احدث الاخبارعاجل

الإستراتيجية الإقتصادية لدول الخليج العربي لإعادة الإعمار بعد الدمار في سوريا و العراق

اعداد : فؤاد الصباغ – باحث فى الإقتصاد والتصرف

  • المركز الديمقراطي العربي

 

إن ما شهدته بعض الدول العربية و خاصة منها دول الربيع العربي من فوضي و خراب و تدمير منظم لم تشهده تلك المنطقة العربية برمتها منذ قرون طويلة. إذ تذكرنا تلك المشاهد بمجازر هولاكو خان علي المدن الإسلامية منذ القرون الغابرة. كما تمثل ظاهرة بروز تنظيمات إرهابية تدعي نشر الإسلام غريبة علي المنطقة الإسلامية المعتدلة, حيث قامت تلك العصابات بتدمير المدن و الحضارات و قتل و تشريد الآلاف من السكان عن مدنهم و قوراهم.

إذ مع بداية سنة 2017 أعلن التحالف الدولي حربه المقدسة لتطهير المنطقة من هذا السرطان الخطير الذي أضر بالخصوص بدولة العراق حيث سيطر علي أكثر من 40% من الأراضي العراقية سنة 2014 و شرد أكثر من 5 ملايين نازح أما في دولة الشام فحدث و لا حرج عن فنون القتل و قطع الرؤوس و جرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي.

هذا التنظيم الذي يدعي أنه داعش تبين أنه داهس علي نفوس و أرواح الأطفال الأبرياء الممزقة و المنتشرة علي روكام الخراب.

إلا أنه مع نهاية سنة 2017 أعلن التحالف الدولي القضاء بصفة نهائية علي هذا الكائن الغريب بدولة العراق, و في هذا الصدد سارعت دولة الكويت بقيادتها الحكيمة في إعلان مبادرة مؤتمر الكويت الدولي الذي أنعقد من 12 إلي غاية 14 فيفري 2018 تحت سامي إشراف أمير الكويت صباح الأحمد جابر الصباح الذي أكد في كلمته الإفتتاحية لهذا المؤتمر الحرص الكامل علي عودة الحياة و الأمل و المستقبل المشرق لدولة الجوار العراق.

إذ إنطلق هذا المؤتمر بالتأكيد علي تفعيل دور القطاع الخاص و خلق فرص إستثمارية و مشاريع حيوية ضخمة شاركت فيها قرابة 2000 شركة و رجل أعمال.

و من أبرز نتائج ذلك المؤتمر هو المساهمة الكبري من جانب الدول الخليجية و نذكر منها بالأساس دولة الكويت التي ساهمت بمجموع ملياري دولار مقسمة علي مليار دولار قروض من البنك الكويتي للتنمية الإقتصادية و مليار دولار إستثمار بالإضافة إلي مساهمات الجمعيات الخيرية الكويتية, أما السعودية فقد ساهمت ب 100 مليون دولار دعم مالي و الإمارات العربية المتحدة ب 500 مليون دولار.

بالتالي تمثل كل هذه المساعدات المادية القاعدة الأساسية في بناء إستراتيجية إقتصادية و رؤية إستشرافية بعيدة المدي لمستقبل الإقتصاد العراقي قصد الخروج من أزمته و الإندماج في المنظومة الإقتصادية الخليجية و ذلك بتعزيز التعاون التجاري في شتي المجالات و القطاعات الحيوية لتقوية المصالح التجارية المشتركة و خاصة من خلال فتح معبر عرعر الحدودي بين العراق و السعودية الذي دام غلقه ما يقارب من 27 سنة. هذا بالإضافة إلي تعزيز نفوذ القطاع الخاص في الإقتصاد العراقي و التركيز علي رؤية إستشرافية لإعادة هيكلة المنظومة الإقتصادية العراقية و تحرير جميع القطاعات إلي موفي سنة 2030.

إن الإصلاح الهيكلي و المؤسساتي أصبح واجب وطني لدولة العراق حتي تواكب التغييرات في المنطقة و دعم الإستثمار و التنمية المستدامة و تطوير البنية التحتية.

كذلك تحديد طبيعة و نمط الإقتصاد المستقبلي خاصة من جانب تحديد أسعار النفط و الغاز و الجهات التي تحتكر التنقيب و التوزيع و أيضا الإلترام بالعقود الإستثمارية في البني التحتية و الخدماتية مع الدول الخليجية المساهمة في إعادة الإعمار. أما بخصوص سوريا فإن الحرب لم تنتهي بعد إلا أنه في هذا الصدد جرت سلسلة من المؤتمرات لإعادة الإعمار و ذلك إنطلاقا من سنة 2013 إلي غاية الآن نذكر منها مؤتمر كوريا الجنوبية, مؤتمر بيروت و أهمها مؤاخرا مؤتمر بروكسل الذي أنعقد في 5 أفريل 2017 بمبادرة من الإتحاد الأوروبي, شاركت فيه قرابة 70 دولة و منظمة غير حكومية بما فيها المشارك البارز دولة قطر التي تسعي بكل جهد لوقف حمام الدم و الدمار و الخراب الذي شمل أغلب المدن مثل حلب, حمص, الرقة و أخيرا الغوطة و التي معظمها أصبحت مدن أشباح و أرواح.

إذ ثلث المنشآت السكنية تعرضت للدمار الكلي و خربت جميع المرافق العمومية و البني التحتية من طرقات و مدارس و مستشفيات و أصبحت كلها أكوام من الحجارة و الرماد.

و قد صرح مؤخرا المبعوث الأممي دي ميستورا أن كلفة إعادة إعمار سوريا خلال سنة 2018 تقدر بربع تريليون دولار. عموما تمثل النظرة الإستشرافية و الإستراتيجية الإقتصادية لدول الخليج العربي من خلال المشاركة و المبادرة لمثل هذه النوعية من المؤتمرات قصد إعادة ما تم تخريبه في العراق و سوريا  بالأساس في عودة جميع النازحين و المهجرين إلي ديارهم حيث تم بالفعل عودة أكثر من نصفهم إلي مناطقهم في العراق مثل مدينة الموصل, نينوي و كردستان العراق.

أيضا دعم الإستثمار و زيادة الدعم المالي و التشجيع علي الإنتاجية و تفعيل دور القطاع الخاص و تحرير الأسواق, كذلك إعادة هيكلة جميع الشركات الخاصة و وضع مخطط بعيد المدي يتراوح بين 10 إلي 15 سنة لخصخصت القطاع العام. بالإضافة إلي الحرص علي إنطلاق المشاريع الضخمة في البني التحتية و العقارية قصد تحقيق التنمية المستدامة و الإلتزام بعقود الشركات الخليجية الخاصة في مجال البناء و الإعمار و الإستثمار و بالتالي تحقيق الإستقرار و الإزدهار.

إن الرهان علي إستقرار الدول المجاورة في المنطقة بعد الحرب في سوريا و العراق هو رهان علي إستقرار كل منطقة الشرق الأوسط و كل هذا الدعم المالي لم يأتي من فراغ بل من ورائه مخطط و إستراتيجية إقتصادية طويلة الأمد. إذ تمثل هذه الإستراتيجية رؤية شاملة في مجال التعاون بين دول المنطقة بعيد الأمد و خاصة منها الحد من النفوذ الإيراني الذي يعتبر الشغل الشاغل لدول مجلس التعاون الخليجي و الذي أرق و هدد مصالح المنطقة كلها من خلال سيطرة إيران علي أربعة دول من بينها العراق و سوريا و هذا الدعم المالي و المساهمة في مثل هذه النوعية من المؤتمرات هو كسب حقيقي لرهان إقتصادي و سياسي إستراتيجي في المنطقة.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق