الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

محددات الموقف المصري تجاه قرار ترامب بنقل عاصمة إسرائيل إلى القدس

  • المركز الديمقراطي العربي

إعداد الباحثين في كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية – مصر :

  • أ. أحمد سعيد الخليفة
  • أ. أحمد عبدالرحمن خليفة 

 

مقدمة:

إن تقدير موقف دولة أو كيان ما لا يتوقف عند حد ثنائية هنا والآن، وإنما لكل موقف سياق تاريخي (ذاكرة)، ومناطقي حدد هذا الدور وشكل حاضره، ومن هذه المواقف ما نحن بصدده بحثه الآن، وهو موقف مصر تجاه قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير بشأن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل. ولا يمكن فهم تلك المسألة (الموقف – الجزئي) إلا من خلال تسكينها في إطارها الكلي (الصراع العربي – الإسرائيلي)، ونظرة مصر إلى ذلك الصراع ودور مصر التاريخي فيه، وطبيعة نظام 30 يونيو وسياسته الخارجية. فضلًا عن طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة في هذه الفترة الراهنة.

إذن، فإن فحص ذلك الموقف بالنسبة لمصر لا يتوقف وحسب على فهمه في إطاره الراهن أو الأحادي، وإنما شكلته شبكة من المعطيات والتفاعلات والتوازنات، بعضها داخلي وبعضها خارجي، بعضها تاريخي والآخر وقتي، أيضًا بعضها مادي (له علاقة بالقوة وتفعلاتها) وبعضها تصوراتي – معنوي (يرتبط بطبيعة النظام، وتصوره للصراع ودوره فيه).

وغني عن البيان –طبعًا- ما تشغله القضية الفلسطينية عامة، والمسجد الأقصى والقدس خاصة، من مكانة في نفوس شعوب العالمين العربي والإسلامي، باعتبارها قضية المسلمين الأولى. وفيما يلي نتناول بالتحليل أولًا- الموقف المصري الرسمي تجاه القرار، وثانيًا- محددات ذلك الموقف (في إطار أوسع يشمل محددات الدور المصري تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي برمته).

أولاً: الموقف المصري الرسمي تجاه قرار تارمب:

لما كان تقدير الموقف يتطلب تسكينه في إطاره الكلي، واستذكار  السياق التاريخي له، فلا بد من الإشارة، ولو سريعًا، لمجمل موقف النطام المصري من إسرائيل بعد 30 يونيو، حيث شهدت العلاقات المصرية الإسرائيلية تطورًا بيّنًا ما بعد 30 يونيو 2013. وقبل الإشارة للعلاقات بين البلدين، نحاول استكشاف موقف النظام من القضية الفلسطينية؛ بافتراض أنها على رأس أولويات النظام في علاقته مع إسرائيل.

  • موقف النظام المصري من القضية الفلسطينية:

حيث استمر النظام المصري في دعم الحقوق الفلسطينية في إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل لتسوية عادلة وشاملة من شأنها دعم استقرار المنطقة، وضرورة الحفاظ على الثوابت العربية الخاصة بالقضية الفلسطينية[1]. ولعبت مصر دورًا بارزًا في إطلاق الحوار الفلسطيني لبحث ملف المصالحة بين حركتي فتح وحماس، تكلل هذا الدور بالمباحثات الأخيرة في القاهرة في أكتوبر 2017.

ولاستبصار مقاربة النظام المصري لحل القضية الفلسطينية، نقتبس جملًا من كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام الدورة الثانية والسبعين لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017[2]، باعتبارها آخر محفل دولي تحدث فيه السيسي عن الموضوع. فالحل لقضية فلسطين يكون “من خلال تسوية عادلة تقوم على الأسس والمرجعيات الدولية، وتنشئ الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وهو الشرط الضروري للانتقال بالمنطقة كلها إلى مرحلة الاستقرار والتنمية”، حسب قوله. وذلك عن طريق “كسر ما تبقى من جدار الكراهية والحقد للأبد …. أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مع أمن وسلامة المواطن الفلسطيني*” ودعا السيسي الفلسطينيين لـ”الاتحاد وارء الهدف، وعدم الاختلاف، وعدم إضاعة الفرصة، والاستعداد لقبول التعايش مع الآخر، مع الإسرائيليين في أمان والسلام، وتحقيق الاستقرار والأمن للجميع.” ودعا الإسرائيليين للاطمئنان، فـ”نحن معكم جميعًا من أجل إنجاح هذه الخطوة”. وأشاد السيسي بالتجربة المصرية في السلام مع إسرائيل؛ فـ”تجربة مصر تثبت أن هذا السلام ممكن وأنه يعد هدفًا واقعيًا”، ويردف كلامه للشعب الإسرائيلي “لدينا في مصر تجربة رائعة وعظيمة للسلام معكم منذ أكثر من أربعين سنة، ويمكن أن نكرر هذه التجربة والخطوة الرائعة مرة أخرى”. ودعا للتطبيع مع إسرائيل، فـ”يد العرب ما زالت ممدودة بالسلام، وأن يجب علينا جميعًا مواصلة السعى بجدية لتحقيقه.”

ويمكن رصد تشابه ملحوظ بين كلمتي الرئيس أمام دورتي الجمعية العامة 2016 و2017 فيما يتعلق بالسلام مع إسرائيل وحماية أمنها، بل مع كلمات ولقاءات تليفزيونية أخرى له[3].

  • العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد 30 يونيو:

        أما فيما يخص العلاقات المصرية – الإسرائيلية، فيمكن الوقوف على بعض ملامحها في التالي فيما يخص الكلمات والزيارات:

  1. دعوات الرئيس عبد الفتاح السيسي “الضمنية” المتكررة لإقامة تطبيع كامل مع إسرائيل مشترطًا التوصل لتسوية في القضية الفلسطينية، والدفاع عن أمن إسرائيل، وإشادته بالتجربة المصرية في السلام مع إسرائيل، كما ذُكر سلفًا.
  2. اللقاءات المصرية الإسرائيلية، وما تبرزه من علاقات تطبيعية وودية عميقة. كزيارة وزير الخاريجة سامح شكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في “مدينة القدس” صيف 2016، ووقوف الأول بجوار تمثال لتيودور هرتزل، في أول زيارة لوزير مصري لإسرائيل منذ 2007. وشهدت الزيارة كذلك زيارة شكري لمقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس، وتفقدهما نتجية مباراة نهائي اليورو، وإعداد نتنياهو مأدبة عشاء على شرف ضيفه. وكذلك اللقاء العلني الأول بين السيسي ونتنياهو في مقر إقامة الأول بنيويورك سبتمبر 2017.
  3. التقى السيسي مع نتنياهو سرًا مرتين. أولاهما كان في قمة جمعتهما مع الملك عبد الثاني وجون كيري بالأردن أوائل 2016، لبحث حل شامل للقضية الفلسطينية[4]. وثانيهما لقاء سري جمع السيسي ونتنياهو وزعيم المعارضة الإسرائيلية في القاهرة، لبحث زحزحة الموقف الإسرائيلي من تسوية القضية الفلسطينية ودفعها قدمًا[5].

ويمكن أن نجد ترجمة لهذه الزيارات في تحركات مصر في علاقتها تجاه إسرائيل في التالي:

  1. وقوف مصر بجانب إسرائيل مرتين في الأمم المتحدة. أولاهما تصويت مصر لصالح عضوية إسرائيل في لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي بالجمعية العامة للأمم المتحدة، أواخر 2015، لأول مرة في تاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية. وبررت مصر حينها ذلك التصويت باشتمال على 3 دول عربية خليجية، دون منح الأعضاء حق الاختيار فيما بينها. والدافع وراء التصويت لصالح القرار كان التزام مصر بدعم الدول العربية.

وثانيهما سحب مصر لمشروع قرار قدمته لمجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان أواخر 2016. وبررت مصر ذلك بالتخوف من الفيتو الأمريكي. غير أنها صوتت لصالحه حينما تبنت أربع دول مشروع القرار ذاته بعد سحب مصر إياه بيوم واحد. ويعتبر البعض أن ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية مورست على مصر لسحب قرارها حسب رويترز[6]**.

  1. التعاون الاستراتيجي والأمني بين البلدين. فالبلدان يعملان بصورة يومية، ويتبادلان الآراء في مختلف المجالات، ولديهما تفاهمات مشتركة فيما يتعلق بالوضع الأمني في سيناء[7]. وليس أدل من ذلك، على سبيل المثال، من تلبية مصر للطلب الإسرائيلي بإغراق الأنفاق مع قطاع غزة أواخر صيف 2015[8].
  2. تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، والزيادة المضطردة للسياح الإسرائيليين لمصر خلال الأعوام الثالثة الماضية. وفي إبريل 2016، وللمرة الأولى منذ عشر سنوات، زار وفد إسرائيلي مصر للبحث في سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين[9].
  • رد الفعل المصري من قرار ترامب:

اتخذت مصر موقفًا معارضًا ومنددًا من قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل[10]، باعتبار القدس مدينة “تحت الاحتلال” وفقًا لمقررات الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ورافضة لأية آثار مترتبة عليه. مؤكدة على عدم جواز القيام بأية أعمال من شأنها تغيير الوضع القائم في المدينة. واعتبرت مصر القرار الأمريكي بمثابة اختبار للمنظومة الأممية وسيادة القانون. وأكدت موقفها بالمطالبة بحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967. باعتبار القدس من مسائل الوضع النهائي، التي لا تحدد إلا من خلال التفاوض بين الأطراف.

واعتبر وزير الخارجية سامح شكري، في اجتماع المجلس الوزاري الطارئ لجامعة الدول العربية لمناقشة أزمة القدس المنعقد في القاهرة[11]، اعتبر “التحول المؤسف***” في موقف الولايات المتحدة جرس إنذار أخير. وتساءل عن خيارات يتيحها العالم لشعب يرزح تحت الاحتلال سوى أن ينتفض دفاعًا عن حقوقه المشروعة ومقدساته.

وعلى الصعيد الرئاسي[12]، كان أول تصريح رسمي للرئيس السيسي على قرار ترامب خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أكد فيه على خطورة آثار قرار نقل السفارة على السلم والأمن في المنطقة، وضرورة الحفاظ على الوضعية القانونية للقدس. فضلًا عن استقباله للرئيس الفلسطيني محمود عباس بقصر الاتحادية، وإجراء اتصال هاتفي مع العاهل الأردني عبد الله الثاني؛ لاستعراض آخر المستجدات على صعيد القضية الفلسطينية. وقد اتصل الرئيس السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب عشية قراره الأخير، تناول خلال الاتصال الرئيسان القرار (المزمع حينها)، وحذر السيسي خلاله ترامب من مغبة قراره ذلك.

جدير بالذكر أن الرئيس لم يُشر للموضوع في كلمته الافتتاحية لمنتدى أفريقيا  2017 الاقتصادي المنعقد بعد يومين من إعلان ترامب.

وخلال كلماته واتصالته، عكف الرئيس على تأكيد الموقف المصري الثابت بشأن الحفاظ على الوضعية القانونية للقدس، وضرورة العمل على عدم تعقيد الوضع بالمنطقة من خلال اتخاذ إجراءات أحادية الجانب، من شأنها تقويض فرص السلام في الشرق الأوسط.

وتوجت مصر موقفها**** بتقديمها مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي نيابة عن المجموعة العربية[13]. ويتكون مشروع القرار من صفحة واحدة، ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالتحديد، بل يتناول وضع مدينة القدس. حيث نص على أن أي قرارات تغير أو تحاول تغيير الشخصية أو الحالة أو التركيب الديموغرافي لوضعية القدس ليس لها أي أثر قانوني وتعتبر لاغية كأن لم تكن؛ ومن ثم يجب التراجع عنها امتثالًا للقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن. ويطالب مشروع القرار بعدم تأسيس أي بعثات دبلوماسية في القدس، وعدم الاعتراف بأي إجراءات أو أعمال تخالف قرارات المجلس.

ورُفض القرار إثر استخدام الولايات المتحدة حق الاعتراض التوقيفي (الفيتو). وصوتت مصر لصالح القرار في الجمعية العامة الطارئة للأمم المتحدة المنعقدة في 21 ديسمبر 2017 (بعد ثلاثة أيام من الفيتو الأمريكي)، بعد تقديم طلب تركي يمني لمناقشة القرار في الجمعية العامة بعد الفيتو الأمريكي.

ثانيًا- أسباب ومحددات الدور المصري في القضية الفلسطنية (قرار ترامب نموذجًا):

تتعدد محددات الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينة والصراع العربي الإسرائيلي في الوقت الرهن (بعد 30يونيو) بشكل يجعل منه أمرًا ليس يسيرًا تناوله من جانب واحد، وإعزاءه لعنصر دون الآخر، وفيما يلي تصور لأهم هذه العوامل:

  1. طبيعة النظام وردوده:

يُوصف النظام الحالي (نظام ما بعد 30يونيو) بالسمة البرجماتية في التعامل مع الأمور، وتقليل ارتباطه بالعوامل الأيديولوجية أو الدينية خاصة فيما يتصل بالسياسة الخارجية[14]؛ لذا غلب على ردوده طابع عدم التعصب أو الردود المبالغ فيها -ربما باستثناء مقاطعة قطر-، كما أن رؤية النظام للأمن القومي كانت نظرة أقل شمولًا، واعتبرت أن المهددات الأهم هي تلك التي تتصل بالحدود أو بأمن داعميه المباشرين، ومن ثم تم إيلاء أولوية قصوى للأوضاع في لبيا واليمن -فيما يتصل بباب المندب فقط-، في حين تراجعت القضايا الأخرى كالأوضاع في سوريا والعراق. بحيث تغلبت “أمننة الصراعات” على توجهات النظام ورده وفقًا لطبيعة ارتباطه بالمؤسسة العسكرية[15].

كما أن الدبلوماسية المفرطة، وعدم دعم فئات بعينها هي صفة أصيلة في الدبلوماسية المصرية بعد 30 يونيو، وإن ارتبطت بدعم الدولة الوطنية ومؤسساتها.[16]

  1. السياق وطبيعة الرد العربي:

لا تنبع أي سياسة خارجية من فراغ، وإنما من سياق إقليمي ودولي معين، وفيما يخص السياق العربي فنجد أنه أولى أهمية تالية للقضية الفلسطينية بشكل عام، كما أن ردوده بشأن قرار ترامب كانت هزيلة ولم تتعدَ مستوى عبارات الشجب والتنديد، وإن اختلفت –على المستوى اللفظي- في حدتها ودلالة معانيها، فردود القوى الإقليمية الكبرى (العربية، والإسلامية) لم تكن على مستوى عالٍ من التشدد إزاء الموقف وعلى رأسهم السعودية، الذي لم يجد ولي عهدها أي حماسة للحديث عن الموضوع.[17] ومن ثم فإن مصر إزاء هذا الموقف لم يكن لديها هامش مناورة كبير، وقدرة على الرد بشكل أكثر حدة تجاه إسرائيل وقرار أمريكا بشأن القدس.

  1. شبكة علاقات النظام الخارجية:

تحظى مصر بشبكة علاقات خارجية متعددة الأوجه، فهي لازالت ترتبط كسابق عهدها بالولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى علاقات متنامية ومتينة مع الاتحاد الروسي في مجالات متعددة عسكرية، واقتصادية، وتتوافق توجهات النظامين -السيسي، وبوتين- بشأن عديد من قضايا المنطقة كسوريا ومحاربة التطرف والإرهاب.

أما إقليميًا، فتحظى مصر  بعلاقات قوية مع دول الخليج -فيما عدا قطر- الداعم الرئيسي للنظام. في حين تتمتع علاقتها في الفترة الحالية مع تركيا بنوع من الفتور قد يصل إلى حد التوتر، وبعلاقات متصدعة مع قطر إثر دعمها للإخوان المسلمين؛ ومن ثم ساهمت مصر مع دول الخليج الأخرى في محاصرة قطر. ويُلاحظ إقليميًا أن تركيا وقطر هما أكبر الداعمين للتحرك ضد قرار ترامب ولو حتى على المستوى الخطابي -وإن كانت قطر بدرجات أقل بفعل علاقتها مع أمريكا-، وكلا الطرفين يقف النظام المصري موقف المناوئ لهما.

إذن يتضح بمراجعة شبكة علاقات النظام أن متانة علاقاته الخارجية مع الدول المنددة بقرار ترامب (الاتحاد الأوروبي – قطر – تركيا – إيران) نجد أنها أقل كثافة وتعقدًا من تلك الدول التي اتخذت منحنىً أهدأ في الإدانة (دول الخليج، روسيا)، وهو ما يفسر طبيعة الرد المصري بحكم ارتباطته الخارجية وشبكة تحالفاته، وبالمثل علاقته مع إسرائيل.

  1. التحديات التي تواجه النظام (الانشغال بقضايا أخرى):

تراجعت القضية الفلسطينية في سُلَّم أولويات متخذ القرار المصري، أو بالأحرى أدى الانشغال بقضايا أخرى داخلية وخارجية إلى زحزحة الصراع العربي – الإسرائيلي من أجندة القيادة السياسية، يأتي على رأس هذه القضايا، قضية تحقيق التنمية وإحداث تقدم اقتصادي، وقضية سد النهضة التي تُهدد شريان حياة المصرين وتعثر الدبلوماسية المصرية بشأنه، إلى جانب أخطار الحدود الغربية مع ليبيا ومسألة الإرهاب والتطرف في سيناء، ولا يفوت هنا ذكر قضية الانتخابات ورغبة النظام في “تجديد شرعيته”، بما يتطلبه ذلك من استقرار في العلاقة مع أمريكا وإسرائيل”[18].

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن قرض صندوق النقد الدولي لمصر يشكل عامل ضغط على طبيعة المواقف المصرية تجاه الغرب وأمريكا وإسرائيل بالذات؛ خوفًا من إيقاف الشرائح المتبقية من قرض الصندوق المقدر بـ 12 مليار دولار.

  1. الحفاظ على دوره كوسيط:

تُعد مصر من أكثر الوسطاء الإقليمين ارتباطًا بالقضية الفلسطينية، ولها تاريخ طويل من العلاقات وتقريب وجهات النظر بين الطرفين، ودعوتهما للحوار والتفاوض، وما أهل مصر للعب ذلك الدور هو بلا شك حقائق الجغرافيا والتاريخ والديمغرافيا.

فبداية من عهد السادات ومبارك، بدأ دور مصر في التحول التدريجي من طرف في صراع (عربي- إسرائيلي) إلى وسيط في صراع (فلسطيني – إسرائيلي)، تربطت مع طرفيه بعلاقات متميزة، فهي كانت أول من سوق إلى تأييد السلطة الفلسطينية[19]، وأن يكون التفاوض مباشرًا بين الطرفين حسب ما تطمح إليه إسرائيل، ومن ورائها حليفتها الاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية.

  1. قوة مصر، وتصورها لدورها الإقليمي:

منذ عهد عبدالناصر، وكان لمصر تصور خاص لدور إقليمي ريادي تتولى على إثره قيادة النسق الإقليمي العربي، وخاصة تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أن السادات أحدث تغيرًا في هذا النمط مع اتفاقية السلام. وسار على دربه مبارك بعد ذلك، ومن ثم أخذت تقل رغبة مصر في زعامة العالم العربي مع تنامي قوى إقليمية أخرى راغبة وقادرة على لعب دور قيادي (إيران – تركيا –السعودية)، ولا يتوقف ذلك – حاليًا – على طبيعة قوة مصر وتحدياتها الداخلية فحسب، بل على مستوى التصورات الرسمية لصناع القرار بأن مصر لا تؤدي دورًا رياديًا، وإنما تود في الشراكة على لسان وزير خارجيتها سامح شكري[20]. وهو ما يعني أن مصر أخرجت نفسها رسميًا – وأيضًا واقعيًا وفق عوامل ومقدرات الدولة – من مصاف القوى الإقليمية*****.

  1. تقليل الارتباط، ومنطق تجزأة الصراع:

تظهر العوامل السابقة أن مصر بدت راغبة في تقليل الارتباط بالصراع العربي – الإسرائيلي، أو على الأقل عدم وصفه على أنه كذلك؛ من منطق أن إقحام مصر في صراع مع إسرائيل ليست هي طرفًا مباشرًا فيه هو أمر غير رشيد. بل على العكس، فإن هؤلاء الذين تم وصفهم بالأعداء يجب الوصول إلى درجة عالية من الشراكة الاستراتيجية[21] معهم، وقد نظروا إلى “مبارك على أنه جائزة استراتيجية”[22]. ومن هنا برز طابع النظرة التجزأية للصراع سواء في أطرافه أو قضاياه، فأطرافه ليست الدول العربية والإسلامية كلها، وقضاياه ليست مسألة وجود كما تبرر لها المعتقدات الدينية –الثقافية، وإنما له مسائل عدة بعضها يتعلق بالحدود وحقوق الإنسان يمكن التفاوض بشأنها كل على حدة، وهي أقرب إلى استراتيجية تتبناها إسرائيل تتعلق “بتحويل الصراع”. وتأكدت تلك النظرة من خلال تصريحات وأفعال وعلاقات مصر مع إسرائيل في الفترة من 30 يونيو وحتى الآن، كما أوضحناها آنفًا.

خاتمة:

        شكلت العوامل والمواقف السابقة موقف مصر تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي –الإسرائيلي، الذي بدا في تحركاتها منذ 30 يونيو 2013، وهي نظرة تحمل في مجملها طبيعة نظرة النظام الخاصة للصراع. وعلى الرغم من كونها قد تكون تحولًا، إلا أنه لا يمكن وصفه بالمفاجئ أو الكبير، إذا وضح في إطاره الكلي وسياقه التاريخي والإقليمي، ومن ثم تشكل ما نحن بصدده الآن موقف مصر تجاه قرار ترامب ودرجة تعاطيها معه، فهي أولًا: لم تكن منفصلة عن مواقف النظام السابقة، بل كانت معبرة ودالة دلالة واضحة عن شبكة علاقاته الخارجية. وثانيًا: أن هذه المواقف لا يمكن أبدًا فهمها بصورة منفصلة عن التطور التاريخي للعلاقات المصرية الإسرائيلية من عبدالناصر إلى السادات فمبارك، وإن مثلت انقطاعًا عن الفترة التالية ليناير إلى ما قبل 30 يونيو ،حيث بدا أن مصر راغبة في دور مختلف وتصور آخر تجاه القضية.

[1] حسني الدمراوي، مصر والقضية الفلسطينية، موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، يونيو، 2013: https://goo.gl/6GAznE

[2] كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في الدورة الـ72 لاجتماعات الأمم المتحدة، موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، سبتمبر، 2017: https://goo.gl/W2HKic

* أخطأ السيسي في كلمته التي وصفها بخارج النص بتكرار كلمة “الإسرائيلي” مرتين بدلًا من “الفلسطيني”، وفرغت هيئة الاستعلامات الكلمة بتأخير “المواطن الفلسطيني” بعد “المواطن الإسرائيلي”، ويرى الكاتب أن لهذا دلالاته في أولويات النظام المصري.

[3] راجع بهذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر: كلمة السيسي في الدورة الـ71 لاجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر 2016، كلمة السيسي في افتتاح محطة كهرباء غرب أسيوط في مايو 2016، حوار السيسي مع قناة فرانس 24 في نوفمبر 2014.

[4] Kerry Offered Netanyahu Regional Peace Plan in Secret 2016 Summit With al-Sissi، King Abdullah، haaretz.com، Feb 19، 2017: https://goo.gl/q4fF6G

[5] Netanyahu، Herzog Secretly Met With Egypt’s Sissi in Cairo Last Year Amid Regional Peace Effort، haaretz.com، Jun 13، 2017: https://goo.gl/LWnGGB

[6] ذُكر ذلك في خبر نشره موقع رويترز العربي بتاريخ 23/12/2016: https://goo.gl/pymJoF

** ويلاحظ هنا تطور في موقف مصر، بالمقارنة مع مشروع القرار هذا، ومشروع القرار الذي قدمته أخيرًا بخصوص قرار ترامب. فكلاهما كان مهددًا بالفيتو الأمريكي، غير أن مصر تعاطت بإيجابية مع مشروع القرار الأخير ولم تسحبه كما فعلت في المشروع الأول.

[7] مقابلة السفير الإسرائيلي في مصر مع BBC، موقع Youtube.com، تاريخ النشر: 9 مارس 2016: https://goo.gl/YcwgGv

[8] Egypt flooded Hamas tunnels at Israel’s request، minister says، timesofisrael.com، 6 February 2016: https://goo.gl/hT6xNk

Israeli minister embarrassed after revealing security co-operation with Egypt، telegraph.co.uk، 07 Feb 2016: https://goo.gl/3ZZueU

[9] للمزيد حول هذا الموضوع: هيثم حسنين، التعاون الاقتصادي المتنامي بين مصر وإسرائيل، معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى، تاريخ النشر: نوفمبر 2016: https://goo.gl/hsTMAJ

[10] اعتمد الكاتب لبحث الموقف المصري على بيان وزاة الخارجية، كلمة مصر خلال جلسة مجلس الأمن الطارئة بشأن القدس، كلمة السيد سامح شكري أمام اجتماع المجلس الوزاري للجامعة العربية، كلمة السيد سامح شكري أمام القمة الإسلامية الطارئة حول القدس، وفق ما جاء في الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية على موقع Facebook من الفترة 5/12/2017، حتى تاريخ كتابة هذه الورقة: https://www.facebook.com/MFAEgypt/، ولم يكن ثمة اختلاف يذكر بينهم.

[11] كلمة السيد سامح شكري أمام اجتماع المجلس الوزاري للجامعة العربية، الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية على موقع Facebook، تاريخ النشر: 9/12/2017: https://goo.gl/Yb1b5G

*** ويرى الكاتب أن قرار ترامب ليس تحولًا في مجمل الموقف الأمريكي، بقدر ما هو تطور ونتيجة لعلاقة استراتيجية تجمع بين البلدين، وإن كان يمكن فهمه كتحول في إطار الموقف الظاهري وحسب.

[12] اعتمد الكاتب لبحث الموقف الرئاسي على صفحة المتحدث الرسمي باسم الرئاسة على موقع Facebook من الفترة 5/12/2017، حتى تاريخ كتابة هذه الورقة: https://www.facebook.com/Egy.Pres.Spokesman/

**** حتى تاريخ كتابة هذه الورقة.

[13] مشروع قرار مصري حول القدس: تأييد 14 عضوًا وفيتو أميركي، موقع مجلس الأمن الدولي، تاريخ النشر: 18/12/2017: https://goo.gl/7yH2wg

[14] بشأن تفصيل ذلك يمكن الرجوع إلى: إيمان رجب، السياسة الخارجية المصرية تجاه الصراعات الإقليمية..والحاجة إلى إعادة تموضع، الساسة الدولية، العدد 205، يوليو 2016، المجلد 51، ص 14.

[15] انظر، المرجع السبق، ص ص 15 -16.

[16] انظر بشأن الأهداف الجديدة للسياسية الخارجية المصرية ودعم مصر للدولة الوطنية ومؤسساتها:  محمد كمال، الجديد في السياسة الخارجية المصرية، السياسة الدولية، العدد 209، يوليو 2017، المجلد 52، ص 29.

[17]محمد بن سلمان لا يريد الحديث عن القدس، ورد ذلك في حوار روبرت ساتلوف مع ولي عهد السعودية ونشر في” فورين بوليسي”، موقع الميادين، بتاريخ: 15-12-2017،  تاريخ الدخول: 23-12 -2017: https://goo.gl/gF24Uj

[18] خلفيات اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل وتداعياته، تقدير موقف، مركز الجزيرة للدراسات، المنشور بتاريخ: 11-12-2017، نسخة pdf، ص 3: https://goo.gl/Zi4o8G

[19] انظر عامة بشأن تفصيل الدور التاريخي لمصر في القضية الفلسطسنة: عبد العليم محمد، السياسة المصرية تجاه قضية فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي، ص ص 433 – 468، وعلى سبيل التخصيص 451 – 455، ورد في: المدرسة المصرية في السياسية الخارجية المصرية، مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 2002.

[20] إيمان رجب، السياسة الخارجية المصرية تجاه الصراعات الإقليمية..والحاجة إلى إعادة تموضع، مرجع سابق، ص 15.

***** ويقصد بالقوة الإقليمية: هي تلك القوة التي لها نفوذ واسع في القضايا الإقليمية، ويمكن أن تلعب دور الشرطي أو صانع السلام، فهي لا تعبر فقط عن مصالحها الخاصة، ولكن تعمل ابتداءً كممثل للمصالح الإقليمية، ومن ثم فهي قوة قادرة (سياسيًا، عسكريًا، واقتصاديًا) في السيطرة، وراغبة في ذلك، بشأن مفهوم القوة الإقليمية يُرجع إلى: بوالجدري فيصل، خصائص القوة الإقليمية واستراتيجيتها، السياسة الدولية، العدد 205، يوليو 2016، المجلد 51، على سبيل التخصيص ص ص 30-31.

[21] ويمكن الرجوع بمزيد من التفصيل حول هذه الفكرة في عهد السيسي إلى: بيسان عدوان، سياسة مصر تجاه القضية الفلسطينية: من الصراع مع إسرائيل إلى الدفاع عن أمنها، المنشور بتاريخ: 30 يوليو 2017، تاريخ الدخول: 23-12-2017: https://goo.gl/VRpfJ3

[22] خالد الجندي، مصر وفلسطين وإسرائيل، موقع مركز بروكيجز، المنشور بتاريخ: 25 أغسطس 2012، تاريخ الدخول: 23-12-2017: https://goo.gl/Up7gRQ

 

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق