الرئيسية / الشرق الأوسط / قراءة في جولة العبادي العربية والإقليمية
قراءة في جولة العبادي العربية والإقليمية
العبادي

قراءة في جولة العبادي العربية والإقليمية

اعداد الباحث السياسي :  محمد كريم جبار الخاقاني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

قام رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مؤخراً بجولة عربية شملت المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية واتبعها بجولة إقليمية لكل من تركيا وإيران.

وتأتي تلك الزيارات في ظل تطورات الأوضاع في العراق وخصوصاً في كردستان العراق , إذ كما هو معلوم بان إقليم كردستان قام بإجراء استفتاء تقرير المصير مما استدعى تعاملاُ حكومياً تجاه تلك الخطوة التي قوبلت برفض محلي عراقي وإقليمي ودولي , فقامت الحكومة الاتحادية في بغداد بغلق المطارات وتعليق الرحلات الجوية من والى الإقليم بل وطالبت بتسليم المنافذ الحدودية , وعلى اثر رفض حكومة الإقليم لذلك سارعت الحكومة بتحشيد القوات العسكرية على حدود المناطق المتنازع عليها ومن ضمنها كركوك التي دخلتها قوات البيشمركة الكردية على اثر احتلال داعش للموصل في حزيران عام 2014 وفي ظل تطورات الأمور وتسارع وتيرتها أخذت الأزمة بين الجانبين تتصاعد مع تحركات إقليمية من قبل تركيا وإيران لتضييق الخناق على حكومة إقليم كردستان , لذا فهناك تطابق في المواقف بين العراق وتركيا وإيران حول مسالة الاستفتاء الكردي الذي أقيم في 25-9 وعليه كان لا بد من تنسيق للمواقف بين تلك الدول , وذلك من خلال العمل على إقامة المناورات العسكرية على الحدود بين الدول الثلاث .

ومن اجل التعرف على إبعاد تلك الزيارات للسيد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي , يجب إن نتعرف على ما تهدف إليه تلك الجولات في هذا التوقيت بالذات.

أولاً : أبعاد الزيارة للمملكة العربية السعودية.

خلال اقل من أربعة أشهر زار السيد العبادي المملكة العربية السعودية مرتين, الأولى بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمملكة في شهر ايار 2017, إذ تم توجيه دعوة رسمية للعبادي من الملك السعودي لزيارة المملكة وتوثيق أواصر العلاقات الثنائية بين الدولتين , خصوصاً وإنها جاءت بعد تحقيق الانتصارات على تنظيم داعش الإرهابي وبالفعل تمت الزيارة في شهر حزيران وكانت نتائجها مشجعة من ناحية الاتفاق على تأسيس مجلس تنسيقي مشترك بين الطرفين لمكافحة الإرهاب وفتح الحدود البرية بينهما وغيرها من الإجراءات الاقتصادية والتجارية لتعزيز وتقوية العلاقات بين الجانبين.

وتأتي الزيارة الحالية للعبادي في ظل توتر متصاعد بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان على اثر إجراءها استفتاء تقرير المصير , لذا فان الدعم الإقليمي لجهود العراق في رفض ذلك العمل إنما يؤكد حقيقة الدور العراقي المقبل في المنطقة في ظل تقارب عراقي سعودي وتوجهات دولية ولاسيما من طرف الولايات المتحدة في تشجيع علاقات التقارب لمواجهة النفوذ الإيراني المقلق كما تصفه الولايات المتحدة في العراق. فكان من بوادر التقارب السعودي العراقي , انفتاحه بشكل كبير جداً على السوق العرقية الذي تمثل بمشاركة غير مسبوقة في النشاطات التجربة العراقية وآخرها في معرض بغداد الدولي وبأكثر من 60 شركة سعودية مما يعني المباشرة بالدخول بشكل فاعل في السوق العراقية بعد غياب دام أكثر من 27 عام , وأيضاً يُفسر التقارب السعودي العراقي على أساس تقوية الروابط الأخوية بين الدولتين الجارتين على حساب التدخلات الإيرانية في العراق التي مالت كفتها لصالح إيران منذ عام 2003 مما جعل الطريق معبدة لإيران للولوج للعمق العراقي بغياب شبه جماعي للدول العربية التي غابت عن المشهد العراقي منذ ذلك التاريخ , ما يؤكد حقيقة ملئ الفراغ الذي خلفه عدم اعتراف العرب بالحكومة العراقية بعد نظام صدام حسين الذي أطاحت به الولايات المتحدة الأمريكية في نيسان عام 2003.

إن تعزيز العلاقات الثنائية بين العراق والمملكة العربية السعودية ينعكس على مجمل الأوضاع في المنطقة باعتبارهما من الدول المحورية التي لها شان كبير في تقرير ما ستؤول إليه تطورات الأوضاع في المنطقة العربية.

لقد أدركت الدول العربية وخصوصاً المملكة العربية السعودية خطاها لاستراتيجي بترك التقرب للعراق بعد أحداث 2003 ما أدى وحسب تصوراتها بوقوعه تحت النفوذ الإيراني وتمدده في أكثر من دولة عربية مثلما يحدث في سوريا واليمن ولبنان وغيرها من الدول , لذا كانت رغبة الطرفين كبيرة جداً في عودة حقيقية للعلاقات بين البلدين وهذا ما انعكس بتبادل الزيارات بينهما وعلى أعلى المستويات لموازاة النفوذ الإيراني في العراق , على الرغم من جهد الجانب العراقي توضيح حقيقة مهمة في إطار العلاقات الثنائية بان العراق دولة ذات سيادة وان مساعدة إيران للعراق تنطلق من تلك الفرضية الأساسية في العلاقات الدولية التي تؤسس لعلاقات متينة بين اي دولتين متجاورتين. ومن اجل إثبات تلك الفرضية ينطلق العراق من رؤية جديدة تسهم في تقليل التصادمات والتوترات المستمرة بين دول المنطقة وذلك من خلال مشروع السيد العبادي الجديد لتلك الدول الذي يركز على التنمية كأساس لحل مشاكل المنطقة برمتها وبالتالي فتح مسارات دبلوماسية جديدة تقرب المسافات بين الأطراف المختلفة.

ثانياً: أبعاد الزيارة لكل من مصر والأردن.

 تعد مصر مركز الثقل العربي باعتبارها مقر الجامعة العربية وكذلك تعتبر من الدول المحورية المؤثرة في صنع القرار السياسي العربي , وتلعب مصر دوراً بارزاً في كل قضايا العرب الأساسية وذلك من خلال توافرها على ميزات الزعامة والقيادة وكونها احد أقطاب الدول العربية .

لذا ةاتي زيارة السيد العبادي لجمهورية مصر العربية من ذلك المنطلق , وفي ظل تطورات الأوضاع وخصوصاً في المنطقة العربية ومن اجل تأكيد التعاون العراقي المصري ولاسيما في مجال مكافحة الإرهاب الذي يضرب بقوة في مصر وبالخصوص في سيناء , فالعراق وبما يمتلكه من خبرة ميدانية في قتال المجموعت الإرهابية ولاسيما داعش واندحارها في كل الأراضي العراقية مستعد لتقديم كل المساعدات الممكنة من اجل تخطي آثار تلك المجموعات الإرهابية ويأتي ذلك في إطار التبادل الأمني المشترك بين الدولتين , إذ أسهمت الزيارات المتبادلة بين العراق ومصر وعلى أعلى المستويات الدبلوماسية بتطوير تلك العلاقات الثنائية وتشكيل فرق مشتركة لتنمية وتطوير العلاقات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها , لذا تعد الزيارة الحالية للسيد العبادي تعزيزاً لتلك الرؤية الجديدة التي يحملها العراق للمنطقة ما بعد داعش والقيام بثورة تنموية تعاونية بين الدول العربية لتعزيز أواصر العلاقات بينها وتجاوز آثار الماضي والانطلاق لعالم رحب أوسع قائم على أساس التعاون في مختلف المجالات, واستمر الدكتور العبادي في مساعيه الحثيثة لتبني الرؤية العراقية لمشروعه المقبل الكفيل بتحقيق توازن في علاقات الدول مع بعضها بما ينعكس على صياغة رؤية حقيقية لقيام علاقات جديدة قائمة على أساس متبادل من التعاون في المجالات كافة وعليه زار السيد العبادي المملكة الأردنية الهاشمية لتوضيح الرؤية الجديدة بعد داعش وضرورة إشراك الأردن فيها لمواقفه الداعمة للقضاء على الإرهاب والبؤر الإرهابية وبما بعود بالنفع على كل الدول .

ثالثاً : أبعاد الزيارة إلى جمهورية إيران الإسلامية.

تعد إيران من أكثر الدول داعمة للعراق بعد عام 2003, إذ يُحسب للجمهورية الإيرانية إنها كانت أول الدول اعترافاً بمجلس الحكم الذي تشكل بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ومن هذا المنطلق أخذت إيران تتوسع في دورها في ظل غياب عربي لما بعد نظام صدام حسين , تلك السياسات العربية الخاطئة قد عززت من الدور الإيراني في العراق ما انعكس على تصورات الدول العربية  التي تمحورت في فكرة أساسية إن العراق ابتعد عن محيطه العربي نتيجة التدخلات الإيرانية ولذلك فقد أحجمت تلك الدول عن مد يد العون والمساعدة للعراق وخصوصاً انه خارج من نظام قمعي دكتاتوري ولابد من معونات عربية للنهوض بواقعه وهكذا استمرت المحاولات العراقية عن طريق مجلس الحكم والحكومة المؤقتة والانتقالية والدائمية بالسعي لتوضيح إن العراق كان وسيبقى عربياً وهو بحاجة للدعم العربي وخصوصاً من الدول المجاورة له , واستطاع في عام 2012 من عقد قمة عربية تحصل فيها على قبولاً عربياً ورجوعاً لممارسة دوره الفعال في قضايا الأمة العربية , ومع تزايد الأخطار والهجمات الإرهابية ولاسيما بعد سقوط أكثر من ثلثي أراضيه بيد تنظيم داعش الإرهابي , كان لابد من مساعدة للوقوف بوجه الإرهاب, فكان تأسيس الحشد الشعبي الانطلاقة لتخليص العراق من شر تلك المجموعات الخارجة عن القانون التي مثلت صراعاً بين قبول قوات الحشد الشعبي كقوات مساندة للقوات المسلحة التي سارعت إيران لدعمه لوجستياً وعسكرياً وغيرها من أوجه المساعدات الممكنة للعراق لتخطي خطر السقوط في يد ذلك التنظيم المدعوم من قبل دولاً إقليمية وبين الرفض لتسمية الحشد الشعبي بقوات مسلحة بل ترديد عبارة ميليشيات عليها وعدم إسباغ الصفة الرسمية عليها على الرغم من تأكيد القوات المسلحة العراقية بأنها ضمن تشكيلاته وينطبق عليها كل القوانين والأنظمة العسكرية وبالتالي فهي مؤسسة رسمية وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة , ومن هذه المقدمة الضرورية للدور الإيراني كي لا يختلط على الجميع الرؤية الحقيقية والموضوعية , نجد بان المساهمة الإيرانية في دحر الإرهاب والتعاون مع العراق في فترة تعتبر من اشد الفترات التي مرت عليه هي تبنع من حقيقة واحدة وهي الرغبة في القضاء على الإرهاب وأينما كان , لذا كانت إيران من الدول السباقة لدعم العراق وفي الوقت ذاته كانت الدول لعربية تعزف عن الرغبة ولو بتمثيل دبلوماسي بسيط فيه, ومن اجل التعرف على حقيقة الزيارة الأخيرة للسيد العبادي لإيران , نرى بان تطابق الرؤية المشتركة بين الجانبين لما تمخض عنه استفتاء تقرير المصير الذي أجرته حكومة إقليم كردستان في 25-9 إنما جاء لتأكيد تلك الرؤية المشتركة بشان المخاوف الإيرانية من إقامة دولة كردية على مقربة من حدودها وبالتالي احتمالية انعكاس تلك النتائج عن إجراء الاستفتاء على الأكراد داخل إيران واردة جداً , لذا عملت وبكل جهدها على رفض نتائجه مسبقاً وبالتالي فهي تتجاوب مع الرفض الحكومي الرسمي العراقي مع تطابق في الموقف التركي للاستفتاء من خلال رفضه وعدم التعامل مع نتائجه , وكانت الإجراءات على الأرض دليلاً قاطعاً وتطابقاً في المواقف الإيرانية والتركية مع الموقف العراقي , لذلك سرعت إيران بإغلاق منافذها الحدودية مع الإقليم تجاوباً مع التعليمات العرقية بهذا الشأن مع تقييد حركة الطيران من والى الإقليم بل شملت ابعد من ذلك تضييق الخناق على حركة التجارة البرية إلى كردستان وبالتالي دخول الحصار الاقتصادي حيز التنفيذ.

إن كل تلك الإجراءات تعكس رفضاً إيرانياً لنتائج الاستفتاء وبالتالي تمثل زيارة العبادي لطهران تعزيزاً للعلاقات بين البلدين وتقوية لها في ظل تصارع وتعقد المشهد الإقليمي في دول سوريا واليمن ولبنان وتدخلات إيرانية فيها حسب الولايات المتحدة الأمريكية , وعليه فان من شان الموقف الإيراني الرافض لنتائج استفتاء كردستان أن يعزز من العلاقات الوثيقة بين بغداد وطهران .

رابعاً: أبعاد الزيارة إلى تركيا.

ما ينطبق على إيران ينطبق على تركيا بشان التوحد في المواقف الرافضة لقيام دولة كردية على مقربة من حدودها مع العراق , لذا كانت تركيا من أول الدول رفضاً لفكرة إجراء استفتاء لتقرير مصير كردستان وإعلان الانفصال عن العراق وتشكيل الدولة الكردية المرتقبة وخصوصاً بعد تعهد البارزاني باجراءه الاستفتاء في موعده المقرر له في 25-9 على الرغم من المناشدات الإقليمية والدولية لتأجيله على الأقل لحين الانتهاء من حرب داعش ولكن إصرار الحكومة في كردستان على ذلك جعل من تركيا أمام موقف الرافض له لخطورة النتائج المترتبة على قيام دولة كردية في شمال العراق وبالتالي تأجيج المشاعر القومية للاكراد الأتراك وانتقال العدوى لهم والمطالبة بتشكيل دولة على غرار أكراد العراق , لذا كانت تركيا واضحة وصارمة في نفس الوقت من رفض وشجب وعدم قبول لفكرة إجراء الاستفتاء ومن ثم إقامة الدولة الكردية , فتطابقت المواقف الإقليمية مع إيران ومع العرق برفض ذلك الاستفتاء مع تصعيد في اللهجة التركية إزاء القيام بما هو اشد من الرفض الشفاهي والذي تمثل بتشديد الإجراءات مع الإقليم ووقف الحركة التجارية من والى الإقليم على اثر قيام الجانب الحكومي برفض كل أشكال التعاون مع حكومة الإقليم مثل تسليم المطارات والسيطرة على المنافذ الحدودية مع كل من تركيا وإيران , لقد تجاوبت تركيا مع الإجراءات العراقية لوجود تطابق في الأهداف الرامية إلى ثني الحكومة الكردستانية على إجراء الاستفتاء ولكن دون جدوى تذكر مما مهد لقيام إجراءات جديدة ساهمت في تأكيد التعاون الثلاثي العراقي لتركي الإيراني , إذ قامت مناورات عسكرية بالقرب من الحدود وزيارات متبادلة لوفود عسكرية عراقية لكل من تركيا وإيران وأخرى تجارية .

إن تطابق الموقف مع تركيا انعكس على عمق العلاقات بين العراق وتركيا مما يعني تشجيع التعاون في مختلف القطاعات وخصوصاً العسكرية والاقتصادية وغيرها في ظل انفتاح الجانب العراقي على كل الدول .

من هذه الرؤية نخلص إلى نتائج لزيارة السيد العبادي لهذه الدول ومنها:

ا-إن الزيارة الأخيرة للسيد حيدر العبادي لكل من محيط العراق العربي والإقليمي يعني إيذانا بعودة الدور المأمول من العراق كي يلعبه في ظل توافر الإرادة الحقيقية والنية التي تعمل من خلالها السياسة العراقية إنما تعكس رغبة عراقية لتجاوز كل آثار الماضي والتطلع لثورة تنموية تعاونية في مختلف المجالات .

2-الرؤية الجديدة التي حملها السيد العبادي للبلدان الخمس هي تصورات مستقبلية للسياسة الخارجية العراقية وبالتالي تستشرف المستقبل لعلاقات المنطقة في ضوء تحولات إستراتيجية من حالة التصادم والصراع بين الدول إلى حالة الوفاق والتعاون .

3-استعادة الدور القيادي للعراق من خلال رفض سياسة المحاور والابتعاد عنها مما يعني عدم اصطفافه لمحور دون آخر وبما ينسجم مع تطلعات صناع القرار السياسي الخارجي العراقي.

4-الاستفادة القصوى من حالة الإجماع الإقليمي والدولي الرافضة لاقامة دولة كردية مما يعزز الوحدة الوطنية العراقية ومحاولات تقسيم العراق الرامية إلى إضعافه  وتهميش دوره.

5-انعكاس الانتصارات المتحققة للقوات العراقية على فلول تنظيم داعش الإرهابي كان لها أثرها الكبير على سمعة تلك القوات واعتبارها ضمانة أكيدة لوحدة الشعب العراقي.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى