الرئيسية / الشرق الأوسط / مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية في ضوء الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران
مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية في ضوء الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران
ايران - امريكا

مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية في ضوء الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران

إعداد: أ . منصور أبو كريم – كاتب وباحث سياسي فلسطيني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يكتسب موضوع  الاستراتيجية الامريكية تجاه إيران في ظل حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهمية كبيرة في ظل المواقف المتشددة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران قبل وبعد فوزه في الانتخابات الأمريكية وذلك كون أن إيران تعُد قوة اقليمية كانت ولا زالت تسعى إلى بسط نفوذها في المنطقة، وتزداد أهمية دراسة مستقبل العلاقة بين البلدين في ضوء الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران لمعرفة الأدوات والأساليب التي يمكن أن تسلكها إدارة ترامب في التعامل مع إيران والبرنامج النووي الإيراني، في ظل الحديث المتكرر عن قرب إلغاء ترامب الاتفاق النووي مع إيران من طرف واحد. وسوف نحاول في هذه الورقة تسليط الضوء على مستقبل العلاقة بين البلدين والاستراتيجية الأمريكية الجديدة للتعامل مع إيران خلال فترة حكم ترامب الأولى، والتداعيات المحتملة لهذه الاستراتيجية والسيناريوهات المتوقعة للعلاقات الأمريكية الإيرانية.

أولاً: استراتيجية إدارة ترامب للتعامل مع إيران

تسعي الولايات المتحدة الأمريكية لمحاولة حفظ توازن القوى في منطقة  الشرق الأوسط منعا لأي صدام أو حرب بين دول المنطقة لضمان الحفاظ على مصالحها واستمرار حركة التجارة الدولية، الأمر الذي جعل واشنطن تستشعر خطر بروز الدور الإيراني القوى والفاعل في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، فمنذ نهاية الحرب العراقية والإيرانية برز الدور المتصاعد لإيران في المنطقة إذ أصبحت إيران قوة إقليمية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط لما تمتلكه من قدرات سياسية واقتصادية تحاول توظيفها في بسط نفوذها الإقليمي معتمدة على الجانب المذهبي والامكانيات المادية التي تمتلكها.

ومنذ دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض برزت اتجاهات أمريكية خليجية لتحجيم الدور الإيراني في المنطقة إلى ابعد حدود، عبر تشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية على إيران، من خلال  اتهام إيران بدعم وتمويل الجماعات الإرهابية والمساهمة في زعزعة استقرار دول الخليج، فقد عبر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن رفضه لسياسة إيران الإقليمية متهماً إياها خلال قمة الرياض بدعم وتمويل الجماعات الإرهابية في سورية ولبنان واليمن، موقف ترامب هذا تجاه إيران أكده وزير خارجيته “ريكس تيلرسون” مؤكداً إن الولايات المتحدة تنسق الجهود لمواجهة طموحات إيران التوسعية في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، وشدد على أن الصفقات الدفاعية الأمريكية والاتفاقيات مع السعودية ودول الخليج ستمكنها من التصدي للنفوذ الإيراني والإرهاب، مشيرًا إلى أن واشنطن ستعمل على تعزيز التعاون الدفاعي مع السعودية تنفيذا للرؤية الاستراتيجية من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة.

ملامح الاستراتيجية الامريكية:

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران يمكن تحديد ملامحها في أولاً: الوقوف الأمريكي أمام المحاولات الإيرانية لدفع منطقة الشرق الأوسط لحالة عدم الاستقرار والسيطرة عليها، فإيران من وجهة النظر الأمريكية أصبحت تمثل خطرًا على المنطقة وتهدد استقرار العديد من الدول المنطقة مثل وتدعم تنظيمات إرهابية مصنفة على قوائم وزارة الخارجية الأمريكية، ثانياً: إعادة النظر في الاتفاق النووي مع إيران لأنه اتفاق كارثي، على حد وصف “ترامب”، فلابد من إلغاء الاتفاق أو إعادة النظر فيه مرة أخرى لتعديله لأنه لا يمثل المصالح الأمريكية ويضر بأمن ومصالح إسرائيل بشكل مباشر، مع ضرورة حرمان إيران من أي وسيلة تقودها لامتلاك السلاح النووي([1]). ثالثاً: محاربة تمويل “الإرهاب” عبر فرض مزيد من العقوبات ومعالجة مسألة انتشار الصواريخ الباليستية والأسلحة التي قال عنها  الرئيس ترامب إنها “تهدد الجيران والتجارة العالمية وحرية الملاحة”، بالإضافة للعمل مع الحلفاء وتفعيل التحالفات التقليدية والإقليمية لمواجهة النشاط الإيراني في المنطقة وتحييده([2]). وتأتي الاستراتيجية الأمريكية الجديدة كمقدمة تمهيدية  للعودة عن الاستدارة الأمريكية نحو جنوب شرق آسيا، وهي الاستراتيجية التي أقرها الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” مطلع عام 2012م، والتي تبنى فيها سياسة الانسحاب الجزئي من المنطقة التي ساهمت في التمدد الإيراني من جهة وانتشار الجماعات الإرهابية من جهة أخرى، لذلك تعمل إدارة ترامب على تلافيها خلال الولاية الأولى لترامب.

ثانياً: تداعيات الاستراتيجية الامريكية تجاه إيران على المنطقة

الموقف الأمريكي الجديد من إيران قد يقود منطقة الشرق الأوسط لمزيد من التوتر السياسي والأمني خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من حالة صراع سياسي وطائفي بين السعودية وإيران، بالإضافة للتحولات الاستراتيجية سواء في علاقة الدول العربية مع بعضها البعض، أو في علاقة الدول العربية مع الأطراف الإقليمية الفاعلة، مع زيادة التوترات الناجمة عن انتشار الجماعات المسلحة والتواجد الدولي المكثف في هذه المنطقة في إطار الحرب على الإرهاب التي سمحت لمعظم الدول بتشريع  تواجدها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، ويمكن لنا تحديد أهم التداعيات المحتملة لاستراتيجية الولايات المتحدة  الجديدة تجاه إيران والمنطقة في النقاط التالية:

 صفقات اقتصادية وعسكرية مع دول المنطقة

تسعى الولايات المتحدة الأمريكي للاستفادة من التناقضات والصرعات الموجودة في المنطقة بهدف عقد المزيد من الصفقات الاقتصادية أو العسكرية، وهذا ما حدث خلال الأزمة الخليجية، فقد وقعت الولايات المتحدة الأمريكية عقود تجارية وعسكرية مع السعودية وقطر، ما يؤكد رغبة واشتطن استغلال حالة الصراع على النفوذ بين دول الخليج وإيران لضمان مصالحها، والنهوض بالاقتصاد الأمريكي على حساب المنطقة.

تصفية القضية الفلسطينية

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية الى تسخين ملفات المنطقة، عبر تقوية الموقف العربي ظاهرياً في مواجهة إيران لضمان ربط العرب في السياسة الأمريكية على المدى القريب والبعيد، باعتبارها الضامن لأمن واستقرار دول الخليج  عبر استخدام  “الفزاعة الإيرانية” لضمان سير العرب ضمن توجهات السياسة الخارجية الأمريكية التي تسعى من خلال لضمان مصالحها الاستراتيجية، وتصفية القضية الفلسطينية عبر فرض حلول جزئية أو حلول إقليمية تساهم فيها الدول العربية بالأراضي والمواقف السياسية لإنهاء القضية الفلسطينية عبر الحل الإقليمي.

استعادة ظاهرية للعلاقة مع الحلفاء التقليديين

التطلعات الامريكية الجديدة تقوم على أساس استعادة ظاهرية لعلاقاتها السابقة مع الحلفاء التقليديين، وفي مقدمتهم  إسرائيل والدول العربية التقليدية مثل مصر والسعودية والأمارات، عبر إقامة تحالف عربي إسرائيلي لمواجهة الجماعات الإرهابية وإيران، الاستهداف الأمريكي لإيران في ظل الادارة الامريكية الجديدة واضح عبّر عنهُ الرئيس ترامب ووزير خارجيته ووزير الدفاع “جيمس ماتيس” اذ يعد الاخير من أكثر المتشددين ضد ايران وتوجهاتها في المنطقة، وهو ما يقود لتداعيات خطيرة على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، خاصة أن إيران تمتلك أدوات كثيرة في المنطقة وتستطيع تحريكها، بمقابل ستتعامل إيران بمنطق الضحية من قبل المجتمع الدولي وستزيد من تجاربها النووية وتخصيبها لليورانيوم وهذا يمكن أن يؤدي لزيارة التوتر في المنطقة.

ثالثاً: سيناريوهات العلاقة الأمريكية الإيرانية

دخلت العلاقات الامريكية الإيرانية مرحلة جديدة مع دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض، بما يحمل من توجهات سياسية تجاه إيران، الأمر الذي سينعكس بكل تأكيد على مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية خاصة عقب زيارة الرئيس ترامب للرياض وعقده اجتماعات مكثفة مع الدول العربية والإسلامية في غياب طهران، ويمكن وضع مجموعة من السيناريوهات والمقاربات لمستقبل العلاقة بين البلدين في ضوء المواقف والرؤية الأمريكية الجديدة للتعامل مع إيران، وفق السيناريوهات التالية:

سيناريو الصدام

قد تتجه العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى التصعيد في حالة قيام واشنطن بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران من طرف واحد؛ وهو أمر محتمل الحصول في ضوء المواقف والتصريحات الأمريكية الأخيرة تجاه طهران، التي أكد خلالها الرئيس ترامب فرض عقوبات اقتصادية جديدة على طهران ووضع الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب الدولي، فالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي مع طهران، يمكن أن يعقد العلاقة رغم أن هذا الانسحاب لا يبيح لأمريكا انهاء الصفقة،  خاصة إذا كان لا يتوافق مع تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلاً عن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، أعضاء مجموعة 5+1، وهو ما يضعف الموقف الأمريكي في مواجهة إيران.

لكن إلغاء الاتفاق من طرف واحد وتشديد العقوبات الاقتصادية على إيران من قبل واشنطن يمكن أن يؤدي لتوتير الأجواء وتعقيد الموقف وتصعيد الأمور بين البلدين وصولاً لحالة الصدام العسكري خاصة إن المنطقة تشهد تواجد العديد من القطع العسكرية الأمريكية، ورغم صعوبة تحقيق هذا السيناريو لعدم رغبة البلدين للجوء للخيار العسكري إلا أنه يظل خيار قائم ومتوقع في حالة استمرار إيران في إجراء تجارب على الصواريخ البالستية، وعدم التجاوب بشكل كامل مع مفتشين الوكالة الدولية للطاقة النووية من جانب، وفي ظل استمرار التصريحات والمواقف الأمريكية المدعومة من اللوبي اليهودي في أمريكا وإسرائيل من جانب آخر، وهنا يمكن أن تستغل إسرائيل المواقف المتشددة لإدارة ترامب تجاه إيران وتقوم بعمل عسكري مفاجئ تضع الجميع من خلاله أمام الخيار العسكري، لكن إسرائيل تدرك جيداً حجم المساحة المسموح لها باللعب فيها في هذا الملف، وتدرك أيضا العواقب المترتبة على هذا العمل سياسياً وعسكرياً.

سيناريو الحرب الباردة

بغض النظر عن إلغاء الولايات المتحدة الأمريكية الاتفاق النووي مع إيران أو الإبقاء عليه، إلا أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة جديدة مختلفة تماماً عن مرحلة أوباما التي تحسنت فيها العلاقة بين البلدين بشكل ملحوظ، ويقوم هذا السيناريو على فرضية استمرار الخلافات بين البلدين في إطار “الحرب الباردة” خلال فترة حكم ترامب الأولى، مع صعوبة الوصول لتفاهات أو تصعيد الأمور وصولاً لحالة الصدام العسكري، وهو ما يعني المراوحة في المكان، مع تصعيد لفظي في حدة التصريحات الأمريكية تجاه إيران مع تشديد للعقوبات الاقتصادية دون اللجوء للصدام المسلح، وهو السيناريو المرجح منو جهة نظر الكاتب؛ وذلك لعدم رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بفتح مواجهة عسكرية مع إيران، لأن ذلك سوف يكون مكلفاً سياسياً وعسكرياً، خاصة أن واشنطن لا تريد تكرار تجربة العراق الفاشلة.

سيناريو تحسن العلاقات

تحسن العلاقة الأمريكية الإيرانية أمر غير مستبعد خاصة أن واشنطن تضع في محدداتها تجاه المنطقة الحفاظ على مصالحها دون تحمل تكاليف كبيرة ترهق الاقتصاد الأمريكي المتراجع، وبالتالي ليس من المستبعد تحسن العلاقات الأمريكية الإيرانية، ولكن ذلك يتطلب اتخاذ طهران مواقف غير متعارضة مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة، مثل توقف إيران عن دعم الجماعات المسلحة، والتجاوب مع مفتشي الوكالة الدولية بشكل كامل وتوقف برامج تطوير الصواريخ البالستية، ودعم توجهات واشنطن في إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وبالتالي تحسن العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال فترة حكم ترامب أمر غير مستبعد، خاصة أن هذه العلاقة قد تحسنت بشكل ملحوظ خلال فترة الرئيس الأمريكي السابق أوباما، لكن ذلك يحتاج لكثير من المواقف الإيرانية الغير متوفرة في الوقت الحالي.

الخاتمة:

تسير الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها تجاه المنطقة في ظل حكم ترامب في اتجاهين الأول يتجه نحو إعادة صياغة مصالحها الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، عقب فترة شهدت انسحاب جزئي منها خلال فترة حكم الرئيس أوباما، مما تطلب عودة قوية للدور الأمريكي القوي والفعال للتصدي للدور الإيراني المتعاظم الذي أصبح يشكل خطرًا على مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة الأمر الذي يعني أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تسير نحو التصعيد الجزئي في إطار سيناريو الحرب الباردة، الاتجاه الثاني هو محاولة الولايات المتحدة الأمريكية استخدام الورقة الإيرانية كفزاعة لدول الخليج لضامن بقاء هذه الدول ضمن المنظومة الأمريكية، بما يساهم في تنفيذ الرؤية الأمريكية الجديدة، القائمة على استنزاف موارد المنطقة وحفظ أمن إسرائيل وتصفية القضية الفلسطينية عبر الحل الإقليمي، مع ضرورة ضبط السلوك الإيراني بما يتوافق مع الرؤية الأمريكية الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط، وهذا يتطلب منها كعرب ومسلمين استخلاص الدرس عبر فتح حوار عربي إيران للتفاهم حول القضايا الخلافية، مع التأكيد أن الصراع الإقليمي حقق فائدة عظيمة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

[1] سليمان، يمني، توجهات السياسة الخارجية عند دونالد ترامب، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2016م

[2] عنبري، صابر، استراتيجية ترامب في مواجهة إيران.. الشكل والمضمون، الجزيرة نت، بتاريخ 15/10/2017، على الرابط التالي: https://goo.gl/JRHCkB

المصدر: مجلة اتجاهات سياسية – العدد الأول ديسمبر – كانون الأول – سنة “2017” احدى اصدرات

المركز الديمقراطي العربي

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى