الرئيسية / الشرق الأوسط / السياسة الخارجية الإيرانية : المحددات المؤثرة
السياسة الخارجية الإيرانية : المحددات المؤثرة
ايران

السياسة الخارجية الإيرانية : المحددات المؤثرة

اعداد: محمود إبراهيم متولي – باحث في العلوم السياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

أصبحت السياسة الخارجية الإيرانية محل جدل واسع على المستوى الإقليمي والدولي، ولا شك أن التعقيد والتشابك بين إطار ومضمون السياسة الخارجية الإيرانية، له مؤثرات عدة تحول دون الإلمام الكامل بها.

وهنا نستطيع أن نشير إلى المحددات التي تقوم بالضرورة بالتأثير على السياسات الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية، من خلال رؤى وثوابت في العقيدة والمذهب الشيعي، والإطار النظري والعملي والعقلاني الإيراني ومدى تأثير العقيدة على الرؤى الإيرانية.

  • في هذه الدراسة تم تقسيم العرض إلى خمس محددات رئيسية على النحو التالي:
  1. المحدد الأول: الثورة الإيرانية.. كمؤثر هام في السياسة الخارجية الإيرانية.
  2. المحدد الثاني: الموقع الجغرافي والاتجاهات الاستراتيجية لإيران.
  3. المحدد الثالث: النظام السياسي الإيراني.
  4. المحدد الرابع: الصراع السياسي في إيران.
  5. المحدد الخامس: المذهبية والإطار الأيديولوجي.

أولا: الثورة الإيرانية كمؤثر هام في السياسة الخارجية الإيرانية:

قيام الثورة الإيرانية 1979:

خصص الشاة ملايين الدولارات من اجل تحديث وتقوية الجيش، وبما يمكن إيران من أن يكون لها أكبر قوة بحرية في الخليج وأحدث قوة جوية في الشرق الأوسط، وخامس أكبر قوة عسكرية في العالم تمتلك أحدث أنواع الأسلحة، فأن من سخريات التاريخ أن الجيش الإيراني قد خزل الشاه خلال أحداث الثورة بين عامي 1978-1979وحتى بعد سقوط نظام الشاه ونشوب الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980تمكن العراق من توجيه العديد من الضربات إلى الجيش الذي سعى الشاه جاهدا لتكوينه.

فقد انطلقت المظاهرات الاجتماعية الصاخبة في قم، حيث اندفع الناس إلى الشوارع مستنكرين سجل النظام الأسود، غير أن رد النظام على ذلك لم يختلف عن السابق، فقد استعمل القوة الغاشمة وسقط على أثره نحو 200قتيل.[1]

وبعد مذبحة يوم الجمعة والتي ذهب ضحيتها نحو 400قتيل، نسى كارتر كل شيء عن كامب ديفيد، وأسرع برسالة تأييد شخصية إلى الشاه.

وقد بدأت جبهات المعارضة الوطنية الاتجاه نحو أية الله الخميني لقيادة الثورة حيث بدأ نشاط آية الله الخميني بعد أن رفعت السلطات العراقية الحظر عنه بإيعاز من الحكومة الإيرانية، فغادر العراق إلى باريس في أكتوبر 1978، وقد أصدر أول بيان له من باريس بعد ثلاثة أيام من وصوله، أعلن فيه أن حكومة العراق طلبت منه أن يختار بين السكوت أو مغادرة البلاد إلى بلد أخر.[2]

  • بعض المؤسسات التي ظهرت في إيران إبان الثورة:

1-مؤسسة المستضعفين: كان إنشاء هذه المؤسسة لغرض الإشراف على الممتلكات الصادرة من قصور وفنادق ودور سينما وبساتين الفواكه، ومزارع، وشركات ومصانع، وحتى الصحف اليومية كما أن ممتلكات الكثير من الرأسماليين المُصادرة.

2-مؤسسة الشهيد:للعناية بعوائل الذين استشهدوا في نضالهم ضد النظام خلال الثورة، ولقد نجحت في تقديم الخدمات لكثير من عوائل الشهداء والمعاقين.

3-مؤسسة الإسكان:نشئت مؤسسة الإسكان لتهيئة السكن للطبقة المحرومة من أبناء الشعب، واستطاعت أن تقدم المأوى لعدد كبير من العوائل المحرومة.

4-لجان الإغاثة: أسست لجنة باسم الإمام الخميني للإغاثة في طهران ثم افتتحت لها فروعا في سائر أنحاء البلاد[3].

ثانيا: الموقع الجغرافي والاتجاهات الاستراتيجية لإيران:

1-الموقع الجغرافي:

  • تقع إيران في الجزء الجنوبي الغربي لقارة أسيا بين خطي عرض 40 شمالا,22 جنوبا وهي تقع على هضبة تضم دول أفغانستان وباكستان بارتفاع من 1000-1300متر فوق سطح البحر.
  • يجاورها من الشمال الاتحاد السوفيتي بحدود مشتركة بطول 1200ميل تقريبا، ومن الجنوب خليج عمان والخليج العربي بطول حوالي 500ميل، ومن الشرق باكستان بطول حوالي 480ميلا وأفغانستان بطول حوالي 500ميل، ومن الغرب العراق بطول حوالي 850ميلا وتركيا بطول حوالي 250ميلا.
  • تبلغ مساحة إيران حوالي 636الف ميل مربع، ويبلغ اقصى اتساع لها من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ومقداره 1400ميل بينما يبلغ اتساعها من الشمال إلى الجنوب حوالي 875ميلا.
  • تنقسم إيران إلى 13 إقليما.
  • وقد اكتسبت إيران أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي المميز الذي يقع على طرق اقتراب استراتيجية ويشرف على مضيق بحري حيوي وتدخل ضمن شبكة مواصلات دولية بحرية وجوية وبرية.[4]

2- الاتجاهات الاستراتيجية لإيران:

  • الاتجاه الاستراتيجي الشمالي:

في اتجاه الاتحاد السوفيتي، وهو اتجاه دفاعي وذو شعبيتين شرق وغرب بحر قزوين (دكرا_ ستوفوسك_ بندر شاه)،(باكو_ تبريز).

  • الاتجاه الاستراتيجي الشرقي:

في اتجاه أفغانستان _وهو اتجاه متوازن _(سابزفار_هيروتبافغانستان)

  • الاتجاه الجنوبي الشرقي:

في اتجاه باكستان، وهو اتجاه متوازن،(أصفهان _كرمان _كوتا بباكستان).

  • الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الغربي:

في اتجاه العراق_ وهو اتجاه تهديد متبادل (همدان _بغداد بالعراق)

5-في اتجاه الكويت ودول الخليج العربي ويشمل مياه الخليج _وهو اتجاه لأطماع إيران في منطقةالخليج.[5]

ثالثا: النظام السياسي الإيراني:

1- المؤسسات والتيارات السياسية:

  • مؤسسة الولي الفقيه وسلطاته:

تضم هذه المؤسسة التي تعرف لدى الإيرانيين بـ (بيت رهبر) أي بيت المرشد، نظرياً منصب الولي الفقيه، ومجلس الخبراء، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور، غير أن الولي الفقيه يسيطر على مؤسساتٍ أخرى ثقافية وقضائية وأمنية ودينية، ويتبع له مباشرة عددٌ من القوى العسكرية.

  • الولي الفقيه (المرشد):

يقرر الدستور في الفصل الخامس منه السلطات التي تحكم إيران على أنها السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، التي تمارس صلاحياتها بإشراف “ولي الأمر المطلق وإمام الأمة”، فكل السلطات تخضع لولي الأمر حسب نص المادة الدستورية، ويؤسس لذلك في المادة الثانية من الفصل الأول إذ يجعل الإيمان بـ “الإمامة والقيادة المستمرة” إلى جانب الإيمان بالله والوحي والمعاد، باعتبارها أركان نظام الجمهورية الإسلامية.

ويضطلع الولي القائد بعددٍ كبيرٍ من الصلاحيات وفق الدستور وهي:

1- تعيين السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.

2- الإشراف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام.

3- إصدار الأمر بالاستفتاء العام.

4- القيادة العامة للقوات المسلحة.

5- إعلان الحرب والسلام والنفير العام.

6- تعيين وعزل وقبول استقالة كثير من قيادات الدولة.

7- حل الاختلافات وتنظيم العلائق بين السلطات الثلاثة.

8- حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.

9- إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب.

10-عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصالح البلاد.

11- العفو أو التخفيف من عقوبات المحكم عليهم في إطار الموازين الإسلامية بعد اقتراح رئيس السلطة القضائية.

  • مجلس الخبراء:

يتولى مجلس الخبراء اختيار “الولي الفقيه”، وينتخب من الشعب على أن تتوافر فيهم شروط المرجعية وفق المذهب الشيعي فمعظمهم ممن يحملون لقب “آية الله”، ويمثل كل محافظة إيرانية على الأقل عضو في مجلس الخبراء، ويتكون من86 عضواً، ويخضع انتخابهم لحصيلةٍ معقدة من العلاقات بين رجال الدين الشيعة وتأثيرهم في أوساطهم ومقلديهم.

ويرأس المجلس بعد انتخابات 2011م، “آية الله” محمد رضا مهدوي كني، الذي نال أصوات 64 عضواً من أصل 70 عضواً حضروا الانتخاب.

  • مجلس صيانة الدستور:

يشرف مجلس صيانة الدستور على الانتخابات في إيران ويقرر أهلية المرشحين لخوضها، سواء كانت انتخاباتٍ محلية أم تشريعية أو رئاسية، حتى انه يشرف على أهلية مرشحي مجلس الخبراء، ويحق لمجلس صيانة الدستور تفسير الدستور، وتحديد مدى توافق القوانين التي تصدر عن مجلس الشورى (البرلمان) مع الدستور والشريعة.

ويقوم “الولي الفقيه” بتعيين الأعضاء الدائمين والمؤقتين لهذا المجلس، ويضم 12 عضواً ستة من رجال الدين وستة من القضاة يعينون لمدة 6 سنوات ويمكن “للولي الفقيه” تجديد عضوية من يشاء منهم،ويعد مجلس صيانة الدستور الورقة الأقوى بيد “الولي الفقيه” الذي يراقب من خلاله أعمال البرلمان ويرفض ما يراه من قوانين وتشريعات.

  • مجلس تشخيص مصلحة النظام:

مجلس تشخيص مصلحة النظام هيئة استشارية أنشئت استجابة لتوجيهات الخميني عام 1988م، ويحدد الدستور الإيراني مهام المجمع بما يأتي:

–  أن يكون حكماً بين مجلس الشورى (البرلمان) ومجلس صيانة الدستور في حال نشوب أزمة بينهما، وتصبح قراراته بشأن خصومة الهيئتين نافذة بعد مصادقة المرشد عليها.

– يقدم إلى المرشد الأعلى للثورة (الولي الفقيه) النصح عندما تستعصي على الحل مشكلة ما تتعلق بسياسات الدولة العامة.

– يختار في حالة موت المرشد، أو عجزه عن القيام بمهامه بقرار من مجلس الخبراء، عضواً من مجلس القيادة يتولى مهام المرشد حتى انتخاب مرشد جديد.

ويهيمن الولي الفقيه بطريقة مباشرة وغير مباشرة على هذه السلطة (المؤسسة)، كما يسيطر المرشد (الولي الفقيه) على عددٍ آخر من المؤسسات الاجتماعية والدينية، هذه الاستطالة غير المسبوقة لسلطات وصلاحيات وقوة المرشد الأعلى تطرح إشكالية عميقة في إيران حول خليفة المرشد الحالي.

2- السلطات الثلاث: 

أ-السلطة التنفيذية:

تتمثل السلطة التنفيذية في إيران برئاسة الجمهورية، وهو المنصب الذي تجري عليه أشد الحملات الانتخابية وأكثر التحليلات والتوقعات، غير أن صلاحيات رئاسة الجمهورية التي حددها الدستور الإيراني لا تترك لهذا المنصب سوى القليل من الصلاحيات التي احتكرها مسبقاً الولي الفقيه وما يتبع له من مؤسسات بشكل مباشر.

ينتخب رئيس الجمهورية من بين الرجال المتدينين السياسيين من الشعب مباشرة لمدة أربع سنوات ولا يجوز انتخابه لأكثر من ولايتين متتاليتين، ومن صفات المرشح لهذا المنصب أن ” يكون إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية”، و” قديراً في مجالس الإدارة والتدبير”، “وذا ماضٍ جيد، وتتوافر فيه الأمانة والتقوى”، و” مؤمناً ومعتقداً بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد”.

  • ورغم كل الحديث عن تيارٍ إصلاحي أو رئيسٍ إصلاحي يصل لسدة السلطة التنفيذية في إيران، فإن الجميع دون استثناء يدورون في فلك نظرية الولاية العامة للفقيه.

ب- السلطة التشريعية (البرلمان):

تُمارَس السلطة التشريعية في الجمهورية الإسلامية في إيران من خلال “مجلس الشورى الإسلامي” وقد حدد الدستور، وبتفصيل شديد خلافاً لباقي السلطات، صلاحيات مجلس الشورى حتى أن عدد المواد التي أفردها للحديث عنه وتحديد صلاحياته تجاوز 38 مادة ضمن الفصل السادس من الدستور.

لكن الملاحظة الأبرز هنا تكمن في الرقابة الدائمة لمجلس صيانة الدستور على أعمال مجلس الشورى، ورغم أن الدستور الإيراني يتناول مسألة مجلس صيانة الدستور وصلاحياته في إطار حديثه عن السلطة التشريعية، إلا أن سيطرة المرشد على مجلس صيانة الدستور لا تقبل النقاش فهذا المجلس هو الذراع الأقوى للولي الفقيه ضمن هذه المؤسسة، إن رئيس السلطة القضائية بحد ذاته يعين ويعزل من قبل المرشد (وليس من قبل الرئيس كما هو موجود في بعض الأنظمة السياسية).

وهنا تبرز بوضوح مسألة تداخل السلطات واستطالة صلاحيات المرشد وقوته داخل منظومة الحكم في إيران، فهو يسيطر بشكل مباشر عبر مواد دستورية على مختلف صلاحيات الحكم، وبطريقة غير مباشرة على باقي السلطات عبر تعيين أعضائها أو التأثير في تكوينها.

جـ- السلطة القضائية:

لا تخرج السلطة القضائية عن السياق العام لآلية الحكم في إيران وتبعيتها المباشرة للولي الفقيه، فالسلطة القضائية مهمتها وبحسب الدستور “إحقاق العدالة”، ورئيسها “شخص مجتهد وعادل ومطلع على الأمور القضائية” يعينه “القائد لمدة خمس سنوات” ويعد “أعلى مسؤول في السلطة القضائية”.

وينص الدستور على “تشكيل المحكمة العليا للبلاد بحسب القواعد التي يضعها رئيس السلطة القضائية، وتتولى الإشراف على صحة تنفيذ القوانين في المحاكم وتوحيد المسيرة القضائية وأدائها لمسؤولياتها القضائية”. وتطبق السلطة القضائية الأحكام الشرعية وفق المذهب الشيعي منذ عام 1984م، بعد إلغاء كافة القوانين غير “الإسلامية” انسجاماً مع مرسومٍ أصدره الخميني عام 1982م.[6]

رابعاً: الصراع السياسي في إيران:

بدأ الصراع السياسي بين التيارات السياسية في إيران يشتد مع إعلان وفاة آية الله مهدوي كنى، رئيس مجلس الخبراء، يقول المحلل السياسي إبراهيم نبوي: إن آية إله مهدوي أوجدت أزمة في توازن القوى بين التيارات السياسية، فقد كان اهم علماء الدين التقليديين.[7]

وبعد انتخاب الشعب لخطاب روحاني، ودعم المراجع العظام بالإضافة إلى ثلاثة من أهم الشخصيات الدينية والسياسية بالبلاد (أية الله هاشمي رفسنجاني، والسيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الأسبق، وأية الله سيد حسن الخميني حفيد الإمام الخميني)[8].

وتجدر الإشارة إلى وجود تيارين هامين في إيران، مؤثران بشكل كبير على توجهات إيران الداخلية والخارجية، هما:

  • التيار الأصولي في إيران:

التيار الأصولي مع اتباعه للمرشد يقوم على دعم الحكومة لكن كان يجب أن يحافظ على أن يظل باب النقد والنقد البناء في المحافل العلمية والسياسية والعامة مفتوحاً، وباعتباره (جناح الناقد للحكومة) يلعب دوره (الموازن) و(المراقب)، وللأسف في إيران نظرا لعدم ترسخ الأنشطة الحزبية والفئوية، عندما يكون هناك تيار ليس في السلطة، فان دوره يعتبر دورا (محبطا)، و(مخربا) لأداء التيار السياسي الحاكم.[9]

على الجانب الأصولي ومع التحركات المكثفة من قيادات الأصوليين يعتقد المحللون السياسيون أن التيار الأصولي يدخل مرحلة جديدة من إعادة البناء، فضلا عن وضع محتوى عميق للخطاب الأصولي، وبرنامج واضح لإدارة البلاد، ورسالة تتسم بالشفافية إلى الراي العام الإيراني.[10]

  • الإصلاحيين في إيران:

فلقد مر تيار الإصلاح بتجارب مريرة أحياناً وجيدة أحيان أخرى، تحتاج إلى دراسة عاقلة، مع توضيح أصالة الفكر الإصلاحي وأن نعيد إحياء منهج مسيرة الإصلاحيين، وقد حان الوقت من أجل إيجاد نسيج حتى يمكن القول ببداية عهد جديد لسعي الشعب الإيراني في التأثير على مصيره.

وفي هذا الصدد ينبغي احترام جهود الأولين وسائر الأفراد والشخصيات التي رفعت راية الإصلاح برؤى مختلفة، وسعت إلى التأثير في مصير البلاد، وعندما نتحدث عن نسيج وتغير جيل الإصلاحيين، يكون قصدنا أن هذا التغيير ليس تغييرا تقليديا، بل في الخطاب.[11]

خامساً: المذهبية والإطار الأيديولوجي في إيران:

إيران هي أول دولة في العالم الحديث ذات دستور مذهبي، بينما تعتبر عملياً الأكثر انخفاضاً في التدين بين دول الشرق الأوسط، وقد تراجع دور رجال الدين في الحياة الإيرانية العامة، مقارنة مع ما كان قبل عشر سنوات، تقول أبنة أحد مراجع الدين الأعلى رتبة (لقد ذَهبَت الاعتقادات الدينية من المجتمع، وترك الأيمان مكانه للكراهية والنفور).

وقد ساهم تحويل الإسلام الشيعي إلى أيديولوجية حكومية، في إثارة الأسئلة حول مكانة الحكومة والمسجد، وأكبر تناقض خرج من رحم الثورة الإسلامية هو قيادة الشعب والمجتمع باتجاه العلمانية أكثر من حكومة الشاه[12].

 

أ- الإطار الأيديولوجي لدولة إيران:

أثار المحدد الثقافي العديد من الجدل حوله باعتباره مدخلاَ في العملية الثورية، وتعتبر الأيديولوجية هي العنصر الثقافي الأكثر مباشرة في تأثيره على الثورة، وفى الحالة الإيرانية فإن الأيديولوجية المؤسسة للثورة هي تلك التي كان فيها الترابط الوثيق بين الدين والسياسة والرفض التام لمقولة الفصل بينهما أو القول بأن الدين يمثل شيئاً والسياسة شيئاَ منفصلا عنه، وقد اتضح ذلك من خلال أفكار الإمام الخميني.

ب- وعن أفكار الخميني:

  • فكرة الحكومة الإسلامية:

يعتبر الخميني أن خير الحكومات هي الحكومة الإسلامية، ويرى أن النظام الجمهوري هو أفضل البدائل التي ستوصلنا إلى المحتوى الاجتماعي للنظام السياسي ويحقق تقدم المجتمع، ولكن الحكومة الإسلامية عنده لا تشبه الأشكال الحكومية المعروفة فهي حكومة دستورية وليست مطلقة أو مستبدة ولكن ذلك له معنى خاصاً عند الخميني فالدستورية هنا تعنى التقيد بالأوامر الإلهية والسنة النبوية المطهرة وليست النصوص الوضعية.

  • فكرة الأممية الدينية:

أنتقد الخميني النعرات القومية التي تقسم العالم الإسلامي إلى ترك وأكراد وعرب وفرس، وأرجع إثارتها إلى تآمر القوى العظمى التي لاهمَ لها إلا بعث مشاعر العداء والكراهية بين المسلمين، ولكن هذا النقد الحاد الذي وجهه لمفهوم القومية، وتمييزه بينه وبين مفهوم الوطنية، لم يتمتع بانبهار الشخصية القومية الإيرانية، وأهم من ذلك أنه لم يعصم بعض مؤسسات الدولة – خاصة في السنوات المبكرة للثورة – عن التعبير عن شدة مشاعرها القومية.

وقد كانت من أهم أسباب حرب الخليج الأولى فكرة القومية ومدى معارضة الخميني لها واعتبار العراق دولة داعية لتلك الفكرة.

  • فكرة الحياد:

تبنى الخميني فكرة الحياد عبر محددات شرعية هي عدم جواز الخضوع لغير الله سبحانه وتعالى أي لا لقوة من شرق أو غرب، وتآمر القوى العظمى على الإسلام كدين وعلى المسلمين كأمة وهو ما يستوجب ألا نسمح لها (أن تحكم بلادنا)، والحفاظ على الهوية الذي لا يتأتى إلا بمقاومة محاولة مسخها وتحويل المسلمين إلى (دمى وعملاء)، والترابط الوثيق بين الدين والسياسة ورفض فصلها كأثر من أثار التبعية للخارج.[13]

  • الخطاب الإعلامي من المؤثرات على السياسة الخارجية الإيرانية:

يعد تعبير (“الجهاد التوضيحي التنويري)، من المصطلحات الجديدة التي أطلقها المرشد الإيراني على خامنئي للتعبير عن نوع جديد من الخطاب الإعلامي الإيراني، يقول خامنئي: أن أهم واجب للعلماء والمثقفين والنخبة اليوم هو الجهاد التوضيحي والتنويري في مواجهة خداع الطواغيت، وينبغي على الأمة الإسلامية أيضا ألا تنخدع في وعود القوى الكبرى، وألا تخشى تهديداتها.

إن الأيمان بالله والكفر بالطاغوت المبنى الأساسي والواقعي للقوة، وأمريكا هي الطاغوت الأعظم والشيطان الأكبر، عندما تكون سياسات الاستكبار هي إيجاد الاختلاف والصراع بين المسلمين ينبغي أن تتمسك الأمة الإسلامية بنعمة الوحدة الإلهية العظيمة والانسجام في مسيرتها[14].

  • أحداث عالمية أثرت على سياسة إيران الخارجية:

 أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001:

نظراً لما يتميز به عالم اليوم من اتصال خاصة في ظل علوم المعلومات وما كان لأحداث الحادي عشر من بعدٍالكتروني، وما شاهده الناس في كل أنحاء العالم من صور وتدمير وتخريب ببرجي التجارة العالمية لم يؤثر فقط في الحكومات، بل أثر كذلك في الأفرادفي كل أنحاء العالم بشكل ما، ولا تستثني إيران من هذه القاعدة، فقد تأثرت أكثر من غيرها من دول الشرق الأوسط، نظرا لوجود متغيرات مثل جوارها لأفغانستان، وجو العلاقات الإيرانية الأمريكية الخاص، ووجود العنصر الديني في السلوك الخارجي والداخلي لإيران، وموقف إيران بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط وأخيراً موضوع الإرهاب، وذلك على الصعيد الخارجي.

ووجود موضوع شائع نسبياً في مجال سلوكيات السياسة الخارجية على صعيد الصحافة الداخلية وتداعيات مواقف التيارات المختلفة على العلاقات الخارجية، ولتقويم تأثير التحولات التي خلفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر على إيران[15].

  • الخلاصة:

من خلال العرض السابق قد آثرنا أن نعرض على القارئ الجوانب المؤثرة في صنع السياسة الإيرانية وكيف أن المرشد هو من له سُلطة أعلى من الرئيس نفسه، وأن المؤسسات الدينية ليست لها مسؤولية “الوعظ” فقط أنما تؤثر مباشرة في العملية السياسية والسياسة الخارجية، وأن إيران تسعى دائماً لخلق نوع من المكايدة ولكن بذكاء وتصدير ثورتها، أنها هي الأفضل من بين كل الدول التي تدافع على الإسلام وهي من لها الحق في قيادة الأمة.

وكما هو واضح من الدراسة أن للمرشد صلاحيات عدة تفوق كل الصلاحيات المتاحة في الدولة، وعلى ذلك نجد هناك خلافات سببها هذه الصلاحيات، فإن رئيس الجمهورية مقيد بشكلٍ كبير بصلاحيات المرشد الأعلى، وعليه كل المراكز الهامة في الدولة تعتبر تحت وصية الولي الفقيه، وعليهم الرجوع إليه فيكل صغيرة وكبيرة، وأيضا موافقته ضرورية للقيام بالخطوات الهامة في إيران، ويؤثر بشكل مباشر على سياستها الخارجية.

[1]عصام السيد عبد الحميد،الخطاب الإعلامي للثورة الإيرانية واثره على العلاقات الخارجية صـــ39 ،عينللدراساتوالبحوثالإنسانيةوالاجتماعية،الطبعةالأولى،القاهرة 2006

[2]المرجع السابق ص39

[3]المرجع السابق ص48-49

[4]حسين عدلي عبداللطيف ،الاثار الاستراتيجية لثورة ايران 1979:ص17،كتبسياسية،العددالسابع،القاهرة: مركزالنيلللأعلاموالتعليموالتدريب، 1980،القاهرة.

[5]المرجع السابق ص(38-39)

*مصدرالخريطةالرابط

[6]مركز سورية للأبحاث،النظامالسياسيفيإيران، 2014 الرابط

[7]محمد السعيد عبد المؤمن، استراتيجية الصراع السياسي في ايران، مختاراتإيرانية،عدد170،ص9 ،ديسمبر2014،القاهرة

[8]سيد سلمان صفوي،المرجعية ودبلوماسية الحكومة الإيرانية، مختاراتإيرانية،عدد166،ص38 ،يونيو 2014،القاهرة

[9]محمدمهدي أنصاري،الدور التاريخي للتيار الأصولي،مختارات إيرانية،عدد170،ص32 ،ديسمبر2014،القاهرة

[10]محمد السعيد عبد المؤمن، إعادة تنظيم الصفوف في ايران،مختارات ايرانية،عدد166،ص48،،يونيو2014 ،القاهرة

[11]محمد السعيد عبدالمؤمن ،الواجهة الجديدة لإصلاحيين في ايران ،مختارات إيرانية ،عدد169،ص9،أكتوبر 2014 ،القاهرة

[12]سعيد داوربناه: تراجع الاهتمام بالمذهب لدى الإيرانيين، مختاراتإيرانية ،عدد170،ص33 ، 2014 ،القاهرة

[13]عادل نبهان النجار،أثرالنظامالسياسيعلىعمليةصنعالقرارفيإيران، مركزالشرقالعربيللدراساتالحضاريةوالاستراتيجية 2011الرابط

[14]مختارات إيرانية،خامنئي وتغيير الخطاب الإعلاميالإيراني،العدد185،ص60، 2016 ،القاهرة

[15]محمد نور الدين عبدالمنعم،الرؤية الإيرانية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر،قضايا إيرانية،مركز الدراسات الشرقية،جامعة القاهرة ،العدد السادس،2005،ص6-7،القاهرة

تحريرا في 16-11-2017

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى