الرئيسية / تقارير / صفقة القرن في ميزان مقترحات التسوية بعد هزيمة “1967”
صفقة القرن في ميزان مقترحات التسوية بعد هزيمة “1967”
صفقة القرن في ميزان مقترحات التسوية بعد هزيمة "1967"

صفقة القرن في ميزان مقترحات التسوية بعد هزيمة “1967”

اعداد: السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر

عضو الهيئة الأستشارية – المركز الديمقراطي العربي

مقدمة:

لا تتوفر وثيقة مُعلنة عن ما يُسمي بصفقة القرن , والإعلان الرسمي الوحيد عنها كان إعلاناً صوتياً , إذ حدث في زيارة الرئيس المصري لواشنطن منذ أشهر قليلة أن أعلن وبدون مُقدمات منطقية عن أنه يدعم وبحماس الرئيس الأمريكي Donald Trump في خطته بالنسبة للقضية الفلسطينية ثم وبعد أن أثير الكثير من اللغط حول هذه الخطة وتردد أنها تتضمن تنازل مصر عن جزء متاخم لقطاع غزة بشمال شبه جزيرة سيناء لتوطين الفلسطينيين فيها , نشر موقع البوابة في الأول من أكتوبر 2017 تصريحاً أدلي به وزير الخارجية المصري قال فيه ” إن صفقة القرن لا تعني التنازل عن أية أراضٍ مصرية، وما أثير حولها “تفسيرات خاطئة هدفها الجدال واللغط , ولا يمكن للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وهو قائد للقوات المسلحة أن يتخلى عن ذرة من تراب الوطن , فالأرض دُفع ثمن باهظ لتحريرها على المستوى العسكري والقانوني والدبلوماسي ولابد أن نزيل اللغط في هذا الأمر , فما طرحه الرئيس السيسي أن حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة والوصول لحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يعد إنجازاً ضخماً على مستوى العالم ، وبالتالي يمكن وصفه بقضية القرن ” مع العلم أن الرئيس المصري لم يطرح شيئاً مُحدداً لحل القضية , ومع كل ذلك فلا يجد المرء هذه الخطة بصفة مُستندية مُعلنة , إلا أنها تُطرح في وسائل الإعلام علي إختلافها وكأنها شظايا متناثرة .  

في ضوء ما تقدم فلا يُعرف علي أي من الوجوه إلي أي منهج تسوية تنتمي صفقة القرن تلك , هل هو المنهج الأمريكي أم الإسرائيلي أم العربي ؟ ذلك أنه من المُستبعد تماماً أن يكون المنهج الفلسطيني هو مصدر تلك الخطة التي قُدمت علي أنها خطة أو صفقة القرن , تتجاوز الخطط السابقة عليها , لكن الملاحظة المبدئية في هذا الشأن والتي قد تشي بالأساس المنهجي لها أنها قُدمت بلسان الرئيس المصري عندما إلتقي به الرئيس الأمريكي بالبيت الأبيض في 3 أبريل 2017 حيث قال الأول مُوجهاً كلامه للرئيس الأمريكي وللإعلام بقوله ما نصه “ستجدنى بكل قوة ووضوح داعماً لأى مساع لإيجاد حل للقضية الفلسطينية فى (صفقة القرن) ، ومتأكد أنك تستطيع أن تحلها ” ، ورد الرئيس Trump قائلاً: ” سنفعل ذلك سوياً ، سنحارب الإرهاب سوياً وستمتد صداقتنا طويلاً ” . إذن هي صفقة Deal وليست خطة Plan أو مبادرة Initiative , وهذا يعني أن أساسها المنهجي تجاري يأخذ أسلوب القايضة أو المقاصة أو له صلة ما بذلك , كما أنها قُدمت كما لو كانت القضية وقد أصبحت سلعة تامة الصنع Ultimate Productبمعني أنها معروضة للبيع وليس للتفاوض بشأن جودتها أو وفاءها بإحتياجات المُشتري النهائي الذي عليه إما أن يشتريها هكذا أو يرفضها .

للإقتراب والتعرف من أقرب نقطة ممكنة علي الملامح التي قد تتميز بها هذه الصفقة , يجدر أولاً تحديد إلي أي طرف ينتسب هذا المشروع الذي قُدم لأول مرة في تاريخ الصراع العربي / الإسرائيلي علي أنه صفقة , ولتحديد ذلك لاحقاً في ثنايا هذا التقريرعلينا تتبع آخر مشروعات التسوية التي قدمتها الأطراف المعنية وهي إسرائيل والعرب والولايات المتحدة بإعتبارها الوسيط المُعتمد في المنطقة والضامن والشاهد علي أول إتفاق وُضع في الصراع العربي الإسرائيلي وهو معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي وُقعت في 26 مارس 1979 والتي تتابعت بعدها تطورات مهمة تتعلق بالتسوية التفاوضية للصراع , لأن بيان آخر ما قدمه كل من هذه الأطراف من مقترحات / مشروعات للتسوية قد يعين علي تحديد المسافة المُتوقعة بينه وبين صفقة القرن مجهولة التفاصيل , وذلك كما يلي :

النهج الأمريكي في التسوية :

أعلن الرئيس الجمهوري George Bush الأبن في 24 يونيو 2001 الرؤية الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط , والتي نظر إليها البعض علي أنها تطور ثوري لو أنه قيس بمسير النظرة الامريكية للصراع العربي الإسرائيلي منذ عهد الرئيس H.Trumanوحتي الرئيس Clinton B. , وكانت أهم نقاط هذالرؤية :

– أن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وتقديم مساعدات كبيرة ودعم للفلسطينيين في مسيرتهم نحو بناء الدولة يتوقف علي إجراء إصلاح شامل في السلطة الفلسطينية يتضمن تغييراً في القيادة .

– بناء ديموقراطية حقيقية في الكيان الفلسطيني تعتمد علي التسامح والحرية , وفي حال إتباع الشعب الفلسطيني لهذه الأهداف , فإن الولايات المتحدة والعالم سيدعمون جهودهم بقوة , كما سيمكن للشعب الفلسطيني عقب تحقيق هذه الأهداف التوصل لإتفاقات وترتيبات أمنية مع إسرائيل ومصر والأردن .

– بعد تحقيق ما سبق ستعمل الولايات المتحدة مع الفلسطينيين علي إقامة دولة مرحلية في إنتظار محصلة المفاوضات حول معظم القضايا الحساسة في الصراع وهي الحدود واللاجئين ووضع مدينة القدس .

– ستدعم الولايات المتحدة إعلان الدولة الفلسطينية المُتكاملة السيادة بعد إختيار قيادة جديدة ومؤسسات جديدة ووضع ترتيبات أمنية جديدة مع دول الجوار مع إفتراض بقاء الحدود وجوانب معينة من السيادة الخاصة بالدولة إنتقالية حتي يتم حل هذه الجوانب في إطار تسوية نهائية في الشرق الأوسط .

– تلتزم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بمساعدة الفلسطينيين في جهود الإصلاح بتقديم الدعم للإنتخابات الديموقراطية (التي فازت فيها حماس فيما بعد والتي عُوقبت علي فوزها بفرض عزلة عليها في غزة) والدعم الإقتصادي والتنموي .

– من المنتظر أن تتحرك إسرائيل علي نحو مماثل لسحب قواتها إلي المناطق التي كانت تحتلها قبل الإنتفاضة أي قبل 28 سبتمبر 2000 , وإنهاء الوجود الإستعماري في الأراضي المُحتلة وفقاً لتوصيات لجنة ميتشيل التي دعت لوقف النشاط الإستعماري الإسرائيلي .

أعلن فيما بعد عن خريطة طريق عُدلت لاحقاً لتنفيذ هذه الرؤية الأمريكية , وهذه الخريطة عبارة عن جداول زمنية تتضمن بعض الآليات لتنفيذ ما تضمنته رؤية الرئيس Bush وهي عبارة عن أربع دورات زمنية الأولي من أكتوبر وحتي ديسمبر 2002 والثانية من يناير وحتي مايو 2003 والثالثة من يونيو وحتي ديسمبر 2003 والرابعة وهي مرحلة الدولة وتبدأ من 2004 وحتي 2005 , ونقلت وكالة AFP في 28 أكتوبر 2002 رد أريل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي علي هذه الرؤية الأمريكية حيث ذكر أمام لجنة الدفاع والخارجية بالكينيست أنه يرفض التجميد الكامل للمستوطنات وأنه يقبل مبدئياً خطة الطريق للسلام , فيما سبق الرد الإسرائيلي أصدار القيادة الفلسطينية بياناً في 24 يونيو 2002 عبرت فيه السلطة عن ترحيبها بالأفكار الواردة بخطاب الرئيس الأمريكي في 24 يونيو 2002 ووصفتها بأنها إسهام جدي في دقع عملية السلام , وإن كان صائب عريقات مسئول التفاوض قد عبر في تصريح صحفي في وقتا سابق عن عدم قبول دعوة الرئيس الأمريكي لإيجاد قيادة فلسطينية جديدة , أما مصر فقد أعلن الرئيس مبارك في تصريح لصحيفة الأهرام في 26 يونيو 2002 بأن بيان الرئيس Bush متوازن ويتضمن أفكاراً جيدة وجديدة ولكن لا تزال بعض الأفكار في حاجة إلي توضيح , وأن مصر لا تمانع في المساهمة في الإصلاحات الفلسطينية , وقد تسلم كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس الوزراء الفلسطيني في 30 أبريل 2003 نسخة من خطة الطريق الأخيرة , والتي كان من أهم ما تضمنته هذه الخطة ذات المراحل الثلاث :

المرحلة الأولي : تتضمن(1) إصدارالقيادة الفلسطينية بياناً صريحاً يؤكد حق إسرائيل في البقاء ووقفاً فورياً وغير مشروط للنار وإنهاء كافة أعمال العنف ضد الإسرائيليين في أي مكان كما تصدر إسرائيل بياناً يؤكد إلتزامها برؤية إقامة الدولتين وإنهاء العنف ضد الفلسطينيين (2) يُعاد بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية ولا تتخذ إسرائيل أي أعمال من شأنها تقويض الثقة وتُستأنف خطة التعاون الأمني مع لجنة إشراف أمنية تضم الولايات المتحدة ومصر والأردن (3) ينسحب الجيش الإسرائيلي من مناطق إحتلها في 28 سبتمبر 2000ويُعاد نشر قوات أمن فلسطينية بمناطق يخليها الجيش الإسرائيلي(4) يُوضع دستوردولة فلسطينية ويُعين رئيس وزراء مُؤقت ووزراء بصلاحيات إصلاحية وتنشأ لجنة مُستقلة للإنتخابات لتجري إنتخابات .

المرحلة الثانية : (إنتقالية وتبدأ من يونيو 2003 حتي ديسمبر 2003) وتتضمن : (1) تركيز الجهود علي خيار إقامة دولة فلسطينية مُؤقتة بحدود مُؤقتة وتبدأ هذه المرحلة وتنتهي مع إمكانية إنشاء الدولة الفلسطينية ذات الحدود المُؤقتة عام 2003 . (2) يُعقد بعد إجراء الإنتخابات مؤتمر دولي بواسطة اللجنة الرباعية لدعم الإقتصاد الفلسطيني وبدء إنشاء الدولة بحدودها المُؤقتة  , وذلك بالتوازي مع إستمرار الإصلاحات السياسية والأمنية وإزالة المستوطنات المُقامة منذ عام 2000 .

المرحلة الثالثة : تتضمن (1) وضع إتفاق للوضع النهائي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني خلال عامي 2004 – 2005 والتقدم في هذه المرحلة مُرتبط الحكم عليه من قبل اللجنة الرباعية(2) يُعقد مؤتمر دولي ثان بواسطة اللجنة الرباعية في بداية 2004 لإقرار إتفاق يتم التوصل إليه بشأن دولة فلسطينية مُستقلة بحدود مُؤقتة ويُفضي هذا الإتفاق بمساندة من اللجنة الرباعية إلي حل نهائي ووضع دائم وذلك خلال عام 2005 , ويتضمن الحل النهائي قضايا الحدود والقدس واللاجئين والمستوطنات إستناداً علي القرارات الصادرة عن مجلس الأمن أرقام 338 و 242 و 1397 التي تنص علي إنهاء الإحتلال الذي بدأ عام 1967 (3) قبول رسمي عربي بعلاقات طبيعية مع إسرائيل وبحق الأمن لجميع الدول في إطار سلام عربي إسرائيلي شامل .

كانت رؤية الرئيس Bushعلاوة علي أنها ثورية من وجهة النظر الأمريكية ومن يسمون بالمعتدلين العرب وكانت إلي حد ما مُحددة أيضاً , إذ أنها حددت أمرين هامين هما إقامة دولة فلسطينية وعلي جزء من أراضي فلسطين , وذلك بموجب تفاوض يتم بين الفلسطينيين والإسرائيليين , ويؤكد ذلك مُراجعة  التدخل الأمريكي الدبلوماسي السابق علي رؤية Bush  ففي سبتمبر 1982 أعلنت الولايات المتحدة عن مبادرة للرئيس الأمريكي Ronald Reagan بشأن حل النزاع ” في الشرق الأوسط ” والتي كان من أهم ما تضمنته :

– أنه وكما ورد بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فإنه يجب أن تكون هناك فترة يتمتع خلالها الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة بحكم ذاتي شامل لشئون السلطة مع إيلاء إهتمام كاف لمبدأ الحكم الذاتي لسكان الأراضي المُحتلة وللمطالب الأمنية المشروعة لهم , وخلال الفترة الإنتقالية التي تستمر لمدة 5 سنوات وتبدأ بعد إجراء إنتخابات حرة لإختيار سلطة فلسطينية للحكم الذاتي والتثبت من أنه في وسع الفلسطينيين حكم أنفسهم (وكأن شعب جمهورية Vanuatu وهي جزيرة في جنوب المحيط الهادي وبلا حضارة أثرت في الإنسانية كتلك التي للفلسطينيين أقدر منهم علي حكم نفسه) وأن هذا الحكم الذاتي لا يهدد إسرائيل .

– إن الولايات المتحدة لن تُؤيد إقامة مستوطنات خلال الفترة الإنتقالية , والواقع أن قيام إسرائيل بتجميد إنشاءها علي وجه السرعة يمكنه أكثر من أي إجراء آخر أن يقيم الثقة التي يتطلبها توسيع نطاق المُشاركين في المحادثات, فالمزيد من المستوطنات غير ضروري علي الإطلاق لأمن إسرائيل , وتقضي فقط علي ثقة العرب في إمكانية التفاوض بإنصاف وحرية حول النتيجة النهائية .

– إن الهدف من هذه الفترة الإنتقالية هو إنتقال السلطة المحلية بصورة سلمية ومُنظمة من إسرائيل إلي السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة , وفي نفس الوقت يجب ألا تتعارض هذه الفترة الإنتقالية مع متطلبات إسرائيل الأمنية .

– لا يمكن تحقيق السلام بإقامة دولة فلسطينية مُستقلة في هاتين المنطقتين , كما لا يمكن تحقيقه عن طريق ممارسة إسرائيل لسيادتها أو سيطرتها الكاملة علي الضفة الغربية وقطاع غزة ولذلك فإن الولايات المتحدة لن تُؤيد إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ولن تُؤيد ضمهما أو السيطرة الكاملة عليهما من جانب إسرائيل , غير أن هناك سبيلاً آخر إلي السلام وهو أن يتم الإتفاق علي الوضع النهائي لهاتين المنطقتين بالمفاوضات القائمةعلي الأخذ والعطاء إلا أن الولايات المتحدة تري بحزم أن حكماً ذاتياً من جانب الفلسطينيين للضفة الغربية وقطاع غزة مُرتبط بالأردن يوفر أفضل فرصة لسلام دائم وعادل وثابت .

– إن موقف الولايات المتحدة يقوم علي أساس أنه في مقابل إحلال السلام تُطبق المادة الخاصة بالإنسحاب في القرار 242 علي جميع الجبهات بما في ذلك الضفة الغربية وغزة .

– تظل القدس غير مُجزأة إلا أن وضعها النهائي يجب أن يتقرر بالتفاوض .

– إن إلتزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل إلتزام راسخ .

أبلغ الملك الحسين ملك الأردن الرئيس الأمريكي Reagan وأعلن رسميا في عمان في 10 أبريل 1983 أن ” الأردن لا يمكن أن يقبل مبادرة الرئيس Reagan لأننا في الأردن بعد أن رفضنا منذ البداية أن نتفاوض نيابة عن الفلسطينيين , فلن نتصرف بصورة مُنفصلة ولا نيابة عن أي شخص في مفاوضات السلام بالشرق الأوسط ” * ( وليم كوانت ” عملية السلام ” . مركز الأهرام للترجمة والنشر .صفحة 329) , وفشلت هذه المبادرة في النهاية وذلك علي الرغم من البيان الأردني الذي صدر في 11فبراير 1985 مع منظمة التحرير الفلسطينية والذي أُعلن فيه أن غايتهما المُشتركة هي إنشاء إتحاد كونفيدرالي يُقام بعد إنسحاب إسرائيل من الأراضي المًحتلة وتعهد الطرفان بالتفاوض في هذا الشأن كوفد واحد مُشترط في إطار مؤتمر دولي , إلي أن أعلن وزير الخارجية الأمريكيGeorge P. Shultz في 4 مارس 1988 أنه فيما يتعلق بالمفاوضات بين إسرائيل ووفد فلسطين تبدأ المفاوضات حول ترتيبات لتحديد فترة إنتقالية علي أن يكون هدفها إنجاز هذه الترتيبات خلال ستة أشهر وبعد سبعة أشهر من بداية المفاوضات الإنتقالية تبدأ مفاوضات تحديد الوضع النهائي للأراضي المُحتلة بهدف إستكمالها خلال عام واحد وهذه المفاوضات ستركز علي جميع بنود ومبادئ قرار مجلس الأمن رقم 242 وتبدأ محادثات تحديد الوضع النهائي قبل بدء سريان الفترة الإنتقالية , التي تبدأ بعد ثلاثة أشهر من إنهاء الإتفاق الإنتقالي , وتستمر لمدة ثلاث سنوات وستشترك الولايات المتحدة في مرحلتي المفاوضات , …. وبعد  أقل من إسبوعين من لإفتتاح المفاوضات يُعقد مؤتمر دولي ويطلب من الأمين العام للأمم المتحدة توجيه دعوات لأطراف النزاع في الشرق الأوسط والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن , ولأن مبادرة وزير الخارجية الأمريكي Shultz جاءت بصيغ عمومية لا يُفهم منها شيئ مباشر سوي أن المفاوضات الإنتقالية وتلك النهائية قد صُودر علي نتيجتها بالإشارة إلي تكوين وفد مُشترك أردني / فلسطيني , بما يعني أن إتجاه هذه المُبادرة ربما كان صوب الخيار الأردني  .

النهج العربي في التسوية :

كان أول تحرك عربي جماعي بعد توقيع مصر وإسرائيل معاهدة السلام في واشنطن في 26 مارس 1979 , ذلك الذي تم في فاس حيث عُقدت قمة عربية في 9 سبتمبر 1982 إتخذت مقرراً تضمن ما يُعرف بمشروع السلام الذي تضمن :

– إنسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي إحتلتها في 5 يونيو 1967 .

– إزالة المُستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية بعد عام 1967 .

– تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي والوحيد وتعويض من لا يرغب في العودة .

– إخضاع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة إنتقالية بإشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر  .

– قيام الدولة الفلسطينية المُستقلة بعاصمتها القدس .

– يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات سلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية المُستقلة.

– يضمن مجلس الأمن تنفيذ تلك المبادئ .

كان هذا المشروع العربي في حينه تحولاً في الفكر العربي إزاء التسوية السلمية , وقد خلا من اي إشارة تتعلق بالإعتراف بدولة إسرائيل , كما أنه لم يشر لقرار مجلس الأمن الدولي 242 لكنه بوجه عام ترجم رغبة عربية لتحقيق التسوية السلمية , وبعد نحو 20 عاماً من طرح العرب هذا المشروع تقدم الملك عبد الله بمبادرة لقمة بيروت العربية في مارس 2002 التي أقرتها وتتضمنت :  

– مُطالبة إسرائيل بإعادة النظر في سياستها والإعلان عن أن السلام خيار إستراتيجي .

– مناشدة إسرائيل لتأكيد ما يلي :

* الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي التي أحتلت منذ يونيو 1967 بما يتضمن الجولان السوري وإلي ما بعد خطوط يونيو 1967 وكذا المناطق المُتبقية تحت الإحتلال بجنوب لبنان .

* تحقبق حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194.

* قبول إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة علي الأراضي الفلسطينية المُحتلة منذ 1967 في الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس .

وفي مقابل ذلك تُؤكد الدول العربية علي ما يلي:

* إعتبار أن الصراع العربي / الإسرائيلي إنتهي والدخول في إتفاق سلام مع إسرائيل وإعتبار الأمن حاجة لكل دول المنطقة .

* إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل .

– التأكيد علي رفض كافة أشكال نزوح الفلسطينيين والتي تتعارض مع الظروف الخاصة للدول العربية المضيفة .

– مناشدة إسرائيل وكافة الإسرائيليين لقبول هذه المبادرة من أجل حماية مستقبل عملية السلام والكف عن إراقة الدماء , وبما يمكن العرب وإسرائيل من العيش بسلام وحسن جوار وإمداد الأاجيال القادمة بالأمن والأإستقرار والرفاهية .

– دعوة المجتمع الدولي وكل الدول والمنظمات لتأييد هذه المبادرة .

– دعوة رئيس قمة وأمين جامعة الدول العربية لتشكيل لجنة من الدول الأعضاء المعنية وأمين عام جامعة الدول العربية للإضطلاع بالإصالات الضرورية للحصول علي التأييد لهذه المبادرة علي كافة الأاصعدة .

طرحت السعودية مبادرتها أو مشروعها للتسوية السياسية في قمة بيروت العربية في مارس 2002 وسبقها تقدم الزعيم الليبي القذافي لقمة عمان العربية في مارس 2001 بأفكار تتعلق بالتسوية تضمنت إقامة دولة علي أراضي فلسطين تحت مُسمي ” إسراطين” , وكان أن بدأ مُجدداً نزاع ليبي / سعودي أدي مع عوامل أخري أكثر أهمية إلي مقتل هذه المبادرة في مهدها والتي كان أنسب وقت لها المرحلة التي تحرك فيها الرئيس السادات نحو التفاوض مع الكيان الصهيوني وذلك بناء علي نظرة براجماتية , لكن هذه المبادرة كانت تأكيد لإتجاه سعودي كان ينمو تدريجياً وببطئ للإقتراب نحو إسرائيل من باب التسوية السياسية وهي لم تكن الخطوة الوحيدة من قبل السعودية فقد سبقها ماعُرف بمشروع الأمير فهد , وعلي كل حال فإن أهم ما يمكن ملاحظته هو أن مبادرة السعودية بقمة بيروت أعترفت بمسألة إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل وهو الخيط الوحيد الذي إلتقطته إسرائيل من هذه المبادرة وتتبعته وبناء عليه بدأت الإتصالات الإسرائيلية / السعودية لاحقاً , يُضاف إلي ذلك أن المبادرة السعودية طُرحت وقد تغير المُناخ الدولي بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي  وبناء نظام دولي جديد وهو أمر مختلف عن المناخ الذي إتجهت أثناء مصر بإتجاه التفاوض .

نهج السلطة الفلسطينية :

بعد تبني قمة بيروت العربية لمبادرة الأمير عبد الله في مارس 2002 , قدم وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني د . نبيل شعث وثيقة غير رسمية إلي وزير الخارجية الأمريكي Colin L .  Powell  , وهي في تقديري الرؤية الأهم من المبادرة السعودية , لانها وثيقة تعكس رؤية من هم في بؤرة الخطر علي الرغم من أنها لا ترقي إلي مستوي التمنيات العربية المُؤسسة علي مفهوم أن الصراع العربي / الإسرائيلي يجب أن يكون إسلامي / إسرائيلي ذلك أن الغربيين اضطهدوا اليهود لدوافع دينية , وتأسست الحركة الصهيونية العالمية على أساس ديني وهاجر اليهود لفلسطين (ومازالوا) لأسباب دينية , وتأسست دولة إسرائيل على قواعد دينية وتدار دولة إسرائيل على أساس ديني , ويدافع عنها جيش ذو عقيدة دينية , ولا يتخذ قرار في أية مؤسسة إسرائيلية إلا على مرجعية دينية , ويضطهد الإسرائيليون الفلسطينيين منذ 70 عاماً لأسباب دينية , وكان الإنتصار الأعظم فى عيون وقلوب الإسرائيليين هو إستيلائهم على القدس سنة 1967 الذي ألهب المشاعر الدينية لليهود والصهاينة معاً , وعلى مدى نصف القرن الماضى وحتى يومنا هذا لا يوجد في إسرائيل أنشط من حركة تهويد القدس لدوافع دينية وإقامة المستوطنات بها وحولها , ويعتبر الهدف الأسمى للإسرائيليين هو إعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى لدبناء علي عقيدتهم الدينية والغربيون الذين يساندون إسرائيل اليوم يفعلون ذلك لأسباب دينية , كما أن اليمين الأمريكي والأوروبي يدعمان إسرائيل لإنحيازات دينية محضة , واليهود واليمين المسيحي في العالمين الغربي والشرقي يؤمنون بمعركة آخر الزمان وموقعة هرمجدون التي ستعيد المسيح للأرض على دماء أعداء إسرائيل , كل ذلك يتم بروح دينية مُتزمتة وبين ظهرانينا من لا يزالون يعتقدون بأننا يجب أن نتخلي عن ثوابت ديننا الإسلامي لندخل معركة يتسلح فيها عدونا بهوية دينية مُؤيدة من اليمين المسيحي والمجيئيين الأمريكيين وأضرابهم في أوروبا , فيما نحن لا سلاح لنا غير ترهات الليبراليين واليساريين العرب الذين لليوم غير مدركين أن الصراع ديني وسيظل وأن المعركة التي لا هوية دينية لأحد أطرافها محسومة للطرف أو الأطراف الأخري ممن يتمسكون بهويتهم وتمنياتهم الدينية وعلي كل حال هذه هي العناصر الرئيسية للرؤية الفلسطينية الواردة بهذه الوثيقة :

– ستكون الحدود بين دولة فلسطين ودولة إسرائيل هي خط الهدنة في 4 يونيو 1967 ويتفق الطرفان علي تعديلات طفيفة ومُتبادلة ومُتكافئة للحدود لا تُؤثر- من بين أشياء أخري- علي تواصل الأرض ولن تكون للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أي مطالب من الأراضي ما وراء حدود 4 يونيو 1967 وستكون هذه الحدود هي الحدود النهائية بين الدولتين .

– سيكون هناك ممر دائم بين جزئي الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة .

– ستصبح القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين وستصبح القدس الغربية عاصمة دولة إسرائيل .

– سينقل الجانب الفلسطيني السيادة علي الحي اليهودي وقسم حائط المبكي من الحائط الغربي في القدس الشرقية إلي إسرائيل , بينما يحتفظ بالسيادة علي ما تبقي من المدينة القديمة .

– ستقيم فلسطين وإسرائيل ترتيبات للتعاون الأمني تحفظ سيادة أراضي كل دولة ووحدتها , وستلعب قوات دولية دوراً مركزياً في هذه الترتيبات, بالإضافة إلي ذلك سيسعي الطرفان إلي إقامة نظام للأمن القومي .

– لن تشارك فلسطين أو إسرائيل في تحالفات عسكرية ضد بعضهما البعض أو تسمحا بأن تُستخدم أراضيهما ضد بعضهما البعض أو ضد جيران آخرين , ولا يُسمح بتمركز أي قوات أجنبية في أراضي أي من الدولتين ما لم يرد خلاف ذلك في إتفاق الوضع النهائي , أو يتم الأإتفاق بشأنه لاحقاً من قبل الطرفين , وسيتم ضمان سيادة كل من فلسطين وإسرائيل وإستقلالهما بإتفاقات رسمية مع اعضاء في المجتمع الدولي .

– وفقاً لمبادرة السلام العربية الصادرة في مارس 2002 , فسيكون هناك حل عادل ومُتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يستند علي القرار 194 للجمعية العامة للأمم المتحدة .

– ستحل قضية المياه بطريقة عادلة ومُنصفة وفقاً للإتفاقات والقواعد الدولية .

– ستكون فلسطين وإسرائيل دولتين ديموقراطيتين مع إقتصاد يعتمد نظام السوق الحرة .

– سيُؤذن إتفاق الوضع النهائي الشامل بإنتهاء النزاع بين فلسطين وإسرائيل , وسيُؤذن تنفيذه الكامل بإنتهاء المطالبات بينهما .

– يقتضي تحقيق هذه الرؤية بالطبع عملية مُوازية تؤدي إلي تطورات ملموسة وإيجابية علي الأرض , وسيتطلب هذا سياسة لإنهاء التصعيد وإنهاء الإحتلال وضمان حماية الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وفقاً للقانون والإدخال التدريجي لرموز السيادة من أجل دعم إتفاق الوضع النهائي والتمهيد له .

– ينبغي أن يكون هناك جدول زمني مثبت لهذه العملية مع مشاركة ديبلوماسية مضمونة لضمان ألا تتوقف هذه العملية , ويتطلب جزء من الأغعداد لقيام الدولة الفلسطينية في النهاية القيام بإعداد هيكلة داخلية , وهو ما شرعنا به بالفعل في المجالات السياسية والمالية والأمنية , وعلي الصعيد الأأمني ستكون الأفكار التي إقترحها جورج تينيت مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأساس لجهودنا .

مما يُلاحظ في هذه الوثيقة الفلسطينية أنها جاءت خلواً من أي إشارة إلي الجولان السوري المُحتل وتاكيدها في أكثر من إشارة لوضعية القدس وإشارتها بصفة غير مباشرة إلي أن الدولة الفلسطينية لن تكون منزوعة السلاح فقد أشير بالوثيقة إلي أن فلسطين أو إسرائيل لن تشاركا في تحالفات عسكرية ضد بعضهما البعض , كما أن الوثيقة أكدت علي حل الدولتين والذي صدر قرار عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 12 مارس 2002بشأنه تحت رقم 1397 في 12 مارس 2002 بأغلبية 14 صوت وإمتناع سوريا عن التصويت , ويعد هذا القرار الأول من نوعه , وقد طرحت الولايات المتحدة مسودته وفي مقدمتها أُشير إلي القرارين 242 و338 كمرجعين لهما صلة بالموضوع , وفي تقديري أن الرؤية الفلسطينية بهذه الوثيقة التي قدمها نبيل شعث لم تكن إلا إشعاراً بإستعداد الفلسطينيين للإعتراف بحق إسرائيل في الوجود وإقامة دولتهم في إطار الحل النهائي , وقد طُرحت هذه الوثيقة والدبلوماسية الأمريكية في حالة من الحركية غير المسبوقة أدت إلي طرح إدارة جمهورية لرؤية تضمنت حل الدولتين والذي رسخته الإدارة الأمريكية  بتقديم مسودة مشروع قرار أجازه مجلس الأمن الدولي تضمن هذا الحل ليصير جزءاً من القانون الدولي الذي تشكله القرارات المُتعاقبة لمجلس الأمن الدولي الذي يُعتبر كما لو كان مشرعاً دولياً للأمم الأعضاء بالأمم المتحدة , وهو القرار نفسه الذي تجاهلته “صفقة القرن” بل ووجهت إليه صفعة مُهينة للقرار ولسمعة الدبلوماسية الأمريكية معاً .

النهج الإسرائيلي :

بالنظر إلي أهمية النهج الإسرائيلي  من حيث صلته المُتوقعة بصفقة القرن المُثارة , فإن الرؤية الإسرائيلية في الغالب الأعم ستمثل – للأسف في ضوء إنهيار النظام العربي بيد القابضين عليه – المرجعية الأولي لمتخذ القرار الأمريكي ولكثير من مراكز العصف الذهني بالولايات المتحدة وربما غيرها والأسباب مختلفة منها – كما أشرت – إنتشار حكام علي رأس السلطة في العالم العربي مُؤهلين للتخلي والتنازل عن الثوابت التفاوضية لدي الجانب العربي والتي ترسخت لزمن طويل , بسبب توليهم السلطة ببلدانهم إغتصاباً وبدون عملية ديموقراطية حقيقية , وبالتالي فهم دائماً ما يكونوا في حاجة للدعم الخارجي للحفاظ علي مقاليد السلطة , وعلي كل , فسأوضح جانبين للرؤية الإسرائيلية وهي علي تعدد مقترحاتها وخططها في فترة ما بعد هزيمة يونيو 1967 , يجد المرء الفروق بينها ضئيلة , إذ أنها تاستند جميعاً علي ثوابت نظرية الأمن الإسرائيلي التي أهمها الثوابت الدينية التوراتية والتي أُدمجت في حوادث التاريخ لتسبغ عليها معان مزيفة مُصطنعة وذلك منذ ما قبل إعلان دولة الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948 وحتي الآن , ولإن الموضوع الذي يعنينا هو الشق الفلسطيني في الصراع والذي تراجع عنه القادة العرب الذين يحكموا الدول العربية الهشة من حيث هم بأحد أركان متحف مجهول يضم آثار وحفريات مُهملة , فسأسلط مزيد من الضوء هنا علي الرؤية الإسرائيلية لتسوية الشق الفلسطيني / الإسرائيلي , إذ بناء علي جانبي الرؤية الإسرائيلية تلك  يمكن- علي الأقل – تحديد الإطار العام لتسوية القضية الفلسطينية / الإسرائيلية في المرحلة المُقبلة التي أطلق عليها باعة القضية “صفقة القرن” , ومن ثم تحديد المفهوم الذي ستتأسس عليه هذه الصفقة :

1- الرؤية الرسمية الإسرائيلية :

شهدت الدوائر السياسية بإسرائيل عام 1972 كثافة في النقاش السياسي والأمني بشأن مُستقبل الأراضي المُدارة Administered Terroitories ودارت المقترحات الهادفة إلي وضع تصور لهذا المستقبل بين إقامة دولة ثنائية القومية Binational في فلسطين بترتيبات فيدرالية وكونفيدرالية , وتركز النقاش داخل إسرائيل في مستهل سبعينات القرن الماضي حول سياسات وزير الدفاع الإسرائيلي Dayan وخطة Yigal Allon من قادة حزب العمل ورئيس الوزراء الإسرائيلي بالنيابة في هذه الفترة ومقترحات الأمين العام الأسبق لحزب العمل الإسرائلي A. Eliav , وقد طُرحت هذه السياسات / الخطط في الوقت الذي كانت كتلة حزب Likud تنادي بالضم الكامل للأراضي التوراتية في يهودا والسامرا أي في الضفة الغربية وكانت سياسة الضم الليكودية تحظي بتأييد من قسم كبير بمجلس الوزراء الإسرائيلي آنئذ , وتعزز هذا الموقف إبان وفي أعقاب حرب أكتوبر 1973 , في الوقت الذي كان الرأي العربي مُوزعاً بين خطة الملك حسين الرامية إلي إنشاء دولة عربية فيدرالية علي ضفتي نهر الأردن , وبين رفض منظمة التحرير الفلسطينية المُستمر لوجود دولة يهودية علي ألأي موضع بالأراضي الفلسطينية , فيما كانت هناك ثمة أصوات بالضفة الغربية وحركة المقاومة مع إقامة دولة فلسطينية بالضفة الغربية .

ما يمكن وصفه بخطة Dayan :

لم تكن لوزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق M . Dayan  من خطة بالمعني الدقيق للكلمة بل كان هناك ثمة تجميع لتصريحات ومقابلات صحفية وبيانات وخطب كونت جميعاً ما يُشبه خطة أو رؤية تعبر عنه , وتتأسس سياسة Dayan * (Divided Wor;d .1971 . page 381 . Georgory Henderson , Richard NedLebow and  J.Stoessinger . Divided Nations In a ) علي خمس مبادئ هي :

* في ظل الظروف السائدة في العالم العربي , فإن علي إسرائيل أن تحتفظ بالسيطرة العسكرية الكاملة وإذا ما لزم الأمر فسيكون ذلك في عموم Judea و Samaria  , وسوف لا يُسمح لأي وجود عسكري هناك , كما سيكون علي إسرائيل الإحتفاظ بالقدرة علي مكافحة الأعمال الإرهابية في هذه المناطق  .

* يجب أن تتضمن أي تسوية حق إسرائيل في إقامة مُستعمرات يهودية في Judea و Samaria , وعلي سبيل المثال يجب أن يعيش أن يكون من حق اليهود العيش في الخليل أو Hebron .

* يجب أن تكون هناك علاقة خاصة و فريدة بين إسرائيل والضفة الغربية , فلا حدود متُغلق في أي مكان بضفة الأردن.

* علي إسرائيل الإمتناع عن إدراج الاأقلية العربية الكبيرة (؟) بدولة إسرائيل  (إذ سيؤدي الضم الكامل للضفة ةقطاع غزة وقت طرح هذه السياسة إلي زيادة في عرب إسرائيل إلي مليون نسمة) .

* عند التوصل إلي التسوية النهائية فإن كل المواطنيين الإسرائيليين من اليهود والعرب يجب أن يتمتعوا بحقوق متساوية .

إستهدفت سياسة Dayan تحقيق تعايش مُشترك بصفة فورية مع الفلسطينيين حتي وإن كان الصراع مُستمراً , ولا يستلزم تطبيق هذه السياسة إلا قيام إسرائيل بذلك بصفة أحادية , وبنفس القدر لا تستهدف إحداث تغيير ما في الوضع الراهن الواقعي Status quo في المناطق المُدارة , بموجب إتفاق يُوقع مع الأردن وهي لا ترمي كذلك إلي إعادة الضفة الغربية لا إلي الملك حسين ولا إلي الفلسطينيين , وهذه السياسة في مجملها ليست بأكثر من تشجيع تأسيس ” كيان” فلسطيني مستقل غربي الأردن أو لتقل أنه ضم كامل ورسمي للأراضي المُدارة بواسطة إسرائيل , فسياسة Dayan وفقاً لما قاله هو تدعو إلي تحقيق تكامل بين المناطق المُدارة وبين إسرائيل في مجالات التجارة والعمل والزراعة والصناعة وإزالة القيود من أمام حركة البشر والسلع وتأسيس مستوطنات دفاع عسكري Nahal بالمناتطق الإستراتيجية وإقامة مستوطنات مدنية دائمة وأخري بمناطق رئيسية لكسر الإتصال الجغرافي للتواجد السكاني العربي بمناطق Judea و Samaria ولتحقيق مزج سكاني يهودي/ عربي , وغاية القول أن سياسة Dayan هدفها البعيد المدي أن تكون إسرائيل هي الحكومة الدائمة المسئولة عن المناطق المُدارة بتطبيق برامج دائمة وبصفة أحادية بها في كل المجالات .

من بين أهم التعليقات التي تناولت “سياسة Dayan ” تلك التي صدرت عن شلومو افنيري وكان يشغل منصب أمين عام الخارجية الإسرائيلية عام 1975, إذ قال : “بالنسبة لي فإن إقتراح Dayan قد نضطر إلي الإستعانة به مُرغمين وعنوانه هو إستمرار الإحتلال الإسرائيلي من جانب واحد باسم “حكم ذاتي من جانب واحد ” , والسؤال الذي أطرحه هو: ما هو مضمون مشروع الحكم الذاتي الذي ورد بإتفاقيات كامب ديفيد ؟ إنه إطار يهدف إلي إتفاق يُفضي إلي إيجاد سلطة فلسطينية ذات صلاحيات محدودة حقاً تُوضع تحت تصرفها علي أساس الإتفاق صلاحيات مُعينة وستكون العنوان الرسمي لعرب الضفة الغربية وقطاع غزة وقد يئس Dayan من التوصل لإتفاق كهذا وهو بهذا كان علي حق , ولكن بدلاً من البحث عن بديل آخر مُتفق عليه فإنه إقترح أن تفرض إسرائيل من جانب واحد التسوية التي تراها مناسبة لها باسم “حكم ذاتي” , …. أما أنا فأقترح تسمية الأشياء بمسمياتها وعدم تقديم مشروع سياسي للشعب الفلسطيني بطرق الخداع , ومن المُحتمل أنه في حالة إنعدام الحل فقد نلجأ إلي هذا الحل المرحلي , ولكن يجب أن لا نخدع أنفسنا بأن هذا هو الحكم الذاتي وأن السكان العرب سيعتبرونه كذلك” . * (ألوف هوربين . ترجمة غازي السعدي . هل يوجد حل للقضية الفلسطينية ؟ . دار الجليل للنشر – عمان طبعة أولي أبريل 1983 . صفحة 135)

خطة Allon :

قدم Yigal Allon هذه الخطة للحكومة الإسرائيلية بعد وقت قصير من نهاية حرب 5 يونيو 1967 , وتعتبر هذه الخطة من وجهة نظر إسرائيلية مُتعلقة بالأمدين القصير والطويل , وتقوم علي خمس مبادئ أيضاً *   (المرجع السابق .صفحة 395) هي :

* الحق التاريخي في الإقامة علي أرض إسرائيل مع إيلاء الإعتبار الواجب للعوامل الديموجرافية السكانية بالمنطقة بإعتبار ذلك خط إخلاقي لهذه الخطة .

* تحديد الحدود التي يمكن الدفاع عنها , بإعتبار ذلك هو الجانب الجيوستراتيجي للخطة . تكون حدود إسرائيل من نواحي رام الله مُتجهة إلي الغرب بصورة تضمن أن يقع طريق اللطرون بين حورون – القدس تحت سيطرة إسرائيل , وضم جبل الخليل بسكانه البالغ عددهم 80 ألف نسمة لأن ذلك يضمن حماية القدس أو لأن هذه المنطقة تشتمل علي إمكانيات الإستيطان وبعض الأماكن المُقدسة مثل المغارة وقبر راحيل , وإعطاء ممر من منخفض الأردن إلي المملكة الأردنية بحيث يضمن للعرب أن يكونوا مُرتبطين بالمملكة الأردنية , وبحيث يسمح لإسرائيل بالسيطرة علي هذا الإتصال في حالة تعرضها للخطر .

* الحفاظ علي الخصائص اليهودية لدولة إسرائيل , وهو الأساس الوطني للخطة .

* الترويج للشخصية الإجتماعية الديموقراطية بإعتبارها الأساس الرئيسي للدولة والسمة الإجتماعية للخطة .

* قبول العالم لدولة إسرائيل , وهو الجانب الدبلوماسي في الخطة .

كانت الخريطة المُرفقة بخطة Allon توضح أن “دولة إسرائيل” حدودها الشرقية مع الأردن يحدها نهر الأردن حتي البحر الميت الذي يمر به خط متوسط Median line من شماله حتي جنوبه وعمد Allon إلي توضيح أن هذا الخط ليس حدوداً أمنية فقط بل يجب أن يكون خطاً سياسياً أيضاً , لكنه لا يجب أن يؤدي إلي ضم كامل لمعظم الضفة الغربية الواقعة غرب هذه الحدود , وبموجب هذه الخطة فإن إسرائيل ولدواع أمنية يلزمها مجرد شريط غير آهل بالسكان عرضه 14 كم في منطقة Gilboa  بوادي جزيل وبمنطقة أخري بقرب الخليل بعرض 24 كم وهو ما يمثل ثلث الضفة الغربية تقريباً , فالخطة تتطلب خط دفاعي مُتقدم لإسرائيل داخل الضفة الغربية , تجريد مناطق الضفة التي يُفترض أن تُعطي للعرب من السلاح ووضع المناطق الصحراوية في Judea تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية لحماية القدس من هجمات المقاومة الفلسطينية , ومنح السلطات الإسلامية وضعية خاصة علي الجزء المسلم من القدس , ويعتبر Allon أن شرقي نهر الأردن مجتمع فلسطيني يعيش تحت سلطة عربية بالفعل بفلسطين , ومن ثم فمن الخطأ القول بأنه لا يوجد وطن قومي للفلسطينيين , فلديهم وطن في الأردن شرقي النهر ولا فرق أن تدعوه الأردن او شرقي الأردن Transjordanie أو فلسطين , فالسيد Allon كان دائم الإعتقاد وبحزم أنأنه لم يُوجد قط كيان عربي فلسطيني ولا حتي في العهد الذهبي للإسلام , فالسيد Allon شأنه شأن كل الصهاينة إستعذبوا كذباتهم المُجففة الممجوجة وزيفوا التاريخ ومعه الجغرافيا ولجرأتهم التي تجاوزت الوقاحة ونفاقهم لأنفسهم يريدون من الغير أن يفعل مثلما يفعلون , وعلي كل الأحوال فقد ظلت خطة تمثل الحد الأدني بالنسبة لرؤية التسوية الإسرائيلية الرسمية خاصة في ضوء النمو السكاني الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة وهو وحده كعامل طبيعي أصبح أعتي من خطوط الدفاع العسكرية التي تبتغيها العسكرية الإسرائيلية , وقد عكست خطة Allon معتقداته عن أسس التسوية النهائية بموجبها ,ومن بين التعليقات الإسرائيلية علي خطة Allon تلك التي أدلي بها مائير بعيل وكان من أعضاء مجلس السلام الإسرائيلي الفلسطيني رغم أنه كان أحد عناصر البلماخ Palmach ( سرايا الصاعقة التي تأسست عام 1948 وهي القوة الضاربة لعصابة الهاجناه الإرهابية ) , فقد أشار بشأنها بأن وجود منطقة إسرائيلية فاصلة في قلب غور الأردن سيُنشأ حدوداً طويلة جداً مع الكيانين الأردني والفلسطيني علي حدود فلسطين الشرقية وستكون هذه الحدود مثاراً لإحتكاك مُتواصل بحيث يُؤدي ذلك إلي زيادة حدة التوتر والتعجيل بنشوب الحرب النظامية , إن هذه النظرية العسكرية (خطة (Allon تحمل في طياتها جميع القيود العسكرية للدفاع الثابت الذي عفا عليه الزمن .

في تقديري أن Allon لم يغفل عن القيود العسكرية للدفاع الثابت فقد كان فيما مضي قائد Palmach البلماخ  , لكنه ككل العسكريين والسياسيين الصهاينة لا يريد أن يري وطناً فلسطينيا علي أرض خالصة للفلسطينيين فلابد أن تُقطع أوصال هذا الوطن بحيث يصير وضع الدولة الفلسطينية من خلال خطة Allon أو غيرها كوضع Puerto Rico التي تعد منطقة غير مُدمجة في الولايات المتحدة الأمريكيةUnincorporated territory لا صوت لها في الكونجرس الذي يُضعها للنظام القضائي الأمريكي وفقاً لقانون العلاقات الفيدرالية لبورتوريكو لعام 1950 , بينما حركة سكانها حرة بين أرضهم وبين أراضي الولايات المتحدة الأمريكية وهو وضع فريد في شذوذه يُراد تطبيقه إن عاجلاً أو آجلاً علي الدولة الفلسطينية من منظور صهيوني/أمريكي فيما يطلقون عليه صفقة القرن وما تصور Allon إلا أحد الأبواب نحو هذا التطبيق .

مشروع  Abba Eban :

قدمه Abba Eban للجمعية العامة للأمم المتحدة بصفته وزير خارجية دولة الكيان الصهيوني في 9 سبتمبر 1968 ويتضمن 9 نقاط هي :

* نحقيق السلام في الشرق الأوسط علي أساس أن الموقف الذي يعقب حالة وقف إطلاق النار لابد وأن يكون سلاماً عادلاً ودائماً , يتم التفاوض بشأنه بين الأطراف المعنية .

* إقامة حدود آمنة ودائمة تكون مُتسقة مع هدف تحقيق أمن إسرائيل .

* أن تكون الحدود مفتوحة وأن يكون حق الحصول علي تسهيلات فيما يتعلق بالمرور إلي شاطئ البحر المُتوسط , وأن يتم العبور إلي المناطق الدينية والأثرية داخل بلاد المنطقة .

* حرية الملاحة مع دعوة الجمهورية العربية المُتحدة(مصر) إلي أن تعترف هي وإسرائيل بأن قناة السويس وخليج العقبة ممرات مائية دولية .

* مشكلة اللاجئين : يتم بحث هذه المشكلة في مؤتمر لدول الشرق الأوسط علي أن يضع هذا المؤتمر خطة تُنفذ خلال خمس سنوات لحل مشاكل اللاجئين وإنشاء لجان لتوطين اللاجئين وإدماجهم , كذلك فإن إسرائيل مدعُوة لإتخاذ خطوات تهدف إلي تخفيف ظروف الحياة بالنسبة للاجئين خلال هذا الشتاء .

* القدس : إن إسرائيل مُستعدة لمناقشة التوصل إلي إتفاقيات مناسبة مع هؤلاء الذين يعنيهم الأمر .

* الإعتراف بسيادة دول المنطقة , وحقها كدول في المجموعة الدولية , – كما عبر عن ذلك قرار مجلس الأمن الصادر في 12  نوفمبر 1967- علي أن يتم هذا عن طريق إتفاقيات مُباشرة بين حكومة إسرائيل وحكومات الدول العربية كل حكومة بإسمها .

* التعاون الإقليمي : وذلك بهدف إقامة تجمع إقليمي لدول الشرق الأوسط .

بعد أن طرح مشروعه خاطب Abba Eban جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة قائلاً أن إسرائيل لا توافق علي أي حل تفرضه الدول الكبري ووصفها بأنها أبعد الأفكار عن الواقعية علي الإطلاق .

في تقديري أن مشروع Abba Eban تضمن سمتين أولهما أنه مشروع رسمي قُدم للمجتمع الدولي وليس كسياسة Dayan أو خطة Allon فكلاهما مُعبر عن رأي مسئول رسمي لكنهما مشروعين لم يُطرحا علي المجتمع الدولي والدول العربية جزء منه وبالتالي فهو مشروع فيه جماع رأي حكومة الكيان الصهيوني برمتها , أما السمة الثانية فهي مهمة إذ أن مشروع Abba Eban تناول بوضوح رسمي قضية اللاجئين وهو بذلك يعتبر صالح تماماً للمقارنة مع ” صفقة القرن ” الإفتراضية , بمعني أن صفقة القرن لن تخرج عن كونها تبادل أراضي يفضي إلي تفريغ ديموجرافي للاجئي المناطق المُحتلة أو جزء طوعي منهم وللاجئي الشتات أيضاً بصفة طوعية بدون عقد مؤتمر لدول الشرق الأوسط كما أشار مشروع Eban , ومن ثم لنا أن نؤكد مع قليل من التحفظ بأن حالة الهوان العربي الحالية والقادة العراة بالمنطقة حققوا لإسرائيل الجزء الأهم بمشروع Eban وتحقيق هذا الجزء وحده كفيل بالقول بيقين أن قضية فلسطين تم تصفيتها أرضاً وشعباً , إن هناك أمل في مقاومة الشعوب العربية التي لم تخب روح التحدي لدي أكثريتها رغم هوان قادتها الذين إفتقدوا القدر القليل من المروءة والنخوة تلك التي تتوفر ونحن لا نعلم لدي قادة ورؤساء جمهوريات الموز .

المُقررات السرية للأحزاب الصهيونية عام 1968 :

هناك حقيقة لابد من تتبع نتائجها طويلة الأمد علي الإطار العام لمقترحات التسوية الصهيونية , وهذه الحقيقة هي أن إسرائيل دولة ديموقراطية ذات جذور دينية راسخة , فيما الدول العربية هناك محاولات تُبذل لمحو هويتها ولا يحكمها قادة مُؤهلين ومُنتخبين ديموقراطياً لذلك لا يوجد طريق يربط أقواالهم بالأفعال كما أنهم غير خاضعين لأي من معايير المحاسبة ويمارسون بتلقائية حرية الخطأ بلا مسئولية ,  ولهذا فعندما ينظر المرء للمقررات التي صدرت عن المؤتمر الذي ضم الأحزاب الإسرائيلية آنئذ لن يساوره شك في أن لهذه المقررات صلة ما بالأفعال وما يُسمي بصفقة القرن , وللحقيقة فإن المفاهيم الرئيسية الكامنة في هذه المقررات وعددها 13 مقررتحقق كثير منها إلي حد كبير, وفيما يلي المقررات الثماني الأولي منها :

  • 1- الأردن : يجب أن ينشأ إتفاق خاص ومُنفصل للسلام بين الأردن وإسرائيل لأن البلدين معنيتين بأرض القسم الأعظم من فلسطين , مثل هذا الإتفاق يجب أن يُبني أيضاً علي التعاون الإقتصادي والثقافي وعلي معاهدة عدم إعتداء , ومثل هذا الإتفاق يجب أن يتيح لنا أن نعيد للأردن الض فة الغربية مع التعديل الضروري للحدود بشكل يُؤمن لإسرائيل سلاماً وأمناً دائمين .
  • 2- اللاجئون : إن الإتفاق مع الأردن وتعديل الحدود سيسهل حل مشكلة اللاجئين , فمعظمهم يجب أن يستقر في الأردن , ثم تقوم بعد ذلك جهود مُشتركة بين الأردن وفلسطين للإفادة من الموارد الدولية لتطويرمشاريع الري والمشاريع الصناعية , ومن أجل الإستثمار المُشترك للبحر الميت , وفي الوقت نفسه سيُمنح الأردن مرفئاً حراً علي البحر الأبيض المتوسط . إن تطوراً كهذا مع خفض موازنة التسلح الأردنية سيُقوي إستقلال الأردن السياسي والإقتصادي عن القوي الأجنبية ويقوي العلاقات بينه وبين إسرائيل .
  • 3- القدس : لن يُعاد أي قسم من أقسام القدس إلي الأردن بأي حال من الأحوال , فمدينة القدس المُوحدة ستكون عاصمة لإسرائيل , مع إمكانية منح الإستقلال الذاتي الديني في حفظ وإستعمال الأماكن المُقدسة .
  • 4- صحراء سيناء : يجب أن يُزال إلي الأبد التهديد المصري لحدود إسرائيل الجنوبية , وذلك بإعلان صحراء سيناء منطقة منزوعة السلاح .
  • 5- قطاع غزةإن قطاع غزة الذي لم يكن في يوم من الأيام ملكاً لمصر يجب أن يخضع بكافة سكانه لإسرائيل , ويجب أن تُنتزع أرض خاصة لإسكان اللاجئين الذين يضمهم القطاع .
  • 6- السويس وتيران : يجب أن تُمنح إسرائيل ضمانات من كل الفرقاء المعنيين – بما في ذلك الأمم المُتحدة – بحرية الملاحة في قناة السويس ومضايق تيران .
  • 7- مرتفعات الجولان : لقد شكلت مرتفعات الجولان بإستمرار تهديداً لسلام وأمن المنشآت الإسرائيلية في الجليل ووادي الأردن . يجب إعلان هذه المرتفعات منطقة منزوعة السلاح لض مان أمن وسلام دائمين لهذه المُنشآت , ويجب أن تُقام مواقع الدفاع الإسرائيلي علي ذري هذه المُرتفعات .
  • 8- الإتحادات المُقبلة : تري إسرالئيل أن إتفاق السلام سيصبح دائماً وسيقود إسرائيل وجيرانها قدماً نحو نزع السلاح وتحديد المنطقة المُضطربة حالياً وتطوير وتنمية التعاون السياسي والإقتصادي , مع النظر إلي أن تنشأ في المستقبل علاقات إتحادات بين الدول المُستقلة في المنطقة . * ( ملف وثائق فلسطين . وزارة الإرشاد القومي . الهيئة العامة للإستعلامات . صفحة 1615 و1616)

رؤية الحزب الشيوعي الإسرائيلي :

طرح هذا الحزب شأنه شأن قادة الأحزاب الإسرائيلية ومنهم Allon مشروعاً للتسوية , وإذ أورده كمثال في هذا السياق فذلك لأن كثير من القوي العربية الليبرالية والقومية كانت تعتبر هذا الحزب وعناصره قريبين من الأماني والرؤي العربية للتسوية , بينما الواقع أن كلهم واحد لكن بألوان مختلفة , وتلك هي رؤيته  التي طُرحت علي الكنيست في 8 أغسطس 1967 :

1- تحديد ذاتية الشعب الفلسطيني في المناطق المُحتلة ورد إعتبار اللاجئين وإقامة علاقات ودية مُتبادلة .

2- تبديل إتفاقيات الهدنة مع كل من مصر وسوريا والأردن ولبنان بإتفاقيات صلح دائم علي أساس الحدود الدولية عام 1948, وعلي أساس حرية الملاحة والمرور البرئ .

3- وضع خطة تنمية إقتصادية إقليمية مُشتركة لإستغلال مياه الأنهار وإستخراج الثروات الطبيعية .

4- إتفاق دولي بإشتراك الدول الكبري الأربع لحياد المنطقة والحد من التسلح التقليدي وتحريم الأسلحة النووية والمساعدة في التنمية . * (ملف وثائق فلسطين . وزارة الإرشاد القومي . الهيئة العامة للإستعلامات . صفحة1571)

2- الرؤية غير الرسمية :

هناك أهمية وضرورة لبيان هذه الرؤية ولو أنها غير رسمية لكنها صادرة عن شخصيات مؤثرة في الفكر الصهيوني ومُشبعة تبادلياً به , ومن بين أهم الأفكار والمقترحات العديدة والمختلفة الصادرة عن سياسيين صهاينة  بشأن حل القضية الفلسطينية ما يلي :

اللواء أهارون ياريف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أمان :

تولي هذا المنصب في الفترة من 1964 حتي 1972 وكان عضواً بالكنيست ووزيراً للمواصلات عام 1974 وكتب تحت عنوان” حل المشكلة وثمنه بالنسبة لإسرائيل فأشار إلي أن هناك 6 مبادئ حاكمة للتقدم نحو حل يحظي بموافقة وتأييد نفر قليل فقط يتمثل في مبادرة تكون إسرائيل بموجبها مُستعدة للإعتراف بالفلسطينيين في تقرير مصيرهم , وذلك كما يلي * ( ألوف هوربين . ترجمة غازي السعدي . هل يوجد حل للقضية الفلسطينية ؟ . دار الجليل للنشر -عمان طبعة أولي أبريل 1983. صفحة17)

– يكون تنفيذ حق تقرير المصير تدريجياً بهدف تقليص مخاطر ذلك علي إسرائيل ويكون الحكم الذاتي أحد مراحل هذا التدرج .

– يجب أن يكون الأردن طرفاً في المفاوضات التي تحدد طبيعة تنفيذ حق تقرير المصير لأسباب منها أن هذا الأمر حتمه إتفاق إطار السلام في الشرق الأوسط, وأن الأردن يعيش به حوالي مليون فلسطيني ومن الطبيعي أن يشترك ممثلوهم في المفاوضات , كما ان إشتراك الأردن  من شأنه أن يُنشئ منذ البداية إطاراً يسهل من إيجاد حل لمشاكل الأمن .

– القدس لن يُعاد تقسيمها مرة أخري وستظل عاصمة لإسرائيل .

– في إطار الفترة الزمنية المُحددة لتنفيذ حق تقرير المصير يجب حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ” خارج حدود دولة إسرائيل” , وهي الحدود التي سيتم الإتفاق بشأنها في المفاوضات .

– يجب التوصل إلي تعديل لحدود الرابع من يونيو 1967 ووضع ترتيبات أخري (كنزع السلاح وإقامة محطات للإنذار ووجود عسكري وماشابه ) تمنح إسرائيل قدراً معقولاً من الأمن .

– إن ممارسة حق تقرير المصير سيكون مشروطاً بتوقيع معاهدات سلام مع دول عربية أخري .

 أرييه شيلف :

شغل منصب مساعد رئيس الإستخبارات العسكرية للأبحاث ثم منصب قائد الضفة الغربية خلال  عامي 1974 – 1976 ثم باحث فنائب مدير مركز الدراسات الإستراتيجية بجامعة تل ابيب كتب تحت عنوان ” إستمرار الوضع الراهن أم حكم ذاتي ؟ ” فأشار إلي أن إستمرار الوضع الراهن ينطوي 5 مميزات هي أنه (1) لا يجشم إسرائيل عناء إتخاذ قرارات جسيمة , وعليه فإنه في إستمرار الإحتلال العسكري قضاء علي الحاجة لإتخاذ قرارات سياسية هامة و(2) أن إسرائيل ستحصل علي الأمن المعقول والحماية من التهديدات المُحتملة من الأردن أو عن طريق الأردن , و(3) إذا تم التوصل إلي حل سياسي بدلاً من إستمرار الحكم العسكري , فإن نسبة النشاطات التخريبية المُعادية ستنخفض ولكنها لن تتوقف نهائياً , لهذا فالتواجد العسكري في المناطق المحتلة يمنحنا عدة مميزات في مكافحة الإرهاب , (4) في المنطقة التي تبعد حوالي 20 كم من نهر الأردن غرباً نجد خلواً من القوي العربية (عدا مدينة أريحا وقرية العوجا الواقعة إلي الشمال منها) ويمكن بواسطة قوات عسكرية منع تسلل وحدات الفدائيين الفلسطينيين , (5) ميزة في نظر من يرغبون في تغيير الوضع السكاني في الضفة الغربية وتحويله من أغلبية عربية حاسمة إلي وجود نسبة كبيرة من السكان اليهود يكون لهم مغزي سياسي , لكني (أي أرييه شيلف) أشك في قدرتنا السياسية علي إدارة سياسة مستوطنات يهودية كثيرة في الضفة الغربية والقيام بخطوات حاسمة نسبياً لطرد العرب لأن العرب مُلتصقون ببيوتهم وأشك في إمكانية مغادرتهم المنطقة أو الهجرة منها .

يري أرييه شيلف أن هناك قيود علي إبقاء الوضع الراهن فإستمرار سيطرة إسرائيل لفترة طويلة علي الضفة الغربية مقابله ثمن ستضطر إسرائيل إلي دفعه , وهذا الثمن له ثلاثة مجالات (1) في العلاقاتت مع السكان الفلسطينيين و(2) في علاقات إسرائيل الخارجية بما فيها العلاقات مع مصر والولايات المتحدة , و(3) في العلاقات الداخلية الإسرائيلية , وأوضح أرييه شيلف ما يتعلق بالعلاقات مع الفلسطينيين فقال ” إن إتفاق كامب ديفيد ينص علي أن الحكم الذاتي هو المرحلة الأولي من مراحل حل القضية الفلسطينية , والسؤال هو : هل يجب تأييد الحكم الذاتي أم معارضته ؟ إن غالبية سكان المناطق المُحتلة وزعماءهم يعارضون إتفاق الحكم الذاتي جملة وتفصيلاً وهم يطالبون بإنسحاب إسرائيل الشامل من المنطقة , أما موقف إسرائيل فهو ينص علي عدم إعادة تقسيم البلاد وعدم وجود حكم أجنبي في أرض إسرائيل , من هنا فإن الصراع السياسي سيستمر وسيزداد علي الرغم من أنني أبدي تحفظاً حول موضوع واحد وهو : أن نظرة السكان العرب تدعو إلي المحافظة أولاً علي الوضع الراهن والصمود والإمتناع عن القيام بمجازفات قد تفتح إمكانيات في وجه إسرائيل لإضعاف الفلسطينيين (عن طريق طرد السكان مثلاً)  ومن الممكن القول أن العصيان المدني كان شاملاً كلما كان له أثرعلي موقف دولة صديقة لإسرائيل إزاء موضوع إستمرار سيطرتنا علي المناطق المُحتلة . ومن بين آراء أرييه شيلف في الحكم الذاتي قوله أن مساوئ الحكم الذاتي أنه سيؤدي إلى قيام كيان فلسطيني ودولة فلسطينية وهذا في نظره خطر على إسرائيل ورغم أن هذا الرأي مضى عليه قرابة عشرين عاماً إلا أنه لا زال اليوم يسرى بين الأحزاب . * (المرجع السابق .صفحة 61)   

مُقترح أوري أفنيري (القوة الجديدة ) :

أوري أفنيري عنصر من عناصر عصابة الأرجون الإرهابية وفيما بعد تأسيس الكيان الصهيوني عمل صحفياً وسياسياً وعضو كنيست وهويساري أنشأ عام 193 كتلة السلام , وإبان عضويته في الكنيست عرض  أمامه في 19 يوليو 1967 مقترحاً لحل القضية الفلسطينية تضمن تأسيس نظام فيدرالي  وقال ” ومعني ذلك بإختصار : نساعد الشعب الفلسطيني علي إقامة جمهورية تمثل كيانه القومي وندمج إقتراح تقديم مساعدتنا في الإقتراح الخاص بإقامة تحالف دول إتحاد فيدرالي أو كونفيدرالي لأرض إسرائيل , وبهذه الصورة دمج هدفينا الأساسيين (ألف) المحافظة علي وحدة أرض إسرائيل (باء) التوصل إلي السلام , وفي رأينا انه لا غني لكلا الهدفين عن الآخر , لأنه دون توحيد البلد لن يكون هناك سلام , ودون السلام لن نستطيع المحافظة علي وحدة البلد …” ثم قال ” إن السؤال الأول : كيف نساهم في إقامة دولة فلسطينية ؟ إن الخطوات العملية التي نقترحها هي: (1) إجراء إستفتاء في اسرع وقت بناء علي مشروع مُعد ومُفصل لإقامةدولة وإتحاد فيدرالي , ويمكن غجراء هذا الإستفتاء تحت إشراف دولي وأمام العالم بأسره (2) تشكيل حكومة فلسطينية مُؤقتة تمثل القوي المهمة في الشعب الفلسطيني تمثيلاً حقيقياً(3) إجراء إنتخابات حرة أولية لبرلمان فلسطيني خلال مدة معقولة(4) إحالة صلاحيات إدارية لهذه الحكومة بصورة تدريجية ولكن سريعة , والسؤال الثاني : كيف ستكون حدود فلسطين ؟ من الواضح أن فلسطين تشمل الضفة وقطاع غزة وجميع مناطق إسرائيل منذ عهد الإنتداب بإستثناء دولة إسرائيل والقدس .

وفي إقتراب مبكر لإمكانية أن تكون شبه جزيرة سيناء كلها جزءاً من الدولة الفلسطينية المُفترضة من وجهة نظر إسرائيلية صدرت عن أوري أفنيري اليساري الصهيوني المُصنف علي أنه من الحمائم من قبل  العرب الواهمون ممن يطلقون علي أنفسهم ليبراليين وقوميين رؤيا مبكرة بإدخال سيناء في خطة إذابة قضية اللاجئين إذ أوضح أمام نفس هذه الجلسة للكنيست الصهيوني ما نصه ” وإذا أراد أهالي شبه جزيرة سيناء الإنضمام إلي هذه الدولة فمن المُؤكد أن هذا سيكون حسناً وإذا أراد سكان شرقي الأردن وإذا إستطاعوا بإرادتهم الحرة الإنضمام إلي هذه الدولة فمن المُؤكد أن ذلك سيكون حسناً , وجدير بالذكر هنا أن نشير إلي الإصطلاح التاريخي ” فلسطين في اللغة العربية خلافاً ” لأرض إسرائيل ” باللغة العبرية تمثل المنطقة بين الأردن والبحر , فأرض إسرائيل كما نستخدمها في لغتنا الجغرافية وليست السياسية تشمل ضفتي الأردن ” ثم وبعد مداخلات آخرين بالكنيست أضاف أوري أفنيري قوله ” وهاهي الأسئلة الأساسية : هل من الممكن ألا تكون دولة فلسطينية دويلة عازلة دون مقومات للحياة أو مُستعمرة إسرائيلية ؟ ما هي حدود التحالف (مع هذه الدولة) ؟ هل سيكون إتحاد فيدرالي أم إتحاد كونفيدرالي أو أي صورة أخري ؟ أين ستكون عاصمة الإتحاد الفيدرالي ؟ هل سيوافق العرب علي هذا المشروع ؟ هل سيُؤدي ذلك إلي فصل الشعب الفلسطيني عن المنطقة؟ , وقد أسقط هذا الموضوع عند التصويت عليه من جدول أعمال الكنيست  . * (محاضر الكنيست 1966/1967 .الدورة الثانية مُترجمة عن العبرية . مركز الدراسات الفلسطينية بالأهرام بالقاهرة و مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت . الطبعة الأولي 1971 . صفحة 849 و850)

شلومو أفنيري :

شغل افنيري منصب مدير عام الخارجية الإسرائيلية في الفترة من 1976 حتي 1977 في عهد حكومة حزب العمل , وفي مقال له بعنوان ” هل هناك مجال لتقرير المصير من قبل الفلسطينيين ؟ ” أشار إلي ما وصفه بمبادئ البحث عن حل فأشار إلي ما يلي :

– في حالة إستعداد أورغبة في التدمير المُتبادل , فإن مبدأ التقسيم الذي وُوفق عليه من قبل الحركة الصهيونية في عام 1947 يجب أن يظل مناراً للإسرائيليين الذين يبحثون عن الحل .

– في هذا المجال يجب الأخذ بعين الإعتبار التغييرات السكانية والجغرافية التي طرأت عام 1949 , وحقيقة وجود مليون فلسطيني في الضفة الشرقية لنهر الأردن ومعني ذلك إستحالة إيجاد حل في إطار الضفة والقطاع فقط , بل يجب البحث عن حل يضم السكان الفلسطينيين في ضفتي الأردن والحل الذي أسعي إليه هو حل أردني فلسطيني مُشترك .

عقب شلومو أفنيري علي مُقترحه فقال ” إنني لا أُؤيد إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة , لأنه من غير الممكن عزل مليون فلسطيني يقيمون في شرقي الأردن عن هويتهم الفلسطينية , بل لأن الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع لا تستطيع أن تكون حلاً لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا . إن كل حل فلسطيني يبقي غالبية الفلسطينيين في المُخيمات ولا يقترح حلاً مُشرفاً داخل حدود أرض إسرائيل / فلسطين التاريخية لا يمكن أن يكون حلاً , وإذا قامت دولة فلسطينية مُستقلة في الضفة الغربية والقطاع وكانت مُستعدة للعيش بسلام مع إسرائيل ولم تكن بزعامة منظمة التحرير الفلسطينية , فإنها لن تستطيع مواجهة مشكلة اللاجئين في لبنان وتوطنهم في الضفة الغربية لأن هذه المنطقة لا تستطيع إستيعاب أعداد كبيرة من السكان , إن المكان الوحيد الذي يمكن إستيعاب الفلسطينيين فيه هي الضفة الشرقية التي تزيد مساحتها عن مساحة الضفة الغربية بعشرة أضعاف والتي تعتبر جزءاً من أرض إسرائيل / فلسطين التاريخية , وفي إطارها يمكن إيجاد حل لمشكلة اللاجئين , بإختصار لا دولة إسرائيل ولا دولة فلسطين المُستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة , بل إستعداد بعيد الأثر لقبول الحل الوسط في إطار حل أردني / فلسطيني , وهذا هو السيناريو الوحيد الذي يتفق مع الحقيقة الداخلية للصهيونية التي لا تريد سلب غيرها ما تطلبه لنفسها (؟؟؟؟؟؟؟) , *(ألوف هوربين . ترجمة غازي السعدي . هل يوجد حل للقضية الفلسطينية ؟ . دار الجليل للنشر – عمان طبعة أولي أبريل 1983 . صفحة 133)

من بين أقوال شلومو أفنيري ما كتبه ذات مرة في صحيفة هاآرتس في ما يو 2008 ونصه : ” في 15 مايو وعندما احتفل الفلسطينيون في ذكرى ما يسمونه بالنكبة يجدر بهم أن يفكروا أيضا في حقيقة ان فشلهم الحقيقي لم يقع في العام 48 , فقد وقع قبل ذلك ، ويواصل الوقوع اليوم ايضا . النكبة الحقيقية تقع الآن، امام ناظرينا – وناظريهم – يوم يوم، ساعة ساعة ، والانقلاب العنيف لحماس في غزة هو فقط المثال الاخير على ذلك ” . ” الفلسطينيون يرون أنفسهم – وبقدر كبير من الحق – ضحية نجاح الحركة الصهيونية في اقامة دولة يهودية في ارض اسرائيل – ولكن اسباب فشلهم التاريخي يجب البحث عنه في انعدام قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على خلق الاطار المؤسساتي ، السياسي والاجتماعي ، الذي هو البنية التحتية اللازمة لبناء الامة . مراجعة تاريخ الحركات القومي يثبت أنه لا يكفي الوعي الوطني، مهما كان قويا : فالحركات التي لم تنجح في خلق منظومة المؤسسات الحيوية لنجاح حركتها  فشلت ” . ” سيكون من الخطأ الاستخفاف بقوة الحركة الوطنية الفلسطينية . غير قليلين في المعسكر الصهيوني فشلوا في ذلك في الماضي ، ويفشلون في ذلك اليوم ايضا (رأي حاييم ارلوزوروف رأي وفهم علي نحو سليم منذ العام 1921 ان ما يقف امام الحركة الصهيونية هو حركة قومية وليس سلسلة من الاحداث العنيفة) , غير أن الحركة الوطنية الفلسطينية تجر وراءها دربا طويلا من الاخفاقات النابعة من عدم قدرتها على ان تقيم اطارا من الاجماع والتكافل : هذه الاخفاقات اضعفتها وفتتتها ، ويبدو ان الفلسطينيين لم ينجحوا في التغلب على ذلك حتى اليوم ” ,  ” التعبير الأول والأكثر حدة عن ذلك كان في ما حدث في اعوام 36 – 39 ، اثناء الثورة الفلسطينية ضد الحكم البريطاني . هذه الثورة فشلت ليس فقط بسبب وحشية القمع الاستعماري البريطاني ونجاح «الهاجناه» في الدفاع عن الوجود السكاني اليهودي «اليشوف» , الفلسطينيون لم ينجحوا في أن يقيموا المؤسسات المقبولة من كل المجتمع العربي في البلاد ، وعندما نشأت خلافات داخلية حول سبيل الكفاح، تدهورت الثورة الى حرب اهلية فلسطينية داخلية بين الميليشيات المسلحة المتخاصمة “.

صفقة القرن المُفترضة :

كما سبقت الإشارة فليس لدي أي ممن يتناولون موضوع “صفقة القرن” وثيقة رسمية نُشرت علي نطاق واسع من خلال القنوات الإعلامية مكتوبة أو مسموعة ومرئية , لكني سأعتمد علي القليل وغير المُتماسك مما أشيع عنها , وصفقة القرن – في تقديري- هدفها الرئيسي تصفية القضية الفلسطينية , وهذا التتعبير لم يُستخدم قط في الترويج لأي من مشروعات أو مُقترحات أو خطط تسوية الصراع العربي / الإسرائيلي أو القضية الفلسطينية  منذ صدور قرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وحتي ما قبل الإعلان عن هذه الصفقة مجهولة النسب والأهداف , لكنه التعبير الذي يروق للرئيس الأمريكي بإعتباره تاجر عقارات , فالصفقة التي قيل أن جاريد كوشنير كبير مستشاري الرئيس الأمريكي Donald Trump ومعهجيسون جرينبلات الممثل الخاص للرئيس في مفاوضات الشرق الأوسط، سوقاها وبحثاها مع زعماء شرق أوسطيين معنيين , صفقة نُشرت بصور مختلفة , وهي في كل الصور مُؤسسة علي فكرة تبادل الأراضي أو تكوين كيان وليس دولة للفلسطينيين – كما أكدت ذلك عدة مصادر وذلك  من خلال تجميع أجزاء من أراض مُنتقاة علي أعين الصهاينة بالضفة الغربية تُضم إلي قطاع غزة لتكوين هذا الكيان الفلسطيني وهذه المناطق هي المنطقة المصنفة «أ» وتشكل %18 من مساحة الضفة الغربية و«ب» وتشكل %21 منها ، على ان يضاف لها نسبة محدودة جداً لا تحددها الخطة من المنطقة المصنفة «ج» التي تشكل %61 من مساحة الضفة , و ستكون إقامة هذا الكيان في إطار تأكيد دعائم الرؤية الإسرائيلية للتسوية وهي : (1) رفض أي سيادة على المنطقة الممتدة ما بين البحر المتوسط ونهر الأردن سوى السيادة الإسرائيلية و(2) رفض أي إخلاء لأي مستوطنة و(3) الإبقاء على القدس موحدة وعاصمة وحيدة لإسرائيل و(4) رفض عودة اللاجئين حتى إلى المناطق الفلسطينية , وهي الدعائم التي يمكن إستنباطها من المشاريع والخطط السابق الإشارة إليها والتي نبنت في أذهان الساسة والأكاديميين الإسرائيلية بفضل القادة العرب غير المُؤهلين لحكم دول وإنعدام شعورهم بالمسئولية والذين لهذا السبب مُنيوا بهزيمة ماحقة .

لكن هناك ثمة معلومات خطيرة عن “صفقة القرن” كشفها ناشط إسرائيلي يدعى ” دانيال مورجانشتيرن” بصحيفة “هآرتس” بتاريخ 15 يوليو 2017، في مقال بعنوان ” ليست واحدة ولا اثنتين بل ثلاثة ” , وفي هذا المقال أحال كاتبه علي جون بولتون سفير الولايات المتحدة السابق بالأمم المتحدة صياغة حل مُبتكر- كما يقول الكاتب – مفاده أن تتبنى مصر قطاع غزة ، وتفرض الأردن رعايتها السياسية والاقتصادية على أجزاء من الضفة الغربية ، وتحرص إسرائيل على باقي عرب الضفة الذين سينضمون لمواطني إسرائيل بمساواتهم في الحقوق والواجبات , ووفقاً لهذه الخطة فإن خطوط 1967تعد خطوط وقف إطلاق النار، وهي لذلك ليست منطقية من الناحية الجغرافية والجيوسياسية , كما أن هذه الخطوط ليست مناسبة كأساس لأية مفاوضات سياسية , وتعتبر الخطة أن تجربة الحياة المشتركة بين اليهود والعرب في أرض إسرائيل تجربة شهدت مدًا وجزرًا , وليس هناك من طريقة للفصل بين عرب إسرائيل واليهود وبين مليوني عربي في الضفة الغربية و430 ألف يهودي(في مستوطنات الضفة) , وتعتبر الخطة خطوط 1967 خطوط وقف إطلاق النار، وأنها لذلك ليست منطقية من الناحية الجغرافية والجيوسياسية , وبناء عليه فهذه الخطوط ليست مناسبة كأساس لأية مفاوضات سياسية ولذلك فسيتمتع الفلسطينيون في المنطقة A بحكم ذاتي كامل بما في ذلك الخدمات المدنية والاقتصاد والشرطة باستثناء وجود جيش وكيان سياسي لدى السلطة الفلسطينية فسيكون لديها مجلس تشريعي ومحاكم تعمل وفقا للقانون الأردني- العثماني الذي كان ساريًا عشية حرب1967.

يزداد أمر هذه الصفقة تعقيداً وربما إجراماً عندما نقرأ المعلومات التي أوردها موقع صحيفة “المصري اليوم”  في 28 يناير 2010 بشأن هذه الصفقة  واصفاً إياها بأنها دراسة إسرائيلية عنوانها “البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين” وأنها من وضع اللواء احتياط جيورا أيلاند لصالح مركز ” بيجين – السادات للدراسات الاستراتيجية ” وتقع فى 37 صفحة من القطع الكبير , وبدأ اللواء أيلاند، وهو أحد صناع القرار المؤثرين فى إسرائيل عرض مشروعه المقترح للتسوية بالتأكيد على أن حل القضية الفلسطينية ليس مسؤولية إسرائيل وحدها ولكنه مسؤولية ٢٢ دولة عربية أيضا ، وأنه يجب أن تبذل جهودا إضافية لرفع معاناة الفلسطينيين , وعرض الموقع هذه الصفقة مُوجزاً لهذه الدراسة / الصفقة وأشار إلي أنها تتضمن :

  • أولا: تتنازل مصر عن مستطيل من أراضى شبه جزيرةسيناء  مساحته ٧٢٠ كيلومتراً مربعاً لصالح الدولة الفلسطينية المقترحة , وهذا المستطيل طول ضلعه الأول ٢٤ كيلومتراً ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غربا وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثانى فطوله٣٠ كيلومتراً من غرب «كرم أبوسالم»، ويمتد جنوبا بموازاة الحدود المصرية الإسرائيلية , وبعد ضم هذا المستطيل إلى غزة التي مساحتها الحالية  تبلغ ٣٦٥ كيلومتراً مربعاً فقط ستتضاعف مساحتها ثلاث مرات  .
  • ثانيا: منطقة الـ (٧٢٠ كيلومتراً مربعاً) توازى ١٢% من مساحة الضفة الغربية. وفى مقابل هذه المنطقة التى ستُضم إلى غزة، يتنازل الفلسطينيون عن ١٢% من مساحة الضفة لتدخل ضمن الأراضى الإسرائيلية .
  • ثالثا: فى مقابل الأراضى التى ستتنازل عنها مصر للفلسطينيين، تحصل القاهرة على أراض من إسرائيل جنوب غربى النقب (منطقة وادى فيران). المنطقة التى ستنقلها إسرائيل لمصر يمكن أن تصل إلى ٧٢٠ كيلومتراً مربعاً (أو أقل قليلا)، لكنها تتضاءل فى مقابل كل المميزات الاقتصادية والأمنية والدولية التى ستحصل عليها القاهرة لاحقا .

واصل المقال الترويجي والمُوجه بيان تفاصيل هذه “الصفقة” بهدف لا يخرج في تقديري عن التمهيد لها في أوساط الرأي العام المصري أو جس نبض الرأي العام المصري بإعتبار أن هناك تاريخياً قطاعاً مُستهدفاً من الرأي العام المصري لم ينكر علي الرئيس السابق عبد الناصر هزيمته المُنكرة في حرب 5 يونيو 1967 وأصر علي أن يظل رئيساً مهزوماً أفضل من إعدامه رمياً بالرصاص أو بغيره لعدم إنضباطه وتحمله مسئولية الهزيمة كاملة وهو نفس القطاع من الشعب المصري الذي قبل إطلاق مُسمي ” النكسة” بدلا من “الهزيمة” الذي أشاعه محمد حسنين هيكل الصحفي المُجرد من أي هوية , فالصحيفة تنشر “صفقة القرن” غير عابئة بقدسية أرض الوطن التي جعلت بريطانيا تُجرد عام 1982 حملة عسكرية لصيانة جزيرة فوكلاند التي تبعد أكثر من 6 الآف كم عن الساحل البريطاني والقريبة جداً من ساحل الأرجنتين التي أرادت السيطرة عليها , وهناك أمثلة لا تُحصي عن قدسية الأرض , لكن ماذا يفعل المرء وهو يري أموات بلا إحساس ؟ , أما تفاصيل “الصفقة العار” كما أوردها هذا الموقع نقلاً عن الجريدة المصرية فكانت كالتالي :  

المكاسب الفلسطينية :

لا تقدر غزة بمساحتها الحالية على الحياة , فالقطاع لا يملك الحد الأدنى من الأراضى التى تتيح لسكانه بناء اقتصاد مستقر والعكوف على تنمية مستدامة ويعيش فى غزة، حاليا ١.٥ مليون نسمة وسيصل تعدادهم فى ٢٠٢٠ إلى ٢.٥ مليون نسمة , ولاشك أن سكان غزة بمساحتها الأصلية لن يتمكنوا من العيش فى سعادة ورفاه على قطعة أرض محدودة لا تسمح بالتطوير والتنمية , ويستحيل بناء ميناء بحرى بحجم معقول سواء بسبب محدودية المساحة أو لأن قرب هذا الميناء من إسرائيل سيتسبب فى أضرار بالغة لشواطئها , وكل من يحاول المقارنة بين غزة وسنغافورة يخطئ التقدير , فاقتصاد سنغافورة يقوم على التجارة الدولية والتعاملات المصرفية المتقدمة وصناعات “الهاى تكنولوجى”،أما اقتصاد غزة فيقوم على الزراعة والتكنولوجيا البسيطة , وصحيح أن مساحة دولة سنغافورة لا تؤثر سلبا على نموها الاقتصادى لكن توسيع مساحة غزة شرط أساسى لضخ الحياة فى أوصالها , والواقع أن ” توسيع غزة ” وفقا للمشروع الإسرائيلى المقترح هنا يمنحها ٢٤ كم إضافية من السواحل المطلة على المتوسط بكل ما يترتب على ذلك من مزايا مثل التمتع بمياه إقليمية تصل إلى ٩ أميال بحرية ، وخلق فرص وفيرة للعثور على حقول غاز طبيعى فى هذه المياه , كما أن إضافة ٧٢٠ كم مربع لغزة تمكن الفلسطينيين من إنشاء ميناء دولى كبير (فى القطاع الغربى من غزة الكبرى) ومطار دولى على بعد ٢٥ كم من الحدود مع إسرائيل , والأهم بناء مدينة جديدة تستوعب مليون شخص على الأقل وتشكل منطقة تطور ونمو طبيعى لسكان غزة والضفة بل ويمكنها استيعاب أعداد من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فى دول أخرى والفوائد الاقتصادية من هذا التوسع عظيمة الأثر كما سيتبين لاحقا , فغزة الجديدة ستتحول إلى منطقة جذب تفيض بفرص النمو الاقتصادى وتصير بين عشية وضحاها مركزاً تجارياً دولياً ، لكن على الفلسطينيين فى المقابل أن يتنازلوا عن جزء من الضفة الغربية يشغله المستوطنون الإسرائيليون وقواعد الجيش الإسرائيلى منذ عشرات السنين وربما يكون هذا التنازل مؤلما لكن لا يمكن مقارنته بحجم الفوائد والمكاسب التى ستحققها غزة فى المستقبل  .

المكاسب المصرية :

مقابل استعداد مصر للتنازل للفلسطينيين وليس لإسرائيل عن ٧٢٠ كم مربع من الأراضى المصرية “المقدسة” – التنصيص من المصدر – ستحقق مصر المكاسب التالية :

  • أولا: مبدأ الأرض مقابل الأرض تتسلم مصر قطعة أرض من إسرائيل فى صحراء النقب والحد الأقصى لمساحة هذه الأراضى سيكون ٧٢٠ كم مربع، لكن المكاسب الضخمة الأخرى التى ستجنيها القاهرة تستحق الأخذ والرد حول هذا المشروع  .
  • ثانيا: مصر مقطوعة جغرافيا عن القسم الرئيسى (الشرقى) من الشرق الأوسط فالبحر الأحمر يحدها من الشرق والجنوب والبحر المتوسط يحاصرها من الشمال , ولكى يحدث الترابط البرى غير المتاح ستسمح تل أبيب للقاهرة بشق نفق يربط بين مصر والأردن ويبلغ طول هذا النفق حوالى ١٠ كم، ويقطع الطريق من الشرق للغرب (على بعد ٥ كم من إيلات) ويخضع للسيادة المصرية الكاملة والحركة من مصر إلى الأردن (وبعد ذلك شرقا وجنوبا للسعودية والعراق) ستتم بدون الحاجة للحصول على إذن من إسرائيل  .
  • ثالثا: بين الميناء الجوى الجديد فى غزة الكبرى والميناء البحرى الجديد هناك وكلاهما على ساحل المتوسط ، وحتى هذا «النفق المصرى- الأردنى» فى الجنوب ، سيتم مد خط سكك حديدية ، وطريق سريع وأنبوب نفط (وتسير هذه الخطوط داخل الأراضى المصرية بمحاذاة الحدود مع إسرائيل) , وتعبر هذه الخطوط الثلاثة النفق إلى الأردن، ثم تتشعب باتجاه الشمال الشرقى لتغذى كل من الأردن والعراق، وإلى الجنوب، باتجاه السعودية، ودول الخليج , وهذا الربط كما سيتضح هنا فى البند السابع من الخطة، له فوائد اقتصادية هائلة , فالمكاسب المصرية واضحة وضوح الشمس ، لأن القاهرة ستحصل على نصيبها من الجمارك والرسوم مقابل كل “حركة” تتم بين الأردن والعراق ودول الخليج فى اتجاه ميناء غزة , وذلك لأن الطريق التجارى كما أوضحنا يمر بالأراضى المصرية .
  • رابعا: تعانى مصر من مشكلة مياه تتفاقم يوما بعد يوم وهناك زيادة مطردة فى أعداد السكان ومصادر المياه العذبة فى تناقص مستمر, وبناء على ذلك فإن الدولة التى يعتمد ٥٠% من سكانها على النشاط الزراعى لن تتمكن من الحفاظ على بقائها واستمرارها بعد جيل أو جيلين بدون إيجاد حل مبدئى لأزمة المياه , ويتطلب الأمر ضخ استثمارات هائلة فى مجال تحلية وتنقية المياه ويتطلب هذا المجال الحصول على خبرات تكنولوجية متقدمة جدا وتوفير رؤوس أموال بالمليارات ومصر تفتقر لهذين العنصرين , لذلك فمقابل “الكرم” المصرى، سيقرر العالم ضخ استثمارات كبرى فى مصر فى مشروعات ضخمة لتحلية وتنقية المياه، وذلك عبر البنك الدولى ومؤسسات مشابهة .
  • خامسا: منح اتفاق السلام المصرى الإسرائيلى الموقع سنة ١٩٧٩، لمصر ميزات كثيرة لكنه اضطرها أيضا لقبول تقييدات قاسية فيما يتعلق بنشر قواتها العسكرية فى سيناء وأحد المكاسب التى ستحققها مصر مقابل التنازل عن قطاع من أراضيها للفلسطينيين هو موافقة إسرائيل على إجراء “تغييرات محددة” فى الملحق العسكرى من اتفاقية السلام وهذه خطوة لا غنى عنها لمساعدة القيادة السياسية المصرية فى مواجهة الرأى العام الداخلى بهذا التبرير: نحن تنازلنا حقا عن نسبة ١% من أراضى سيناء لكن هذا التنازل سمح لنا بعد ٣٠ عاما أن نبسط سيادتنا على ٩٩% من مساحتها بصورة كاملة  .
  • سادسا: مصر مثل دول كثيرة فى المنطقة معنية بالحصول على القدرة النووية (لأغراض سلمية) وجزء من التعويضات التى ستحصل عليها مصرسيتمثل فى موافقة الدول الأوروبية (خاصة فرنسا) على بناء مفاعلات نووية فى مصر لإنتاج الكهرباء .
  • سابعا: اتفاق السلام الذى تطرحه هذه الخطة سيضع نهاية لصراع استمر ١٠٠ عام بين إسرائيل والدول العربية ولن يشك أحد فى أن هذا الاتفاق لم يكن ليحدث لولا مباركة الرئيس المصرى, ومن هنا يصبح طريق الرئيس المصرى للحصول على جائزة نوبل للسلام مفروشاً بالورود ، كما تحتفظ القاهرة بحقها فى الدعوة لمؤتمر سلام دولى فى مصر، وتستعيد، دفعة واحدة، مكانتها الدولية المهمة التى تمتعت بها قبل عام ١٩٦٧.

مكاسب الأردن :

الأردن هى الرابح الأكبر من هذه التسوية كما أنه غير مطالب بدفع أى ثمن لقاء ذلك على الرغم من أنه قد يتذمر من إزالة الحاجز الجغرافى والسياسى الذى تمثله إسرائيل اليوم بوجودها الجغرافى والسياسى بين عمان والقاهرة لكن يمكن الإشارة لمكسبين كبيرين تحققهما الأردن فى إطار هذه الخطة :

  • أولا : منظومة الطرق والسكك الحديدية وأنبوب النفط ستربط الميناء الدولى فى غزة الكبرى عبر النفق المصرى الأردنى بدول الخليج , وهكذا تحصل الأردن، مجانا على إطلالة مثمرة على البحر المتوسط (ميناء غزة) ومن ثم تحقق تواصلاً مازال مقطوعا مع أوروبا , أضف إلى ذلك أن الجزء الشرقى من النفق هو “عنق الزجاجة” الذى تتجمع فيه حركة البضائع القادمة من أوروبا ومتجهة إلى العراق والخليج , الأمر الذى يمنح الأردن ميزات اقتصادية واستراتيجية عظيمة  .
  • ثانيا : الأردن منزعجة جدا من المشكلة الديموغرافية داخل أراضيها فأغلبية سكان المملكة من أصول فلسطينية وأعدادهم فى تزايد مستمر وهذه الظاهرة تستفحل طالما أن حياة الفلسطينيين فى الأردن أكثر راحة وسهولة من حياتهم فى الضفة وغزة , ففى اللحظة التى ستقام فيها مدينة “غزة الكبرى”، والميناء والمطار الجديدان ستنشأ فرص عمل وفيرة وتنقلب الآية ، ويفضل الفلسطينيون من أصول غزاوية (أعدادهم فى الأردن تصل لحوالى ٧٠ ألف نسمة) العودة إلى “بيتهم” شأنهم شأن عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فى الضفة والأردن نفسها .

المكاسب الإسرائيلية :

عندما نقارن هذه التسوية بالحل «العادى» القائم على فكرة «دولتين لشعبين داخل الأراضى الفلسطينية» نكتشف أربع مميزات للتسوية الجديدة يمكن عرضها كالتالى :

  • أولا: الأراضى التى ستحتفظ بها إسرائيل فى الضفة (حوالى ١٢%) أكبر بكثير من المساحة التى يمكن أن تحصل عليها فى الحل “لعادى” والـ ١٢% هى المساحة التى وصفها ايهود باراك عندما سافر لمؤتمر كامب ديفيد ٢٠٠٠ ، بالمساحة الحيوية للحفاظ على المصالح الإسرائيلية , كما أن الخطة الرئيسية لبناء الجدار العازل احتفظت لإسرائيل بـ ١٢% من أراضى الضفة. غير أن ضغوط المحكمة العليا فى إسرائيل حركت الجدار غربا ، واحتفظت إسرائيل داخل الجدار بـ٨% فقط من المساحة التى تحتاجها , والواقع أن مساحة الـ ١٢% ستسمح لإسرائيل بتقليص دراماتيكى فى أعداد المستوطنين الواجب إخلاؤهم من الضفة ، فيتقلص العدد من ١٠٠ ألف مستوطن إلى ٣٠ ألفا فقط , بالإضافة إلى أن هذه المساحة ستسمح لإسرائيل بالاحتفاظ داخل حدودها بأماكن دينية ذات أهمية تاريخية وروحانية مثل مستوطنتى عوفرا وكريات أربع  وتضمن الاحتفاظ بمستوطنة أريئيل داخل إسرائيل ، وتوفير الأمن لسكانها .
  • ثانيا: هذا التقسيم المتوازن للأراضى بين غزة والضفة يمنح الدولة الفلسطينية فرصاً كبيرة جدا للاستمرار والنمو وبهذا يمكن الوصول إلى تسوية سلمية مستقرة وغير معرضة للانهيار .
  • ثالثا: مشاركة الدول العربية، خاصة مصر والأردن فى الحل يمثل دلالة إيجابية ويخلق ثقة أكبر فى الحفاظ على الاتفاقية وعدم نقضها .
  • رابعا: هذه التسوية الإقليمية لا تنفى ضرورة توفير «معبر آمن» بين غزة والضفة ، لكنها تقلل من أهميته، وتقلص حجم الحركة فيه فيبقى “المعبر الآمن” سبيلا للتنقل بين الضفة والقطاع، لكن غالبية حركة البشر والبضائع بين غزة والعالم العربى ستنطلق عبر منظومة الطرق ووسائل المواصلات الجديدة التى تربط غزة الكبرى بالعالم  .

مكاسب الأطراف المختلفة :

غالبية حجم التجارة بين أوروبا ودول الخليج والعراق والسعودية تتم عبر سفن تعبر من قناة السويس أو عبر سفن ضخمة تضطر بسبب حجمها للدوران حول قارة أفريقيا , وهذان الطريقان البحريان غير مفيدين ، لكن بسبب عدم وجود ميناء عصرى على ساحل المتوسط وعدم وجود شبكة مواصلات قوية وآمنة لا بديل عنهما , وبالتالى إذا أقيم على ساحل المتوسط، وفى غزة الكبرى، ميناء عصرى مزود بتكنولوجيا مشابهة للتكنولوجيا المستخدمة فى ميناء سنغافورة , وإذا تفرعت منه شبكة طرق جيدة، جنوبا وشرقا وخط سكك حديدية وتم زرع أنبوب نفط فمن الممكن دفع حركة تجارة نشطة وتخفيض تكلفة السلع  ولن يأتى تمويل هذه المشروعات من الدول التى ستسير فى أراضيها هذه البنية التحتية فقط، وإنما ستشارك الدول الغربية فى التمويل أيضا , فالعالم يدفع، اليوم، حوالى مليار دولار سنويا لإطعام الفلسطينيين ، لكن وفقا لهذه الخطة فإن هذه الأموال ستستخدم فى الاستثمار الاقتصادى وتدر أرباحا هائلة تغطى التكلفة فى بضع سنين  وتستفيد من هذا الازدهار كل من مصر والأردن بشكل مباشر وعدة دول أخرى بشكل غير مباشر وعلى عكس الماضى الذى شهد حلولا ثنائية للصراع القومى على أسس سياسية وإستراتيجية ، فالواقع أن المجتمع الدولى اليوم يبحث عن حلول متعددة الأطراف على أسس اقتصادية وربحية ولعل إنشاء الإتحاد الأوروبى هو المثال الأبرز فى هذا الاتجاه , ولا شك أن الحل الإقليمى المقترح فى هذه الخطة يتماشى بدقة مع الاتجاهات الجديدة السائدة فى العالم , فهذا الحل يعطى للفلسطينيين فرصة حقيقية للتحول إلى «سنغافورة الشرق الأوسط» ولا يمكن بأى شكل من الأشكال التفكير فى تحقيق إنجاز مشابه فى حدود غزة الضيقة التى نعرفها اليوم .

مقابل هذه الخطة المنشورة بصحيفة مصرية , كانت هناك تسريبات بالصحافه الاسرائيليه عن مبادرة لنتنياهو رئيس الحكومة الصهيونية تنص بنودها على الآتي :

(1) الضفة الغربية تحت الوصاية الأمنية الأردنية وتتعهد الأردن بحفظ أمن الكيان الصهيوني على حدود الضفة الغربية(2) الأمن الداخلي للدولة الفلسطينية المقترحة من اختصاص السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية(3) كونفدرالية مع الأردن تحت وصاية أمنية(4) المستوطنات تكون تحت الرعاية الأمنية المباشرة  لقوات الاحتلال الإسرائيلي(6) يتم اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية كونفدرالية واعتراف دولي واعتراف مجلس الأمن وبدون عاصمة الآن ويُقصد بذلك القدس مع توسيع مطار قلنديا وفتحه للطيران والملاحة الجوية ويدار بأيدٍ أجنبية والمعلن فلسطينيا(7) فتح منطقة حرة في أريحا ومعبر تجاري(8) إنشاء محطة كهرباء بالضفة الغربية تعمل بالوقود النووي(9) قطاع غزة تحت الوصاية الأمنية المصرية وتتعهد مصر بحفظ حدود قطاع غزة مع الصهاينة(10) الأمن الداخلي يكون من اختصاص  السلطة الوطنية  الفلسطينية وأجهزتها الأمنية(11) دمج الأجهزة الامنيه التي أنشأتها حماس(12) حركة حماس تتحول إلى حزب سياسي وتفكيك جناحها العسكري وإلحاقه بالأجهزة الأمنية (13) تقوم مصر بإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية السابقة للسلطة الوطنية الفلسطينية  والمنتمية لحماس(14) إعداد جهاز أمني موحد تحت رعاية السلطة الوطنية الفلسطينية وله امتيازات إدارية وإعتمادات مالي (15) تلتزم السلطة الفلسطينية ومصر بتزويد الكيان الإسرائيلي بالمياه الموجودة بالمستوطنات السابقة(مجمع غوش قطيف) حاليا وعددها 24 بئر مياة عذبة (ماكرووت) (16) قطاع غزة يرتبط مع مصر بعلاقة كونفدرالية(17)  حرية الملاحة البحرية تحت الحراسة الأمنية البحرية وإنشاء ميناء في غزة(18) قوات دولية لحفظ عملية السلام ويجدد لها كل سنتين(19) مطار بقطاع غزة تديره قوات دولية سرية والمعلن أنه فلسطيني(20) فتح معبر تجاري مع مصر و(منطقة حرة) وفتح محطة كهرباء بالأراضي المصرية تعمل بالطاقة الشمسية وإشراك القطاع بالشبكة الثمينة الدولية .

من الطبيعي وفي سياق خطة مليئة بالإسفاف كهذه أن ينصرف معني ما جاء بالنقطة (16) بشأن العلاقة الكونفيدرالية بين غزة ومصر علي أن غزة الكونفيرالية هذه ستكون “غزة الكبري” الواردة بالخطة التي سُربت لصحيفة المصري اليوم , وإلا فما معني أيلولة غزة لمصر التي بذلت جهوداً أساءت إليها بغلق المعابر بعد تفكك العلاقة بين غزة والضفة الغربية بعد فوز حماس في إنتخابات 2005 , فقد حاولت مصر- رغم أنها تعلم قدر الإساءة إلي صورتها – غلق المعابر بينها وبين غزة حتي لا تبدأ إسرائيل دعاية سوداء بأن علي مصر دمج غزة بمصر بعد إنفكاك علاقتها بسلطة رام الله , وإستحالة دمجها في إسرائيل بعد إنسحابها الأحادي منها عام 2005, وهذه الخطة فيها الكثير من الخطة المنشورة بصحيفة المصري اليوم الكثير .

الموقف المصري المُعلن :

أصدرت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري بياناً رداً علي تصريح أدلت به في 27 نوفمبر 2017 وزيرة المساواة الإجتماعية الإسرائيلية جيلا جملئيل بالقاهرة قالت فيه ” أن أفضل مكان للفلسطينيين ليقيموا فيه دولتهم هو سيناء وأنه لايمكن إقامة دولة فلسطينية الإ في مصر” , وتضمن نص بيان اللجنة ” تعرب لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري عن رفضها للتصريحات التي أدلت بها وزيرة  المساواة الاجتماعية الإسرائيلية جيلا جامليئيل أثناء حضورها “ المؤتمر الاقليمي للنهوض بمكانة المرأة ولدفع المساواة بين الجنسين الى الامام” والذي عقد بالقاهرة بدعوة من الاتحاد من اجل المتوسط والذي يضم (43) دولة ، وتؤكد اللجنة أن تلك التصريحات تمثل مساساً بالسيادة المصرية ، وصلفاً يستوجب اعتذاراً عاجلاً من الوزيرة الاسرائيلية وحكومتها ، فسيناء أرض مصرية روتها دماء المصريين حتى حررتها من نير الاحتلال الإسرائيلي عام 1973، ولا تقبل اللجنة – والشعب المصري الذي تمثله – الحديث عن التفريط في حبة رمل واحدة من أراضيها , ومن جهة أخرى تشجب اللجنة ما جاء في حديث السيدة الوزيرة من نكوص عن حل الدولتين، الذي تدعمه مصر والقوى الاقليمية والدولية ، فلا تسوية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي سوى بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أرض فلسطين قابلة للحياة على كامل الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، فلن تستقر الأمور بالمنطقة إلا بإقامة الدولة الفلسطينية على اراضيها وهو الامر الذي تماطل الحكومة الإسرائيلية في الوصول إليه، وهى تتناسى التاريخ لهذا الشعب الصابر , وتعرب اللجنة كذلك عن رفضها لما جاء على لسان السيدة الوزيرة من أن الارهاب يهدد استقرار مصر، وتؤكد أنه لم ولن يستطيع النيل من أمن مصر واستقرارها، لا الإرهاب، ولا من يقف خلفه , وفي الختام تهيب لجنة العلاقات الخارجية بدول وشعوب العالم المحبة للسلام أن تعلن عن رفضها لمثل هذه التصريحات والتوجهات العدائية التي صدرت مراراً قبل ذلك من مسئولين اسرائيليين لا يقيمون وزناً للقانون الدولي واحترام سيادة الدولة، ولا يعبأون باستمرار النزاعات وإسالة الدماء، حتى وإن كانت دماء شعبٍ يمثلونه .

من جهة أخري رفض رئيس مجلس النواب، مناقشة طلب إحاطة تم تقديمه إليه وموجها إلى وزير الخارجية حول تصريحات هذه الوزيرة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية، جيلا جملائيل , وبرر رئيس البرلمان ذلك بأن    وزير الخارجية ليس مسؤولا عما يصرح به مسؤولون فى دول أخرى .

نشرت وسائل الإعلام بمصر وخارجها في 27 نوفمبر 2017 أن الخارجية المصرية طلبت رسمياً من نظيرتها الإسرائيلية توضيحاً بشأن تلك التصريحات مشيرة إلى أن مصر عبرت عن طريق سفيرها في تل أبيب عن غضبها الشديد إزاء تلك التصريحات خلال اتصالات مع كبار المسؤولين بالخارجية الإسرائيلية في حين أعلن مسؤول إسرائيلي بوزارة الخارجية إن تلك التصريحات لا تمثل الموقف الرسمي للحكومة ولا تعكس سياستها مشيرا إلى أنه تم إمتصاص ردة الفعل الغاضبة للمصريين .

كما أكد وزير الخارجية المصري في 27 نوفمبر 2017 أيضاً ” أن مصر نرفض تناول أى شأن مصرى أو الحديث عن أراضٍ مصرية من أى جهة أو التفكير فى أى نوع من الانتقاص لسيادة مصر على أراضيها وخصوصًا سيناء ” وأضاف فى تصريحات تليفزيونية ببرنامج “كل يوم” عبر فضائية  ON E” إن سيناء ارتوت بدماء المصريين دفاعًا عنها وذرة واحدة من ترابها ليست محل التنازل عنها أو أن يعتدى عليها أحد وأن هذه التصريحات تمت منذ فترة والسفير الإسرائيلى جاء بناءً على طلبه ” .

بالرغم مما تقدم عن الرفض المصري لهذه الصفقة إلا أنه تلزم الإشارة إلي أن موقع “بي بي سي”عربي أشار في نوفمبر 2017 مفاجأة حول معلومات رسمية عن توطين الفلسطينيين في الأراضي المصرية حصلت عليها “بي بي سي” حصريا بمقتضى قانون حرية المعلومات في بريطانيا , مفادها أن الرئيس مبارك استجاب لمطلب أمريكي في هذا الشأن مُشترطاً أنه كي تقبل مصر ذلك فلابد من التوصل لاتفاق بشأن ” إطارعمل لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي ” , وأن الرئيس مبارك  كشف عن الطلب الأمريكي وموقفه منه خلال مباحثاته مع رئيسة الوزراء البريطانية مرجريت تاتشر أثناء زيارته إلى لندن في طريق عودته من واشنطن في فبراير عام 1983 , وقد نفي الرئيس مبارك في 29 نوفمبر 2017تسجيل صوتي بثته عدة قنوات فضائية مصرية ذلك وإن لم يُشر إلي لقاءه برئيسة الوزراء البريطانية مُستبدلاً إياها بحديثه مع رئيس الوزراء الصهيوني نيتنياهو وقال “رفضت كل المحاولات والمساعي اللاحقة إما لتوطين فلسطينيين في مصر او مجرد التفكير فيما طرح علي من قبل اسرائيل تحديدا عام 2010، لتوطين فلسطينيين في جزء من اراضي سيناء من خلال مقترح لتبادل اراضي كان قد ذكره لي رئيس الوزراء الاسرائيلي في ذلك الوقت ” .

الموقف الفلسطيني من الصفقة :

ألقي إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في 5 يوليو 2017 خطاباً مطولاً في مدينة غزة أشار فيه إلي أن ” شعبنا واحد لا يقبل التجزئة وصاحب قضية عادلة لا تقبل القسمة وصاحب الحق الثابت في فلسطين التي لا يمكن التنازل عن ترابها ” , أضاف هنية ” لن نسمح أبدا بتمرير أي مشاريع تمس بالحقوق الفلسطينية الثابتة وأن الشعب الفلسطيني لم يفوض أي طرف فلسطيني أو عربي أو كائن من كان بالتنازل عن حقوقه ومكتسباته .. وسنتصدى لأي صفقة مشبوهة تنتقص من أي شيء من حقنا التاريخي في فلسطين باعتبارها صفقة فاشلة لن تلزم الشعب الفلسطيني اليوم ولا في المستقبل ” .

أكد ممثل حركة حماس في لبنان علي بركة في 23 نوفمبر 2017 موقف الحركة الرافض لصفقة القرن وقال لموقع “جنوبية” إن “صفقة القرن ” هي من بنات أفكار بنيامين نتنياهو وتبناها الرئيس الاميركي دونالد ترامب وتتلخص في أنه لا إنسحاب من الضفة الغربية ولا تفكيك للمستوطنات ولا إنسحاب من القدس الشرقية على ان يُعطى الفلسطينييون حكما ذاتيا على 38% مما تبقى من الضفة الغربية على إعتبار ان الاستيطان والقواعد العسكرية والجدار الفاصل قد سحب ما يساوي 12% من مساحة الضفة والتي ستمنح حكما ذاتيّا كالانضمام الى الدولة الفلسطينية في غزة او كملحق بكونفدرالية مع الاردن مع نفيّ ان يكون لهذه الدولة عاصمة إسمها القدس ولا تفكيك للمستوطنات ولا عودة للاجئين , اما دولة فلسطين فتقام في غزة مع توسعة باتجاه سيناء وتكون فلسطين الجديدة او ما تبقى منها ملحق بالاردن , وعن موقف الرئيس محمود عباس والفصائل الفلسطينية قال “إن الكل يرفض هذ الصفقة بما فيهم الرئيس ابو مازن والفصائل الفلسطينية ، لذا ثمة ضغوط كبيرة تمارس على ابو مازن  للاستجابة للضغوط وهو حتى الان رافض لها ” , وعن اسلوب مواجهة حماس ” لـصفقة القرن” هذه ؟ قال ” ان الصفقة بحاجة الى اجماع فلسطيني حتى تمرّ اولا وحتى الان لا اجماع وفي حال وافق الرئيس ابو مازن فالقوى الفلسطينية لن تسمح لان الصفقة هي لتصفية القضية الفلسطينية , كما أن كل القوى الداعمة للمقاومة وعلى رأسهم إيران ستكون الصخرة التي ستتكسر عليها “صفقة القرن” هذه” .

إتصالاً بموقف السلطة الفلسطينية أكد عزام الأحمد القيادي في السلطة الفلسطينية في 29 نوفمبر 2017 من خلال لقاء أجرته معه قناة الجزيرة الفضائية عبر برنامح ” بلا حدود أن ملف صفقة القرن طُرح خلال لقاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وأن الرئيس عباس أسمع ولي العهد السعودي موقف السلطة والشعب الفلسطيني الرافض لذلك السيناريو ، مُشددا على أن السلطة متمسكة بحل الدولتين وأضاف الأحمد أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني قال أن هناك 12 دولة عربية تجري اتصالات سرية مع الكيان ، لكن لدي معلومات أن عدد الدول العربية أكثر من ذلك , وحول سيناريو توطين الفلسطينيين في سيناء قال الأحمد ” أنه لو اجتمعت الكرة الأرضية على ذلك فلن نقبل ” ، موضحا أنه سمع بشكل شخصي رفضا لذلك السيناريو من الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك .

مما تقدم يمكن إستنباط الملامح الرئيسية لما يُسمي بصفقة القرن وذلك علي النحو الآتي :

أولاً لابد من القول أنه ليس من الضروري أن يكون مفهوم “صفقة القرن” مُنصرفاً فقط علي تلك الدراسة التي قدمها اللواء احتياط جيورا أيلاند لصالح مركز ” بيجين – السادات للدراسات الاستراتيجية ” والتي نشرتها صحيفة “المصري اليوم ” في 28 يناير 2010, وأعادت كثير من وسائل الإعلام تدويرها لتخلع عليها صفة ” المشروع أو خطة التسوية ” والتي روج البعض من هذه الوسائل وبعض الساسة بأنها كانت محل نقاش أوعلي الأقل في خلفية اللقاء الذي وصفته بالسري وكشفت عنه النقاب صحيفة “هآرتس” الصهيونية بعددها في 19فبراير 2017 وقالت أنه تم بمدينة العقبة الأردنية في فبراير 2016 وجمع وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري وكلا من رئيس الحكومة الإسرائيلية والرئيس المصري وملك الأردن , كذلك الأمر في حالة اللقاء غيرالمُعلن الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي وزعيم المعارضة الصهيونية إسحاق هيرتسوج مع الرئيس المصري في القصر الجمهوري بالقاهرة في أبريل 2016 والذي كشف عنه في 12 يونيو  2017 الصحفي الإسرائيلي يوسي فرتر , ومما قد يُشير إلي ذلك وقد لا يُؤكده أنه في سبتمبر عام 2016 أي بعد هذين اللقاءين , وقف الرئيس المصري على منصة الأمم المتحدة مخاطبًا الجمعية العامة للأمم المتحدة وتطرق إلى موقف مصر من أزمة الصراع العربي الإسرائيلي مُشيراً إلي “معاناة الفلسطينيين” وإلي “إنهاء الاحتلال” واستعادة الشعب الفلسطيني ” لحقوقه ” , لكن وبنفس القدر فإن موقف مصر من التسوية السياسية قد تغيرت وجهته من خلال مجموعة مُختارة من الحوافز المختلفة في الفترة الممتدة من أبريل 2017 عندما جلس الرئيس المصري في 3 أبريل 2017 بالغرفة البيضاوية بالبيت الأبيض بجانب الرئيس الأمريكي حيث تبادلا التحية البروتوكولية وبعض العبارات أمام الصحفيين حيث أكد الرئيس المصري مُوجها حديثة لنظيره الأمريكي على أهمية “صفقة القرن” وقال له  “ستجدنى بكل قوة ووضوح داعماً لأى مساع لإيجاد حل للقضية الفلسطينية فى صفقة القرن مُضيفاً قوله ” وإني لمتأكد أنك تستطيع أن تحلها “، بعدها رد الرئيس الأمريكي عليه قائلاً ” سنفعل ذلك سوياً سنحارب الإرهاب سوياً وستمتد صداقتنا طويلاً ” , مروراً بكلمة الرئيس المصري أيضاً أمام الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة عندما وجه فيها حديثه “للشعب الإسرائيلي” قائلاً أنه معني بأمن “المواطن الإسرائيلي” داعياً الفلسطينيين بقبول التعايش مع الآخر , مُستشهداً بتجربة السلام بين مصر وإسرائيل واصفاً إياها “بالفريدة” .

 سيكون من العبث أن ننكر أن هناك تسوية مختلفة بل وخارجة عن مألوف التسويات ومشاريع وخطط التسوية التي طُرحت من المستويات الرسمية والحزبية ومن بعض الساسة والمفكرين الإسرائيلين والتي سبقت الإشارة إليها وتتعلق بالشق الفلسطيني في الصراع العربي / الإسرائيلي , ومما يؤكد ذلك أن ديفيد فريدمان السفير الأمريكى لدى تل أبيب قال مُعلقاً علي الحديث الذائع منذ أبريل 2017 عن “صفقة القرن” بقوله أن الإدارة الأمريكية تُعدُّ الآن خطة سلام ستُعرَض ملامحها فى غضون أشهر قليلة وإن حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية لا يتضمنها , ذلك أنه أصبح خالياً من المضمون بعد أن أصبح بلا معنى وسواء عاجلاً أم آجلاً سيتم نقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس ، مؤكداً أن الرئيس دونالد ترامب سينفِّذ وعده فى هذا الشأن لأنه رجل صاحب كلمة من ناحية ويُصرُّ على ذلك ولأن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل من ناحية أخرى , وفى حوار أجراه معه برنامج ” TALK ” نشر نصه موقع ” والا ” الإسرائيلى ، أكد فريدمان أن المستوطنات جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل لما تحمله من أهمية أمنية , وكلام السفير الأمريكي بتل أبيب يعني بالتأكيد أن صفقة القرن التي أعلن عنها بهذا المُسمي الرئيس المصري في لقاءه بنظيره الأمريكي بواشنطن في 3 أبريل 2017 لا تعني إلا خطة السلام التي أعدتها الإدارة الأمريكية والتي قطعت الصلة منهجياً بحل الدولتين , وهو ما يلتقي أيضاً مع الدراسة التي قدمها اللواء إحتياط جيورا أيلاند , كما أن الدلالات اللفظية لها حيز في عملية التأكد تلك فإطلاق مُسمي “صفقة القرن ” يعني أنها خطة غير مسبوقة في نهجها ومضمونها , بالإضافة إلي الظلال الأخري لمعني “الصفقة” فهو معني ينسحب علي عمليات البيع والشراء والتبادل والمقايضة , وهي بهذه السمات خطة لا علاقة لها بكل مشروعات السلام العربية السابقة وآخرها التي قدمتها المملكة السعودية في قمة بيروت العربية في مارس 2002 , مما يجعل من المنطقي طرح دراسة اللواء جيورا أيلاند المُشار إليها بالإضافة إلي خطة أخري أو أكثر تتبني نفس نهج دراسة اللواء إحتياط جيورا أيلاند ولكن بصياغات مختلفةعلي الجانبين المصري والأردني في الإجتماعين المُشار إليهما وإجتماعات أخري علي مستوي فني .   

إن الوضع العربي الذي كان علي وشك التغير الجذري عقب بداية ثورات الربيع العربي بدءاً من تونس في 17ديسمبر 2010 وهي الثورات التي كانت أيضاً علي وشك إنهاء الدعاية الإسرائيلية القائمة علي أن إسرائيل واحة للديموقراطية في الشرق الأوسط , رجع القهقري بفعل قوي الثورة المُضادة الكامنة في التربة السياسية العربية كالحشرات الضارة  بمساعدة غير مباشرة أصبحت فيما بعد نجاحها في الإنقلاب علي هذه الثورات مباشرة , هذا الوضع العربي المُفلس رفع الراية البيضاء لإسرائيل والولايات المتحدة مقابل مساندة مضمونة ودائمة لأنظمة قبضت علي مقاليد الأمور بواسطة القوة والإجبار القسري وهي بلا نفوذ سياسي أو برنامج إقتصادي تنموي حقيقي , وهذه الأنظمة ذات طبيعة غير مسبوقة في التاريخ السياسي الحديث لمنطقة الشرق الأوسط فهي أنظمة مقاولات أو انظمة الأعمال الحرة Entrepreneurial system , وهي لكي تحقق هذه الطبيعة لنظامها فهي بحاجة إلي التخفف من قيود القضية الفلسطينية لتضع يدها في يد المقاول الرئيسي بالمنطقة وهو “الكيان الصهيوني” الذي وعد رئيسه شيمون بيريز في أحد مؤتمرات Davos عن تطلع الكيان الصهيوني للتعاون الإقليمي بمزج المال العربي / الخليجي والموارد العربية مع الخبرة أو العقل الصهيوني , وفي سياق كهذا تمت للقاءات إسرائيليه وإماراتية وبحرينية وسعودية حددت المعالم المستقبلية للعلاقات الإسرائيلية مع مثل هذه الدول وربما غيرها , ومن بين أهم هذه اللقاءات مشاركة السعودية من خلال الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي السابق والكاتب نواف العبيد في منتدى ” السياسة الإسرائيلية ” بنيويورك في 22 أكتوبر 2017, وهو المنتدي الذي بحث المشاركين فيه برنامج إيران النووي وأمن الشرق الأوسط وعلاقات الكيان الصهيوني بالدول العربية والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية إضافة إلى القضية الفلسطينية  .

من السهل في ضوء ما تقدم وبالمقارنة مع خطط ومُقترحات التسوية الصادرة عقب هزيمة 5 يونيو عن الصهاينة علي مستويات مختلفة تحديد الملامح الرئيسية لصفقة القرن تلك علي أنها :

أولاً : أنها تخرج عن معني لفظ التسوية , فالتسوية لفظاً في قاموس المعجم الوسيط تعني : إتفاق وَسَط ، سَعَى إِلى تَسْوِيَةِ الخِلاَفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ : إِيجَادُ حَلٍّ ، اِتِّفَاقٌ لِإِنْهَاءِ الخِلاَفِ , وهذه المعاني لا تنطبق علي صفقة القرن فهي تنكر علي الفلسطينيين حقهم في إقامة دولة بإدماجهم في دول قائمة , فالصفقة أمر من الولايات المتحدة بالبيع المباشر… بيع القضية الفلسطينية برمتها في غياب أصحابها الأصليين أو بالإحتيال عليهم بمعرفة وكلاء عرب تآكلت مصداقيتهم في أسواق السياسة , إذ أن إشراك هؤلاء الوكلاء لا معني له خاصة وأن الصهاينة سبق لهم التفاوض المباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلوا ومن ثم فإن الأمر الأنسب كان يتطلب إجراء التفاوض أولاً مع السلطة الفلسطينية وإن وافقت ينتقل التفاوض لهؤلاء الوكلاء في حالة موافقة السلطة الفلسطينية علي تصفية وليس تسوية القضية الفلسطينية من خلال صفقة مُذلة كهذه .

ثانياً : يعني عدم تطرق هذه الصفقة إلي حل الدولتين وفقاً لما أوضحه سفير الولايات المتحدة في تل أبيب – كما أشرت – أنها خطة مُتطابقة تماماً مع معظم الخطط والمُقترحات الإسرائيلية سابق الإشارة إليها والتي تفرض الرؤية الدينية والعسكرية الصهيونية علي محيط الكيان الصهيوني , فالمفردات التي كانت ترد في خطط التسوية العربية وحتي بعض الخطط الصهيونية عقب هزيمة يونيو 1967 وأهمها القدس وحدود 4 يونيو1967والحكم الذاتي وإقامة دولة فلسطينية مُستقلة , غير مُستخدمة تماماً في صياغة مضمون صفقة , بينما أبقت علي ركن واحد فقط من أركان القضية الفلسطينية وهو اللاجئين , والذي طالما تنكر من قام بصياغة مضمونها لحل الدولتين , فسيكون المجال الوحيد المُتاح لتناولها خارج الإطار الذي وضعته قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة , ومن الغريب أن يتنازل حكام العرب لهذه الأيام عن حق رسخته الأمم المتحدة للفلسطينيين ففي عام 1960 1960 إعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتحديد وبصورة رسمية بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني مُعلنة أن ” إذ تدرك أن مشكلة اللاجئين العرب الفلسطينيين ناشئة عن إنكار حقوقهم غير القابلة للتصرف والمُقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان , وإذ يساورها القلق الشديد لتفاقم هذا الإنكار لحقوقهم جراء أعمال القمع الجماعي والإعتقال التعسفي وحظر التجول وتدمير المنازل والمُمتلكات والترحيل وغير ذلك من الأعمال القمعية المُبلغ عن إرتكابها ضد اللاجئين وسكان الأأراضي المُحتلة …. لتؤكد من جديد حقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف …. ةتؤكد من جديد حق جميع الشعوب الواقعة تحت السيطرة الإستعمارية والأجنبية والإستعباد الأجنبي غير القابلة للتصرف في تقرير المصير والحرية والإستقلال ” , لكن السياسة الأمريكية إستهدمت كل قواها العسكرية والدبلوماسية والإستخباراتية كي يحصل سكان جنوب السودان علي حق تقرير المصير في 9 يناير 2011 ليعلنوا لاحقاً إستقلالهم كدولة ذات سيادة في 9 يوليو 2011 وكذلك الأمر في تيمور الشرقية , أما في حالة فلسطين فبضغط نفس اللوبي الكنسي الأنجيليكاني الأمريكي الذي لعب دوراً محورياً في تحقيق تقرير مصير جنوب السودان من بوابة حقوق الإنسان في إتجاه عكسي نحو تعزيز قدرات الكيان الصهيوني لإبتلاع فلسطين كلها وإنكار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم , بل إن الجمعية العامة للأمم المتحدة رجت مجلس الأمن في دورتها الثلاثين المعقودة في عام 1975 أن يعمل علي تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه علي قدم المساواة مع الأطراف الأخري في جميع المفاوضات المُتعلقة بالشرق الأوسط والمعقودة برعاية الأمم المتحدة , وفي تقرير في عام 1976 عن قضية فلسطين أشار الأمين العام إلي أن مناقشات مجلس الأمن في ذلك العام ” أكدت علي البعد الفلسطيني لمشكلة الشرق الأوسط وأكدت من جديد حق كل دولة من دول المنطقة في أن تحيا بسلام داخل حدود آمنة ومُعترف بها , وفي تقريره في أغسطس 1976 عن أعمال الأمم المتحدة قال أن” البعد الفلسطيني في مشكلة الشرق الأوسط نال إهتماماً مُتزايداً,,,,  وأود أن أُؤكد مرة أخري …. الأهمية الأساسية لمعالجة القضية الأساسية لمعالجة القضية الفلسطينية بوصفها عنصراً أساسياً في حل نزاع الشرق الأوسط”. * ( وثائق الأمم المتحدة . منشأ القضية الفلسطينية وتطورها . الجزء الثاني :1947- 1977 . صفحة 60 وصفحة 68 وصفحة76)

بإعتبار أن السكان أو الشعب مُقدم علي الأرض عند وضع تعريف للدولة إذ بدون شعب لا يمكن تصور إيجاد الدولة , ومن ثم فإن تصفية قضية اللاجئين وهم الكتلة الأهم للشعب الفلسطيني بإذابتهم في كيانين آخرين قائمين هما مصر والأردن , إذن فالشعب والحالة هذه تم إبتلاعه في كيانين آخرين ومن ثم فقد تم القضاء علي فكرة إقامة دولة فلسطينية التي ستكون غالباً في وضعية أقل من كيان Commonwealth of Puerto Rico الذي يُعرف بأنه كيان غير مُدمج في الولايات المتحدة , فصفقة القرن إن طُبقت حرفياً فسيكون الكيان الفلسطيني في وضعية ربما أقل من وضعية جزيرة Puerto Rico , ومن ثم فإن هناك ضرورة قصوي في نظر المجرم الذي وضع ” صفقة القرن ” ومن ناقشها معه برضي أو بدون رضي منه لتصفية اللاجئين الفلسطينيين , وفي الواقع فإن الولايات ليست بحاجة دائماً لخبراء الكيان الصهيوني لتضع أفكاراً لتصفية اللاجئين , فقد بذلت مساعي أمريكية مُبكرة جداً في هذا الإتجاه ولم تُركز عليها وسائل الإعلام لدي بذلها في عام 1949 وحتي اليوم , فقد حدث أن ” رفع فؤاد عمون المدير العام للخارجية اللبنانية في 6 ابريل 1949 تقريراً مُستفيضاً إلي رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح ووزير الخارجية فيليب تقلا , نقل فيه وقائع إجتماعه بالديبلوماسي الأمريكي جورج George Magee مُنسق المُساعدة الأمريكية لليونان والذي وصل لبيروت لتنظيم مساعدات برنامج النقطة الرابعة الأمريكي لبلدان الشرق الأوسط , وعلم عمون بمجيئة من مسئول السفارة اليونانية ببيروت , فأتصل بسفير لبنان في واشنطن شارل مالك من أجل الحصول علي معلومات عن زيارة Magee لبيروت , وأفده السفير مالك بأن Magee توجه للشرق الأوسط من أجل توطين اللاجئين وليس لمساعدة دول المنطقة ثم في حقيبة ديبلوماسية تالية أرسل السفير مالك يقترح علي السفير عمون أن يسأل السفير الأمريكي في بيروت عن مزيد من المعلومات عن زيارة Magee , ولدي سؤاله أجاب أن الديبلوماسي الأمريكي Magee  مُكلف من البيت الأبيض باللاجئين والمُساعدة معاً , ولدي إجتماع السفير عمون مع  George Magee تبين مدي دقة معلومة السفير مالك إذ أنه قدم للمنطقة من أجل توطين اللاجئين الفلسطينيين , في حين أن مُساعدات النقطة الرابعة عُرضت علي اللبنانيين وغيرهم من العرب لإقناعهم بقبول التوطين , وبالطبع رفض لبنان والدول العربية المُضيفة الأخري رسمياً توطين الفلسطينيين رغم حاجة هذه الدول الماسة آنئذ لأية مساعدات مالية أو إقتصادية خصوصاً من الولايات المتحدة ” * ( صحيفة الحياة عدد رقم 14262 بتاريخ 7 أبريل 2002 . تحقيقات صفحة 15)

مما يؤكد هذا الإتجاه الأمريكي المُبكر أيضاً المبادئ الخمس التي أعلنها الرئيس الأمريكي في 19 يونيو 1967 فقد نص المبدأ الثاني علي ” ينبغي توطين أكثر من مليون لاجئ عربي مُشرد بصورة عادلة قبل الوصول إلي سلم دائم”( ملف وثائق فلسطين . وزارة الإرشاد القومي . الهيئة العامة للإستعلامات . صفحة 1561), وهو إتجاه تبنته الأمم المتحدة نفسها فقد إقترح مستر كين المدير المُساعد لوكالة غوث اللاجئين في مستهل خمسينات القرن الماضي علي الأمم المتحدة تقديم مبلغ 300 مليون دولار نقداً  للدول العربية ثم يُترك لها أمر اللاجئين العرب لتحل مشكلتهم كما تري , وأقترح نقل القسم الأكبر من لاجئي لبنان إلي سوريا ونقل حوالي 100,000 لاجئ من غزة وفلسطين إلي الأردن والعراق وليبيا (المرجع السابق .صفحة1101), وسبقه مستر بلاندفورد مدير وكالة غوث اللاجئين نفسه إذ رفع تقريره في 11 ديسمبر 1951إلي الجمعية العامة للأمم المتحدة في ضوء توصيات لجنة مستركلاب وطلب فيه الموافقة علي ميزانية السنوات الثلاث بمقدار 250 مليون دولار علي أن يُصرف منها 200 مليون دولار علي مشروعات إدماج اللاجئين في حياة دول الشرق الأوسطومن ثم تسليم مسئولية الوكالة الدولية للغوث إلي الحكومات العربية . * (المرجع السابق . صفحة 1091) , بل إن الدكتور جون ديفيز مدير وكالة غوث اللجئين في خطابه أمام مؤتمر اللاجئين العالمي في جينبف في يناير 1961 أشار بعد أن دحض الإفتراءات التي وجهها البعض والآخرون عن هذه القضية ظلماً للعرب , قائلاً ما نصه ” وأسمحوا لي أن أضيف علي الهامش أن الوكالة لم تُكلف قط بمسئولية تنفيذ القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ” * (المرجع السابق .صفحة1243) , وهو القرارالمُتعلق بحق العودة للاجئن الفلسطينيين وتعويض من لا يرغب في العودة .  

 نفس هذا السلوك الأمريكي تكرر في مسألة مطالبة السعودية بجزيرتي تيران وصنافير وهي مُطالبة ذات صلة بمجمل العلاقة الجديدة بين إسرائيل والسعودية والتي تتقاطع في أسوأ نقطة مع صفقة القرن الإفتراضية , ففي برقية مُفرج عنها تعلقت بأزمة مضيق تيران مؤرخة في 17 يناير 1968 مُرسلة من وزير الخارجية الأمريكية Dean Rusk للسفارة الأمريكية في إسرائيل سلم السفير الأمريكي محتواها لوزير الخارجية الإسرائيلي آبا إيبان , تثبت أن الولايات المتحدة هي من خلقت المطالبة السعودية بالجزيرتين وحرضت علي ذلك , وتضمن نصها أشارة وزير الخارجية الأمريكي لنظيره الإسرائيلي إلي ” أن وجود القوات الإسرائيلية المُستمر في جزيرة تيران كان من المسائل التي نوقشت خلال المناقشات الودية التي جرت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي Eshkol فيTexas , ولقد لاحظنا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدوه الرغبة في إظهار بلاده لمؤشرات علنية بشأن ترحيبها بالتوصل إلي تفاهم مع العرب وأقترحت أن يكون إنسحاب قواتكم من تيران مثالاً علي ما يدور في خلدنا , ولقد عبر رئيس الوزراء عن تفهمه لوجهة النظر تلك , لكنه أشار إلي أنه سيكون من الصعوبة بمكان التفكير ملياً في موضوع الإنسحاب من تيران في غيبة تأكيدات بالنسبة لنتائج هذا التصرف علي إسرائيل , وحيث أن تبادل وجهات النظر في هذا الشأن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي Levi Eshkol كان مُشجعاً فقد وجهت سفير الولايات المتحدة لدي المملكة العربية السعودية بإستكشاف أكثر لهذه المسألة مع الملك فيصل , وبالفعل أجري سفيرنا نقاشاً صريحاً عن هذا الموضوع مع جلالته في 13 يناير (1968) , وكان تعليق الملك علي ذلك أن قال بوضوح أنه ينظر إلي جزيرة تيران علي أنها (1) جزء من المملكة العربية السعودية , وأن حكومته منحت إمتياز يغطي الجزيرة (لم تشر الوثيقة لمن أعطي هذا الإمتياز) و (2) أنه ليس لديه خطة لعسكرة تيران أو إستخدامها لعرقلة حرية الملاحة في مضيق تيران .”  , ومضي وزير الخارجية الأمريكي ليشير لوزير الخارجية الإسرائيلي إلي ” أنه شعر بتشجيع كبير من واقع موقف ملك السعودية حيال هذا الأمر , وأنه بناء علي تأكيداته لسفيرنا , فإني أعتقد أن المشاكل التي يتوقعها الجانب الإسرائيلي إذا ما أنسحبت حكومتكم (القوات الإسرائيلية) سوف لا تنشأ , كما أنني وبصفة محددة أتوقع ألا يتغير الموقف السعودي بشأن هذا الجزء من الأراضي السعودية ولا أتوقع أيضاً العسكرة أو إستخدامها (تيران) في أي نوع من التدخل في حرية الملاحة عبر مضايق تيران , ولهذا يحدوني الأمل في أن حكومتكم ستنظر الآن في إمكانية إنسحاب قواتكم من الجزيرة بدون تكبد أية نتائج وخيمة علي إسرائيل , وكما أشرت لحكومتكم في وقت مبكر فإن من شأن هذا التصرف (الإنسحاب الإسرائيلي من جزيرة تيران) أن يزيل مشاكل خطيرة عالقة في علاقتكم مع السلطات السعودية , ولذلك فإني أتطلع لتلقي رداً مواتياً من حكومتكم , وسيتم إبلاغه في الحال بالطبع للملك فيصل وإني لمتأكد من الأثر العملي المفيد لذلك ” . وقد ذيل وزير الخارجية الأمريكي خطابه لنظيره الإسرائيلي في شأن إقتراح إنسحاب القوات الإسرائيلية من جزيرة تيران بملاحظة مفادها إبقاء الأمر سرياً , لكن الطلب (الإقتراح) الأمريكي وُوجه ببعض العقبات فقد طلب وزير الخارجية الإسرائيلية آبا إيبان أنه وقبل عرض الأمر علي مجلس الوزراء الإسرائيلي فهو بحاجة لبعض التوضيحات منها إن كان يمكن للولايات المتحدة أن تحصل من المملكة العربية السعودية علي إعتراف بأن مضايق تيران ممر مائي دولي , وما إذا كان يمكنها الحصول من المملكة علي تعهد خطي مكتوب بأن جزيرة تيران ستظل غير مأهولة بالسكان بصفة دائمة , وما إذا كانت الولايات المتحدة تقبل مثل هذه التعهدات السعودية بحيث تجعلها مسئولية وإلتزاماً من قبل الولايات المتحدة قبل إسرائيل ” ( برقية برقم 111432 للسفارة الأمريكية بتل أبيب عام 1967 – الأرشيف الوطني – الملفات المركزية الأمريكية 1967-1969) .

ثالثاً : يعكس مضمون الصفقة بالفعل وبدقة مُسماها , فالمضمون يكاد وأن يكون الجزء الأكبر منه مُتعلق بالجوانب الإقتصادية واللوجيستيكية Logistic , فمن الواضح أن المسار السياسي قد ولجه الساسة العرب والصهاينة معاً بعيداً عن المؤتمرات والإعلام ونزعوا منه كل العقبات بالتخلص من ثوابت الأمن القومي العربي كلها ودفعة واحدة , ولم يتبق غير النص علي إنشاء بنك ونظام نقدي مُشترك وإعلان الوحدة الصهيونية / العربية تحت علم واحد تبتلع علي نسيجه نجمة داوود النسور العربية المُحمطمة الذليلة التي كست أعلام العرب العاربة والمُستعربة…. مهزلة مُروعة لم ترد في أضغاث أحلام الأجيال السابقة واللاحقة , لكنها مهزلة وُضعت الولايات المتحدة (بواسطة دائرة ضيقة بالبيت الأبيض) السيناريو  الخاص بها علي أن يتكفل الكيان الصهيوني بكتابة الحوار لهذا السيناريو , فهي بحق صفقة غير مسبوقة في تاريخ الصراعات , إذ لم يتطرق أي ممن وضعوا خطط أو مقترحات تسوية هذا الصراع المُشار إليها للتعاون الإقليمي , وفي المرات القليلة التي أشير إليه كان ذلك مجرد عنوان عريض وعام  .

مستقبل صفقة القرن :

إن اللجوء في صفقة القرن الإفتراضية تلك إلي توطين الفلسطينيين في غزة الكبري أي في غزة وجزء متاخم لها من سيناء لا أعتبره فقط ترسيخاً للإنكار الصهيوني للقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر 1948 والقاضي بحقي العودة والتعويض , بل أيضاً بديلاً أقل تكلفة بالنسبة للكيان الصهيوني عن ما كان يُسمي بالخيار الأردني أو مشروع الملك حسين بشأن مستقبل فلسطين الذي طرحه في خطابه الذي ألقاه في 15 مارس 1972 والمكون من 12 منها (1) أن المملكة الأردنية الهاشمية ستصبح المملكة العربية المُتحدة (2) تتكون المملكة العربية المتحدة من منطقتين هما منطقة فلسطين والتي ستشمل الضفة الغربية وأي أراض فلسطينية اخري تُحرر ويختار سكانها الإنضمام للمملكة , ومنطقة الأردن وتشمل الضفة الشرقية لنهر الأردن (3) ستصبح عمان عاصمة للمملكة (4) تصبح القدس عاصمة لمنطقة فلسطين (سبق وأن طرحت المملكة الأردنية مشروعاً للسلام في الشرق الأوسط في 10 أبريل 1969من 6 نقاط تناولت المادة السادسة منه “قبول تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين ) , لكن سيبقي السؤال مُعلقاً وهو لماذا يُستبدل الآن الخيار الأردني بالخيار المصري أو السيناوي لتصفية قضية فلسطين من خلال تصفية لقضية اللاجئين ؟ إن الإجابة الصحيحة لهذا السؤال ستفسر بل وتكشف عن ما هو أبعد مدي من تصفية قضية فلسطين , فصفقة القرن تلك ما هي إلا مقدمة لما هو أسوأ لو يدركون , فقد تخلي الرئيس المخلوع مبارك عن المشروع القومي لتنمية سيناء وهو المشروع الذي يعني تنفيذه كاملاً والذي كان من المُقدر له رسمياً أن يتم في الفترة ما بين 1994 حتي 2017 وكان يستهدف في الفترة من 1996حتي 1997كما يقول محافظ سيناء الأسبق محمد دسوقي الغاياتي في مرحلته الأولي زراعة 400 ألف فدان منها 50 ألف فدان في سهل الطينة جنوبي بورسعيد و75 ألف فدان جنوبي مدينة القنطرة شرقي الإسماعيلية وفي المرحلة الثانية زراعة 70 ألف فدان في منطقة رابعة إضافة إلي 70 ألف فدان أخري في بئر العبد أما المرحلة الثالثة فهي تتركز في زراعة 135 ألف فدان في منطقة السر والوارير ليستوعب المشروع في نهاية مراحله توطين 3,2 مليون مواطن من خلال إنشاء 45 قرية نموذجية حتي عام 2017 مع 11 منطقة صناعية , لكن المشروع تم إختزاله في مشروع فرعي وهو مشروع توصيل ترعة السلام إلي سيناء فقط , وتم تحويل تمويله لمشروع توشكي وهو مشروع وهمي غير مدروس ليضاف إلي سلسلة مشروعات منها القليل الناجح والكثير الفاشل أو المُتعثر , فلكي يمتد أجل الديكتاتور لابد علي فترات من مشروعات وهمية كبري تبث آمال كاذبة في نفوس الجماهير , لقد كان تخلي مبارك عن المشروع القومي لتنمية سيناء عام 1996 بضغط من الكيان الصهيوني هو البداية الحقيقية التي أغرت واضعي الخطط الهادفة إلي تصفية وليس حل القضية الفلسطينية سواء من الجزء المُتصهين بالإدارات الأأمريكية المُتعاقبة أو من الكيان الصهيوني نفسه لوضع صفقة القرن تلك وتسويقها .

لم يعبأ من وضع صفقة القرن بالوضع الديموجرافي والإجتماعي بمصر فبعد نجاح الصهاينة في دفع مبارك للتخلي عن المشروع القومي لتنمية سيناء والذي كان سيغير من التوزيع الديموجرافي المصري بأقصي إيجابية ممكنة لتوطين ما لا يقل عن 3,5 مليون مواطن مصري بسيناء , وها قد أتي علي مصر الوقت الذي تندفع إليها موجات من الهجرة غير الشرعية الأفريقية تقدرها الأمم المتحدجة بنحو نصف مليون مهاجر وتقدرها السلطات المصرية لأسباب تخصها بنحو 5 مليون مهاجر بالإضافة إلي موجات من الهجرة المصرية غير المشروعة لأوروبا , مما يعني ببساطة أن هناك موجات عكسية الإتجاه مصر هي النقطة الوسيطة فيها , فكيف يمكن لمصر قبول توطين ما لا يقل عن مليون فلسطيني علي جزء من أرض سيناء التي تخلي رئيسها يوماً عن تحقيق هدف توطين 3,5 مليون مصري بها علي أرضهم هم ؟ فهل حرمان هؤلاء من فرصة التوطين في سيناء يُضفي علي رفض مصر توطين الفلسطينيين بها سيحمل في طياته تمييزاً سلبياً أو تنكراً لرابطة العروبة والأخوة في الدين؟ بالطبع وقطعا: لا لن يكون هذا كذلك , وبالتالي فإن هذه أولي مبررات رفض هذه الصفقة منطقياً قبل أن تكون رفضاً سياسياً وسيادياً .

من الواضح أن صفقة القرن الإفتراضية لمصر فيها حيز رئيسي , لكن طريق هذه الصفقة إلي مصر أصبح مُتعرجاً ومليئ بالمنعطفات الخطيرة التي قد تعصف بمستقبل من سيتجاوب معها , فمن بين منعطفات هذا الطريق سابقة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير بموجب إتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية في 8 أبريل 2016 , وصفقة القرن تتضمن تنازل آخر عن قطعة من أراضي مصر , وإستجابة مصر – وهي مُستبعدة حالياً – لهذه الصفقة تعد كذلك مكافأة سخية لمغتصب أرض فلسطين من الصهاينة لا مبرر لها والمقابل الذي ستدفعه إسرائيل – كما ورد في نص دراسة اللواء إحتياط  جيورا أيلاند – زهيد للغاية فهو لا يتجاوز حصول الرئيس المصري علي جائزة نوبل للسلام , وكان أحري بالمخرف الذي وضع هذه الدراسة أن يكون أكثر كرماً فيمنحها للشعب المصري صاحب الأرض , ومن هذه النقطة يمكن الوصول لحقيقة مفادها أن الكيان الصهيوني تعامل مع ثورات العربي بكل وبأقصي ما لديه من إمكانات إستخباراتية لإفشالها بل لإحالتها إلي جحيم لمن شاركوا فيها شعوباً وأفراداً فالديموقراطية التي نادت بها هذه الثورات التي أسقطت ديكتاتوريات ذليلة لم تكن لتوفر فرصة لنوعية كنوعية اللواء إحتياط  جيورا أيلاند ليتصور أنه في حكومة مُنتخبة يمكن أن يرشح فرد تنازل عن أرض وطنه ففي الديموقراطيات تذوب القيادات في كتلة الجماهير , لكنه إختزل الأمر برمته فالديموقراطية يجب أن تظل حكراً علي كيان بني صهيون , وهو قد أساء إلي من يتولي السلطة في مصر قبل أن يمنحهو هذا التقدير الزائف .

إن العلاقات المصرية الأمريكية والعلاقات المصرية / الإسرائيلية ظلت متوازية في معظم فترات حكم الديكتاتور مبارك وطغمته , ولكنها الآن لا يمكن أن نصفها كذلك , فالعلاقات الأمريكية / المصرية تمر بنقاط إختناق حرجة أهمها الإعلان رسمياً في واشنطن في 22 أغسطس 2017 عن إتخاذ الإدارة الأمريكية  لقرارين أحدهما بإستقطاع مبلغ 96 مليون دولار والآخر بحجب مبلغ 195 مليون دولار من المعونة العسكرية السنوية الأمريكية لمصر والتي يبلغ مجملها 1,3 مليار دولار سنوياً , والتي تُسلم لمصر من خلال أسلوب ” تدفقات التمويلات النقدية “, وكان السبب المُعلن هو الوضع السيئ لحقوق الإنسان في مصر لكن هذا السبب كان تالياً للسبب الأهم وهو العلاقات العسكرية بين مصر وكوريا الشمالي خاصة في مجالي امشتريات السلاح الكوري الشمالي والتصنيع العسكري , ففي 27 أغسطس 2017 أعلن Heather Nauert الناطق باسم الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة شددت علي مصر  بضرورة عزل كوريا الشمالية , وبالرغم من إستجابة مصر لمتطلبات إستراتيجية الصراع الأمريكي مع بيونج يانج إلي حد تصويت مصر بالموافقة علي مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن الدولي في جلسة 11 سبتمبر 2017 والذي تضمن فرض مزيد من العقوبات علي بيونج يانج تتعلق بالبترول وتصدير النسيج والملابس الكورية الشمالية وتجميد ممتلكات الرئيس الكوري الشمالي Kim Kong-un , وكان من الممكن إفتراض أن العلاقات المصرية /الأمريكية إستعادت وتيرتها المُعتادة لولا ما أعلن في الأول من ديسمبر 2017وهو إلي حد كبير مؤكد عن أن مصر وروسيا في إطار تعاونهما العسكري المتنامي والوثيق علي وشك توقيع إتفاق تعاون عسكري يتضمن السماح للطرفين بإستخدامهما للمجال الجوي والقواعد الجوية لكل منهما وذلك لمدة خمس سنوات قادمة , وأن مسودة هذا الإتفاق وقعها Dmitry Medvedev الوزير الأول الروسي بالفعل ونُشرتها وسائل إعلام في 30 نوفمبر 2017 وهو ما يعني إكتساب العسكرية الروسية لمساحة إستراتيجية في جنوب البحر المتوسط بعد أمنت خطوطها البحرية الخلفية في شبه جزيرة القرم (أوكرانيا) وأتيح لها نفاذ بحري حر في البحر الأسود ثم رسخت أقدامها في شرق البحر المتوسط بإستغلال تزعزع مكانة الجيش السوري ونظام الأسد أمام جحافل الثوار السوريين فتمركزت في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم , ومن ثم نظرت العسكرية الأمريكية للإتفاق العسكري المصري مع روسيا علي أنه خطر مُحدق بفضاء القيادات العسكرية الأمريكية الثلاث المركزية والأفريقية و الأوروبية كل بدرجة ما من الخطورة أعلاها القيادة المركزية , وبطبيعة الحال ففي علاقات مُتشابكة ومُعقدة كالعلاقات الأمريكية المصرية من الصعب تحديد النقطة التي ساءت عندها العلاقات الثنائية , لكن مجمل القول أن هذه العلاقة من المُستبعد أن تؤدي مع عوامل مختلفة ومتعددة أخري إلي إبتلاع مصر لصفقة القرن المرة مهما بلغت الحوافز والمغريات , وبالتالي فسوف تسود سياسة وزير الدفاع الصهيوني الراحل Dayan والتي تقول بأنه في ظل الظروف السائدة في العالم العربي , فإن علي إسرائيل أن تحتفظ بالسيطرة العسكرية الكاملة وإذا ما لزم الأمر فسيكون ذلك في عموم Judea و Samaria , وسوف لا يُسمح لأي وجود عسكري هناك , كما سيكون علي إسرائيل الإحتفاظ بالقدرة علي مكافحة الأعمال الإرهابية في هذه المناطق .

جاء توقيع الرئيس الأمريكي Donald Trump في 6 ديسمبر علي قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس إعترافاً بها عاصمة لإسرائيل بالمخالفة للقرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والتي وافقت عليها الولايات المتحدة نفسها , جاء هذا القرار ليؤكد أن الترتيب المنطقي كان يقتضي طرح صفقة القرن ليعقبها إتخاذ هذا القرار إن كان ضرورياً , لكن إتخاذه قبل عرض الصفقة علي المعنيين بها بصفة رسمية ومُعلنة يعني أن الصفقة وُضعت في ثلاجة الدبلوماسية الأمريكية والإسرائيلية معاً كما إن القرار الذي إتخذه الرئيس الأمريكي بالإعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل يعني تخلي الولايات المتحدة عن حل الدولتين الذي قدمته هي نفسها في مشروع قرار صدر تحت رقم 1397بموافقتها وبأغلبية 14صوت عن مجلس الامن الدولي في 12 مارس 2002 مُتضمناً التأكيد عليه كحل دائم للصراع   الفلسطيني / الإسرائيلي , والمُؤكد وفقاً لقرار 6 ديسمبر2017 أن صفقة القرن لم تكن و / أو لن تتضمن القدس بمفهوميها الديني والعاصمي Metropolitan الحالي كعاصمة لدولة فلسطين , وهو ما يُلقي بظلال قاتمة وكئيبة علي مستقبل هذه الصفقة العار .

الخلاصة:

وهن وهشاشة الوضع السياسي العربي وخوف القادة المُروع من هبوب رياح الديموقراطية مرة ثانية وبأقوي مما كانت عليه إبان الربيع العربي يجعل من قدرتهم علي إحتمال ثورة جماهيرية قادمة متدنية جداً , وهو الوضع الذي إستغلته الرئاسة الجمهورية المُزعزعة والباحثة عن طوق نجاة ودعم يهودي يوطد أركان هذه الرئاسة بالداخل الأمريكي ومن هنا إنبثقت الفكرة الرئيسية لصفقة القرن والقائمة علي تصفية قضية فلسطين بتصفية قضية اللاجئين وبناء بنيان من العلاقات الإقتصادية بين الكيان الصهيوني وهؤلاء القادة الذين يمارسون الحكم وهم ضعفاء وبدون مؤسسات حقيقية , وذلك كله علي أنقاض القضية الفلسطينية .

كانت مشاريع تسوية القضية الفلسطينية إبان وعقب هزيمة 5 يونيو 1967 بالرغم من عدم عدالتها إلا أن المبرر كان أنها صادرة بإرادة منتصر , لكن صفقة القرن تلك لا مبرر لها سوي توجيه الإهانة للقادة العرب قبل أن توجه لشعوبهم … فهل سيطول زمن الهوان والقادة الذين بلا إرادة ؟

خاص – المركز الديمقراطي العربي : القاهرة : تحريراً في 20 ديسمبر 2017

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى