الرئيسية / الشرق الأوسط / الأزمة الكردية وأثرها في العلاقات التركية – العراقية
الأزمة الكردية وأثرها في العلاقات التركية – العراقية
العراق - كردستان

الأزمة الكردية وأثرها في العلاقات التركية – العراقية

اعداد: سيدي محمد حيماد – باحث في العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية

  • المركز الديمقراطي العربي

                                      

احتلت القضية الكردية في منطقة الشرق الأوسط مكانة كبيرة حيث أن لها جذور تاريخية تتمثل في حق الشعب الكردي في العيش على وطنه أمنا كقومية متميزة الملامح والخصائص واللغة كقضية سياسية فإن لها أبعاد إقليمية داخل أكثر من دولة، و ظهرت تلك الأبعاد نتيجة الحرب العالمية الأولى بعد سقوط الخلافة العثمانية وتفكيك دولة الخلافة إلى دول قومية تفصلها حدود جغرافية مصطنعة.

اكتسبت القضية الكردية في العراق أهمية خاصة تتعدى حدود العراق كدولة وخاصة منطقة كردستان العراق التي لها أهمية جيوسياسية وإستراتيجية واقتصادية كبيرة خاصة بوجود النفط في تلك المنطقة، وإضافة إلى كونها كقضية تشكل نزاعا داخليا في دول الحدود مع العراق(تركيا-إيران) . وبالنظر إلى العلاقة بين تركيا والعراق نجد أن تركيا لها مصالح وثوابت في شمال العراق، تتمثل في الحيلولة دون انفصال شمال العراق، وتكوين دولة كردية مستقلة، والحيلولة دون سيطرة اكراد العراق على مدينة كركوك النفطية وعدم المساس بالأقلية التركمانيةفي شمال العراق، وكذلك محاربة حزب العمال الكردستاني.

تمثل المسألة الكردية هاجسا أمنيا وسياسيا واجتماعيا متصاعداً لغالبية الحكومات التركية المتعاقبة، وتمثل العراق أهمية كبيرة في هذه المسألة بالنسبة لتركيا، وذلك لأكثر من سبب أهمها وجود حزب العمال الكردستاني الذي يسبب تهديد لأمن تركيا في المنطقة، بالإضافة وجود التركمان(حوالي مليوني نسمة) في مدينتي الموصل وكركوك الذين تهتم بهم تركيا بحكم إنتمائهم العرقي لها، حيث تعتبرهم أنقرة امتداد طبيعيا لها، كما يطلق تركمان العراق على تركيا الوطن الأم.

ماهي طبيعة العلاقات التركية العراقية؟ وما مدى تأثير الأزمة الكردية فيها ؟

العلاقات العراقية التركية : قدر الجغرافية.. ومزاجية السياسة

ارتبط الشعبين التركي والعراقي بروابط دينية وسياسية و اقتصادية منذ حقبة زمنية ليست بالقصيرة، ولم تستطيع المؤثرات السياسية الخارجية خارج المنطقة الجغرافية النيل منها.وقد تطورت العلاقات العراقية التركية في نهاية الستينات من القرن الماضي، وكان من نتائجها انشاء انابيب للنفط في سبعينيات القرن الماضي،  ادت الى تنمية العلاقات بينهما في المجال السياسي و الاقتصادي، وكانت هذه الانابيب من جانب اخر تدر على  الاتراك منافع اقتصادية هائلة.

تستند السياسة الخارجية االتركية على عدة منطلقات نظرية لعل من أبرزها تطبيق شعار مصطفى كمال أتاتورك الذي يتمثل في “السلم في الداخل والسلم في الخارج”، وقد كان للعراق نصيب من هذا الشعار كما هو حال باقي الأقطار العربية، إعمالا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحفاظا على مصالح الأمن القومي العربي.

نظرت الاقطار العربية إلى تركيا بعين الريبة والشك؛ بسبب أن تركيا كانت تخدم الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي. إلا أن بعض المتغيرات طرأت على السياسة الخارجية التركية بسبب الأزمة القبرصية والعضوية في السوق الأوبية المشتركة ..، كل هذه العوامل دفعت الأتراك إلى إعادة النظر في سياستهم الخارجية تجاه الغرب وبالتالي التقرب من الأقطار العربية وبصورة خاصة العراق وأقطار الخليج العربي.

تقوم السياسة الخارجية التركية تجاه العراق على ركيزتين أساسيتين:

الأمن الجيوسياسي : تعتبر الحكومة التركية الحفاظ على وحدة العراق ثابتا من ثوابت الأمن القومي للبلاد؛ ذلك  أن تقسيمه من الممكن أن يفتح الباب واسعا أمام تقسيمات أخرى في المنطقة قد لا تستثني تركيا نفسها؛ خاصة إذا تم رسم هذا الانقسام على الخط الكردي في المنطقة بالإضافة إلى مصير كركوك والعنصر التركماني.

الأمن الاقتصادي: استقرار العراق بالنسبة إلى أنقرة مكسب استراتيجي على الصعيد السياسي والاقتصادي، وعلى صعيد الاستثمار وأمن الطاقة؛ وذلك نظرا إلى ما يملكه الطرفان من مقومات تساعد على تحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدين؛ فالعراق بحاجة إلى عمل هائل في البنية التحتية بعشرات مليارات الدولارات، وتركيا تمتلك قطاع مقاولات ضخما، وتحتل المرتبة الثنية في العالم بعد الصين بالنسبة إلى قطاع الإنشاءات، ناهيك عن قطاع خاص حيوي يمكنه أن يساهم بشكل فعال في مساعدة العراق بما يعود بالنفع على تركيا أيضا.

كما أن عراقا مستقرا ومزدهرا يعني الإسهام في تحقيق أمن الطاقة التركي، وارتفاع في دخل الفرد العراقي؛ مما يعني بدوره المزيد من الاستهلاك للبلد الذي يشكل ثاني أكبر سوق للصادرات التركية بعد ألمانيا؛ مما يؤهل العراق لأن يصبح أكبر شريك تجاري لأنقرة مستقبلا، وأن يتضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين بسهولة مرتين أو ثلاثا خلال عشر سنوات.

والمفارقة أنه في الوقت الذي كانت العلاقات السياسية بين البلدين تتدهور، فإن العلاقات الاقتصادية والتجارية و الاستثمارية بين البلدين بلغت أوجها؛ علما بأن الجانب الأكبر منها كان يتم بين تركيا و اقليم كردستان العراق.

الأزمة الكردية  ومستقبل العلاقات العراقية التركية

تعد قضية الأكراد عنصراً مهما لطالما حدد طبيعة و مدى العلاقة القائمة بين العراق وتركيا منذ تأسيس الدولة العراقية 1921 وظهور الدولة الكمالية .

مما لا شك فيه أن للسياسة الخارجية التركية انعكاسات على الأمن القومي العراقي، فالعراق يتأثر ويؤثر من خلال علاقاته الخارجية بالدول الإقليمية، كما أن السياسة الخارجية التركية تلعب دوراً مهما ومؤثراً على العراق من عدة جوانب سياسية واقتصادية وأمنية، وعليه فإن أمن العراق يتأثر بشكل أو بأخر بحركة هذه السياسة؛ ذلك لأن السياسة الخارجية التركية لها أهداف قد تتقاطع مع مصالح العراق بهذا القدر أو ذاك.

إلى حدود الساعة هناك تنسيق متكامل وعلى جميع الأصعدة بين الحكومة التركية ونظيرتها العراقية فيما يتعلق بالتعاطي مع الملف الكردي في إقليم كردستان العراق، إذ تسعى حكومة العبادي الى تقوية موقفها الضعيف في مواجهة استفتاء انفصال اقليم كردستان العراق، بالاستناد على دعم دول الجوار وعلى رأسهم تركيا التي ترفض فكرة إنشاء دولة كردية على الإطلاق.مخافة تحريك النزعات العرقية بالداخل التركي.

يعلم صانعي القرار في انقرة ان الرهان على الحكومة العراقية في كبح جماح الاكراد المتطلعين الى الاستقلال ،هو رهان فاشل وضعيف؛ بالنظر إلى افتقار الحكومة العراقية إلى سلطة حقيقية، وإلى ضيق أفق وخيارات الساسة العراقيين،  نظرا للنفوذ الامريكي والإيراني في البلاد.

لكن، ما يمكن أن يهون من رد فعل الدولة التركية تجاه تهاون أو استسلام الحكومة العراقية للمشروع الكردي هو تدخل الولايات المتحدة الأمريكية؛ بالنظر لأهمية العلاقة التي تجمع البلدين، وما لهذه العلاقة من تأثير لتحقيق حلم تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فالسياسة التركية تعمل بالاتجاه الذي يجعل هذا الحلم حقيقة من خلالا توظيفها لعلاقاتها مع دول الإتحاد الأوروبي، فضلا عن الدور الأمريكي الداعم لها في هذا المجال، وكذلك دور تركيا الفاعل في حلف شمال الأطلسي، وذلك لادراك تركيا من أنها لن تتمكن بمفردها أن تتماشى مع متطلبات التحولات التقنية والمعرفية ما لم تتكتل مع قريناتها في التوجهات أو المصالح المشتركة.

غير أن الإدارة الامريكية تسير وبخطى ثابتة نحو احقاق وطن للقومية الكردية، و تعمل على توفير الأجواء و الشروط المواتية لإعلانه، حتى لو تطلب الأمر عقد صفقة مع القوى الإقليمية المعارضة للمشروع الكردي. وحتى ندفع بالتحليل إلى الأمام، يمكن القول أن أزمة التأشيرات بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ليست محض صدفة على الأقل من حيث التوقيت، كما أن حديث الإدارة الأمريكية عن رفض الاتفاق النووي مع إيران والرغبة المتزايدة في إلغائه أو تعديله، ليس محض صدفة أيضا، بقدر ماهي أوراق ضغط وأرانب سباق للضغط على القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة والرافضة للمشروع الكردي.

لقد كانت تركيا أكثر الدول المتضررة من الحرب الأمريكية على العراق؛  إذ وضعت تركيا أمام تحدي رئيسي وهو كيفية التوفيق والحفاظ على المصالح السياسية التركية وإرضاء الحليف الأمريكي لهذا السبب شكل الغزو الأمريكي للعراق واحداً من أكبر التحديات التي واجهت تركيا خلال النصف قرن الماضية وكان على رأس هذه التحديات هو الوضع في شمال العراق بعد الاحتلال . لهذا كانت تركيا أكبر الخاسرين في تلك الحرب وتدهورت اعلاقات مع الولايات المتحدة بشكل كبير، وهو ما أعطى فرضة ذهبية لأكراد العراق بفضل الدعم والمساندة الأمريكية من الحصول على العديد من المكاسب السياسية الكبيرة في عراق ما بعد صدام حسين، بل أصبح الأكراد الحليف الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية في العراق الذي تعتمد عليه لموازنة الأطراف والفصائل السياسية الأخرى وخاصة الشيعة.

إن مشروع قيام دولة كردية هو خيار ثابت في العقيدة السياسية الامريكية، وبذلك تكون الورقة الكردية شرارة بداية طبع خرائط سايكس –بيكو الجديدة في الشرق الاوسط.

المصدر: مجلة اتجاهات سياسية – العدد الأول ديسمبر – كانون الأول – سنة “2017” احدى اصدرات

المركز الديمقراطي العربي

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى