مناهضين للفاشية. واختاروا بدلاً من ذلك التسوية السياسية مع حكومة فيشي مقابل إتاحة سبل الوصول غير المقيد للولايات المتحدة في شمال أفريقيا.

ووضَع هذا الخيار الأسس لسياسة عمليّة في المنطقة، حيث فضّلت الولايات المتحدة المساومات الاستراتيجية مع الزعماء المحليين الأقوياء على التنمية السياسية والاقتصادية للشعوب المحلية. ومنذ ذلك الحين، شكّل ذلك في المقام الأوّل أساس السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ثانياً: وجد القادة السياسيون والدبلوماسيون والعسكريون الأمريكيون أنفسهم للمرة الأولى، مباشرةً في أعقاب “عملية الشعلة”، أمام قرارات عملية حول حكم الأقاليم التي كان يتعرّض فيها اليهود لاضطهاد فاشي، وحتى للموت.

وعلى وجه التحديد، تعيّن على القادة الأمريكيين معالجة وضع المئات من المحاربين اليهود الذين خاطروا بحياتهم لتسهيل دخول الحلفاء إلى الجزائر، وآلاف اليهود في معسكرات الاعتقال التابعة لحكومة فيشي، وعشرات الآلاف من اليهود الجزائريين الذين أصبحوا عديمي الجنسية وقُيّدت حقوقهم المدنية من جرّاء فرض قوانين فيشي.

وبشكل أساسي، كان هدف القرار الذي اعتمدته قوات الاحتلال الأمريكي إلى رؤية لعبة محصلتها صفر (تعادل) بين اليهود والعرب وعدم التدخل لمساعدة اليهود. ويعني ذلك عدم إنقاذ اليهود من المحن أو استعادة الحقوق اليهودية حتى لو لم تأتِ هذه الأفعال على حساب حقوق العرب أو حساسياتهم.

وعلى مدى عقود، شكّل مبدأ حصيلة الصفر هذا – الذي لم يكن له أساس تحليلي – ركيزةً للسياسة الأمريكية، وفاقم على الأرجح العلاقة المعقدة بين المسلمين واليهود وساهم بالتالي في إفراغ البلدان العربية من سكانها اليهود وتراثهم، حتى تلك البعيدة عن الصراع الفلسطيني.

  • إليوت كوهين:

بينما يستحق بحث د. ساتلوف الثناء لكشفه النقاب عن واقعة تاريخية مثيرة، إلا أنّه يمكن الطعن في تفسيره للأحداث من ناحيتين.

أولاً: من غير المحتمل أن تكون “عملية الشعلة” مؤثرة جداً في تحديد مستقبل المنطقة والسياسة الخارجية للولايات المتحدة. فالتاريخ هو سلسلة من الأحداث، ولا يحمل أي منها سلطة تقريرية حاسمة. والإشارة إلى أن القرارات المتخذة خلال “عملية الشعلة” كان لها نفوذ بالقدر المقترح هو أمر أشبه بالاختزال.

ثانياً: من المهم الإدراك أن القرارات الواقعية والعملية إلى حدّ القسوة التي اتُخذت في أعقاب “عملية الشعلة” والتي تبدو غير أخلاقية عند النظر إلى أحداث الماضي، لم تكن غير شائعة خلال الحرب. ويجب أن نتذكر أن الهدف الرئيسي كان الانتصار في الحرب – بينما كل شيء آخر كان ثانوي.

ولذلك، كان المسؤولون الأمريكيون في مسرح عمليات المحيط الهادئ، على سبيل المثال، على استعداد للتغاضي عن الفظائع الرهيبة التي ارتكبتها القوات اليابانية، وبدلاً من ذلك تحويل الجيش الياباني المهزوم إلى قوة احتلال من أجل الحفاظ على النظام في مناطق معيّنة. وفي ألمانيا، بطبيعة الحال، تخلّى الأمريكيون عن سياسات اجتثاث النازية من أجل السماح للمسؤولين الألمان المحليين بإدارة بلدهم، وغالباً بغضّ النظر عن ماضيهم النازي.

وربما شكّلت “صفقة دارلان” مع الحاكم المحلي التابع لحكومة فيشي وسيلة غير مستساغة، ولكنها لم تكن غير عادية في السياق الأوسع للحرب.

أما فيما يتعلّق بعدم الاكتراث لمحنة اليهود في شمال أفريقيا، فمن المهم التشديد على الانتشار الواسع لمعاداة السامية وشيوعها في صفوف القوات المسلّحة الأمريكية آنذاك، بما في ذلك على مستويات القيادة العليا. وفي هذا السياق، ليس من المستغرب عدم اكتراث القادة العسكريين الأمريكيين لمعاناة المجتمعات المحلية اليهودية في شمال أفريقيا، وتفضيلهم التماس حساسية العرب الذين يشكلون الشريحة السكانية الأكبر.

وفي حين أن “عملية الشعلة” كانت معلماً هاماً من دون شك، يمكن تفسير تطوّر السياسة الأمريكية اللاحقة في الشرق الأوسط على نحو أكثر شمولية من خلال سعي الولايات المتحدة وراء مصالحها في تأمين موارد الطاقة، ومنع انتشار الشيوعية، وحماية إسرائيل.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى