الاعلاميةالشرق الأوسطعاجل

ناعوم تشومسكي : السيطرة على الإعلام “الإنجازات الهائلة للبروباجندا”

  • المركز الديمقراطي العربي

اعداد الباحثين:

  • محمد أرحال : طالب باحث – جامعة ابن زهر/ المغرب
  • ياسين عتنا : طالب باحث – جامعة ابن زهر / المغرب

 

 

اصدر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي* كتابا بعنوان ” السيطرة على الإعلام : الانجازات الهائلة للبروباجندا”،  وترجم إلى اللسان العربي بقلم أميمة عبد اللطيف سنة 2003 عن مكتبة الشروق الدولية، بحجم 59 صفحة، يتوزع الكتاب على تسعة فصول. ونسعى من خلال هذه الورقة إلى دعوة القارئ المعاصر لضرورة القيام ولو بوقفة لحظية في مجريات الإعلام الدولي  ومجمل ما يدعو إليه وما يتم تمريره في مختلف قنواته، وبالتالي ضرورة إعادة النظر أو بعبارة أخرى توجيه نظرة نقدية إلى طبيعة الرسائل التي يمررها الإعلام في صيغته العالمية، سواء كانت هذه النظرة ذات بعد سوسيولوجي ،فلسفي … و وجوب هذه النظرة استقيناه من خلال عنوان الكتاب الذي صغناه كالتالي ” من السيطرة على الإعلام إلى السيطرة على العالم بالإعلام “.

استهل المؤلف كتابه بالفصل الأول  المعنون ب :”الإنجازات الهائلة للبروباجاندا* ،موضحا  فيه مفهوم الديمقراطية باعتبارها تدبير الشأن العام لكن يشترط حسب تشومسكي أن تكون وسائل الإعلام خارجة عن إرادة الجماهير ،أي “أن تظل تحت السيطرة المتشددة “[1] .ويشير أيضا إلى أن وسائل الإعلام لها دور أساسي في مجال الدعاية ،ويستند في هذا السياق لتجربة الرئيس الأمريكي ” وودرو ويلسون ” الذي عنون برنامجه الانتخابي “سلام بدون نصر “مناهضا فيه فكرة الحرب ،لكنه صنع بمعية جهاز الإعلام والبعض من النخبة ( لجنة كريل )* إرادة اجتماعية للحرب ،حيث حولوا المواطنين من كائنات مسالمة إلى كائنات مهووسة بالحرب ومتعطشة له.

خصص المؤلف الفصل الثاني من الكتاب للحديث عن ما يسميه ” بديمقراطية المشاهد“، وكيف يتم صناعة الإجماع على فكرة أو قرار …حتى لو لم يرغب الجمهور فيها، وفي صلب هذه الفكرة أبرز لنا المؤلف ما يسمى عند المفكر لييمان*  “نظرية الديمقراطية التقدمية “،وكيف أنه في صميمية المجتمع الديمقراطي يتم تقسيم المجتمع إلى طبقتين ؛طبقة قائمة بالفعل ( النخبة المتخصصة ) ،وطبقة المشاهد للفعل ( القطيع الحائر والضال) الذي يحدد دورها في المشاهدة  ثم تأييد أحد أفراد الطبقة المختصة ؛أي ما يسمى بالانتخابات ،هكذا يتم تصنيع الإجماع والقبول بالقرارات بواسطة فن الديمقراطية  .

كرس المؤلف الفصل الثالث ليناقش كيفية السيطرة على العلاقات العامة،وذلك باعتبار الولايات المتحدة الأمريكية رائدة في صناعة العلاقات العامة ،وكيف يتم معالجة “الانحراف الديمقراطي (إضرابات عمالية …) من أجل الحفاظ على المصالح العامة، يؤكد تشومسكي في هذا السياق أن هذه المصالح هي مصالح رجال الأعمال ،ومنه فإن طبقة رجال الأعمال والنخبة المتخصصة في بناء القرارات  تحاول بجهد جهيد زرع ما يسمى بالعقل العام وإجهاض أي فكرة تنظيم شعبوي يدافع عن حقوقه ،فالحق الذي يجب أن يتوفر لدى الفرد من منظور هذه الجهة هو الحق في استهلاك كمية من السلع وفقط .

وفي هذا المنحى يشير المؤلف في الفصل الرابع إلى أن ترويض الرأي العام مسألة ضرورية بغية المصادقة على قرارات السياسة الخارجية ،والدعاية حسب تشومسكي من أهم الوسائل الممكنة لبلوغ هذا النشدان، “حينما تسيطر على الميديا وتعكس المؤسسات التعليمية والأكاديمية أراء النخبة ، يمكن حينئذ أن تمرر رسائلك “[2] . إلى جانب ذلك هناك سياسة تزييف الواقع وتمثيل الحقيق إذ حسب تشومسكي دائما ” فصورة العالم التي تقدم إلى عامة الجمهور أبعد ما تكون عن الحقيقة ،وحقيقة الأمر عادة ما يتم دفنها تحت طبقة وراء طبقة من الأكاذيب “[3] .

في الفصل الخامس اهتم فيه المؤلف بالحديث عن ثقافة الانشقاق ،فرغم الدعاية والمحاولات الجمة للسيطرة على التفكير وصناعة الرأي والإجماع فهناك رغبة وقدرة على إنشاء تنظيمات شعبوية غير رسمية لها منظور خاص ومنطق في التحليل إزاء الأمور.

يهدف المؤلف في الفصل السادس إلى الكشف عن ما يسميه “استعراض الأعداء“وهي إستراتيجية تكون وليدة الأزمة، حيث يوضح كيف أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش أزمة خانقة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا  لكن لكي لا يؤثر هذا في الجمهور ـ القطيع ـ ويؤثر على الطبقة الحاكمة، يتم صناعة عدو بغية توجيه الرأي العام نحوه، من قبيل العدو الروسي في المرحلة الأولى ثم يليه الإرهاب العالمي، حرب كوبا، صدام حسين…

ركز تشومسكي في الفصل السابع الموسوم ب”انتقاء التصور ” على عملية تصنيع الإجماع وأنها ليست عملية هينة، وإنما تتطلب حسب ما يسميه المؤلف “الدقة في انتقاء التصور”. ومن هذا المنطلق يستند إلى جملة من المعطيات التاريخية ليؤكد على الكيفية التي تناول بها الإعلام قضية التعذيب والاحتلال غير الشرعي وانتهاك حقوق الإنسان ،وكيف تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الناطق باسم ثقافة حقوق الإنسان والمرسخة لها ،لكن هذا يخالف موقفها في عدم التدخل بجملة من المناطق ( مهاجمة إسرائيل مثلا ) .

أما في الفصل الثامن فخصص لحرب الخليج وكيف تم الترويج لها، وبناء ثقافة شمولية عنها ونظام من الدعاية، يفيد وجوب التدخل بقوة في العراق تحت ذريعة الاحتلال غير الشرعي وانتهاك حقوق الإنسان وإنشاء الديمقراطية، لكن مع طمس ما يصطلح عليه المعارضة الديمقراطية العراقية التي كانت لها رغبة وإرادة في قيام النظام الديمقراطي في العراق قبل شن الحرب عليها. كما أقر تشومسكي أن الدعاية الإعلامية المنظمة تتقن فن التلاعب بالعقول وتزييف الواقع وتصنيع الإجماع، موضحا ذلك بعدم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الانتهاكات الجسيمة الإسرائيلية في الأرض اللبنانية ،وجعلها تسلك منطق المفاوضة الدبلوماسية  عكس التدخل بالقوة.

يختم نعوم تشومسكي هذا الكتاب بفصل في غاية الأهمية، و هو في الأصل عبارة عن خطاب ألقاه المؤلف بمؤسسة ” فير”* التي تهتم بكل من مبدأ الدقة و مبدأ الوضوح في مجال التغطية الإعلامية. و هذين المبدأين وجب حسب المؤلف مراعاتهما أثناء معالجة أي قصة خبرية، و يقدم مثالا لأحد المواضيع التي تمت معالجتهما من طرف الإعلام دون مراعاة هذين المبدأين؛ و هو موضوع ممارسة العنف و الإرهاب.

في الأخير يمكن القول أن هذا الكتاب مرجع معرفي لا يمكن القفز عنه في فهم دور الإعلام في تشييد المجتمع و صناعة الدوكسات الجماعية و توجيه مسارات الحشود والجماهير، وكذا دور الدعاية الإعلامية في غرس القيم و المبادئ( هذه القيم والمبادئ ليست نابعة من صلب ثقافة الجماهير أنما نابعة من ثقافة نخبة النخبة ويتم العمل على تعميمها) في العقول بغية تحقيق رغبة سياسية نخبوية تخدم القوى العظمى المالكة للمجتمع. وبذلك فإن هذا الكتاب هو ذو رؤية نقدية للإعلام الأمريكي.

الهوامش:

* arhal.med12@gmail.com

* yassineatana94@gmail.com

* أستاذ جامعي في اللغويات و الفلسفة .

*  يحيل مصطلح البروباجاندا في الدلالة اللغوية اللاتينية إلى نشر المعلومات دون أن يحمل المعنى الأصلي، أي دلالات مضللة. و المعنى الحالي لها نشأ في الحرب العالمية الأولى عندما أصبح مصطلحا مرتبطا بالسياسة، ويعني نشر المعلومة و توجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير.

[1]   نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام : الإنجازات الهائلة للبروباجندا، تعريب اميمة عبد اللطيف، دار النشر مكتبة الشروق الدولية- القاهرة، الطبعة الأولى 2003،  ص 7

*  هي لجنة تأسست سنة 1917 تضم جملة من المفكرين  من جون ديوي  و أصدقائه، كونها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون من اجل تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهستيريا و التعطش للحرب خلال ستة أشهر.

*  منظر سياسي صاحب نظرية ” الديمقراطية التقدمية”

[2]  المرجع نفسه، ص 20

[3]  المرجع نفسه، ص20

*  فير إسم مختصر لمبادئ جمعية ” أخبار عادلة و صحيحة” بدأت العمل سنة 1986 وتقوم بمراقبة و سائل الاعلام الأمريكية.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق