الرئيسية / الشرق الأوسط / حرب اليمن : عوامل غياب الحسم وأثرها على استمرار الصراع
حرب اليمن : عوامل غياب الحسم وأثرها على استمرار الصراع
اليمن

حرب اليمن : عوامل غياب الحسم وأثرها على استمرار الصراع

اعداد : محمد عمر – باحث ماجستير في العلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

ما زالت الحرب في اليمن مشتعلة وسط غياب الحسم العسكري لأي طرف، رغم الخلل الواضح في توازن القوى بين “تحالف دعم الشرعية” الذي تقوده السعودية وقوات تحالف “الحوثي ـ صالح”. فمنذ إطلاق “عاصفة الحزم” عدة لم يستطع التحالف حتى الآن إنهاء الحرب وحسمها. ففي البداية تم الإعلان من قبل الرياض قائدة التحالف العربي باليمن أن الحرب لن تستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، لإعادة الشرعية الممثلة في حكومة الرئس عبدربه منصور هادي، لكن هذا لم يحدث بشكل فعلي فمنذ إطلاق “عاصفة الحزم” في 26 مارس 2015، لم تستطع حكومة هادي بسط سيطرتها على كامل اليمن أو إجبار تحالف جماعة “أنصار الله” وداعمي الرئيس السابق “علي صالح” على الدخول في مفاوضات جدية من أجل إنهاء الأزمة.

ووسط هذا كلهتوجد عوامل عدة أسهمت في عدم حسم الحرب لأي طرف ما تسبب في إطالة أمد الصراع وتزايد عدد الضحايا من المدنيين، بخلاف تفشي الأمراض والأوبئة آخرها الكوليرا الذي أصاب حوالي  مليون شخص وقتل 2000 آخرين، مع تعرض الكثيرين لخطر المجاعة حيث يعاني حوالي 20 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي فيما يوجد حوالي 7 مليون فرد مهددون بالمجاعة، ورغم كل ذلك توقفت عمليات السلام بين الجانبين آخرها مفاوضات الكويتفي 30 يوليو 2017. لم يخض طرفي النزاع أي مفاوضات حقيقة سوى الجهود التي يبذلها المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد شيخ.

مع توقف المفاوضات ازداد الأمر تعقيدا بإعلان تحالف “الحوثي ـ صالح” ما يسمى بـ”المجلس السياسي الأعلى” لإدارة شؤون المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، تلاها صدور إعلان من جنوب البلاد بزعامة محافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي باستقلال جنوب اليمن مرة أخرى لكن تم وأد هذه الخطوة التي ليست في صالح السعودية.

والآن يشهد مجلس التعاون الخليجي أزمة عاصفة تكاد تودي بوحدة التكتل الخليجي، على خلفية قطع كل من البحرين والسعودية والإمارات ومصر  في يونيو 2017 علاقتها مع قطر واتهام نظامها بدعم الإرهاب والتعاون مع إيران، وانضمت الحكومة اليمنية إلى هذا الاتجاه لتعلن عن الخطوة نفسها بجانب طرد الدوحة من التحالف العربي. لم يؤثر خروج قطر من التحالف على عملياته، لكن انقلبت عليه بتركيز التغطية الإعلامية لوسائلها وخاصة قناة “الجزيرة” على ضحايا الحرب وانتهاكات قوات التحالف وهو ما يسبب حرج للتحالف بجانب إثارة المنظمات الدولية والإنسانية ضد عملياته.

وفي ظل الأزمة الخليجية الحالية تشهد السعودية تغيرات سياسة، ستؤخر حسم أمر الحرب أيضا من أجل ترتيب البيت الداخلي لتولي ولي العهد محمد بن سلمان أمور المملكة. وهو ما يجعل القيادة السياسية تركز على الداخل بشكل كبير  وسرعة حل الأزمة اليمنية حتى لا تكون بمثابة “فيتنام سعودية” لأن إطالة الأمر أكثر من ذلك سيؤثر  بشكل كبير على حكم محمد بن سلمان مستقبلا بجانب استنزاف الاقتصاد السعودي الذي يعاني بالفعل بسبب تراجع أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 وما زال مستمرا حتى اليوم.

ولهذا شكلت العوامل السابقة أحد الأسباب الرئيسية في تأخر حسم الحرب في اليمن، رغم تحقيق قوات التحالف إنجازات منذ دخولها لكن الفشل هو الطاغي الآن وسينسف جزءا كبيرا مما تم تحقيقه بما يضر بأمن الخليج وخاصة السعودية.

أولا ـ إنجازات واخفاقات التحالف العربي في اليمن:

مضى أكثر من عامين ونصف العام على انطلاق “عاصفة الحزم”، وما زالت قوات التحالف العربي بقيادة السعودية غير قادرة على حسم الأمور لصالحها أو تحقيق أهدافها كاملة وتمثلت في:

  • حماية الشرعية في اليمن.
  • ردع قوات الحوثيين ومنعها من تهديد المواطنين اليمنيين وتدمير قدراتها العسكرية.
  • منع قوات الحوثيين من تهديد دول الجوار وعلى رأسها الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.
  • تحقيق السيطرة على المجال الجوي في اليمن.
  • إخماد وسائل الدفاعات الجوية وإنهاء خطرالصواريخ الباليستية.
  • الحدمن الإمداد والتموين والتحركات لجماعة الحوثي.

لم يمر شهر على عملية “عاصفة الحزم” التي بدأت في 26 مارس 2015، لتعلن قوات التحالف في 21 أبريل 2015 انتهاء العملية وبدء عملية جديدة بعنوان “إعادة الأمل” معللة ذلك أن العملية الأولى حققت أهدافها الرئيسية.

بالنظر إلى أهداف “عاصفة الحزم” منها ما تحقق ومنها ما لم يتم حسمه بشكل فعلي وذلك على عدة مستويات كالتالي:

1ـ حماية الشرعية:

استطاع الرئيس منصور هادي الهرب من الحوثين بعد احتجازه في عدن ليتوجه إلى سلطنة عمان ثم السعودية، وبعدها بأيام يتم إعلان “عاصفة الحزمط بطلب منه باعتباره الرئيس الشرعي للبلاد، وبالفعل استطاعت عمليات التحالف وقف تمدد الحوثيين وتحرير المناطق الجنوبية وعاد هادي إلى عدن في سبتمبر 2015 لكن لم تستطع قوات التحالف تأمينه وبالتالي عاد مجددا إلى الرياض، ولم تقدر حكومته على تسيير الأمور في المناطق المحررة.

وبالتالي فشرعيته منقوصة لعدم قدرة حكومته على بسط سيطرتها على كامل التراب اليمني، أو حتى إدارة المناطق المحررة بفاعلية.

2ـ منع تهديدات “أنصار الله”:

أعلنت السعودية مرارا أنها أضعفت قدرات الحوثيين وحليفهم صالح إلا أن استمرار الهجمات يكشف عن وجود ترسانات من الأسلحة ما زالت بحوزتهم، بجانب التواصل مع إيران. فسبق أن أطلق الحوثيون صاروخين باليستين على محافظة الطائف فيما تؤكد السعودية أنهما استهدفا مكة وهى على بعد حوالي 300 ميل من الحدود اليمنية، أما الشهر الجاري وصل أحد الصواريخ الباليستية للحوثين إلى الرياض وتقع على بعد 700 ميلا من الحدود اليمنية مستهدفا مطار الملك خالد الدولي لكن أسقطته دفاعات المملكة.

ويكشف ذلك عن تطور قدرات الحوثيين كما وكيفا والحصول على أسلحة قادر ةعلى تهديد أمن المملكة وهو ما انتفضت على إثره السعوددية متهمة إيران وحزب الله بتقديم صاروخ الرياض إلى “أنصار الله” لأن الصواريخ التي استولى عليها الحوثيون من الجيش اليمني ليست بهذه الصفات أو المدى الكبير بجانب عدم معرفتهم بكيفية تشغيل تلك النوعية من الصواريخ الباليستية.

نجحت “أنصار الله” في إطلاق 79 صاروخا باليتسيا على مناطق مختلفة بالمملكة،  وأكثر من 40 ألف مقذوف عبر الحدود، وهذا يظهر أن “عاصفة الحزمط لم تنجح في تحقيق هدف إنهاء خطر الصواريخ الباليستية، أو تهديد المناطق الحدودية، فقد تسببت عمليات الحوثيين هناك إلى مقتل 95 مدنيا وإصابة 828، ونزوح 20310 أشخاص، بجانب تضرر 2825 منزل، و76 منشأة حكومية و1393 سيارة و272 محل تجاري، وإخلاء 875 مدرسة حدودية.

أما بالنسبة للخسائر  العسكرية فقدت السعودية وحدها أكثر من 100 جندي وثلاث طائرات بجانب تدمير بعض المواقع العسكرية والآليات في المناطق الحدودية، فيما تعرض السودان لأكبر  كم من الخسائر البشرية ليفقد حوالي 450 عسكريا، أما الإمارات ففقدت عددا يقارب نظيره السعودية، بجانب فقدان قوات التحالف مجملا 12 طائرة عسكرية.

3ـ الحدمن الإمداد والتموين والتحركات لجماعةالحوثي:

لم ينجح الحصار المفروض على بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين في منع تدفق السلاح والخبراء إليهم على مدى أكثر من عامين، وبعد صاروخ الرياض فرضت قوات التحالف حصار بريا وبحريا وجويا كاملا بإغلاق مطار صنعاء وميناء الحديدة البحري، مؤكدة استخدامهم من قبل “أنصار الله” في تهريب الأسلحة وتكنولوجيا الصواريخ المتقدمة.

ثانياـ الموقف الدولي من استمرار الحرب:

أدانالمجتمع الدولي صاروخ الرياض لدوره في تهديد السلم والأمن الدوليين وكذلك حركة الطيران إلا أنه تم رفض الحصار المفروض علي المناطق الواقعة تحت سيطرة “الحوثي ـ صالح” من قبل قوات التحالف. ليطالبمجلسالأمنالدولييوم 11 نوفمير الجاري التحالفبوضعحدللحصارالذييفرضهعلىاليمن منذ 6 نوفمبر ، وشدد أعضاء المجلس كذلك على إبقاء كل الموانئ والمطارات اليمنية مفتوحة، كما حذر ممثل الأمم المتحدة من أنه إذا لم يرفع التحالف الحصار فإن اليمن سيواجه “المجاعةالأضخم” منذ عقود مم ايؤدي لسقوط ملايين الضحايا.

وبجانب ذلك انتقدت 15 منظمة إنسانية الحصار لأنه يعوق العمليات الإنسانية،ودعت في بيان مشترك إلى استئناف إرسال المساعدات فورا منع الوقوع كارثة.

وتجددت المطالب الدولية في 17 نوفمبر الجاري برفع الحصار، فقد حذرت الأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وأكدت المنظمات أن آلاف الأبرياء سيموتون، إذا لم تصلهم مساعدة إنسانية فهناك أكثر من 20 مليون شخص من بينهم أكثر من 10 مليون طفل بحاجة ماسة إلى مساعدة إنسانية، فيما يهدد خطر “سوء التغذية الحاد والشديد” بوفاة نحو 400 ألف طفل، وذلك وفق بيانات صادرة عن المنظمة.

وسبق أن أدرجت الأمم المتحدة في أكتوبر 2017 قوات التحالف العربي بجانب تحالف “الحوثي صالح” وكذلك القوات واللجان الشعبية التابعة للرئيس هادي على لائحة سوداء سنوية للدول والكيانات التي ترتكب جرائم بحق أطفال، فقد أحصى التقرير الأممي خلال العام 2016 ما لا يقل عن 4000 حالة من الانتهاكات المثبتة من جانب قوات حكومية وأكثر من 11500 حالة منسوبة إلى مجموعات مسلحة غير حكومية، رغم إشادة التقرير باتخاذ قوات التحالف تدابير للحد من عواقب العمليات العسكرية على الأطفال.

وبشكل عام أحصى تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مقتل 5144 مدنيا يمنيا ، فيما أصيب أكثر من 8749 شخصا، منذ بدء الحرب في مارس 2015 وحتى 30 أغسطس 2017، ويمثل الأطفال نحو ربع عدد القتلى، وتسببت قوات التحالف في مقتل نحو 3177 شخصا، فيما تسببت قوات “الحوثي ـ صالح” والجيش اليمني في مقتل أكثر من 5 آلاف آخرين.

وتسجل هذه الأرقام وجود رفض من قبل المنظمات الدولية لاستمرار الحرب وسقوط المدنيين، رغم تأييد القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا للسعودية في حربها باليمن بجانب تقديم دعم عسكري واستخباراتي لقوات التحالف، لإدراكها خطورة تحالف “الحوثي ـ صالح” على مصالحها في المنطقة وخاصة التحكم في مضيق باب المندب وخليج عدن والتأثير على أمن البحر الأحمر ، بجانب تهديد أمن حلفائهم الخليجين من خلال زيادة نفوذ إيران بالمنطقة عن طريق حلفائها الحوثيين.

رابعا: تأثير الأزمة الخليجية على حسم الحرب:

قطع الرباعي العربي(السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في يونيو الماضي علاقاتهم الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية مع قطر، متهمين إياها بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في المنطقة. اشترطت الدول الأربععلى قطر وقف دعمها للإرهاب وقطع علاقاتها مع إيران وإنهاء الوجودالعسكري التركي على أراضيها بجانب شروط أخرى من أجل عودة العلاقات مجددا. بناء على هذه المقاطعة تم إنهاء مشاركة الدوحة في التحالف العربي بل إدراج قائد القوات القطرية باليمن “حمدبنعبداللهفطيسالمري”بقائمةالإرهاب الـ59 التيأصدرتهادول المقاطعة.

مر ما يقرب من 5 أشهر  وما زالت الأزمة مع قطر ترواح مكانها، وهو ما يشكل عبئا إضافيا على السعودية التي تقود التحالف. فالرياض يتبين أنها تفتح الكثير من الجبهات في آن واحد وفي فترات متتالية دون حسم أيا منها مما يشكل مستنقعا جديدا وضياعها بين الملفات وفي النهاية لا تؤول الأمور لصالحها كثيرا.

ومع أن قطر دولة صغيرة الحجم إلا أن لها قدرات مالية وعلاقات دبلوماسية واقتصادية مع دول الغرب بجانب تركيا وإيران، مكنتها من مواجهة ارتدادات الأزمة الخليجية التي كادت أن تصل إلى الإطاحة بالنظام بالقوة، وتحاول الآن قطر توظيف أوراقها من أجل مساومة دول المقاطعة على إنهاء الحصار المفروض عليها.

ومن بين هذه الأوراق الملف اليمني، فالدوحة تستطيع المساهمة في إثارة التعاطف الإنساني تجاه اليمنين من خلال منصاتها الإعلامية، رغم أنها لم تعلن رسميا منذ الأزمة أي موقف تجاه ما يجري هناك، بل إنها تدين من وقت لآخر الصواريخ التي تستهدف المملكة، ففي بيان لها أدانتوزارةالخارجيةالقطرية يوم 5 نوفمبر 2017،الصاروخ الذي أطلقته جماعة “أنصار الله” على العاصمة السعودية، وجددت رفضالدوحة لأية هجمات مباشرة أوعشوائية ضد المدنيين ،داعية الأطراف كافة في اليمن إلى تجنب التصعيد والانخراط في حوار شامل لإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار، مع دعمها للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني وقرارات الأمم المتحدة الهادفة لإعادة الاستقرار لليمن.

وبجانب إثارة قطر للأبعاد الإنسانية في حرب اليمن، خسر التحالف وخاصة السعودية غطاءا ماليا كبيرا إذ تتمتع قطر بإمكانيات مالية هائلة، فقد بلغت الأصول الاجمالية للصندوقالسياديلقطرحوالي 335 مليار دولار ،ليحتل المرتبة التاسعة على مستوى أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، فيما يبلغ احتياطها النقدي حوالي 340 ملياردولار.

يمكن للأموال القطرية المساهمة في تمويل العمليات العسكريةالتي اقتربت من إكمال عامها الثالث، فالسعودية تنفق حوالي 230 مليوندولارشهرياعلىالضرباتالجويةفقط،وتراجع احتياطي النقد الأجنبي لديها من 737 مليار دولار في 2014، إلى 487 مليار في يوليو 2017 بسبب انخفاض أسعار النفط وحربها باليمن.

كذلك يمكن لقطر إثارة تيارات سياسية داخل اليمن ضد التحالف وخاصة “الاخوان المسلمين” التي يعبر عنهاحزب “التجمع اليمني للإصلاح”، وأعلنت بعض قيادته دعمها لقطر مع مقاطعة الدول العربية وإن لم يكن بشكل رسمي فالحزب لن يقدر على معاداة التحالف خاصة في ظل وجود قيادات له داخل السعودية.

وعقب قطع الرباعي لعلاقته مع قطر، كان لذلك صدى على مجريات العمليات العسكرية، حيث ضمت قائمة الإرهاب التي أصدرها الرباعي  العربي “عبد الوهاب الحميقاني”، الأمين العام لـ”حزب الرشاد” السلفي المقرب من حزب “التجمع اليمني للإصلاح” وكذلك قطر، على قائمة الشخصيات الإرهابية بجانب شخصيات أخرى، وأثر هذا في معركة “البيضاء”، حيث أخلت قبائل “الحميقاني” مواقعها القتالية في مواجهة “انصار الله” احتجاجا على وضع أحد قيادتها في قائمة الإرهاب،وأدى ذلك إلى تقدم الحوثيين في هذه المنطقة، مما وضعهم بالقرب من مناطق قبائل “يافع” الجنوبية، وبالتالي قرب النطاق الأمني الذي تدعمه الإمارات في جنوب اليمن.

ومن جانبها تدعم الإمارات جنوب اليمن وخاصة السفليين والمجلس الانتقالي لجنوب اليمن الذي أعلن انفصاله وإعلان اليمن الجنوبي لكن باءت هذه الخطوة بالفشل بسبب الرفض السعودي.

بالتالي سيساهم تشرذم التحالف الخليجي في اليمن في تعقيد الأزمة أكثر مما هي عليه الآن، فبعد أن كان الصراع ينحصر بين تحالف “الحوثي ـ صالح” وحكومة هادي من المحتمل أن يكون بين أكثر من طرف سواء الانفصالين في الجنوب أو الإخوان المدعومين من قطر  بجانب الجماعات المدعومة من الإمارات.

خامسا: تداعيات تورط السياسة السعودية في أزمات المنطقة على حرب اليمن:

شهدت سياسة كل من الإمارات والسعودية تحولات كبيرة عقب ثورات الربيع العربي، لتتحول من “رد الفعل” و”عدم الانخراط” إلى “المبادرة والفعل”، والتورط في قضايا وملفات متشابكة ومتزامنة نتيجة حدوث تحولات دراماتيكية في المنطقة، ولأن ثورات الربيع ضربت دولا مركزية في المنطقة العربية حاولت دول الخليج وخاصة قطر والإمارات والسعودية تولي زمام الأمور ومحاولة تشكيل الأنظمة الجديدة الناشئة ومنع نشوء نظم مناهضة لها أو مخالفة لأيدولوجيتها ومنهم من عمل منفردا وبعضهم شكل تحالفا ثنائيا في بعض المناطق، فمثلا رؤية قطر لطبيعة النظام السياسي في مصر كانت مختلفة عن الرياض وأبو ظبي من حيث القوى المسموح بوصولها للسلطة وحدث ذلك أيضا في ليبيا واليمن وسوريا.

فالإمارات تدخلت في ليبيا مع اندلاع الثورة في فبراير 2011 لتشارك في عمليات حلف شمال الأطلنطي من أجل الإطاحة بنظام معمر القذافي، وقامت بذلك قطر أيضا لكن كلا منهم يدعم أطرافا مختلفة في ليبيا فالإمارات تدعم قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر والقوى الموالية له فيما تدعم الدوحة قوى الإسلام السياسي وخاصة “الإخوان المسلمين”، أما السعودية فتميل كثيرا إلى الرؤية الإماراتية لليبيا، فيما تختلف الرؤية الإماراتية عن نظيرتها السعودية والقطرية في سوريا، وقد أدى ذلك إلى عدم وجود سياسة موحدة داخل سوريا ليتم بعد ذلك تصفية وجودهم وخاصة الدوحة والرياض المنخرطتين عسكريا في الأزمة.

فمع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، دخلت السعودية على خط الأزمة هناك ومولت ودعمت فصائل سياسية معينة وخاصة التيارات السفلية على أمل خلق نفوذ لها وتعاونت مع دولا أخرى ونجحت في تشكيل كيانات عسكرية قوية مثل “جيش الإسلام” والمكون من  أكثر من 55 لواء منضوي تحته وكان أحد أقوى التشكيلات العسكرية الموجودة على الأرض إلا أنه لم يحقق أهداف المملكة.

ونتيجة لتورط المملكة في سوريا بدأت بترتيب صفوفها والانسحاب تدريجيا من هناك، ليعلن “جيش الإسلام” عن حل نفسه في يوليو 2017 والاندماج في فصائل وطنية ولشكيل جيش وطني، وهذا القرار يعبر عن انسحاب المملكة تدريجيا من المشهد العسكري في سوريا خاصة بعد النجاحات التي حققها الجيش السوري وحلفائه، وبدأت تتفاهم مع روسيا من أجل تسوية المشهد وتبدى ذلك في زيارة العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز إلى موسكو مطلع أكتوبر 2017، لتمثل الزيارة الانسحاب شبه النهائي من المشهد السوري والانشغال يحربها غير المحسومة في اليمن.

وبعد إغلاق السعودية لجبهة سوريا للتفرغ للأزمة اليمنية.لم تلبث إلا أن تدخل نفسها في دوامة جديدة بلبنان بوقوفها وراء استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري رغم نفي الأخير إجبار المملكة أو  وجود دور لها في هذه الخطوة التي أعلنها من الرياض وهاجم فيها إيران وحزب الله اللبناني شريكه في الحكومة.

وبالتزامن مع الاستقالة كثفت المملكة ضغوطها على حزب الله وكثر الحديث عن وجود نوايا لتوجيه ضربات عسكرية ضد حزب الله، وفرض عقوبات على الحكومة اللبنانية لصمتها على سياسة الحزب الخارجية وتدخله في الشأن الخليجي بجانب دعم جماعة “أنصار الله”، فقد أعلنت السلطات السعودية أنها ستتعامل مع حكومة لبنان كحكومة حرب، خاصة بعد اتهام المملكة لكلا من “حزب الله” وإيران بالضلوع في عملية إطلاق الصاروخ الباليستي على الرياض.

ورأت المملكة أن المواجهة غير المباشرة مع حلفاء إيران مثل طحزب الله” خارج أراضيه في سوريا واليمن لم تأت بثمارها، لذا أرادت نقل ساحة الحرب إلى دياره بالضغط على لبنان حتى تحد من تحركات الحزب الخارجية ونجحت في تصنيف طحزب الله” كجماعة إرهابية ضمن البيان الختامي الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارىء بالقاهرة يوم 19 نوفمبر  2017، إلا أن الأمين العام للحزب “حسن نصر الله” أكد أن هذا لن يؤثر عليهم فهو لم يضف جديدا عليهم كما انتقدته إيران وسوريا.

وهنا أرادت المملكة تعويض تأخرها في حسم حرب اليمن بفتح جبهة ضد “حزب الله” لدوره في دعم جماعة “أنصار الله”، والآن لا يمكنها سوى الضغط عليه سياسيا في لبنان لأنها لن تقدر على الاتخراط معه في مواجهة عسكرية مباشرة لأنه لن يسمح عربيا بذلك، بجانب قدرات الحزب التي تمكنه من تنفيذ عمليات مؤثرة بدعم من إيران ضد السعودية ودو الخليج.

وتحاول السعودية فتح جبهة جديدة بتشكيل تكتل عربي للضغط على إيران، وتبدى ذلك في اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارىء، بجانب التعاون مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية للضغط على إيران، لكن الكثيرون يرفضون حربا جديدة بالمنطقة ومنهم مصر فقد أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي أنه يعارض توجيه ضربات عسكرية لإيران أو”حزبالله”،وأكد أن مصر لاتريد إشكاليات أخرى أوزيادة الاضطرابات بالمنطقة، كذلك لن تقبل دولا أخرى مثل الكويت وسلطنة عمان وقطر والجزائر شن حرب جديدة ضد إيران.

خاتمة:

يمكن القول أن عوامل عدة أسهمت في تأخر حسم الحرب  في اليمن فمن ناحية ما زال تحالف”الحوثي ـ صالح” قادر على القتال واكتسبا خبرات جديدة والحصول على أسلحة متقدمة، بجانب عدم قدرة قوات التحالف على توسيع نطاق عملياتها البرية، وأضيف إليها اليوم الأزمة الخليجية مع قطر، بجانب انشغال ولي العهد السعودي بترتيب المملكة من الداخل.

ستكون مغامرة من الرياض إن فتحت جبهة جديدة ضد طهراندون حسم ملف اليمن، ويتوجب على ولي العهد محمد بن سلمان إنهاء الحرب سريعا لأنها التحدي الأبرز الذي يهدد حكمه مستقبلا فاستمرار الأزمة يترتب عليه تعقيدات جديدة، فإعلان جنوب اليمن الانفصال ليس في صالح المملكة بشيء وهو ينسف كل ما قامت به هناك، لأن شمال اليمن يسيطر عليه تحالف “الحوثي ـ صالح”.

كذلك على الدول المشاركة في التحالف العربي وخاصة مصر والإمارات تحريك الأمور من أجل تسوية الأزمة في اليمن لأن إطالة أمد الصراع فيه تهديد للمضائق البحرية المهمة وخاصة باب المندب فهم مهم بالنسبة لمصر  لأن من سيسطر عليه سيؤثر على عمل قناة السويس، كذلك العمل في الموانىء الإماراتية وخاصة ميناء “جبل أبو علي” ولهذا ركزت مصر  والإمارات على تولي المور ناحية جنوب اليمن.

والأهم من ذلك أن إطالة أمد الحرب يتضرر منه الطرف الأضعف أكثر من غيرهم وهم المدنيين فمن لم يقتل في عمليات القصف أو طلقات الرصاص والقذائف طاله الجوع أو الأوبئة مثل الكوليرا.

المصادر

1ـ سايمون هندرسون، كيف تُفسّر الحرب في اليمن مستقبل المملكة العربية السعودية، 8/11/2017، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الرابط.

2ـ الحوثي هدد أمن السعودية بـ79 «باليستياً» إيرانياً، الشرق الأوسط، 13/11/2017، الرابط.

3ـ الأمم المتحدة تحذر من كارثة إنسانية بسبب “الحرب الغبية” في اليمن، فرانس 24، 17/11/2017، الرابط.

4ـ الأمم المتحدة تدرج التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن على لائحتها السوداء، فرانس 24، 7/10/2017، الرابط.

5ـ تقرير أممي: ثلثا ضحايا الحرب في اليمن سقطوا جراء غارات التحالف، وكالة سبوتنيك، 5/9/2017، الرابط.

6ـ الجيش السوداني يعلن عن خسائره في اليمن، وكالة سبوتنيك،27/9/2017، الرابط.

7-Hilal Khashan ,Saudi Arabia Makes a Strategic Miscalculation ,Stratfor, 10/11/2017,link

8ـ ماجد المذحجي  ، ما هي انعكاسات الأزمة الخليجية على حرب اليمن؟، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 21/7/2017، الرابط.

9ـ جهاز قطر للاستثمار.. صندوق قطر السيادي، الجزيرة نت، الرابط.

10 ـ السيسييرفضالتدخلالعسكريضدإيرانوحزبالله، روسيا اليوم، 18/11/2017، الرابط.

أضف تعليقك أو رأيك

عن المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى