الرئيسية / الشرق الأوسط / العراق ودول مجلس التعاون الخليجي: نحو إستراتيجية مستقبلية
العراق ودول مجلس التعاون الخليجي: نحو إستراتيجية مستقبلية
العراق

العراق ودول مجلس التعاون الخليجي: نحو إستراتيجية مستقبلية

اعداد : د. سليـم كاطـع علـي –رئيس قسم دراسات الازمات – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ــ جامعة بغداد

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يتحدد الإطار السياسي الخارجي لحركة الدولة في اطار علاقاتها الدولية عن طريق العلاقة التفاعلية بين ما هو ثابت من أهدافها, والمتغيرات الإقليمية والدولية بقصد الإسهام في الوسائل التي تعتمدها هذه الدولة من اجل تنفيذ مقوماتها الأساسية ضمن إطار توجهاتها السياسية. وهو ما يفترض انتهاج الدول للسلوك العقلاني والموضوعي من خلال إدراكها لطبيعة الاحداث والتطورات الجارية في الجوار الجغرافي، ومدى التأثير الذي يمكن ان يتركه ذلك على نفوذها ومكانتها في المنطقة، مع الاخذ بنظر الاعتبار امكانات وقدرات الدول في تحقيق اهدافها.

بمعنى أن الدول وهي تسعى لتطوير علاقاتها الخارجية, فإنها تعتمد في سبيل ذلك عدة وسائل وأدوات, تحاول من خلالها ترجمة الأهداف المخطط لها إلى واقع ملموس, وهذه الوسائل تتنوع وتتعدد بحسب طبيعة تلك الأهداف وأهميتها, وهي تختلف من دولة لأخرى حسب إمكانيات كل دولة وقدراتها, وتأتي في مقدمة تلك الوسائل ( الاقتصادية, السياسية, العسكرية، والأمنية)[1].

وفي ضوء ما تقدم، فان دراسة علاقات العراق مع دول مجلس التعاون الخليجي تكتنفها العديد من عناصر التعقيد والتشعب نظراً لطبيعتها المزدوجة التي تجمع بين عناصر التعاون وعناصر الصراع. فقبل دخول القوات العراقية للكويت في آب 1990 تميزت العلاقات بين الطرفين بالإنسجام والتناغم في المصالح المشتركة، إلا إن تداعيات تلك الأحداث أدت إلى إصابتها بالجمود والإنقطاع.

اما بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003،  فقد اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي تجاه العراق مواقف مترددة بدءاً من ظهور مجلس الحكم العراقي الإنتقالي، إلا إن ذلك لا يعني عدم منح الأولوية للأوضاع الداخلية في العراق بسبب إدراك الدول الخليجية إنه من الضروري مراقبة الوضع العراقي خوفاً من إنعكاس تلك الأوضاع مستقبلاً سواء سلباً أو إيجاباً على الأوضاع الداخلية فيها، إذ إن دول مجلس التعاون الخليجي كانت تخشى من أن تنتقل مظاهر الإنفلات الأمني وعدم الإستقرار التي تلت الاحتلال إلى دولها، مما يؤثر سلباً على أوضاعها الداخلية. فضلاً عن تداعيات ذلك الاحتلال والذي جعل من ايران قوة اقليمية تمتلك من التأثير والنفوذ الكبير في الساحة العراقية مقارنة بالدول الاخرى، إنطلاقاً من الامكانيات التأثيرية التي يمكن ان تمارسها ايران على بعض القوى والاحزاب السياسية العراقية[2].

وإنطلاقاً من إن مصالح الدول لا يمكنها أن تكون على الدوام متقاربة أو متباعدة مع الأطراف الأخرى، إذ يحدد ذلك مجموعة من المتغيرات السياسية السائدة، فضلاً عن العوامل الإقليمية والدولية المحيطة بتلك العلاقات. لذا يلاحظ إن العلاقات العراقية ـــ الخليجية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق إنها أخذت تتسم بالتقارب والإنفتاح إنطلاقاً من طبيعة المصالح المتبادلة بين الطرفين.

ومهما تكن تلك المصالح التي تجمع بين الطرفين، فإن دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى الساحة العراقية ترك أثراً فاعلاً في طبيعة تلك العلاقات، ولا سيما في جانب الدول الخليجية، إذ إنه أعطى رسالة واضحة إلى دول مجلس التعاون الخليجي مفادها: أهمية منح العلاقات مع العراق درجة عالية من الأهمية والنضوج لإعتبارات عدة لعل في مقدمتها: لكي تكون هذه الدول قريبة من الخريطة السياسية العراقية لتفهم إرهاصاتها والتي يمكن أن تصيب الجسد السياسي الخليجي، فضلاً عن إتاحة المجال أمام القطاع الخاص الخليجي للدخول من البوابة الاقتصادية في العراق.

وهنا لا بد من الاشارة الى أن دراسة مستقبل أي ظاهرة سياسية أو مشكلةما يتطلب رؤية علمية موضوعية وشفافة لما هو واقع في تلك الظاهرة، والبيئة التي تعيش في أحضانها، ناهيك عن تأشير حدود حركتها الدولية، ومسارات تفاعلاتها الاقليمية والدولية. فالدول  يجب ان تهتم بالنظر الى المستقبل ليس لأسباب تتعلق بممارسة نوع من الترف الفكري أو لقياس مدى تأثير الاحتمالات المستقبلية على النظام السياسي من حيث بقاءه أو اندثاره  فحسب، وإنما تسعى الدول التي تبحث عن تحقيق مصالحها القومية أن تستكشف أو تضع صورة تقريبية لما سيكون عليه المستقبل المنظور، ووضع البدائل لنمط حركتها الدولية، ومجابهة التحديات التي تحد من حركتها الخارجية.

لقد حالت وعلى مدى عقود من الزمن العديد من الاسباب الذاتية والموضوعية دون بناء علاقات وثيقة بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم منكون العراق بلد خليجي الانتماء جغرافياً وتاريخياً، إلا ان طبيعة التحديات والتهديدات التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط عموماً والخليج العربي على وجه الخصوص يؤكد على ضرورةإعادة الثقة المتبادلة وتطور العلاقات العراقية ـــ الخليجية كونها تعود بالفائدة والمصلحة على الجميع، وان هذه العلاقات تستمد قوتها من معطيات ثابتة لعل في مقدمتها الجغرافيا والتاريخ والعلاقات الاجتماعية ووحدة الحضارة والانتماء، مما يعني الحاجة الى مراجعة موضوعية لتلك العلاقات وتحويلها الى علاقات مثمرة ومتطورة.

ولعل الوصول الى تلك القناعة يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي إدراكأن العراق يشكل محور جيوسياسي مهم وفعال على الصعيد العربي والاسلامي والاقليمي ويلقي بظلاله على معادلة التوازن الدولي وتوازن المصالح ويشكل همزة الوصل السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية بين أوربا والخليج العربي[3]،وهو حجر الزاوية في الجسد العربي ويفترض من دول المجلس أن تتعامل مع الملف العراقي وفق تلك الحقائق والمعطيات.

واستناداً الى هذا الثقل الاستراتيجي الذي يحتله العراق فان الحاجة الى خلق توافق عراقي ـــ خليجي حول متطلبات وشروط الأمن الإقليمي تبدو حاجة ملحة وضرورية. غير إن ذلك التوافق قد لا يقود إلى نوع من التحالفات أو عقد معاهدة للأمن الجماعي، نظراً لظروف المنطقة وخصوصية بنيتها السياسية، لذلك فإن النظرة الأكثر واقعية هي بإتجاه خلق قواسم مشتركة بين الأطراف كافة بحيث تقود إلى بناء علاقات تقوم على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وصولاً إلى دمج العراق في محيطه والقبول به كطرف في معادلات الأمن والتعاون الخليجي مستقبلاً.

ولاشك فان حرص دول مجلس التعاون الخليجي على العراق ووحدته، والحفاظ على كينونته، يمكن أن تشكل حافزاً نحو تطوير مجالات العلاقات مع العراق في المجالات السياسية، والاقتصادية، والمجتمعية، وقد يكون التعامل (البراغماتي) الخليجي مع المشهد السياسي العراقي الجديد هو السبيل لوضع لمسات تعاونية مع العراق لأنهاقد تسهل عملية تواجدها الاقتصادي، وتنمي استثماراتها في العراق انطلاقاً من تغليب المصلحة القومية الخليجية في المجال الاقتصادي وهي القناة الامثل لصيغة التعاون مع العراق، وقد تراعي دول المجلس التداعيات المحتملة عليها بحيث تبدو فرصة ميلها لوضع هذا التطور حافزاً لها لتجنب تلك التداعيات لإجراء بعض التعديلات الداخلية فيها ولاسيما في المجالات السياسية والبرلمانية تتناغم مع ما ظهر في العراق من تطورات سياسية داخلية بعد الاحتلال الامريكي.

ومما يعزز هذا التوجه، تبني السياسة الخارجية السعودية في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز لمبدأ التقارب مع العراق، والذي جاء متزامناً مع توجهات الحكومة العراقية الجديدة في تبني سياسة الانفتاح على دول الجوار، والتأكيد على إعادة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية. وهو ما أثمر بالنتيجة الى تأسيس المجلس التنسيقي المشترك بين البلدين خلال زيارة رئيس الوزراء العرقي الدكتور حيدر العبادي الى المملكة العربية السعودية في اكتوبر 2017 ليكون المحطة الاولى في تطور وتنامي العلاقات العراقية ـــ السعودية بعد فترة طويلة من التوتر وغياب الثقة بين الطرفين. وهو ما يعني بالمحصلة النهائية إنفتاح الدول العربية الاخرى ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي على العراق، استناداً لسياسة مصلحية (نفعية) بالدرجة الاساس تضع المصالح في مقدمة الاولويات وبعيداً عن العواطف والايديولوجيات السائدة، التي لن تحقق سوى التباعد والاختلاف وغياب التوافق والثقة بين الاطراف كافة.

وما تقدم، نخلص الى ان العراق بموقعه الجغرافي المهم، ولعمقه التاريخي الممتد عبر العصور والازمان، فضلاً عن مقومات القوة التي يمتلكها وعلى مختلف الصُعد يُعد عنصراً فاعلاً في كافة التفاعلات الاقليمية والدولية، الامر الذي يستوجب إبراز دور العراق المؤثر في النطاق الاقليمي وتعزيز مكانته بوصفه عاملاُ موازناً في المنطقة، بدلاً من محاولة تحجيم دوره والحيلولة دون تقدمه، مما يرتب على الدول الاقليمية ولاسيما دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ضرورة الحفاظ على مكانة العراق ووحدته وإستقراره واستمرارية دوره في المنطقة والعمل على تجاوز آثار الماضي والتخطيط نحو المستقبل وفقاً لمنطق العقل والحكمة والمصالح المتحققة من التقارب مع العراق، ولا شك فان ذلك يعتمد بالدرجة الاساس على مدى توفر الارادة السياسية الخليجية للسير بهذا الطريق وصولاً الى تفعيل المصالح المشتركة بين العراق ودول المجلس.

[1]د. سليم كاطع علي، التنافس الامريكي ـــ الصيني تجاه قارة افريقيا بعد الحرب الباردة: السودان إنموذجاً، الطبعة الاولى، عمان ـــ الاردن، دار أمجد للنشر والتوزيع، 2017، ص 169.

[2]Stephen Biddle, MichaelO’Hanlon and other, Restoring The Balance, Brooking Institution, Council on Foreign Relations, Washington,D,C,U.S.A, 2008, P. 33.

[3]مجموعة باحثين، محمد بدري عيد ـــ جمال عبد الله، الخليج في سياق إستراتيجي متغير، الطبعة الاولى، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون ـــ مركز الجزيرة للدراسات، 2014، ص ص 189ـــ 190.

المصدر: مجلة اتجاهات سياسية – العدد الأول ديسمبر – كانون الأول – سنة “2017” احدى اصدرات

المركز الديمقراطي العربي

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى