الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثيةتقارير استراتيجية

تقدير لمُقترح تشكيل قوة سودانية – مصرية لحماية الحدود المُشتركة

اعداد: السفير بلال المصري 

ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر – مدير المركز الديمقراطي العربي

أشار موقع EGYPT INDEPENDENT في 9 مارس 2018 إلي تصريحات أدلي بها في 8 مارس السفير السوداني بالقاهرة في مؤتمر صحفي عقده بمقر السفارة , كان من بينها قوله أن السودان لديه إتفاقيات مُختلفة قيد التطبيق مع مصر والسعودية مُشيراً إلي أن بلاده إقترحت علي مصر إقامة “قوة عسكرية مُشتركة ” تقوم بدوريات  لمراقبة الحدود وحمايتها , مُوضحاً ” أن هذا المُقترح سيخضع لنقاش في اللجان الأمنية الفنية المُشتركة في المستقبل القريب ” , كما أفاد بأن الجانب السوداني فيما يتعلق بالنزاع علي حلايب إقترح في سبيل حله اللجوء للتحكيم الدولي أو المفاوضات الثنائية , كما أشار السفير إلي أن الجانب المصري طرح علي الجانب السوداني خلال الإجتماع الفصلي الذي يُعقد علي مستوي وزيري خارجية ورئيسي جهازي المخابرات العامة البلدين عدداً من القضايا منها الحظر الذي تفرضه السلطات السودانية المعنية علي إستيراد الخضروات والفواكه المصرية , وكذلك وقف السودان لإستضافة أي شخصيات مصرية معارضة علي أراضيه , ونفي السفير إستضافة بلاده لمعارضين مصريين , لكنه أشار إلي أن الوفد السوداني قدم لنظيره المصري قائمة بشخصيات سودانية مُعارضة تقيم بمصر , لكن لم ينس السفير السوداني الإشارة إلي أن عودته من الخرطوم بعد مرور شهرين من التشاور مع خارجية السودان ” لا تعني مهاية الخلاف مع القاهرة , لكنها علامة علي البدء في جهود جادة في إتجاه إنهاءه  ”  .  

لم يكن المقترح السوداني جديداً , فقد سبق لوزير الخارجية السوداني التصريح به خلال زيارته للقاهرة في يونيو 2017, كذلك فخلال الزيارة التي قام بها مدير المخابرات العسكرية المصرية للخرطوم في 11 أكتوبر 2017 والتي كانت مقدمة لتنفيذ الإتفاق الذي تم بين وزيري دفاع مصر والسودان وقضي بعقد إجتماعات منتظمة للجنة عسكرية مُشتركة لتنشيط التعاون والتنسيق فيما يتعلق بالسيطرة علي الحدود , وكان السبب المباشر لذلك الإتفاق هو إتهام السودان الذي وجهه في مايو 2017 لمصر بإمدادها تمرد دارفور بآليات إستخدمها التمرد في الهجوم إنطلاقاً من ليبيا علي مواقع حكومية سودانية بدارفور , في هذا الإطار إلتقي وزير الدفاع السوداني  مدير المخابرات العسكرية المصرية بحضور مدير المخابرات العسكرية السودانية حيث بحثا  معاً طرق التحكم والرقابة علي الحدود المُشتركة , وقد أشار البيان الصادر بشأن الزيارة إلي أن وزير الدفاع السودان شدد علي الحاجة إلي محاربة تهريب الأسلحة والبشر عبر الحدود كما أكد علي أن هناك حاجة لإقامة نقاط عبور وقنوات إتصال بين القوات المسلحة لمصر والسودان , وعلي التوازي مع اللجنة العسكرية تكونت في فبراير 2018 لجنة أخري تضم وزير خارجية ومديري المخابرات العامة لمصر والسودان , وذلك في القمة الثلاثية بين رئيسي مصر والسودان ورئيس وزراء إثيوبيا  والتي عُقدت في يناير 2018 , مهمتها ” إزالة أي عقبات يمكن أن تعرقل علاقة الأخوة والتضامن والمصير الموحد في مواجهة التحديات الثنائية ”  .   

عاد السفير السوداني إلي مقر عمله بالقاهرة في 6 مارس 2018 بعد إستدعاء الخارجية السودانية له في 5 يناير 2018 للتشاور إثر إذاعة تقارير سودانية عن دعم مصري لجماعت سودانية مُسلحة في إرتريا علي حدود السودان الشرقية وإثر إذاعة تقارير إثيوبية أخري تتحدث عن أن مصر أرادت إستبعاد السودان من المفاوضات الثلاثية التي تجري لأكثر من عامين لحل الخلاف المصري / الإثيوبي حول سد النهضة الإثيوبي وأثره علي مصر , وعقب عودة السفير السوداني للقاهرة قام مدير المخابرات العامة المصرية بالإنابة بزيارة للخرطوم في 10 مارس 2018 إلتقاه خلالها الرئيس السوداني ووفقاً لما أوردته وكالة الأنباء السودانية SUNA فقد ناقشا ” أهمية الإتصالات بين البلدين والتحديات بالمنطقة والتي لا يجب أن تؤثر علي العلاقات بين البلدين ” , وقبل هذا اللقاء إلتقي الزائر المصري في إطار إجتماعات اللجنة الرباعية نظيره ووزيري الخارجية والدفاع  السودانيين , وقد أشار البيان الصادر عن وزارة الدفاع السودانية إلي أن وزير الدفاع السوداني وصف العلاقة بين البلدين للمسئول المصري الزائر بأنها هامة وإستراتيجية وقال ” إن الأمن القومي لمصر يمثل أمناً للأمة , ومن الواجب الحفاظ عليه ” .   

قبل تقييم المُقترح السوداني بتشكيل قوة مُشتركة مع مصر لرصد والسيطرة علي وحماية الحدود المُشتركة تجب الإشارة إلي أنه إذا نظرنا إلي هذا المُقترح بمعزل عن الملفات الشائكة والتي لم يتمكن الجانبان من العثور علي حل وسط لها , فإننا نجد أن هناك حاجة فعلية لتكوين هذه القوة المُشتركة إذ أن المنطقة الشرقية بليبياً تعتبر مصدراً لقلق أمني مُضطرد لكل من مصر والسودان ففي جنوب شرق ليبيا تتربص مجموعات دارفورية مُسلحة بالقوات المسلحة السودانية بدارفور , وكان ذلك هو السبب الرئيسي الذي حدا بالسودان للإتفاق مع تشاد لتعزيز الدوريات المُشتركة علي حدودهما مع ليبيا بعد ورود معلومات عن تواجد عناصر تشادية مُسلحة بليبيا  , لولا أن هذا المقترح لا يمكن بالمرة عزله عن مصفوفة العلاقات الثنائية بين مصر والسودان والتي ظلت منذ ما بعد إنقلاب 30 يونيو 1989 أو ما عُرف “بثورة الإنقاذ الوطني ” بالسودان وتحديداً بعد إعلان السودان عن الهوية الإسلامية لنظام حكمه وإضطلاعه بدور رسالي إسلامي حضاري , الأمر الذي إعتبرته القاهرة خطراً عليها من عدة أوجه ليس هنا مجال بيانها , فبدأت سلسلة من الأفعال وردود الأفعال من الجانبين بعضها كان عنيفاً وشديد التأثير سلباً علي ما كان يُسمي بنظرية الأمن القومي امصري / السوداني ذات الخصائص التبادلية , منها مثلاً إصدار حكومة السودان لقانون التعليم عام 1991والذي بموجبه بدأت عملية سودنة التعليم بوضع كافة المدارس تحت إشراف وزارة التعليم السودانية فصودرت مدارس البعثة التعليمية المصرية تباعاً منذ ديسمبر 1992 ثم فرع جامعة القاهرة  بالخرطوم في مارس 1993 وتغيير أسمها إلي “جامعة النيلين” , ثم وفي هذا التيار التصعيدي أستولت السلطات السودانية علي إستراحات الري المصري بالخرطوم وأُوقفت إجتماعات اللجنة الفنية الدائمة لمياه النيل المنبثقة عن إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل المُوقعة في 8 نوفمبر 1959, ووصلت أزمة العلاقات إلي ذروتها بين النظامين إلي حد أن البلدين أوشكا علي بدء مواجهة عسكرية بعد أن نشرت القوات المسلحة المصرية قوة تابعة لها في حلايب في مارس 1992 أستطاعت أحكام  سيطرتها علي الحدود وفقاً لخط 22 درجة شمالاً , وبالتالي بدأ النزاع يأخذ مساراً عسكرياً  لأول مرة في تاريخه خاصة وأن حلايب كان بها قبل إنتشار القوات المصرية بالمثلت عناصر شرطية سودانية مقيمة تًستبدل كل فترة , يُضاف إلي هذه السلسلة من الأزمات أزمة أكثر خطورة والتي لا تدانيها في أثرها المُدمر علي الأمن القومي المصري أي أزمة أخري من أزمات العلاقات الثنائية وهي أزمة سد النهضة الإثيوبي الذي سيتسبب تصميمه المُتضمن سعة تخزينية لأكثر من 74 – 72  مليار متر مكعب من مياه النيل في مدي يقع ما بين 3 إلي 5 سنوات ( يمكن مُقارنته مع سدي Bennett بكندا و Kraskoyarsk بروسيا) , في خفض لا يقل عن 25% من حصة مصر من مياه النيل المُقررة بنحو 55,5 مليار متر مكعب/ عام وفقاً لإتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل المُوقعة بين مصر والسودان في نوفمبر 1959 , ومن ثم فإن مقترح السودان بتشكيل هذ القوة المُشتركة لابد وأنه يحتاج إلي وضعه داخل مربع أزمات العلاقات الثنائية لرؤيته بالوضوح الكافي من أجل تبين الهدف / الأهداف السودانية من وراءه والموقف المصري المُحتمل إزاءه ,  

أزمات العلاقات الثنائية :

العلاقات المصرية السودانية قوامها الرئيسي مجموعة من الأزمات التي تتوزع علي إحداثي زمني هو الأسوأ من بين الإحداثيات الزمنية السابقة , إذ أن هذا الإحداثي الأسواء بدأ – كما سبق وأشرت – بعد إنقلاب 30 يونيو 1989 بالسودان بشهور قليلة بسبب تأكد القاهرة من أن النظام السوداني الجديد ذا هوية إسلامية فكان أن تملك النظام بالقاهرة ” فزع سياسي ” , وكأن النظام السعودي الذي كان النظام المصري واقع في غرامه – لسبب تمويلي بحت – لم يكن مُتدثراً بالعباءة الإسلامية  ,  ومع ذلك بدأ النظام بالقاهرة يُناصب نظام الخرطوم العداء , ومن ثم لم تتوقف ازمات العلاقات الثنائية عند الحد التقليدي لها والذي يتضمن أزمتي الإختلاف في خيارات الهوية والنزاع علي حلايب فقد أضيف إليهما تباين وجهتي نظر البلدين فيما يتعلق بسد النهضة , والأزمات التي إنبثقت عنها جميعاً كمنتج عرضي , فأصبحت مع مرور الوقت أزمات مُستقلة بعد أن كانت تابعة ومن أبرزها تباين موقفي مصر والسودان من الحرب الأهلية بجنوب السودان , والتباين الحاد بين علاقات مصر مع إثيوبيا وإرتريا وبين علاقات السودان بهاتين الدولتين , والتباين ما بين العلاقات التركية / السودانية والعلاقات المصرية / التركية , ثم تأتي إشكالية علاقات روسيا بمصر والسودان ليبدو منها أو كنتيجة لها الثمن الباهظ الذي تدفعه الخرطوم والقاهرة نتيجة الدمار الذي لحق بنظرية أمنهما القومي التي كانت كتلة صلبة لكنها تفتتت علي مدي 35 عاماً  . 

يُلاحظ أن الإقتراح المُتعلق بإقامة هذه القوة المُشتركة صدر علناً وبصفة رسمية ثلاث مرات علي الأقل من الجانب السوداني فيما أشار موقع AFRICA INTELLIGENCE في نشرته رقم 1470 بتاريخ 16 مارس 2018 أن الجانب المصري إقترح خلال زيارة مدير المخابرات المصرية بالإنابة في 10 مارس علي الجانب السوداني تشكيل قوة مُشتركة علي الحدود المُشتركة   .

أزمة إنحلال وحدة مفهوم الأمن القومي :

عمل الفتح المصري (يفضلون في السودان وصفه بالتركي) للسودان عام 1821 وما ترتب عليه فيما بعد علي تأليف وحدة سياسية وإجتماعية إلي حد ما بين السودان ومصر , فقد أدي الوجود المصري إلي ضم كتل جغرافية كانت منفصلة عن بعضها البعض مثل دارفور وغيرها لتكوين السودان وحدة جغرافية واحدة ظلت كما هي إلي أن وقعت بريطانيا و مصر ما سُمي بالإتفاق الودي لإدارة السودان في المستقبل في 19 يناير 1899 (الحكم الثنائي  CONDOMINIUM) , وبالرغم من هذا فإن بريطانيا عملت في وقت مبكر علي فصل جنوب السودان عن مصر وكانت أولي خطواتها إصدار قرار عام 1920 بإعتبار جنوب السودان منطقة مُقفلة , وأدي التداخل بين تنازع مصر وبريطانيا علي السيادة علي السودان مع مفاوضات مصر مع بريطانيا للحصول علي الإستقلال ثم توقيع مصر وبريطانيا في 26 إغسطس 1936 علي معاهدة كان موضوع السودان أحد أهم موادها( المادة11) إذ كان مما تضمنته الإعتراف الصريح بالإدارة المُشتركة بين مصر وبريطانيا للسودان , وظل الوضع كذلك حتي صدر القانون مع تعثر المفاوضاات البريطانية / المصرية بشأن قضية السودان التي رفعتها مصر لمجلس الأمن الدولي , وفي النهاية وبسبب المراوغة البريطانية سياق وفي تحدي مصري لبريطانيا صدر في 16 أكتوبر 1951 القانون رقم  176 لسنة 1951 بتقرير الوضع الدستوري للسودان وتعيين لقب الملك حيث ورد بمادته الأولي ما نصه ” تلغي المادة 159 من الدستور , ويُستعاض عنها بالنص التالي :

” تجري أحكام هذا الدستور علي المملكة المصرية جميعها , ومع أن مصر والسودان وطن واحد , يُقرر نظام الحكم في السودان بقانون خاص ” أما المادة الثانية وهي لا تقل في خطورتها عن سابقتها فنصت علي أن ” تلغي المادة 160 من الدستور , ويُستعاض عنها بالنص التالي : الملك يُلقب بملك مصر والسودان , وبعد إطاحة إنقلاب 23 يوليو 1952بالملك فاروق الأول بدأت قبضة تتراخي في الحفاظ علي السودان الذي سار إلي طريقه المحتوم بعيداً عن مصر نتيجة تعرض ه لموجتين من الإنفصال الأولي بأيدي مصرية فبعد توقيع مصر وبريطانيا إتفاقية الحكم الذاتي للسودان بالقاهرة في 12 فبراير 1953 تأسس عليها حق السودانيين في تقرير مصيرهم فأختاروا الإنفصال عن مصر وأعلن إستقلال السودان في الأول من يناير 1956 , بعد ذلك كانت الموجة الثانية للإنفصال بأيدي سودانية عندما أُعلن إستقلال جنوب السودان عن السودان في 9 يوليو 2011 بناء علي ممارسة الجنوبيين لحق تقرير المصير وفقاً لإتفاقية السلام الشامل التي وقعتها حكومة السودان مع فصيل جون جارانج في كينيا في يناير 2005 بعد صراع عسكري وسياسي وتفاوضي بدأ بالتمرد الجنوبي علي الحكومة المركزية بالخرطوم عام 1955.

عبر هذه السنوات الطويلة وحتي بالرغم من موجتي الإنفصال تعمق مفهوم مُشترك للأمن القومي المصري / السوداني كانت من أهم خواصه خاصية ” التبادلية ” , وهو ما مفهوم تمت ترجمته في وثيقتين في غاية الأهمية الأولي “منهاج العمل السياسى والتكامل الاقتصادى بين البلدين ” الموقع فى 12 فبراير عام 1974  والذي كان في الواقع شكلاً من أشكال الوحدة والثانية إتفاقية الدفاع المشترك في 15 مايو 1976 , لكن هذا المفهوم بالرغم من حرص بعض من النخبة السياسية في البلدين علي الإحتفاظ به في المربع الإستراتيجي , إلا أنه تم إخراجه مع بداية فترة العداء والتصعيد المُتبادل عام 1990 أو نحو ذلك ليس بسبب حلايب كما يعتقد البعض , ولكن لأن القاهرة التي كان يتولي السلطة فيها نظام شمولي لا يعترف بالإختلاف , فما كان منه إلا الإصرار علي أن يظل السودان في حالة من التبعية والمحاكاة السياسية لمصر , ولأنه ببساطة رأي في تأسيس نظام بمرجعية إسلامية في الخرطوم خطر علي نظامه , وبالتالي عندما تفجر نزاع حلايب للمرة الثانية مع دخول القوات المسلحة المصرية لأول مرة في مارس 1992 (كانت المرة الأولي في فبراير 1958) بدأ شرخ ظل يتمدد في حائط العلاقات الثنائية الذي إستندت عليه العلاقات طويلاً , وبدأت أصوات سودانية من أعلي مستوي حتي المستويات التنفيذية توظف قضية مياه النيل توظيفاً سياسياً يتناسب مع المناخ العدائي المُتبادل , وظفت مصر من جانبه ما تملكه من ضغوط ففرضت تأشيرة دخول مُسبقة علي السودانيين الراغبين في زيارة أو العلاج أو الإقامة بمصر وكان توظيفاً مهيناً لا أثر فيه لوعي أو إدراك لعمق العلاقات  هوي بالعلاقات إلي درك أسفل .

خفضت مصر من مستوي تمثيلها الدبلوماسي مع السودان عقب محاولة إغتيال الرئيس المخلوع مبارك في أديس أبابا في 26 يونيو 1995 التي توجه إليها لحضور القمة الأفريقية , مما حدا به إلي الإحجام عن المشاركة شخصياً في مؤتمرات القمة الأفريقية السنوية لمدة طويلة أي من 1996 حتي 2010 وكان أمراً مثيراً لحفيظة عدد كبير من الرؤساء الأفارقة , ولم تستعد البلدان علاقاتهما الدبلوماسية علي مستوي السفير إلا عام 2000 , لكن كانت هناك أمور كثيرة تغيرت  وملأت السودان شبكة علاقاتها الثنائية بقوي إقليمية ودولية مختلفة بحيث لم يعد هناك إلا حيز محدود للغاية في شبكة علاقات السودان الخارجية وهو الحيز المُتبق والذي بالكاد يكفي للحديث عن تشكيل قوة مُشتركة لرصد والسيطرة علي الحدود المُشتركة .

لكي نتبين مدي ما لحق من تدمير لمفهوم الأمن القومي المصري / السوداني نستعيد تلك العبارة التي أطلقها الرئيس عمر البشير في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين بثته وكالة الأنباء السودانية في 4 أبريل 2017 والتي أشار فيها إلي ” إنه لا سقف للتعاون بيننا في المجال الأمني إذ إن أمن أثيوبيا هو أمن السودان ؛ وأمن السودان هو أمن أثيوبيا ” , وهو ما أمن رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين عليه بقوله ” إن ما يمس أثيوبيا ينعكس على السودان ، وإن ما يمس السودان ينعكس على إثيوبيا , لذلك فإن البلدين مصممان على التعاون الوثيق في هذه المجالات كلها ” , هذا الإعلان يعني بكل وضوح إنكار الرئيس السوداني وحدة الأمن القومي المصري / السوداني – والواقع يقول بذلك للأسف – ما يتأسس أو تأسس علي هذه الوحدة من مصالح ومواقف , ومن ثم فهناك أزمة بالفعل فيما يتعلق بقضية وحدة الأمن القومي لمصر والسودان بعد هذا التصريح الخطير من الرئيس السوداني , ومن ثم فجزء من جهد مصر لحل الأزمة مع السودان يجب أن يُوجه إلي إستعادة المفهوم المشترك لنظريتي الأمن القومي للبلدين فذلك هو السبيل لحل أزمتي حلايب ومياه النيل وهو طريق صعب تعرض لتدمير مُتبادل منذ عام 1991 . وهذه الوحدة في مفهوم الأمن القومي للبلدين – بدون شبهة لعلاقة التبعية – كانت كفيلة وحدها بعدم إثارة مقترح تشكيل قوة مُشتركة لأن هذا المقترح وحده يعكس مخاوف مزدوجة من الطرفين تجاه بعضهما البعض بالإضافة للطرف الثالث ويمكن للمرء أن يفترض أنه إما إرهابيين أو مهربين ألخ .

 كانت هناك أصوات في السودان في ذروة أزمة العلاقات تنادي بضرورة إستعادة وحدة مفهوم الأمن القومي , فعلي سبيل المثال حضرت في مساء 7 يناير 1998 بالخرطوم ندوة بعنوان” مُهددات الأمن القومي السوداني ” نظمها مجلس الصداقة الشعبية العالمية كان المُتحدث الرئيسي فيها د . غازي صلاح الدين العتباني وكان من المُصنفين علي أنه من غلاة المعارضين للمسار التقليدي للعلاقات المصرية / السودانية , بالإضافة إلي أهمية منصبه كأمين أمانة المؤتمر الوطني السوداني وكان التنظيم السياسي الوحيد وقتها في السودان , فقد قال ما نصه في سابقة أوضحتها في تقريري الذي أرسلته للخارجية وصفتها بأنها نقطة تحول لابد من البناء عليها ” إننا نتطلع لإحياء إتفاقية الدفاع المُشترك مع مصر …. ولكني أطمع في أقل من ذلك .. أطمع في تعاون يستصحب الأمن (القومي) السوداني المصري سواء بسواء ” ثم قال في موضع آخر ” وأنا مُقتنع أنه لكي تتحقق الوحدة الوطنية فإنه لابد وأن تتبني مصر موقفاً موجباً وترسل إشارة واضحة للدول الأخري وستبقي عوامل ضعف السودان تمنعه , إذا لم يدرك الأمن السوداني أن لمصر هواجس حقيقية وبدون تبديدها لن تتمكن مصر من الإطمئنان للسودان , فالسودان مُفكك , ولكن المجتمع المصري متماسك بشكل لا نراه في شعب عربي آخر , ولذا عندما يُراد أن تُؤتي مصر فإنها تُؤتي من السودان ” , وقد خلصت هذه الندوة إلي أن المخرج من الأزمة السودانية يكمن في خطوتين مُتلازمتين هما التوصل إلي وفاق وطني يُفضي إلي وحدة وطنية سودانية و الإنطلاق بالعلاقات مع مصر إلي آفاقها الإستراتيجية , لكن للأسف لم تصل هذه الرسالة لمدركات مصر فتبخرت معانيها الواضحة في الهواء وظلت العلاقات مُسممة وأذرعها مشلولة , وخلال كل هذه الفترة كانت العلاقات الإثيوبية / السودانية تقوي وتلج إلي مسارات متنوعة , فيما العلاقات مع مصر “محلك سر” , وظلت مصر أيضاً رغم شكوي السودانيين تتعامل مع السودان كملف أمني بحت ” حتي وإن كان الأمر مُتعلقاً بشأن سياسي أو فني صرف .

أزمة حلايب :

بدأت هذه الأزمة عندما تلقت الخارجية السودانية في 29 يناير 1958 مذكرة من الحكومة المصرية أشارت فيها إلي أن قانون الإنتخابات السوداني أدخل المنطقة الواقعة شمال وادي حلفا (النتوء) والمنطقة المحيطة بحلايب وشلاتين الواقعة علي البحر الأحمر ضمن دوائر السودان الإنتخابية مما يتناقض مع كون خط 22 درجة شمال هو خط الحدود الفاصلة بين البلدين , وأكدت القاهرة في هذه المذكرة علي أن هذه المناطق تقع ضمن أراضيها , كما أشارت إلي رغبة الحكومة المصرية تسليم المساحة الواقعة إلي الجنوب من خط 22 درجة شمال ( بارتازوجا أو بير طويل) التي كانت قد وُضعت تحت إدارة الحكومة المصرية عام 1902 , وقبل أن ترد حكومة السودان علي هذه المذكرة وصل للحكومة السودانية ما يفيد بأن قوات من الجيش المصري في سبيلها للتمركز في حلايب , وعليه إستدعي وزير الخارجية السودانية بالنيابة محمد أحمد محجوب السفير المصري بالخرطوم في 11 فبراير 1958 طالباً منه أن ينقل للحكومة المصرية أن حكومة السودان تأمل في أن تكون المعلومات التي وردت بشأن القوة العسكرية المصرية المُتجهة إلي حلايب غير صحيحة , وأنه إذا ما ثبت صحتها فإن ذلك سيترك أثراً خطيراً علي العلاقات مُؤكداً أنه من المستحيل أن يوافق السودان علي ضم مصر لأرض ظلت تشكل جزءاً من السودان لأكثر من نصف قرن ,  وكانت مصر قبل إستدعاء سفيرها للخارجيىة السودانية قد بعثت بمذكرة أخري مؤرخة في 9 فبراير 1958 تسلمها رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل في 13 فبراير 1958 تضمنت إخطار الحكومة السودانية بنية الحكومة المصرية إجراء إستفتاء الوحدة بين مصر وسوريا وإنتخاب رئيس الجمهورية العربية المتحدة  وأنه تطبيقاً لحقوقها المُعترف بها وبموجب سلطاتها السيادية تريد إستفتاء سكان المنطقة الواقعة بين مصر والسودان  بشأن إستفتاء الوحدة المصرية مع سوريا وإنتخاب الرئيس معاً , ورفض السودان في 13 فبراير 1958 ما ورد بالمذكرة المصرية عن شمول عملية الإستفتاء لحلايب , وتضمن الرد السوداني الذي جاء علي لسان رئيس الوزراء للسفير المصري خلال لقاءهما أن منطقة حلايب أرض سودانية بموجب تعديلات إتفاقية الحكم الثنائي والتفاهمات التي تلتها وللإجراءات العملية والإدارية التي قام بها السودان في المنطقة خلال فترة الحكم الثنائي وسنوات الحكم المدني الأولي  , ومع ذلك أصرت مصر علي إجراء الإستفتاء علي الوحدة وإنتخاب الرئيس في منطقة حلايب ونتوء حلفا وبالفعل أخطرت الخارجية المصرية السفير السوداني بالقاهرة في 16 فبراير 1958 بأنه قد تم بالفعل إرسال لجنة إنتخابات ووحدة من حرس الحدود للمناطق المُتنازع عليها , وقرر مجلس الوزراء السوداني في إجتماعه بإتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية سيادة السودان علي أرضه وكان من بين هذه الإجراءات إجراء إتصالات علي أعلي مستوي منها محاولة إتصال رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل بالرئيس جمال عبد الناصر 17 فبراير 1958 لكنه لم يتمكن من الإتصال لوجود الرئيس عبد الناصر في مكان غير معلوم وتم إجراء الإتصال مع وزير الداخلية زكريا محي الدين وطلب منه رئيس الوزراء السوداني نقل رغبة الحكومة السودانية للرئيس عبد الناصر في إرجاء مصر إتخاذ إجراءات الإستفتاء في المناطق المُتنازع عليها إلي ما بعد إجراء الإنتخابات السودانية مع إستعداد السودان للدخول في مفاوضات حول النزاع عقب إنتهاء الإنتخابات السودانية , وفي مساء هذا اليوم أذاع مجلس وزراء السودان بيان تضمن عزم حكومة السودان علي الدفاع عن الأراضي السودانية خاصة وأنه قد تم إكتشاف المعادن في منطقة حلايب وأن ذلك كان من بين الأسباب الكامنة وراء إدعاء مصر بشأن هذه المنطقة , وقامت الحكومة السودانية بإرسال جنود للمنطقة , ورفع الأمر للجامعة العربية وتناوله الإعلام السوداني ففي صحيفة  “ألوان ” اليومية القريبة من الدوائر الأمنية بالسودان كتب عوض فلسطيني بأحد أعدادها في سبتمبر 2017   ” أن قضية حلايب مرجعها عدم إتفاق مصر والسودان في كثير من القضايا الإقليمية والدولية بما في ذلك قضية سد النهضة الإثيوبي الذي تدعمه السودان وتعارضه مصر” , وقبل أن يتحرك السودان لمدي أبعد وصل وزير خارجية السودان السيد محمد أحمد محجوب للقاهرة في 18  فبراير 1958 وإلتقي الرئيس جمال عبد الناصر الذي عرض علي وزير خارجية السودان مقترحاً بعدم تنظيم إية إنتخابات ولا إستفتاءات سودانية أو مصرية في حلايب وأن تناقش الدولتان المسألة بعد الإنتخابات السودانية والإستفتاء المصري , ومن جانبه إقترح وزير الخارجية السوداني إرجاء بحث مسألة حلايب لما بعد الإنتخابات السودانية , وفي النهاية فشل هذا الإجتماع في التوصل لحل تفاوضي , وأكد البيان الصادر من القاهرة هذا المعني فأشار إلي فشل مفاوضات القاهرة التي جرت في 19 فبراير 1958 , وعليه فقد أتصل وزير الخارجية السوداني بمندوب السودان لدي الأمم المتحدة السفير يعقوب السيد ووجهه بالمضي قدماً في تقديم شكوي لمجلس الأمن – مازالت تُجدد حتي اليوم –  كان قد تم إعدادها قبل وصول وزير الخارجية السوداني للقاهرة * ( د. سلمان محمد أحمد سلمان في برنامج ” حتي تكتمل الصورة ” بتليفزيون السودان بُث في 20 يناير 2014  و مقال د / سلمان محمد أحمد سلمان بموقع سودانايل بعنوان ” حلايب : ماذا دار في إجتماع المحجوب وعبد الناصر يوم 19 فبراير 1958 ) .

هذه الخلفية ضرورية لبيان أن مصر (في الفترة الناصرية والساداتية) والسودان إستطاعتا بقدر كبير من التفاهم والتناغم مع متطلبات أمنهما القومي القفز من فوق تلك الصخرة التي تعوق التقدم في طريق العلاقات الثنائية , وتدليلاً علي ذلك كانت السودان هي أول من وقف بجانب مصر بعد هزيمة يونيو 1967 وأستضافت مقر الكلية الحربية المصرية و … و .. ألخ وفي عهد السادات أبرمت إتفاق التكامل الذي طمر نزاع حلايب , لكن وبسبب التنافر بين مداتي النظامين بالقاهرة والخرطوم تسيد نزاع حلايب المشهد ليثبت بذلك أن العلاقات أضعف من أن تصمد كثيراً , لذلك نجد مسئولاً كبيراً بالحزب الحاكم بالسودان يصرح في 8 يناير 2015 بأن الحكومة تخطط لإجراء الإنتخابات العامة في الجزء الذي تحت السيطرة من حلايب في أبريل 2015 , وأن هناك   35 مركز إقتراع بحلايب منذ في نوفمبر 2014وذلك دون أن يحدد في أي مكان من هذه المنطقة , وفي 13 ديسمبر 2016 أذاع تليفزيون “الشروق” السوداني أن السلطات المصرية ألقت القبض علي 45 مُنقب عن الذهب بوادي العلاقي أفرجت القاهرة عنهم لاحقاً وصادرت معداتهم .

أخذ النزاع علي حلايب بعدين أخرجا النزاع عن طبيعته السياسية وعن كونه ثنائي , إذ أن مصر إزاء بعض القرارات الإستفزازية من جانب الخرطوم (ضم البعثة التعليمية المصرية وجامعة القاهرة فرع الخرطوم إلي النظام التعليمي السوداني  والإستيلاء علي دور الري المصري بالخرطوم ومدن أخري والتضييق علي فروع الشركات المصرية العاملة بالسودان ألخ )  دخلت في مارس 1992بقوة عسكرية إلي مثلث حلايب وشلاتين    وفرضت سيطرتها الكاملة عليه , مما أضاف بعداً عسكرياً مباشراً علي النزاع لأول مرة , كذلك فقد خرج أيضاً من مساحته الثنائية إلي مساحة ثلاثية بعد توقيع مصر والسعودية في 8 أبريل 2016 إتفاق ترسيم الحدود البحرية بينهما والذي بموجبه تنازلت مصر طواعية عن جزيرتي تيران الإستراتيجية وصنافير    فتطور النزاع علي حلايب ليأخذ مدي جغرافي أوسع مصر والسعودية إذ أن السودان إعترض علي هذا الإتفاق بموجب خطاب مُؤرخ في 15  ديسمبر 2017 أرسلته الخارجية للأمم المتحدة ورد فيه ما نصه ” ن حكومة السودان تعلن اعتراضها ورفضها لما يعرف باتفاقية تعيين الحدود البحرية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والموقعة في الثامن من أبريل 2016″  و ” بناءا على ما قرره القانون الدولي لاسيما اتفاقية فيينا للمعاهدات للعام 1969، فإن جمهورية السودان تؤكد عدم اعترافها بأي اثر قانوني ينتج عن اتفاق المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر الخاص بتعيين الحدود البحرية بينهما على البحر الأحمر بما يمس سيادة جمهورية السودان وحقوقها التاريخية على الحدود البرية والبحرية لمثلث حلايب لشموله النطاق البحري المواجه لحلايب علي البحر الأحمر ” , وقد أودعت السودان ملفاً بمجلس الأمن الدولي  يتضمن  إحداثيات خطوط الأساس التي تُقاس منها مناطقها البحرية بما في ذلك حلايب وشلاتين , كما أن حكومة السودان كان قد سبق لها وأعلنت عن رفضها الإعتراف لما تضمنه الإعلان المصري الصادر في 9 يناير 1990 بالقرار الجمهوري رقم 27 , والذي – وفقاً لوجهة النظر السودانية – يجور علي الحدود البحرية السودانية شمال خط 22 درجة شمالاً .

أصبحت السعودية بعد توقيعها في 9 أبريل 2016 إتفاقاً بترسيم الحدود البحرية بينها وبين مصر بالبحر الأحمر طرفاً ثالثاً في النزاع المصري / السوداني علي حلايب وهي تعلم ذلك سلفاً بكل تأكيد قبل الإقدام علي ذلك لكنها وازنت بين منافعها الإقتصادية الحالية من خلال مشروع  , مما سيُلقي بظل من الشك علي مستقبل الإتفاق السعودي / السوداني المُوقع في 16 مايو 1974 ويتعلق بالإستغلال المُشترك للثروة الطبيعية الموجودة في قاع وتحت قاع البحر الأحمر , وهو إتفاق يقع في 17 مادة تنص المادة السابعة منه علي إنشاء هيئة مُشتركة منوط بها مسح وتحديد وتخطيط حدود المنطقة المُشتركة بين البلدين وإتخاذ الخطوات اللازمة لإستغلال الثروة الطبيعية والإشراف علي إستغلالها , كما تنص المادة الثانية عشر منه علي أن تقوم الحكومة السعودية بتوفير التمويل اللازم للهيئة المُشتركة علي أن تسترد المملكة تلك التمويلات لاحقاً من عائد الإنتاج , وبعد هذا الإتفاق تعاقدت الهيئة المُشتركة التي تكونت بموجب هذا الإتفاق مع شركة بروباج الألمانية لوضع دراسات فنية بناء عليها تتحدد الثروة الموجودة في قاع وتحت قاع المنطقة المُشتركة وكذلك تتحدد الجدوي الإقتصادية من إستغلالها , وكان أن أشارت هذه الدراسة الألمانية إلي الجدوي الإقتصادية للمشروع  لتوفر كميات من المعادن تُقدر بنحو 97 مليون طن لمعادن مختلفة منها علي سبيل المثال 2 مليون طن من الزنك , ويبدو أن الحكومتان رأتا تحديث ما تضمنه إتفاق 1974 فوقعتا عام 2012 إتفاقاً آخر في فبراير 2012 بشأن إستكشاف المعادن في المياه الدولية المُشتركة بالبحر الأحمر , والأهم من قضية تنفيذ هذا الإتفاق أن السعودية بتوقيعها لإتفاق ترسيم الحدود البحرية مع مصر في البحر الأحمر عمقت أكثر فأكثر من هذا النزاع علي حلايب ليس فقط لتعارضه مع الإتفاق الأقدم المُشار إليه بينها وبين السودان فحسب , بل لإن السعودية أكدت بذلك أن علاقتها مع مصر علاقة تكاد وأن تكون “تحالف” بل ربما كانت تحالفاً بالفعل , فيما علاقتها بالسودان ” مجرد علاقة ثنائية ” , مما سيؤثر لاحقاً وتدريجياً علي مجمل العلاقات الثنائية للسودان مع السعودية وخاصة في إطار عضوية السودان فيما يُسمي   “بالتحالف العربي ” في حرب اليمن الدائرة للآن  بلا حسم ولا عزم , وكذلك سيُعطي العلاقات السودانية / القطرية زخماً إضافياً لتبعد الخرطوم أكثر فأكثر عن رباعي الحصار القطري ويتضمن مصر , مع توقع لا يمكن إستبعاده الآن بخروج السودان من التحالف العربي باليمن وشحن بطارية علاقته بإيران وإستعادة جزء من طاقتها قبل قطع السودان علاقته بإيران في 4 يناير 2016بسبب الإعتداء علي السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد .  

إضافة لما تقدم يمكن أن يُري مقترح السودان الحالي بإقامة قوة مُشتركة علي ضوء سبق إخفاق البلدين في إقامة لجنة الإتصال بشأن النزاع علي حلايب وهو ما إعترف به الجانبان خلال جلسات دور الإنعقاد الثالث والأخير للجنة المُشتركة بشأن حلايب  بالخرطوم في الفترة من 22 إلي 24 فبراير 1993 , وكان الخلاف علي صلاحياتها , وقد فشلت دورات التفاوض الثلاث في إطار هذه اللجنة للوصول لحل وسط , وخلالها أصر الجانب السوداني علي عودة الوضع في حلايب إلي ما كان عليه قبل دخول القوات المُسلحة إليها في مارس 1992 وهو مالم يقبله الجانب المصري , الذي قام بنشر ظل الدولة الإداري علي المثلث بالكامل والذي ظل مهملاً من الحكومتين منذ فتح السودان عام 1820 وحتي ما قبل مارس 1992فقد كان أقصي ما إتجهت إليه حكومتي القاهرة والخرطوم هو شمول العمليىة الإنتخابية لسكان مثلث حلايب علماً بأن سكان الإقليم بدو رحل من قبيلتي الرشايدة والعبابدة ولا يعنيهم من يحكم بالقاهرة أو الخرطوم .

تعتبر تسوية النزاع علي حلايب مُقدمة منطقية لتدشين تعاون عسكري / أمني مصري / سوداني في مجالات مختلفة من بينها تشكيل قوة مُشتركة لرصد وحماية الحدود المُشتركة , وهي القوة التي يمكن أيضاً التوصل إلي تشكيلها رغم كل هذه الإختلافات والتناقضات في العلاقات الثنائية مع بقاء الأزمات المُشار إليها , لكنها والحالة هذه ستكون قوة قصيرة العمر .

تردد علي هامش الزيارة التي قام بها الرئيس السوداني للقاهرة في 19 مارس 2018 – وهي زيارة مجاملة Courtesy تمت تحقيقا لرغبة إماراتية سبقها قرار الإمارات العربية المتحدة إيداع مبلغ 1,4 مليار دولار (4 مليار درهم إماراتي) بالبنك المركزي للسودان لمساعدة الحكومة السودانية علي التغلب علي الأزمة الحادة المتعلقة بموارد البنك من العملة الحرة – تردد أن الجانب السوداني تقدم بمقترحات لتسوية النزاع علي حلايب تضمنت طرح 3 بدائل للحل وهي (1) التفاوض و (2) إحالة النزاع علي التحكيم الدولي علي غرار إحالة مصر للنزاع علي طابا مع إسرائيل و(3) وضع منطقة حلايب في إطار نظام للتكامل بين البلدين , والواقع وكما أشرت فقد سبق للجانب السوداني أن طرح هذه البدائل علي “لجنة حلايب” في إجتماعها بالخرطوم في الفترة من 22 إلي 24 فبراير 1993 , ولم يستجب الجانب المصري يقيناً منه بحقه الأصيل في السيادة علي المنطقة , ولعل في إستحضار النزاع علي منطقة Abyei الحدودية بين جمهوريتي السودان وجنوب السودان مثالاً علي صعوبة المقترحات السودانية خصوصاً من وجهة نظر مصرية , ففي 14 يوليو 2015 قال سفير جنوب السودان لدي الأمم المتحدة أمام جلسة لمجلس الأمن الدولي في معرض مناقشته لمد ولاية القوة الأمنية المُؤقتة للأمم المتحدة في Abyei ” United Nations Interim Security Force for Abyei” من 15 يوليو إلي 15 ديسمبر 2015حيث أكد علي رفض حكومته تأسيس إدارة مُشتركة  (فقد رفض حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالسودان في أغسطس 2013 دعوات نادت بوضع Abyei تحت الوصاية الدولية مُقترحاً تأسيس إدارة محلية وشرطة لتوفير الأمن هناك)  وشدد السفيرعلي أن حكومته تري إبقاء الترتيبات الحالية كما هي (أي إبقاء القوة الأمنية الأممية) كونها تحول منطقة Abyei إلي محمية دولية مما يوفر الأمنوالخدمات للسكان هناك  .

نزاع حلايب إنخفضت أهميته علي سلم الأولويات المصرية ليأتي في درجة خطورته تالياً للنزاع علي مياه النيل مع إثيوبيا بسبب سد النهضة بعد أن إتخذ السودان موقفاً داعماً لإثيوبيا بالنسبة للسعة التخزينية لسد  النهضة والتي لا شك ستلحق بالغ الضرر بالأمن المائي لمصر وهو القاعدة الصلبة لوجود مصر وبقاءها حية , وهو ما سيؤثر علي الموقف المصري من حلايب ويجعل من المستحيل التفكير حتي في مجرد تحويلها لمنطقة تكامل كما أقترح بعض الحادبين علي العلاقات الثنائية ومنهم شخصي , فكيف يمكنني التكامل مع من يريد لي الفناء كشعب ودولة , فقضية مياه النيل بالنسبة لمصر قضية بقاء شعب – في تقديري – ولا يمكن عمل مقاصة أو مقايضة بينها وبين حلايب  التي لا يجب علي الجانب السوداني الثقة بشكل مُطلق في إيلولتها إليه فهناك وثائقياً (وثيقة بريطانية) ما يثبت بجلاء أنها مصرية  .     

أزمة مياه النيل في إطارها الثنائي :

في الواقع فإن التباين بين مصر والسودان علي المستوي الثنائي فيما يتعلق بقضية مياه النيل كان قائماً ومُتزامناً مع التباين في هذه القضية مع الإثيوبيين , وذلك منذ إستقلال السودان عن مصر عام 1959 لكن لا شك أن هناك إختلافاً في درجة العدائية والتسيس بين الموقفين الإثيوبي والسوداني في شأن مياه النيل , كما أن هناك ثمة أخطاء إقترفتها مصر مع إثيوبيا والسودان من أهمها أنها إعتبرت أن مياه النيل هي المسار الوحيد في علاقاتها الثنائية مع الدولتين كما أنها إعتبرت ولزمن طويل أن قضية مياه النيل مضمونة وأعتمدت منهج التعاون الفني في مياه النيل مع دولتي المنابع وباقي دول حوض النيل ومما يبرهن علي القصور المصري أن السياسة المصرية أحجمت عن لعب دور الوسيط في النزاع الأإثيوبي / الأرتري بل إنها إستخدمت القضية الأرترية وهي لا تري كل أبعاده , وتعاملت مع الإستفزازات الإثيوبية إما بإزدراء أو بسوء تقدير , أما في حالة السودان فقد أدي تسييس وزارة الري المصري وجنوحها عن مهامها الفنية الصحيحة بالرغم من ثراءها بالخبراء المشهود لهم دولياً إلي كثير من النتائج السلبية علي ملف مياه النيل في مصر , بالإضافة إلي مصر سلمت ملف العلاقات للسودان منذ 1956 للدوائر الأمنية وهو ما كان محل شكوي علنية من الجانب السوداني , ومع كل ذلك لا يمكن إنكار وجود أصوات عاقلة وموضوعية بالسودان حادبة علي العلاقات المصرية / السودانية التي كانت مُنصهرة في بوتقة واحدة , لكن التقييم العام يُشير إلي أن الخلاف أو التباين المصري / السوداني فيما يتعلق بقضية مياه النيل كان قائماً منذ 1957 وحتي يومنا هذا وإن شهد تطور هذه القضية أوقاتا تناقص فيها هذا التباين إلي أدني مستوي ومن هذه الأوقات أسوق مثالاً لتوقيع مصر والسودان في 8 نوفمبر 1959 لإتفاقية مياه النيل والتي أعتبرها بالإضافة إلي كونها وحدة منهجية بين البلدين في قضية مياه النيل , فهي كذلك مقياساً يُقاس به التباين الحادث حالياً بين البلدين , كذلك كان مشروع شق قناة جونجلي بجنوب السودان التي كانت أحد تطبيقات إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل حيث كانت ستوفر لمصر والسودان معاً ما يزيد عن 4 مليار متر مكعب مياه / عام تُوزع علي البلدين مناصفة , والتي بدأ العمل فيها في  17 يونيو  إلي أن توقف في  1978بسبب الهجوم الذي شنته عناصر تمرد جنوب السودان في فبراير 1984علي معسكر الشركة الفرنسية التي تولت عمليات حفر القناة وأختطاف مجموعة من الرهائن وتدمير الحفار مما أدي إلي توقف العمل , وقامت مصر والسودان بتسديد تعويض شهري لهذه الشركة نظير مصروفاتها الجارية وإستهلاك المعدات , لكن التباين في رؤية وتناول قضايا مياه النيل بدأت خافتة وعلي مستوي رسمي مُقفل إبان تفاوض مصر مع السودان بشأن مشروع السد العالي في جنوب مصر فقد عمد أول وزير للري في أول حكومة تشكلت في السودان عام 1954 السيد ميرغني حمزة إلي الإنطلاق في هذا التوسع من خلال تنفيذ مشروع خزان الروصيرص الذي وضعت دراسته في بداية الخمسينات من القرن الماضي شركة Alexander Gibbs الأسكتلندية لري إمتداد المناقل الأمر الذي لم يكن ممكناً الشروع فيه بغير إتفاق مع مصر بموجب إتفاق مياه النيل لعام 1929  التي حددت حصة السودان من مياه النيل بأربعة مليارات متر مكعب في السنة , وعليه بدأ مفاتحة الجانب المصري في شأن إقامة خزان الروصيرص , لكن حالت ظروف خارجة عن إرادة الجانبين المصري والسوداني المضي قدماً فوراً في المفاوضات إلي أن سمحت الظروف علي الجانبين البدء في التفاوض في سبتمبر 1954 بالخرطوم قدم خلالها وزير الري السوداني الدراسة الخاصة بالخزان , علي حين إستغل الجانب المصري الفرصة وقدم مشروعات متعددة للري من أهمها السد العالي وبدا الأمر وكأنه مقايضة ولهذا تدخل السيد Humphrey Morris  مستشار وزير الري السوداني (إنجليزي وكان يعمل بالري في إبان عهد الحكم الثنائي) وأوضح أن هدف الإجتماع ينحصر في موضوع إقامة خزان الروصيرص فقط , وأن الجانب السوداني لذلك يرفض الربط بين الأمرين , وهو ما لم يقبله الجانب المصري وأنفضت أول جولة تفاوض بدون إتفاق في 9 سبتمبر 1954 , وكان هذا أول تباين في الرؤي بين الجانبين , وللحقيقة فإن ما دفع الجانب المصري للمقايضة أن الأمر له سابقة فقد أقامت مصر خزان جبل الأوليا لمصلحتها مقابل إقامة خزان سنار علي نفقتها لصالح السودان , بعد ذلك قام وزير الري السوداني ميرغني حمزة بزيارة للقاهرة في أكتوبر 1954 لإستئناف التفاوض وأعاد الجانب السوداني رفضه للربط بين مشروعه ومشروع السد العالي , وكان السيد ميرغني حمزة ميالاً لإبداء مرونة لكن السيد Humphrey Morris أصر علي عدم الربط موضحاً مضار إقامة السد العالي للسودان ومنها إغراقه لمنطقة حلفا وهو ما قبله السيد  ميرغني حمزة , كما اثار الجانب السوداني مسألة إعادة توزيع مياه النيل بتعديل الحصص التي نص عليها إتفاق 1929 من أجل مواجهة التوسع في مشروع الجزيرة , ولكن الجانب المصري أوضح أن أي حديث عن إعادة توزيع مياه النيل لا يمكنه مناقشتها قبل البت في موضوع إقامة السد العالي  ( المرجع للدكتور سلمان محمد سلمان . خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959  (1-14) .. – نهر النيل – – الاخبار   شبكة المناصير) , أما في فترة التوتر المُمتد غير المسبوق والذي كسي العلاقات الثنائية في الفترة من 1990 وحتي يومنا هذا فأذكر من بين أمثلة عديدة أن وزير الري السوداني د . يعقوب أبو شورة قال في موضع من بيان ألقاه في المجلس الوطني السوداني (البرلمان) في 3 يناير 1994 ما نصه ” هناك مساع للوصول لإتفاقية شاملة تضم جميع دول حوض النيل تختص بتوزيع المياه وأن الوضع الحالي مجحف للسودان ” , وفي تقديري أن هذه العبارة تنطوي علي أن السودان مع الدعوة التي إنطلقت من إثيوبيا وأوغندا من أجل وضع إتفاقية نيلية شاملة لا يمانع السودان – وفقاً لهذه العبارة – المُرتبط مع مصر بإتفاقية الإنتفاع الكامل الثنائية في الإنضمام لهذه الإتفاقية الشاملة لدول حوض النيل بصفة جماعية (لاحقاً وضعت ووقغعت 6 دول نيلية ما يُسمي بإتفاق التعاون الإطاري لدول حوض النيل أو إتفاق عنتيبي 2010 الذي ينكر علي مصر حقوقها التاريخية في مياه النيل , كذلك وفي سياق هذا التباين نجده واضحاً في التصريح الذي أدلي به الرئيس السوداني    لوكالة أنباء السودان الحكومية ونُشر في نشرتها بتاريخ 7 أغسطس 1995 ونصه ” إن أي حديث عن زيادة إستغلال السودان لمياه النيل يضايق الحكومة المصرية علي الرغم من التطورات في دول حوض النيل بما في ذلك الجفاف وحاجة الدول التي لا نصيب لها من مياه النيل والتوسع في إستخدام المياه في السودان بسبب الهجرة ” وبالطبع فالتصريح مقصود منه إيصال عدة رسائل لمصر أهمها أن السودان بصدد زيادة إستغلاله لمياه النيل وأن هناك تطورات في دول حوض النيل منها الجفاف تستدعي تطوير سياساتها النيلية لمواجهة الجفاف من أجل تحقيق الأمن الغذائي , كما أن الرئيس السوداني يبدي تعاطف بلاده مع دول حوض النيل التي لا نصيب لها من مياه النيل ثم أن للسودان مبرر إضافي لزيادة إستعغلاله لمياه النيل نظراً لموجات الهجرة الأرترية والإثيوبية في شرق ووسط السودان ( تربو عن المليون نسمة) أخيراً وعلي سبيل المثال أيضاً نشرت صحيفة Khaleej Times في عددها بتاريخ 24 أكتوبر 2004 عن تقدم عدد من النواب بالبرلمان السوداني في 23 أكتوبر 2004 بطلب لمراجعة إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل الموقعة مع مصر في نوفمبر 1959 , ونقلت عن السيد / إبراهيم نايل إيدام وهو أحد أعضاء البرلمان الموقعين علي هذا الطلب قوله ” إن هذه الإتفاقية غير عادلة ولذلك أتساءل لماذا ننتظر الغد لمراجعتها ” فيما أشار عضو آخر إلي أن مهددات التصحر وحاجة السودان لمشروعات زراعية تدعو السودان لطلب مراجعة هذه الإتفاقية , كما أشارت الصحيفة إلي رد وزير الري السوداني علي ذلك بقوله ” أن السودان لا يتوقع إيجاد مياه نيلية كافية لري كل الأراضي الزراعية فيه ” , وأشارت الصحيفة أخيراً إلي أن لجنة الزراعة بالبرلمان السوداني إقترحت زيادة منسوب بعض السدود مع أساليب أخري .

في مناخ سياسي مُضطرد التوتر كهذا إتخذ السودان عام 1992قراراً بوقف الإجتماعات السنوية للجنة الفنية الدائمة لمياه النيل المُنشأة من واقع إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل 1959(وفقاً لمقتضي البند رابعاً من الإتفاقية) وظلت كذلك طيلة خمس سنوات تالية , كذلك قامت مصر وبدون تنسيق مع السودان بالإعلان  في 9 يناير 1997 عن البدء في مشروع توشكي , وقد حاولت مصر وفشلت في جذب السودان إلي جانبها وإنتزاعه من المربع الإثيوبي وذلك بالإقدام علي أخطر قرار يتعلق بأمن مصر المائي وأعني بها خطوة التوقيع في 23 /3 /2015علي وثيقة إعلان مبادئ بشأن سد النهضة الإثيوبي (والتي أعقب توقيعها الثلاثي تصديق البرلمان التنزاني علي الإتفاق الإطاري للتعاون في 25 مارس 2015) والتي تعد معدومة الفائدة وكانت مصر في غني عنها فهي وثيقة لا تعطي مصر أمناً ولا تأخذ من إثيوبيا تعهداً بوقف الإعمال في سد النهضة لبحث وأو إعادة النظر في التصميم الهندسي للسد والقائم علي تحقيق سعة تخزينية قد تتجاوز 74 مليار متر مكعب من مياه النيل وهو ما سيضر بمصالح مصر المائية وحقها التاريخي في مياه النيل , ومن بين أسباب الموقف السوداني المُؤيد لإثيوبيا بالإضافة إلي ما ستجنيه من مصالح جراء سد النهضة , إنه في فترة إختناق العلاقات الثنائية بين مصر والسودان والتي بدأت عام 1990 وإنتهت عام 2000 تقريباً بصفة شكلية بعد عودة السفير المصري للخرطوم مع بقاء العوامل التي جعلت العلاقات تصعد إلي درجة الصراع كما هي , في هذه الفترة تشكلت العلاقات الإثيوبية / السودانية علي نحو مختلف كلية فهي ضفيرة مُتداخلة من أوجه التعاون الثاني في مختلف المجالات أهمها سد النهضة بل حتي أن الخلاف الحدودي بين البلدين في منطقة الفشقة والحميراء والقلابات تناوله البلدين بشكل خافت بلا ضجيج Very low profile فيما العلاقات المصرية / السودانية تحولت إلي شظايا مُتناثرة إلي أن أنحصرت حالياً في الموضوع الأمني الذي يتسع فقط من أجل تمرير إتفاق القاهرة والخرطوم علي إنشاء القوة المُشتركة التي تقترحها الخرطوم , فالمصالح هي ماجعلت ملف الخلاف الحدودي بين إثيوبيا والسودان أهميته أدني من الحد الأدني , فيما غيابها أو قل تحطيمها بأيد أغلبها مصرية جعل حلايب هي القضية الأهم أو المحورية Pivotal خاصة مع إدماجها مع “الكرامة والسيادة الوطنية” , وهما صفتين نُزعتا نزعاً من الخلاف الحدوي السوداني / الإثيوبي .

أزمة مياه النيل في إطار ثلاثي :

نشأ هذا الإطار بعد قبول إثيوبيا الإنضمام لمبادرة الرؤية المُشتركة فقد كانت إثيوبيا ترفض الإنضمام لكل التجمعات والتنظيمات النيلية السابقة مثل إندوجو وتيكونيل وغيرهما  , وبموجب مبادرة الرؤية المُشتركة تم تقسيم دول حوض النيل إلي مجموعتين الأولي مجموعة حوض النيل الشرقي وتضم إثيوبيا والسودان ومصر , والمجموعة الثانية وتضم أوغندا وبوروندي ورواندا وكينيا وجنوب السودان والكونجو الديموقراطية وتنزانيا وأرتريا (مراقب) , وبعد الإعلان الإثيوبي عن إقامة سد النهضة – بدون التشاور المُسبق مع مصر –  إذ من المُؤكد أن السودان كان لديه علم مُسبق بمشروع سد الألفية أو النهضة الإثيوبي في ضوء شبكة العلاقات المتينة والمُتنوعة بين البلدين وكذلك للإنعقاد النشط للجنة الفنية لمياه النيل , فقد كان التوقيت الذي أعلنت فيه إثيوبيا عن مشروعها غير المسبوق والمُؤثر سلباً علي القاعدة الأساسية لأمن مصر القومي توقيتاً سيئاً وهي في أقصي حالات ضعفها إذ كان هناك صراع قائم علي السلطة بعد إطاحة ثورة 25 يناير بالرئيس الأسبق مبارك , لكن علي كل حال فقد أعلنت إثيوبيا بعد ذلك أنها سوف تطلع مصر على مخططات السد لدراسة مدى تأثيره على دولتى المصب مصر والسودان , وعقب ذلك تم تنظيم زيارات متبادلة لرئيسي وزراء البلدين لبحث الملف سبتمبر 2011 اتفقت مصر وإثيوبيا على تشكيل لجنة دولية لدراسة آثار بناء السد , ثم و في مايو 2012 بدأت هذه اللجنة أعمالها بفحص الدراسات الإثيوبية الهندسية وتأثير السد على مصر والسودان ثم وفي مايو 2013 أُشير في تثرير لجنة الخبراء الدوليين إلي ضرورة إجراء دراسات لتقييم آثار السد على دولتي المصب , لكن المفاوضات توقفت عقب أحداث 30 يونيو 2013 في مصر التي رفضت تشكيل لجنة فنية دون خبراء أجانب , وفي يونيو 2014اتفقت مصر وإثيوبيا على استئناف مفاوضاتهما مرة أخرى  وفي أغسطس 2014 اتفقتا على تنفيذ توصيات اللجنة الدولية المشكلة في 2012 من خلال مكتب استشاري عالمي , بعد ذلك عُقد في سبتمبر 2014 الاجتماع الأول للجنة الثلاثية التي تضم مصر وإثيوبيا والسودان للتباحث حول صياغة الشروط المرجعية للجنة الفنية وقواعدها الإجرائية والإتفاق على دورية عقد الإجتماعات , وبالفعل أتفقت الأطراف الثلاث في أكتوبر 2014 على اختيار مكتبين استشاريين أحدهما هولندي والثاني فرنسي لعمل الدراسات المطلوبة للسد , لكن وبينما تستمر المفاوضات أو المباحثات دون التوصل لشيئ مُحدد في ضوء إستراتيجية إثيوبية تقوم علي إستهلاك الزمن في مفاوضات بلا طائل مع إستمرار العمل علي قدم وساق في موقع سد النهضة , فوجئ المجتمع المصري بتوقيع رئيسي مصر والسودان ورئيس الوزراء الإثيوبي  بالخرطوم في  22 مارس 2015 علي ما سُمي بوثيقة “إعلان مبادئ سد النهضة” التي تضمنت 10 مبادئ أساسية تتسق مع القواعد العامة للقانون الدولي الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية , وهي وثيقة تعادل في تقديري ما يمكن تسميته بمذكرة تفاهم ” أو “خطاب نوايا ” إذ لم تُعرض علي أي من برلمانات الدول الثلاث , ومن الواضح أنها كانت محاولة مصرية لإظهار الموقف التفاوضي أمام الرأي العام المصري وكأنه توصل لشيئ  مع أن المريض مات فالسد يجري إنجازه بوتيرة مُنتظمة فيما المفاوضات تمشي بمقدار أنصاف الخطي وتتراجع بعشرات الخطي  ,  وبعد نحو أربع سنوات من الإجتماعات سواء علي مستوي وزراء الخارجية أو اللجان الفنية عقدت في يوليو 2015 بالخرطوم الجولة السابعة لاجتماعات اللجنة الفنية وأصدرت بيانا يتضمن قواعد وأطر عمل المكتبين الاستشاريين الدوليين , لكن هذان المكتبان إنسحبا في سبتمبر  2015 ” لعدم وجود ضمانات لإجراء الدراسات في حيادية ” , وأضاف إنسحابهما وربما أكد عبثية هذه المفاوضات , ومع ذلك فقد إستؤنفت الاجتماعات الفنية في نوفمبر 2015بالقاهرة وانتهت بتحديد جولة جديدة للتفاوض في الخرطوم بحضور وزراء الخارجية والمياه معا , ومرة أخري تلعب الدبلوماسية الفارغة من مضمون جدوي دراً في تأكيد عبثية المفاوضات في أمر مصيري للشعب المصري , إذ وقع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا  في ديسمبر2015على وثيقة الخرطوم التي تضمنت التأكيد على اتفاق إعلان المبادئ الموقع من قيادات الدول الثلاث وتضمن ذلك تكليف مكتبين فرنسيين لتنفيذ الدراست الفنية الخاصة بالمشروع  , وتعلن إثيوبيا رسمياً  في فبراير 2016وكأنها ترد علي أمر , انها لن تتوقف عن بناء سد النهضة ولو للحظة , كما أعلنت السلطة الإثيوبية المُختصة في مايو 2016 أن 70% من أعمال السد اُنجزت , وبعد ذلك وعلي المسار التفاوضي الذي لا يرتبط كلية بالمسار الإنشائي للسد أُعلن في مايو 2017 عن الإنتهاء من التقرير المبدئي بشأن السد وهو التقرير الذي كان مثاراً لخلافات بين الدول الثلاث المُوقعة علي ” وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة ” مما يُؤكد مرة أخري أن هذه الوثيقة لا معني لها , وفي يوليو 2017 قام وزير الخارجية المصري بزيارة لإثيوبيا يحيطه مناخ تشاؤمي مُعتم بشأن مستقبل التفاوض , ولذلك أطلق من هناك دعوة لإتمام المسار التفاوضي بشأن الدراسات الفنية , ووفي 15 أكتوبر 2017 تعلن القاهرة عن موافقتها علي التقرير المبدئي للمكتب الإستشاري , ويقوم وزير الري المصري في 17 أكتوبر 2017 بزيارة تعارف علي سد النهضة تحت عنوان “مُتابعة الأعمال الإنشائية” لكنه يعرب في أديس أبابا عن قلقه من تأخر تنفيذ الدراسات الفنية للسد , ومن الواضح أن قلقه لم يكن له صدي إذ أن الحكومة المصرية إضطرت في 15 نوفمبر 2017 أمام ثقل  فرض سياسة الأمر الواقع الإثيوبي إلي الإعلان عن أنها سوف تتخذ ما يلزم لحفظ حقوق مصر المائية دون توضيح ما لما يمكن أن تتخذه .

لاشك في أن موقف السودان من سد النهضة الإثيوبي ليس مُستقلاً عن أزمات العلاقات الثنائية / المصرية / السودانية المُشار إليها كما أنه موقف له جذوره لدي مدرسة الري السودانية , فكما سبق وأشرت هناك ثمة منابع منهجية مختلفة عن تلك التي تتبناها مدرسة الري المصرية الأقدم والأعرض تجربة ولكن وبغض النظر عن صفتي الأقدم والأكثر خبرة , هناك في الواقع فئة من خبراء الري بالسودان يختلفون في كثير من الأمور الفنية عن نظراءهم المصريين وهم أميل للإقتناع بالمدرسة البريطانية بشأن نهر النيل إبان فترة الحكم الثنائي للسودان يناير 1899 حتي 12 فبراير 1953 , وفي تقديري أن أزمات العلاقات الثنائية وخاصة    أزمة إنحلال وحدة مفهوم الأمن القومي (وهي في الواقع نتيجة للأزمات الأخري) أدت إلي ترجيح كفة المختلفين في السودان عن نهج الري المصري في قضية مياه النيل , ولهذا لا يجب أن نغفل أن الدليل الواضح علي أن الفجوة التي إتسعت بين الموقفين المصري والسوداني في مياه النيل كان يمكن أن يكون لها حد أدني تقف عنده تمثله إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل الموقعة بين مصر والسودان في 8 نوفمبر 1959 , وللأسف فقد ظل البعض في مصر يتوقع أن تكون هذه الإتفاقية بمثابة المُنسق العام لموقف مصري/ سوداني مُتحد بشأن سد النهضة وأن تظل خيارات السودان مُرتبطة بمبادئ أوأحكام إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل , وهو توقع لم يكن واقعياً بقدر ما كان منطقياً فالبند “خامساً نص علي :

1- ” عندما تدعو الحاجة إلي إجراء أي بحث في شئون مياه النيل مع اي بلد من البلاد الواقعة علي النيل خارج الجمهوريتين , فإن حكومتي جمهورية السودان و الجمهورية العربية المتحدة(مصر) يتفقان علي رأي موحد بشأنه بعد دراسته بمعرفة الهيئة الفنية المُشار إليها , ويكون هذا الرأي هو الذي تجري الهيئة الإتصال بشأنه مع البلاد المُشار إليها , وإذا أسفر البحث عن الإتفاق علي تنفيذ أعمال خارج حدود الجمهوريتين فإنه يكون من عمل الهيئة الفنية المُشتركة أن تضع – بالإتصال بالمُختصين في حكومات البلاد ذات الشأن – كل التفاصيل الفنية الخاصة بالتنفيذ ونظام التشغيل وما يلزم لصيانة هذه الأعمال وبعد إقرار هذه التفاصيل وإعتمادها من الحكومات المُختصة يكون من عمل هذه الهيئة الإشراف علي تنفيذ ما تنص عليه هذه الإتفاقات الفنية ” . .

2- ” نظراً إلي أن البلاد التي تقع علي النيل غير الجمهوريتين المُتعاقدتين تطالب بنصيب في مياه النيل , فقد إتفقت الجمهوريتان علي أن يبحثا سوياً مطالب هذه البلاد ويتفقا علي رأي مُوحد بشأنها , وإذا أسفر البحث عن إمكان قبول أية كمية من إيراد النهر تُخصص لبلد منها فإن هذا القدر محسوباً عند أسوان يُخصم مُناصفة بينهما ” .

علي جعلت السودان في مربع ثنائي مع إثيوبيا فيما مصر تقف علي مربع شيق وحدها   لكن الأكثر أهمية – ربما – في الأزمة الثلاثية تلك أنها كاشفة عن توجه جيوسياسي سوداني جديد تولد نتيجة ترهل مستمر للآن لجسد السياسة المصرية في الفترة من أكتوبر 1981 عندما تولي الرئاسة بالصدفة رئيس إختاره الموت والصدفة بعد إغتيال الرئيس أنور السادات , هذا التوجه السوداني نحو القرن الأفريقي وليس بإتجاه الشمال حيث مصر , وإذا ما أجرينا موازنة للحركة السياسية لمصر وللسودان في القرن الأفريقي سنجد كثافة وثقلاً مميزاً للسياسة السودانية هناك “ .

الأزمات المُتتابعة التي ضربت بنيان العلاقات المصرية / السودانية بعنف وهدمت معظم أركانه جعلت الواقع ينتصر علي المنطق في شأن هذه العلاقات , ومن ثم فسأمتلك الجرأة لأقول أن إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل 1959أصبحت أثراً بعد عين , ومن ثم فمن الواقعية أن أقول إتساقاً مع الأحداث المُتتابعة أن الإطار الثنائي بين مصر والسودان في شأن مياه النيل تآكل أو كاد وأن المرجعية ستكون للإطار الثلاثي لاحقاً إلي أن تسترد مصر العزيمة الماضية كي تحافظ  بيدها وبنفسها علي بقاءها كدولة فلن يحافظ السودان علي بقاء مصر طالما حاسب المصريين علي أخطاء مستبديها , كما لا نتوقع أن تتصرف إثيوبيا في شأن مياه النيل مع مصر والمصريين تصرف الفرسان النبلاء فمنذ منليك الثاني إمبراطور إثيوبيا وهي تحاول تحويل مياه النيل إلي خنجر تستله في ظهر مصر وهو ما فعلته .

كانت قضية سد النهضة إذن وإلي حد كبير كاشفة وليست مُنشأة للتباعد والبون الشاسع بين الرؤيتين المصرية والسودانية في شأن مياه النيل , ومازالت مصر حتي هذه اللحظة مُقتنعة بأن التفاوض بشأن سد النهضة ممكن بعد أن تجاوزت نسبة تنفيذ أعمال وتصميم السد 65%  وبعد أن إقترب من الوصول إلي تمام إنشاؤه هذا العام 2018 كما هو مُخطط , وبأن الأزمات الأخري في علاقاتها الثنائية بالسودان غير ذات صلة ولو غير مباشرة بأزمة سد النهضة , ولذلك فمصر تستعد حالياً لجولة ثلاثية أخري للتفاوض في الخرطوم يومي 4 و 5 أبريل 2018 حيث سيُعقد إجتماع يضم وزراء الموارد المائية والخارجية للدول الثلاث , وأحالت صحيفة SUDAN TRIBUNE في 14 مارس 2018 علي بيان صادر عن السفارة السودانية بالقاهرة في 13 مارس تضمن الإشارة إلي تصريح لسفير السودان بالقاهرة أشار فيه إلي هذا الإجتماع يأتي تنفيذاً للقاء الرئاسي الذي ضم رئيسي مصر والسودان ورئيس الوزراء الإثيوبي الذي تم علي هامش القمة الأفريقية في أديس أبابا وهو الإجتماع الذي كان مُخططاً أن يتم في الخرطوم يومي 24 و25 فبراير 2018 لكن تم تأجيله كطلب أديس أبابا عقب إستقالة رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn في 15 فبراير الماضي , وتصر إثيوبيا حتي الآن علي القول بأنها حريصة علي أن لا تسبب أية أضرار لدول المصب مصر والسودان وبأن ” فترة ملأ السد – كما قال Berhanu Belachew عميد قسم الجغرافيا والمحاضر بجامعة Kotebe Metropolitan – وهي بين ثلاثة 5 أعوام ستتم بطريقة مسئولة ” . 

* أزمات فرعية نتيجة تداعيات إنحلال وحدة مفهوم الأمن القومي :

في الواقع هناك ثمة أزمات أخري نتجت عن الأزمات الرئيسية التي مازالت نتائجها تتكاثر تكاثر جرثومي , ففي تقديري أن العلاقات المصرية / السودانية ولجت أول طرق الصراع وتعدت أمر كونها “أزمة”  , ولذلك نري أن خيارات السياسة الخارجية لكل من مصر والسودان لم تعد في نسق واحد مساو لنسق الأمن المائي الذي كانت إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل تمثله , وتعرضت للتآكل بسبب تردي العلاقات الثنائية وإنتقالها التدريجي من مستوي الخلاف لمستوي العداء حتي وصلت لما يبدو وكأنه صراع , وما أشاع مناخ “الصراع” وأضرمه وزاده إلتهاباً الدور الإثيوبي من خلال سد النهضة , وسأسوق وبإختصار أمثلة لموقفي البلدين في العلاقات الخارجية :

(1) قضية الحرب الأهلية بجنوب السودان :

نفي الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية هذه الإتهامات مُوضحاً أن مصر لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخري , كما نفي Ateny Wek Ateny الناطق باسم رئاسة جنوب السودان ما أوردته وكالة أنباء جنوب السودان SSNA في 3 فبراير  2017 ووكالة Reuters  للإنباء في 4 فبراير 2016 وما نقلته عنهما شبكات الأخبار والصحف الدولية والإقليمية وتضمن البيان الصادرعن حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة SPLA-IO التي يتزعمها Riek Machar خصم الرئيس Salva Kiir في الحرب الأهلية الجارية بينهما حالياً بجنوب السودان , والذي أشار إلي ” أن القوات الجوية المصرية أسقطت ما لا يقل عن 9 قنابل ومتفجرات علي مواقع تابعة لحركة SPLA-IO تقع علي مقربة من قرية  Kaka بولاية أعالي النيل بجنوب السودان ” , كما أشار إلي تحذير المتحدث العسكري للحركة العقيد William Gatjiath Deng ” من مغبة إستمرارالتمرد السوداني وتصعيد مصر لمشاركتها في الحرب القائمة حالياً بجنوب السودان ” , مُعتبراً ذلك ” من المؤشرات الواضحة لشعب جنوب السودان وللإتحاد الأفريقي وللأمم المتحدة والمجتمع الدولي بأن نظام جوبا يستفز المنطقة ويجر جنوب السودان لحرب إقليمية ” , وأوضح العقيد Deng ” أن عناصر من حركة العدالة والمساواة JEM وحركة تحرير جنوب السودان – قطاع الشمالSPLM-Northتتسلل إلي أراضي جنوب السودان إنطلاقاً من قاعدة Angathna بولاية النيل الأزرق بشمال السودان بغية الهجوم علي وإستعادة بلدات المستقبل و Wadekona و  Detang من أيدي التمرد المُعارض التابع لريك مشار الذي يعتقد – أي مشار – أن هناك إتفاقات بين القاهرة وجوبا تدعوه إلي الشك في نوايا القاهرة إزاء الصراع بين حركته ونظام Salva Kiir , وأحالت وكالة أنباء جنوب السودان علي أحد كبار القادة العسكريين بحركة SPLA-IO المتمردة المناوئة للرئيس Salva Kiir قوله ” هناك ثمة صفقة قذرة تتم  بين  Kiir والرئيس المصري , وأن سد النهضة الإثيوبي واحد من القضايا الرئيسية التي تمت في القاهرة , وأن مصادرنا المخابراتية في Kampala عاصمة أوغندا وفي جوبا أكدت أن مصر تريد من جنوب السودان وأوغندا أن يكونا حلفاءها الإقليميين حتي يمكنها أن تتقدم في مخططها الهدام الخفي ضد إثيوبيا , وأن الرجل (الرئيس Kiir) ما هو إلا عميل مزدوج فلسوف يتسبب في مشاكل كثيرة بمنطقة شرق أفريقيا ” , وأضاف هذا المسئول قوله بأن الخبراء العسكريين والمهندسيين المصريين متواجدين بجوبا منذ شهور وأن التعامل العسكري بين القاهرة وجوبا تعمل أوغندا علي تنسيقه منذ العام الماضي , ودعا هذا المسئول الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة إلي التحقيق في التورط المصري في الحرب الأهلية بجنوب السودان .

في سياق موقف مصر الثابت في دعم رئيس جنوب السودان , فقد إمتنعت عن التصويت هي الصين وروسيا  وفيزويلا فيما صوت ممثلي 11 دولة عضو بمجلس الأمن الدولي علي القرار رقم 2304بتاريخ 12 أغسطس 2016 المُتضمن تجديد مهمة قوة حفظ السلام القائمة بالفعل في جنوب السودان حتي 30 يونيو 2017 , كما رخص بدعمها بعدد إضافي لتعزيز حماية المدنيين , وهو القرار الذي كان نتاجاً للجهود التفاوضية التي قادتها الولايات المتحدة في الأمم المُتحدة للترخيص بزيادة إضافية لقوة حفظ السلام الأممية بجنوب السودان UNMISS بواقع 4000 عنصر للحماية ولتأمين العاصمة جوبا ودعم القوة الأممية لجنوب السودان UNMISS المتواجدة هناك بالفعل وقوامها 12,000, ويُضاف إلي ذلك عدم تحمس مصر للإستجابة للجهود الدبلوماسية التي بذلتها الولايات المتحدة وأستمرت حتي الأسبوع الأول من أبريل 2016 لإستصدار قرار أممي يقضي بحظر السلاح علي جنوب السودان لكن الأمم المتحدة إرتأت وقتذاك تأجيل الأمر حتي يونيو 2016  بزعم أن هناك تحسناً في سلوك الأطراف المُتحاربة في الجنوب .

أما حكومة السودان فموقفها من الحرب الأهلية بجنوب السودان محسوب علي أنه داعم للتمرد الذي يقوده زعيم حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة Riek Machar الذي لديه من الصلات القوية مع حكومة الخرطوم ما يكفي للقول بأنه حليف فعلاقته بحكومة السودان تعود إلي فترة سابقة لتوقيع فصيله و 6 فصائل متمردة مُنشقة عن  حركة جون جارانج في 211 أبريل 1997 لإتفاقية السلام بالخرطوم بل وتولي فصيله حراسة منشآت البترول الصينية السودانية في جنوب السودان قبل الإنفصال في 9 يولية 2011 , وتري الخرطوم في الموقف المصري الذي يدعم  نظام رئيس جنوب السودان Salva kiir  المناوئ للسودان ما قد يؤدي إلي تقوية أكثر لموقفه المناوئ لمصالح الخرطوم والمثير للقلاقل وعدم الإستقرار في السودان الشمالي بدعمه للمعارضة الشمالية المُسلحة , مما قد يدفع حكومة الخرطوم دفعاً لخيارات ضارة بمصر منها علي الأقل موافقة السودان – والذي لديه تحفظات حتي يومنا هذا – علي التوقيع علي الإتفاق الإطاري لمياه النيل الذي مازالت مصر ترفضه , وهو ما يعني إنسلاخ السودان رسمياً عن إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل التي وقعها مع مصر عام 1959 , وعليه فإن تطوير مصر لعلاقتها بجنوب السودان بدعم نظام تمرد عليه كتلة هامة من شركاءه بقيادة Riek Machar المنتمي لثاني أكبر قبائل السودان أي النوير يعني مخاطرة مصر أو لنقل تضحيتها بإنحيازها – من وجهة نظر الجنوبيين –  لقبيلة Dinka التي منها الرئيس Salva Kiir علي حساب علاقتها بباقي القبائل الجنوبية وأهمها قبيلة النوير , وذلك بدون مقابل ملموس حتي الآن , بل لقد تطورت علاقة مصر بنظام الرئيس Salva Kiir إلي حد دعم طلب حكومة جنوب السودان الذي تقدمت به للجامعة العربية للإنضمام إلي عضويتها وفقاً لما قاله الناطق باسم خارجية حنوب السودان لوسائل الإعلام في 16 مارس 2016 مُبرراً ذلك بأن جنوب السودان قررت ذلك حتي تناقش قضايا مهمة تتضمن مياه النيل والأمن , وقد يكون هذا الطلب قد نُوقش في الإجتماع رقم 149 لمجلس الجامعة العربية في 7 مارس 2018 , ( إن كانت جنوب السودان راغبة في مناقشة موضوع مياه النيل , فالأولي أن تُنشئ مع مصر لجنة خاصة لهذا الأمر , إذ ما هو شأن الجامعة العربية ) .

(2) قضية دارفور :

وجه الرئيس السوداني عمر البشير في 21 مايو 2017 ضمن كلمة مُتلفزة ألقاها في قيادة الجيش السوداني إتهاماً مباشراً لمصر بالتورط في القتال بمناطق بولايتي شمال وشرق دارفور , مُوضحاً أن القوات المُهاجمة والتي تنتمي لقوات تحرير السودان (SLA-MM) جناح Minni Minnawi وعناصر حركة تحرير السودان- المجلس الإنتقالي (SLA-TC) – جاءتا من جنوب السودان وليبيا محمولة علي مركبات مُدرعة مصرية الصنع , وقال الرئيس السوداني أن القوات المُسلحة السودانية وقوة الدعم السريع صادرت هذه المركبات التي إستخدمها هؤلاء المُتمردون في هجومهم الذي شنوه يوم الجمعة 19 مايو , وأشار إلي أن مصر رفضت دعم السودان في القتال الممُتد ضد تمرد جنوب السودان لأكثر من عشرين عاماً وفي دارفور ولم تعط للجيش السوداني رصاصة واحدة , علي حين دعمت بلاده مصر في حربي 1967 و1973, وذلك بدعوي أن ما يحدث في السودان شأن داخلي , هذا وأشارت شبكة NUBIA REPORTS في الأول من يونيو2017إلي أن قوات التمرد دخلت دارفور آتية من ليبيا وجنوب السودان, فيما أدعي التمرد أن هجومه إنطلق من قواعده بشمال دارفور ,  وقد أنكر الرئيس المصري في مؤتمر صحفي مُشترك مع مستشار النمسا الزائرعُقد في 24 مايو 2017 هذا الإتهام مُوضحاً أن مصر تتحري سياسة عدم التدخل في شئون الغير قائلاً ” إننا لا نتآمر علي أحد خاصة أهلنا وجيراننا ” , كذلك أكد الناطق باسم الخارجية المصرية رفض هذا الإتهام ونشره علي صفحته في Facebook قائلاً ” إن مصر تحترم سيادة السودان ولا تشارك بالمرة في أي جهد لزعزعة الإستقرار في المنطقة ” , وخلافاً لهذه الفترة التي شهدت هذا التصعيد والتشكيك في موقف مصر من القضية الدارفورية , فإن برقيات صادرة عن السفارة الأمريكية بالقاهرة مُؤرخة في الأول من مارس 2006 ونشرها موقع WikiLeaks تعطي صورة مختلفة وإيجابية عن موقف مصر فوفقاً بلبرقيتين سُربتا أشارتا إلي مصر كانت تتصل ببعض التنظيمات الدارفورية المُسلحة مثل حركة تحرير SLM \UNITY و SLM أبو بكر وحركة العدالة والمساواة JEM خليل إبراهيم منها لحثهم علي التفاوض كتلة مُوحدة , لكن لم تتعد مصر في هذا الأمر حد الإتصالات غير المُعلنة مع هؤلاء وكانت القاهرة بالطبع تحيط الخرطوم علماً بمعظم تحركاتها وما وصلت إليه من نتائج , لكن القاهرة لسبب أو لآخر لم ترد – وكان بإستطاعتها –  رعاية مفاوضات بين حكومة السودان والمجموعات الدارفورية المُتمردة , تماماً كما كانت قطر تفعله بالرغم من عدم صلة الأمن القومي لقطر بشئون السودان جنوبه وشماله وغربه وغربه , ومع ذلك ونظراً للعلاقات غير الودية بين الدوحة والقاهرة لأسباب مختلفة فقد كانت القاهرة غير راغبة بالمرة في دور قطري مُيسر Facilitator بشأن مفاوضات حكومة السودان مع مُتمردي دارفور , ويؤكد ذلك البرقية الصادرة في 28 يناير 2010 عن السفارة الأمريكية بالدوحة والتي نشرها موقع WikiLeaks وتضمنت مقابلة تمت في 26 يناير 2010 بين نائب السفير المصري والمسئول عن الشئون السياسية والإقتصادية بالسفارة الأمريكية هناك Rice , ومن بين ما أشار إليه الدبلوماسي المصري أن مصر سوف تحبط أية مبادرة قطرية تتضمن مُقترحات (لتسوية القضية الدارفورية) خلال رئاستها الحالية للجامعة العربية حتي تقدم هي أي مصر مُقترحات تفي بالمصالح المصرية (التي لم يُوضحها) , مُوضحاً أن الإنخراط القطري في المسألتين السودانية والفلسطينية والنقد اللاذع الذي توجهه محطة الجزيرة الفضائية لمصر هما السبب الرئيسي لحنق القيادة في مصر , وعندما سأله محدثه الأمريكي أن يوضح الأفعال التي يعتبر أن قطر أقترفتها ضد مصر في السودان , فأعترف بتلقائية بأنه لا شيئ محدد قد أتخذته قطر ضد مصر هناك , فقط الهجمة ناشئة عن مجرد إقدام قطر بالوساطة في الفناء الخلفي لمصر , بل إنه – أي نائب السفير المصري –  قال أن إسباباً عاطفية أكثر منها عقلانية تدفع بمصر لرؤية قطر هكذا , وأشار إلي أنه في إجازته بالقاهرة أستدعاه وزير الخارجية للقاءه في مكتبه بالوزارة وبعد أن سأله عن تقييمه للعلاقات وأجابه بأنها فظيعة Truly awful , رد وزير الخارجية أبو الغيط بسباب وقدح عنيف لآبائهم ولأمهاتهم ولآباء آباءهم وأمهات أمهاتهم , مُؤكداً له بأن مصر ستحبط أية مبادرة قطرية تحاول قطر أن تطرحها خلال رئاسة مصر للجامعة العربية وأن مصر ستضع العراقيل أمام هذه المبادرة طيلة رئاستها للجامعة , وأن الرئيس مبارك نفسه متُصلب في هذا الشأن بمعني أنه أكثر عنداً في ضرورة إحباط أي مبادرة قطرية فس شأن دارفور , ولما سأله الدبلوماسي الأمريكي عن الإعتراضات المصرية بالتحديد فيما يتعلق بالمبادرة القطرية لدارفور وعن سبب إعتراض مصر علي الوساطة القطرية في دارفور منوهاً بأن المبعوثين الأمريكيين الخاصين في فترتي الرئيسين George W. Bush وBarack Obama أبلغا الرسميين المصريين بأن الولايات المتحدة تؤيد مبادرة قطر في جهود الوساطة , لم يحر نائب السفير المصري جواباً  إلا أنه أقر بأنه يدرك أن لا شيئ يستحق الإعتراض عليه في المبادرة القطرية بشأن دارفور وأنه أبلغ المسئوليين المصريين بأن الولايات المتحدة تدعم جهود قطر بشأن دارفور , وأوضح لهم كذلك أن الولايات المتحدة تعتقد أن تصرفات قطر في دارفور نابعة من إهتمامات إنسانية مؤكدا مرة أخري  “أنه وبصراحة فإن مصر غاضبة من الوساطة القطرية لا أقل ولا أكثر لأنها تتدخل في بلد يقع في الفناء الخلفي لمصر , وأن لا شيئ فعلته قطر في دارفور يضر بمصر ” , ومما يؤكد هذا الإتجاه غير المُبرر مادياً من القيادة المصرية ووزارة الخارجية أن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط صرح عام 2009 مُعلقاً علي جهود قطر لتسوية الملف الدارفوري بأن ” الأطراف الأخري – ويقصد قطر- لا يبدو وأنها سجلت نجاحاً لأنها تفتقد إلي فهم ديناميكيات الموقف في السودان وتعقيد العلاقات القبلية ” .

كانت مصر أثناء منذ بداية التمرد في دارفور وحتي عندما بلغ ذروته بدخول أطراف إقليمية مثل تشاد ودولية كفرنسا والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ( الذي بدأ الآن في تلطيف علاقته بالسودان فقد أعلن Jean Michel مبعوث الإتحاد الأوروبي الخاص للسودان أن السودان والإتحاد الأوروبي إتفقا في 12 مارس 2018 علي بذل جهود مُشتركة لمواجهة الإرهاب وغسيل الأموال في اليمن والقرن الأفريقي وأنهما في هذا السبيل وقعا مذكرة تفاهم * ( وكالة الأناضول بالإنجليزية في 13 مارس 2018) تنأي بنفسها عن التدخل بقوة وفاعلية مُؤثرة إيجاباً لتسوية النزاع الدارفوري وإطفاء نيران التمرد , بل إنها – أي مصر –  إنهمكت في البحث عن وسائل تصعيد وزيادة إستفادتها بالمشاركة بأكثر عدد ممكن من عسكرييها وشرطتها في القوة الهجين للأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي بدارفور UNAMID وكانت المشاركة المصرية في قوة UNAMID  بالتأكيد أكبر عدداً وعدة من قوة الإتحاد الأفريقي السابقة AMIS ولم تشعر القيادة السياسية ومن وراءها الخارجية بأي حرج وهي تركز إهتمامها وطاقاتها السياسية والدبلوماسية فقط بإتجاه المشاركة في قوة UNAMID دون أن تشغل السياسة المصرية الحيز الكبير المُتاح لها للعب دور سياسي بموجب ما تدعيه من  “دور رائد ” بالمبادرة بتقديم مقترحات للحل السياسي وإستضافة الجولات التفاوضية بين حكومة السودان وأجنحة التمرد التي كان تواجدها بالقاهرة محصوراً في لقاءات مع أجهزة الأمن المصرية وكأن ذلك إستمراراً مصرياً لإعتبار السودان حكومة وتمرد ” شأناً أمنياً بإمتياز ” , وهذه هي الشكوي الرئيسية من السودان حكومة ومعارضة , وأستمرت مصر في سياسة تجزئة إهتماماتها في السودان فركزت فقط – كما أشرت – علي محور قوة حفظ السلام في دارفور تاركة قطر تدير الملفين السياسي والتفاوضي ولم يمنع ذلك مصر من إنتقاد والهجوم علي دولة قطر التي تعمل بدأب علي بناء دور إستعدت له وقامت بالفعل علي تطبيقه  .

فيما ظل الدور المصري حتي يومنا هذا علي ما هو عليه من “عدم الحركية ” Static , فإن الدور القطري ظل كما هو مُستمراً في فاعليته Dynamic فيما يتعلق بقضية دارفور , فقد نشر موقع MIDDLE EAST MONITOR  في 12 مارس 2018 نقلاً عن وكالة الأناضول إشارتها إلي أن وزير الخارجية القطري قال   “أن السودان وقطر شكلتا لجنة سياسية مُشتركة  ستلتقي مرتين سنوياً في إطار الجهود المبذولة للتغلب علي الصراع بدارفور والقائم منذ عقود  وستتناول هذه اللجنة أيضاً موضوعات ثنائية ”  , وأشارت الوكالة في معرض الخبر أن قطر تمكنت من طرح “وثيقة الدوحة للسلام في دارفور ” في يوليو من عام 2011 بعد 20 شهر من مفاوضات مُضنية بين حكومة السودان وحركة التحرير والعدل  , وفي تقديري أن إستمرار الدور القطري في شأن قضية دارفور يعني بوضوح أن الحصار الرباعي الذي لفُرض عليها في 5 يونيو 2017 ليس له من تأثير علي حيوية الحركة السياسية لقطر , كما يعني أن الجامعة العربية مازالت صنماً دالاً علي شلل النظام العربي , وبغض النظر عن الإتهام المباشر الذي وجهه الرئيس السوداني في 21 مايو 2017 لمصر بشأن تورطها في دعم التمرد الدارفوري , فإن هناك حقيقة واقعة وهي أن الحكومة المصرية لم يصدر عنها بيان أو حتي تصريح لمسئول سوداني رسمي لتهنئة السودان بقرار الولايات المتحدة في 12 أكتوبر 2017بتخفيف العقوبات الإقتصادية من عليها مما كان أثر سيئ علي الرأي العام السوداني أو بعضه علي الأقل , وقبل ذلك علي الحكومة السودانية , والأكثر إيلاماً أن يصل الأمر بوزير الخارجية السوداني بالتصريح  بأن وزارته أرسلت تستفسر نظيرتها المصرية حول الطلب المصري بالتصويت على إبقاء العقوبات المفروضة على السودان وفقاً للقرار الأممي رقم 1591 الصادر عام 2006 والمتعلق بشأن أزمة أقاليم دافور السودانية , إلا أن الناطق باسم الخارجية المصرية أشار في 14 أبريل 2017 في معرض رده علي ذلك قال ” أن “لجنة العقوبات الخاصة بالأوضاع في دارفور لم تناقش من قريب أو بعيد في اجتماعاتها الأخيرة مسألة تمديد العقوبات على السودان ” لكنه أوضح أن “مجلس الأمن قد أصدر بالفعل القرار 2340  في 8 فبراير 2017 بتمديد تلك العقوبات لمدة عام قادم ، وأن مصر كانت من أكثر الدول التي قامت بدور فعال في اعتماد قرار متوازن يحافظ على المصالح العليا للشعب السوداني الشقيق”  .

عموماً وفي ضوء ما سبق لا يعتبر الدور المصري من قضية دارفور التي تعد أحد مُهددات أمن السودان القومي , دوراً يتناسب مع ما للسودان من أهمية قصوي للأمن القومي المصري وتستحق أن تعزلها السياسة المصرية عن أنواء الأزمات القائمة بينها وبين السودان الشقيق , علي الأقل لإنتهاز فرصة لبيان حسن النوايا وترميم ولو جسر واحد للعبور مُجدداً نحو واقع مختلف وإيجابي في العلاقات المصرية / السودانية .

(3) العلاقات المصرية / السودانية مع إرتريا :

هناك تباين حاد بين علاقة كل من مصر والسودان مع إرتريا , إذ تمثل إرتريا تهديداً للأمن القومي السوداني من وجهة النظر السودانية , فمن بين كثير من التصريحات العدائية المُتبادلة وصف السفير الفاتح عروة المندوب الدائم للسودان لدي الأمم المتحدة ومنسق العلاقات الإثيوبية السودانية وصف علاقات بلاده بإرتريا في 14 فبراير 1999 بأنها مازالت علي وضعها أي شبه حرب , وأنه بعد إضطرار أسياس أفورقي لسحب وحداته العسكرية قبالة حدود بلاده مع السودان لدواعي المواجهة العسكرية بسبب نزاع حدود بلاده مع إثيوبيا تقوم القوات السودانية بتطهير المناطق الحدودية وإستعادتها من قوات المعارضة السودانية التي دعمتها الوحدات العسكرية الإرترية قبل إنسحابها , وأكد الفاتح عروة أنه رغم موقفهم الذي وصفه بالحيادي من المواجهة الإثيوبية / الإرترية , إلا أن علاقاتهم متطورة مع إثيوبيا , ومن المُثير للدهشة ان السودان كان أحد أهم الدول الفاعلة في دعم الثورة الإرترية ووفر دعماً مُقدراً للنضال لقوي الثورة الأرترية إلي حد أن أراضي السودان كانت قاعدة مهمة وكان أفورقي مقيما بالخرطوم وأستمر هذا الدعم منتظماً إلي أن أنجز إستفتاء تقرير مصير إرتريا في أبريل 1993 وأُعلن الإستقلال في مايو 1993 وكان السودان أول دولة تتبادل التمثيل مع أرتريا ووقعت الدولتان إطاراً للتعاون في 29 أغسطس 1993 , ومع ذلك ظلت العلاقات السودانية / الإرترية عدائية حتي يومنا , والسبب الرئيسي في تقديري وتقدير كثير من المراقبين أن هناك علاقة مباشرة بين قوة ونمو العلاقات السودانية / الإثيوبية وبين العدائية التي تتميز بها العلاقات الإرترية / السودانية , فما بين إثيوبيا من عداء وصل إلي مستوي الصراع لأسباب متنوعة تقع في مربع تراث الكراهية المُتأصلة بين إرتريا وإثيوبيا منذ إحتلال إثيوبيا وضمها لإرتريا قسراً للدولة الإثيوبية عام 1936 , ولما كانت العلاقات الأإثيوبية / السودانية قد شهدت أولي مراحل تطورها قبل إستقلال إرتريا بقليل وإستمرت في نموها , لذلك فمنذ مُنتصف تسعينات القرن الماضي وحتي يومنا هذا تستضيف إرتريا قوي المعارضة السودانية , بالإضافة إلي إن هناك مطامع إرترية في منطقة طوكر السودانية وقد نشرت إرتريا خريطة جديدة تضم فيها مساحة واسعة من الأراضي السودانية في منطقة ” طوكر * ( صحيفة ” ألوان ” اليومية الصادرة بالخرطوم في 12 مارس 1997) , وهذه المطامع تشمل  المنطقة الواقعة علي ساحل البحر الأحمر حيث تسعي أرتريا لضم أربع محليات بالقرب من طوكر , وتربض القوات الأرترية قبالة الحدود مع السودان في كل من رأس قصار وجبل حليباي , والمطامع الإرترية وإن كان من الصعب تماماً لإرتريا تحقيقها إلا أنها ترواد النظام الإرتري فحكومة السودان ومنذعام 1992 تقريباً   روجت لمشروعين  زراعيين بهذه المنطقة أولهما مشروع القاش الزراعي والذي تبلغ مساحته 400 ألف فدان منها 344 الأف فدان عالية الخصوبة ويبلغ متوسط مواردها المائية بهذه المنطقة 650 مليون متر مكعب تفيض من نهر القاش سنوياً ويحمل المتر المكعب من هذه المياه خمسة كيلو جرامات من الطمي , الأمر الذي يجدد التربة سنوياً وهي تربة تصلح لكافة المحاصيل الغذائية إضافة للمنتجات البستانية , أما المشروع الثاني فهو مشروع طوكر الزراعي ويقع بولاية البحر الأحمر علي بعد 90 كيلومتر إلي الجنوب من ميناء سواكن نحو خور بركة الذي يصب في البحر الأحمر وتبلغ مساحة هذا المشروع 46 ألف فدان وتزرع فيه الذرة والقطن , ولكن للاسف تتغول علي مساحة هذا المشروع أشجار المسكيت وحشائش المرديب بنسبة لا تقل عن 65% مما قلص من مساحته .    

لم تكن العلاقات المصرية / الإرترية في زمن ما بأفضل  ولا أقوي مما هي عليه الآن , فالتنسيق والإتصالات    المصرية / الإرترية متميزة ومُتنامية منذ تسعينات القرن الماضي وحتي وقتنا الراهن علي خلفيتين غير مختلفتين هما خلفية العلاقات المصرية المُختنقة دائماً مع السودان منذ 1990 وحتي اليوم والتي شهدت فترات متقطعة من التحسن النسبي لكنها مازالت مؤسسة علي العداء المُستحكم مثلها مثل خلفية العلاقات المصرية / الإثيوبية دائمة العداء منذ عهد منليك الثاني ملك إثيوبيا والخديو إسماعيل وحتي اليوم والتي لا يعتبر أي تحسن يطرأ عليها مزيلاً للعداء المُتجذر في أرضيتها لأنه عداء قائم علي تباين موقفهما من قضية مياه النيل وهي ظاهرة جغرافية ثابتة , وفي سماء علاقات مصر بالحليفين إثيوبيا والسودان , وهي سماء مُلبدة بغيوم وسحب قاتمة أشارت صحيفة SUDAN TRIBUNE علي موقعها في 17 أبريل 2017 بالإحالة علي منظمة عفار البحر الأحمر الديموقراطية RSADO المُعارضة لنظام الحكم القائم بإرتريا أن حكومة أسمرا أعطت مصر الضوء الأخضر لبناء والحصول علي قاعدة عسكرية علي الأراضي الأرترية وحددت مصادر المعارضة الأرترية موقع هذه القاعدة بأنها في جزيرة (محلية) Nora أو Norah وهي ثاني أكبر الجزر المسكونة بأرخبيل Dahlak  وتبلغ مساحتها حوالي 105 كم مربع , كما أشارت هذه المصادر إلي أن وفداً عسكرياً وأمنياً مصرياً قام بزيارة لأسمرا مطلع أبريل 2017 للإتفاق علي تمركزعدد يتراوح ما بين 2000 إلي 3000 من عناصر البحرية المصرية بهذه القاعدة البحرية بأرتريا الموضوعة حالياً تحت عقوبات الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم S/RES/2317 لعام 2016 والذي تم تجديده حتي 15 نوفمبر 2017 والذي يشير البند 16 منه إلي ما نصه ” يعيد كذلك “مجلس الأمن”  تأكيد حظر الأسلحة المفروض على إريتريا بموجب الفقرتين ٥ و٦ من القرار ١٩٠٧لعام ٢٠٠٩ .

هناك – خلافاً لحالة السودان – إتصالات وزيارات إرترية مصرية مُعلنة و مُتبادلة كان آخرها زيارة وفد برئاسة عثمان صالح وزير الخارجية الأرتري و Yemane Gebreab مستشار الرئيس أفورقي للقاهرة في 23 مارس 2017 إستغرقت أربع أيام نُاقش خلالها مع وزير الخارجية المصري ومسئوليين آخرين موضوعات ذات إهتمام مُشترك أهمها الأمن في البحر الأحمر ومكافحة القرصنة والتطورات الأخيرة في الصراع القائم باليمن وقضية مياه النيل (أرتريا عضو مراقب وليس أصلي في مبادرة الرؤية المشتركة الجامعة لدول حوض النيل) والأوضاع الراهنة في جنوب السودان والصومال وبين الدولتين تنسيق وتفاهم فيما يتعلق بكل هذه القضايا , وكانت هذه الزيارة متابعة لنتائج زيارة أخري سابقة لوفد مصري لأرتريا , وقد أعرب وزير الخارجية المصرية للوفد الأرتري عن الحاجة إلي رفع عقوبات مجلس الأمن الدولي المفروضة علي أرتريا , كما أن الرئيس الإرتري أسياس أفورقي قام في 9 يناير 2018 بزيارة للقاهرة إستغرقت يومين , جاءت مُترافقة مع نشر القوات المُسلحة السودانية قوات من “الدعم السريع” وصلت علي مقربة من الحدود الأرترية / السودانية بولاية كسلا بشرق  السودان , وقد نشر موقعMIDDLE EAST MONITOR  في 4 يناير 2018 نقلاً عن جريدة الشرق “القطرية” قولها أنه وفي أعقاب التنسيق مع الأإمارات العربية وصلت قوات مصرية إلي أرتريا اليوم وأن هذه القوات مُسلحة بأسلحة عالية التقنية مدعومة بمركبات مُدرعة ثقيلة وأن إجتماعاً عُقد جمع ممثلين عن مصر والإمارات والمعارضة السودانية تمثل جماعات دارفورية ومن شرقي السودان , وأشارت “الشرق” إلي أنه يُعتقد لدي بعض الدوائر أن التواجد العسكري المصري بإرتريا رد علي سماح السودان بوضع يد تركيا علي جزيرة سواكنكجزء من سياسة تركية تتعلق بأفريقيا , لكن مصادر مُطلعة أفادت صحيفة SUDAN TRIBUNE في 7 يناير 2018 بأن سبب نشر القوات السودانية يعود إلى أوضاع داخلية في إريتريا ينتظر أن تسفر عن موجة لجوء كبيرة صوب الحدود السودانية ربما يتسلل من خلالها مسلحون تابعون لحركات دارفور أو المعارضة الإثيوبية , ولذلك سارعت السودان بالتنسيق والتشاور في هذا الموقف , فيما ذكرت قناة “الجزيرة” أن مصادر أبلغت مراسلها بإثيوبيا بوصول تعزيزات عسكرية من مصر تشمل أسلحة حديثة وآليات نقل عسكرية وسيارات دفع رباعي إلى قاعدة “ساوا” العسكرية بإريتريا في محاولة للربط بين المشهدين للإيحاء بأن ثمة تحركات عسكرية بين مصر والسودان عند الحدود الإريترية , وهو ما نفته القاهرة بوضوح في حينه , لكن علي أي الأحوال فقد إستدعي هذا الموقف وفقاً لما نشرته الوكالة السودانية الرسمية صباح السبت 6 يناير 2018 إصدار والي كسلا لقرار بإغلاق جميع المعابر الحدودية مع دولة إريتريا اعتبارا من مساء الخامس من شهر يناير من العام 2018 ولحين توجيهات أخرى ، استنادا على المرسوم الجمهوري رقم (50) لسنة 2017 الخاص بإعلان حالة الطوارئ في ولاية كسلا , كما تزامن مع زيارة الرئيس أفورقي وأنباء نشر قوات سودانية علي الحدود مع أرتريا إصدار وزارة الخارجية السودانية لبيان مقتضب في 5 يناير 2018 تضمن ” استدعاء سفير السودان لدى القاهرة إلى الخرطوم بغرض التشاور” , وذلك بعد أنباء ترددت عن رغبة مصر في استبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا , وهو ما نفاه أيضاً المتحدث باسم الخارجية المصرية في حينه , لكن الإستدعاء كان في خلفيته تصريح  لوزير الخارجية السوداني قال فيه ” إن مصر استخدمت لسنوات طويلة جزءًا من حصة السودان من مياه النيل ، وإن مصر منزعجة لأنها ستخسر تلك المياه عند اكتمال بناء سد النهضة لكونه سيمكّن السودان من حصته بالكامل , لكن المُؤكد إذن هو إستمرار الملاسنات المتبادلة في وسائل إعلام البلدين بسبب جزيرة سواكن وزيارة الرئيس التركي أردوغان لها خلال زيارته للسودان في 24 ديسمبر 2017وملف سد النهضة وقضايا أخرى كثيرة تراكمت بين البلدين خلال عام 2017 , وبشأن زيارة الرئيس التركي لبلاده ورد الفعل المصري السلبي والهجومي عليها علق وزير الخارجية السوداني  قائلاً في مقابلة أجرتها معه قناة تركية ” إن سياسيين مصريين لا يريدون أن يكون السودان دولة قوية ” معتبرا أن هذا الأمر لا يخدم مصالح السودان على الإطلاق  , من جهتها، أكدت وزارة الخارجية المصرية في بيان أنها أُخطرت رسميا بقرار الخرطوم استدعاء سفيرها،  وأن ” مصر الآن تقوم بتقييم الموقف بشكل متكامل لاتخاذ الإجراء المناسب “.

عموماً فالخرطوم تري في التنسيق والتعاون العسكري والأمني المصري مع إرتريا تطوراً سلبياً  يُخشي منه ربما بدرجة أقل مما تراها إثيوبيا لكنها – في تقديري – ستؤدي في النهاية إلي مزيد من التنسيق العسكري والأمني المُتبادل بين أديس أبابا والخرطوم التي صعدت الولايات المتحدة – بعيداً عن الخلافات الحاصلة بين وكلائها المحليين جميعاً السعودية والإمارات العربية وإثيوبيا ومصر والمعنيين مباشرة بالخطوة المصرية – من تعاونها العسكري مع السودان إلي حد يمكن معه القول بأن هناك عودة قوية للعلاقات الأمريكية / السودانية بعد قرار الرئيس الأمريكي Barack Obama في 19 يناير 2017 بتخفيف العقوبات الإقتصادية والتجارية التي فرضتها إدارات أمريكية مُتعاقبة علي مدي 19 عاماً خلت علي السودان , تلتها إدارة الرئيس Trump التي وفقاً لما أعلن في الخرطوم في 17 أبريل 2017 وجهت من خلال القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM الدعوة للقوات المسلحة السودانية للمشاركة لأول مرة في إجتماع عسكري للدول الأفريقية علي مستوي رؤساء هيئات الجيوش في مقر القيادة فيStuttgart  بألمانيا , ونقلت صحيفة  Sudan Tribune في 17 أبريل 2017 عن الناطق باسم القوات المُسلحة السودانية قوله في بيان عن ذلك ” إن مشاركة السودان في هذا الإجتماع دالة علي الإنتقال من العقوبات إلي التعاون في قضايا تشكل إلتزاماً معنوياً لدي السودان لمكافحة الجريمة العابرة للحدود مثل جريمة الإرهاب والهجرة غير المشروعة ودعم الحركات السلبية والتجارة غير المشروعة في السلاح وغسيل الأموال ” , وأضاف أن مشاركة السودان في هذا الإجتماع تعني إختراقاً في العلاقات مع الولايات المتحدة وخطوة تؤدي لرفع اسم السودان من علي قائمة الدول الداعمة للإرهاب ورفع العقوبات الإقتصادية والتجارية تماماً , ويُذكر أن الدولتين عينتا مؤخراً ملحقيين عسكريين بواشنطن والخرطوم بعد إنقطاع دام لثلاثين عاماً , ومن خلال ما تقدم من اليسير التعرف علي حقيقة إقليمية وهي أن هناك مسارين لن يلتقيا الأول بين الخرطوم وأديس أبابا والثاني بين القاهرة وأرتريا يقع بينهما الجتماعي الوزاري الثلاثي لوزراء خارجية والموارد المائية بشأن أزمة سد النهضة التي لم تحلها وثيقة سد النهضة المُوقعة بالخرطوم في مارس 2015 , إذ كيف يمكن تصور أزمة كأزمة سد النهضة في علاقات مُتناقضة بل مُضاربة كهذه العلاقات .

(4) العلاقات المصرية السودانية مع تركيا :

بني السودان بعد تولي نظام “ثورة” أو إنقلاب الإنقاذ الوطني في 30 يونيو 1989 السلطة في السودان نظاماً مُستقلاً خاصاً به في العلاقات الخارجية فنسج شبكة تعكس خيوطها اللون الإسلامي الذي حرص السودان علي صبغ كل مناحي الجياة في السودان به , وتأكد ذلك بعد إنشاء المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي(بعد غزو العراق للكويت عام 1990) والذي نص نظامه الإساسي علي أن مقره الخرطوم ومنحته الحكومة السودانية الصفة الدبلوماسية , وجمع كل التيارات الإسلامية من العالمين العربي والإسلامي , ولم تكن تركيا إستثناء  فكان أن تبودلت زيارات لحزب الرفاه مع السودان في مستهل تسعينات القرن الماضي ,  , وتطورت علاقات السودان بتركيا عبر هذه القناة وبدأ توافد الطلبة ورجال الأعمال السودانيين لتركيا ونمت المبادلات التجارية كثيراً خاصة وأن مصر بعد بداية أزمة العلاقات الثنائية إتخذت قرارات صعبة للسودانيين بعد محاولة إغتيال مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995ففرضت تأشيرة دخول مُسبقة وضيقت علي السودانيين بمصر فكان أنسحب السودانيين معظم ودائعهم بالبنوك المصرية وصفوا بعض أعمالهم وباع البعض منهم عقاراته وتحول العلاج الذي كان معظمه في مصر للأردن وتركيا ودول أخري فكانت هناك خسائر للخزانة المصرية , كانت مكاسب لهذه الدول ومنها تركيا , ومنذ هذا التاريخ نشطت العلاقات الثنائية السودانية / التركية , وبالتالي فلم تكن زيارة الرئيس التركي الطيب أردوغان للخرطوم في 24 ديسمبر 2017وما تحقق خلالها من صفقات مع السودان بلغت قيمتها 650 مليون دولار أمراً مفاجئاً فهناك أرضية مستوية جاهزة لمزيد من العلو في هذه العلاقات , في الوقت الذي تدنت فيه العلاقات المصرية / التركية لأسباب متنوعة أهمها إحتضان تركيا للمعارضة المصرية بكل أطيافها والدعم الذي منحته الحكومة التركية لنظام حزب الحرية والعدالة المصري بعد توليه السلطة نتيجة فوزه في الإنتخابات البرلمانية والرئاسية وإنتهاء ولاية المجلس العسكري بمصر , ولذلك كان من المثير لحفيظة مصر ما أشيع عن إتفاق تركي / سوداني يقضي بإشاء قاعدة عسكرية / بحرية تركية بجزيرة سواكن السودانية بالبحر الأحمر وهو أمر نفته الرئاستين التركية والسودانية في ديسمبر 2017 عقب إنتهاء زيارة الرئيس أردوغان للسودان ,  فقد أشارت صحيفة Hurriyet في 29 ديسمبر 2018تصريحاُ للرئيس أردوغان قال فيه ” لا يوجد ما يمكن وصفه بميناء عسكري ” , وقد أدلي وزير الخارجية السوداني في حينه بتصريح رداً علي رد الفعل المصري العنيف وعلي ما ردده الإعلام المصري من أن تركيا في سبيلها لإقامة قاعدة عسكرية سرية بجزيرة سواكن بقوله ” إن تركيا ستقيم رصيف لرسو السفن المدنية والعسكرية , وهذه الصفقة يمكن أن تنتج عن أي نوع من التعاون العسكري ” وكذلك فقد أصدرت سفارتي السودان في القاهرة والرياض بيانين تضمن رفض ما رددته وسائل الإعلام المصرية والسعودية في شأن ما أنتهت إليه زيارة الرئيس أردوغان بشأن زيارته للميناء العثماني القديم بسواكن لدرجة أن جريدة عكاظ السعودية قالت أن تركيا تبحث عن الإضرار بأمن الدول العربية (أين هو ؟) , ولقد وصف السفير السوداني بالقاهرة بعض وسائل الإعلام المصرية التي خاضت في هذا الأمر بصورة مُبالغ فيها ناعتاً إياها بالغباء وكذلك وصفها بأنها “مُهيجة” , وقال أن زيارة الرئيس التركي أستغلت لمهاجمة السودان , لكن وعلي أية حال فقد كان هذا التطور كاشفاً عن مدي عمق علاقات تركيا بكل من مصر والسودان , فهي بلا عمق مع الجانب المصري , فيما أصبح لهذه العلاقات جذور ضاربة في الأرض مع السودان , ولذلك سبب الإتفاق التركي السوداني بشأن إعادة ترميم وبناء الأتراك لميناء سواكن وإقامة رصيف رسو يصلح للسفن المدنية والعسكرية بميناء سواكن كثير من الإنزعاج  للجانبين المصري والسعودي خاصة وأن السعودية تجد صعوبات حالياً مع جيبوتي في التمركز العسكري وإقامة قاعدة سعودية هناك كما ان شركة دبي العالمية طُردت من جيبوتي ألخ … ألخ  .

لكن – وفي تقديري- فإنه لا يمكن أن تتقاعص تركيا عن توفير الحماية لتوسعها إستراتيجي الطابع بأفريقيا ولها فيها مصالح إقتصادية تتسع وتتسع في ظل إستراتيجية مُوضوعة لإختراق هذه القارة بدأ تطبيقها عام 2007 مما حدا بالأتراك إلي فتح سفارات بدول أفريقية متعددة منذ هذا التاريخ وللآن مع توسيع شبكة وصول الخطوط الجوية التركية داخل القارة الأفريقية وربطها باسطنبول , وبالتالي فإنني أميل إلي إتجاه تركيا لإقامة قاعدة بحرية لها بجزيرة سواكن خاصة وانها أقامت قاعدة عسكرية لها بالفعل في الصومال بها 200 عسكري تركي يقومون علي تدريب الكوادر العسكرية الصومالية , ثم  إن كل من الإمارات العربية والسعودية أقاما قواعد لهما في جيبوتي وبربرة وعصب علي البحر الأحمر وقريباُ من خليج عدن , كما ان مصر نفسها سعت – وفقاً لمصادر المعارضة الأرترية في مايو 2017 – إلي إقامة قاعدتين عسكريتين لها بجيبوتي والصومال تستوعب ما بين 20,000 إلي 30.000 جندي مصري , وعليه فمن غير المفهوم إثارة عواصف من النقد للأتراك وللسودانيين في موضوع إقامة القواعد لقوي إقليمية , كما أننا لا يجب أن ننسي أن سماوات وأراضي معظم هذه الدول التي تتجاوز واقعها ووزنها الإقليمي المُتناقص لتقيم قواعد بالبحر الأحمر مُستباحة للقوي الدولية الكبري مالولايات المتحدة ومؤخراً روسيا , إنها إزدواجية تبعث علي السخرية إن لم تبعث علي الحزن .  

ساندت تركيا قطر في أزمتها مع رباعي المقاطعة والحصار المُكون من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر والذي بدأ هجمته علي قطر في 5 يونيو 2017بالطيران علي مستوي مُنخفض تماماً كما فعلت إسرائيل بهم في 5 يونيو 1967 ففرضوا حصاراً ضعيفاً رباعياً عليها لكن فاتهم أن عالمنا مفتوح مُشرع الأبواب والنوافذ , كما أن السودان لم يستجب للإتصالات السعودية / الإماراتية لمقاطعة قطر التي تربطها بالسودان علاقات ممتازة بل ومساندة سياسية قطرية في معظم الأزمات الرئيسية التي تواجه السودان ومنها أزمة دارفور التي ليس للسعودية أو لمصر لإكتراث بتداعيتها السلبية علي الأمن القومي السوداني  , ومن ثم فقد أضاف رباعي الحصار بسبب ضيق أفقه السياسي دائرة تعاون ضمت تركيا وقطر والسودان قد ترقي مع ضم دول أخري بالمنطقة إلي مستوي التحالف وبالتالي فهناك إرتباط عكسي بين إستمرار الحصار علي قطر وإكتساب تركيا لأصدقاء جدد بأفريقيا والعالم العربي , خاصة في ضوء الضعف والتراخي المروع لسياسات دول شرق أوسطية كانت تعتبر رائدة لكن الطغيان الأمريكي علي من يتولون أمور هذه الدول الشرق الأوسطية جعلها دول غير مرهوبة الجانب خاصة وأن ساستها مثيرون للشفقة لفرط تهافت مستواهم الذهني .

إستطاعت إثيوبيا ملأ الفراغ المصري في المربع السوداني بسبب إفتقاد الساسة المصريين والدوائر الأمنية للمكانة الفوق إستراتيجية للسودان لدي مصر ودوام عافية أمنها القومي وقد حدث هذا الملأ الإثيوبي في الفترة التي تمزقت فيها معظم عري العلاقات الثنائية بين مصر والسودان – كما سبقت الإشارة – أي في الفترة من 1990 حتي الآن مع إستثناءات زمنية شديدة القصر سكن فيها التوتر الثنائي لإلتقاط الأنفاس ليس إلا , ثم ها هي تركيا تأتي للسودان لتبني علاقات قوية منتجة هناك , وكان ذلك لنفس السبب أي  لتملأ ما تبقي ولم تستطع إثيوبيا ملأه في المربع السوداني , كل ذلك ومصر تلوم الغير قبل أن تلوم نفسها , فقد كان علي مصر إزاء بلد وشعب كريم يبادلها العواطف النقية أن تتذرع بالصبر علي بعض شطط صدر عن ساسة السودان ودوائر الأمن , فلو علمت مصر قدر التناقضات التي تكمن في العلاقات الإثيوبية / السودانية لأدركوا أن قليل من الصبر وكثير من وضوح الرؤية كان كفيلاً بتخطي كارثة إنحلال وحدة الأمن القومي المصري / السوداني , لكن هل يمكن لرجل أصبح هو ومادة الكرسي الذي يجلس عليه كتلة واحدة لطول بقاء ه عليه بدون إنتخابات ولا ديموقراطية … هل يمكنه التمتع بوضوح الرؤية … ؟ كيف وهو في ليل السلطة الطويلة ؟, ثم وبعيداً عن السودان … هل تركيا التي بينها وبين روسيا كراهية دينية وسياسية مُستقرة تاريخياً في نفوس الساسة قبل الشعوب وملأي بالشكوك وسوء الظن تركت كل هذا يعرقل أو يحد من تحقيق مصالح الدولة التركية وهي تتحرك شرقاً وغرباً ؟ منذ 23 يوليو 1952 والسياسىة المصرية تمشي بأقدام صُنعت من رصاص ثقيل جعل حركتها بطيئة وأحياناً ثابتة فبدت وكأنها مشلولة .

(5) العلاقات المصرية / السودانية مع روسيا :

يغلب الطابع التنافسي علي علاقة كل من مصر والسودان بروسيا وبغض النظر عن التطرق إلي ما تسببت فيه روسيا من أضرار لمصر والسودان جراء علاقاتها بهما , وبغض النظر – من جهة أخري –  عن التطرق إلي المجالات التي إختارها ساسة مصر والسودان لتحويل مسارات علاقاتهما الثنائية مع روسيا إليها , فهذه العلاقات كان يمكن أن تمثل قاسماً مُشتركاً لولا أنها – من وجهة نظر طرف روسي يُفضل أن تكون تنافسية – , يكفي في معرض بيان هذه الطبيعة التنافسية إلي الإشارة إلي أن مصدراً عسكرياً رسميا مصرياً نفي في 14 مارس 2017 ما وصفه بمزاعم تداولتها وسائل إعلام غربية بالإحالة علي مسئوليين أمريكيين لم تسمهم المصادر بشأن تمركز قوات خاصة روسية في قاعدة جوية مصرية بسيدي براني التي تبعد 100 كم عن الحدود الليبية / المصرية , وقد سبق لوسائل إعلام ومواقع إخبارية مختلفة أن نشرت في أكتوبر 2016 أن هناك مفاوضات روسية / مصرية لإقامة هذه القاعدة التي كان يستخدمها السوفييت إبان تواجدهم العسكرية في مصر قبل وعقب هزيمة 5 يونيو 1967, ومن بين الوسائل الإعلامية موقع صحيفة  IZVESTIA الذي أحال علي مصادر عسكرية وديبلوماسية روسية إشارتها إلي أن ” هناك مفاوضات بشأن المشاركة الروسية في ترميم وتجديد المواقع العسكرية المصريةالواقعة علي ساحل المتوسط والقريبة من سيدي براني , وأنه يمكن لو نجحت المفاوضات الإنتهاء في مدي عامين أو ثلاث , كذلك وفي إطار توسيع نطاق التعاون العسكري وفي خطوة غير مسبوقة وتحمل في طياتها مدلولات أمنية وسياسية في منتهي الخطورة نشرت وكالة أنباء AP من موسكو في 30 نوفمبر 2017 بالإحالة علي موقع إخبار حكومي روسي قوله أن روسيا إعتمدت مسودة إتفاق مدته خمس سنوات قابلة للتجديد بإتفاق ثنائي أعدته وزارة الدفاع الروسية ليوقع مع مصر يسمح للطائرات الحربية بإستخدام القواعد العسكرية الجوية والمجال الجوي بكلا البلدين , وعقب الإعلان الروسي عن مسودة هذا الإتفاق , أعلن في الأول من ديسمبر 2017 من واشنطن أن وزير الدفاع الأمريكي  Jim Mattis سيقوم بزيارة لمصر والأردن والكويت وباكستان , وأشار بيان صدر من البنتاجون عن هذه الزيارة ” إن الولايات المتحدة تعيد التأكيد علي إلتزامها بالشراكات القائمة بينها وبين الشرق الأوسط وغربي أفريقيا وجنوب آسيا ” , وعادت مصر من جديد لتضع نفسها في منطقة الإحتكاك الخشن بين الإستراتيجيتين العسكريتين والأمنيتين للولايات المتحدة وروسيا التي إستطاعت أن تلحق بالعسكرية الأمريكية ضربتين مُوجعتين الأول عندما نجحت في فصل لشبه جزيرة القرم عن أوكرانيا ثم تمركزها العسكري الضخم في شرق المتوسط بسوريا وهو شديد الأإرتباط بالضربة التي وجهتها في شبه جزيرة القرم .

علي الجانب السوداني نجد الرئيس السوداني يزور موسكو في 23 نوفمبر 2017ويلتقي بالرئيس Vladimir Putin في Sochi ويصرح بأنه ناقش مع نظيره الروسي إقامة قاعدة عسكرية علي البحر الأحمر * ( وكالة TASS 23 نوفمبر 2017) , انه طلب من الروس إمداد بلاده بأسلحة دفاعية لتحديث الجيش السوداني فكما قال ” لسنا مستعدين لمهاجمة أي بلد , لكنا نريد حماية أنفسنا , ولقد ناقشت مع الرئيس الروسي ووزير الدفاع إمكانية إقامة قاعدة عسكرية علي البحر الأحمر ” , من جهة أخري سرب الرئيس السوداني- عمداً- معلومات عن نوايا الولايات المتحدة لتقسيم السودان إلي خمس دول, حالة ما إذا لم تتوفر لدي السودان الحماية  , وأشتكي من التآمر والضغط الكبير الذي تمارسه الولايات المتحدة علي السودان , ودعي الرئيس السوداني نظيره الروسي لمعالجة التدخل الأامريكي في البحر الأحمر من خلال إقامة قاعدة عسكرية روسية بالمنطقة .

كانت لتصريحات الرئيس السوداني بشأن توجيهه دعوة مباشرة وعلي الملأ لروسيا لإقامة قاعدة عسكرية علي أراضي السودان عقب الإعلان الأمريكي في أكتوبر 2017 عن تخفيف العقوبات الأأمريكية علي السودان وقع الصاعقة علي رؤوس كثير من السودانيين , لكنه بررها بنوايا أمريكية عن تقسيم مُحتمل للسودان ثانية لخمس دول بعد أن أفلحت الدبلوماسية والعسكرية والأمن الأمريكي في فصل جنوب السودان في يناير 2005 بتوقيع حكومة السودان مع التمرد الجنوبي لإتفاقية السلام الشامل التي تضمنت نصاً أتاح للجنوبيين تقرير مصيرهم فأختاروا في 9 يناير 2011 الإنفصال عن الشمال ثم إعلان الإستقلال وقيام دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011 .

لكن المفارقة أن الإعلامين السعودي والمصري لم يهاجما الرئيس السوداني عندما أعلن في 23 نوفمبر 2017 عن دعوته لروسيا لإقامة قاعدة بحرية بالسودان علي حين هاجما تركيا عندما قام رئيسها بزيارة سواكن في إطار زيارته للسودان في 24 ديسمبر 2017 وإثارة مسألة إقامة قاعدة بحرية عسكرية لها في شبه جزيرة سواكن .

وإتصالاً بذلك تجدر الإشارة إلي أن إثيوبيا وقعت في مستهل مارس 2018 وخلال زيارة وزير الخارجية الروسي Sergey Lavrov لأديس أبابا علي إتفاق إقامة مركز للتقنية النووية , وتزامن ذلك مع زيارة قام بها وزير الموارد المائية والكهرباء السوداني معتز موسي لموسكو حيث أجري هناك مباحثات مع رئيس الوكالة النووية الروسية لإقامة محطة نووية في السودان , وعقب موقع Sudan Tribune بأن الوزير السوداني يتطلع لإقامة مفاعل نووي محدود لإنتاج الكهرباء  وكذا إستكمال الدراسات المطلوبة لإقامة المشروع النووي في مدي 8 سنوات تحت مباشرة الوكالة الدولية للطاقة النووية , وبالفعل وفي هذا الإطار وقع الجانبين الروسي والسوداني في الخرطوم في 16 مارس 2018 في موسكو علي إتفاق للشروع في إقامة محطة نووية بأغراض سلمية , ستُقام في مدي النصف الأول من العام القادم 2019 .

إن تسليم قوة دولية ما جزءاً من أراضي دولة ما يعني ببساطة أن أمن الدولة التي تنازلت طواعية عن جزء من سيادتها بتلك الطريقة يعتبر جزءاً من أمن هذه القوة الدولية التي لها قاعدة عسكرية داخل نطاق الدولة السيادي , ومن ثم فأمن السودان ومصر لم يصبح في هذا الوضع مُعتمداً علي قوتيهما الذاتية بل مُعتمد علي إرادة الدولة التي أقامت قاعدة عسكرية لها في أراضيهما بدون ضغط أو إكراه .

الأهداف المُتوخاة من مُقترح تشكيل القوة المُشتركة :

في ضوء ما تقدمت الإشارة إليه من عرض للأزمات التي تحيط بالعلاقات المصرية / السودانية من كل جانب والتي تشكل فيها إثيوبيا قاسماً مُشتركاً إيجابياً للجانب السوداني وسلبياً للجانب المصري وفي ضوء الأزمات والتحديات المختلفة التي تواجه مصر والسودان كل علي حدة , وهي بوجه عام تحديات حادة في المجالين الإقتصادي والعسكري/ الأمني فمصر تعاني منذ ما يزيد عن 4 سنوات وضعاً في غاية التعقيد ففي جبهتها الشرقية بشبه جزيرة سيناء تشتبك قواتها المُسلحة في معركة العدو فيها يقاتل بتكتيكات حرب العصابات مع جيش نظامي , كما أن جبهتها الغربية مفتوحة يتحكم في جزء منها خليفة حفتر وهو عسكري متقاعد وأسير سابق وقع في أيدي جيش متواضع الإمكانيات هو الجيش التشادي في الحرب التشادية / الليبية أما الجزء الباقي من هذه الجبهة فهو عبارة عن ثغرة أمنية مُتسعة لا قبل بقوات مسلحة مُنهمكة في حرب بالجبهة الشرقية وجزء منها يربض في شوارع المدن المصري “قوات حماية الشعب” أن تنهض بمهمة مراقبتها وحمايتها سواء من خطر ” الإرهابيين”  أو المُهربين وأخطرهم في موضوعنا هذا مُهربي السلاح , يُضاف إلي ذلك الضنك الإقتصادي في مصر فالإقتصاد تتآكل قواه والقوة الشرائية لدي المواطن وصلت لأقل من الحد الأدني والمديونية الخارجية وصلت لما يُقارب 100 مليار دولار وأصبحت خدمة الدين الخارجي في صعوبة التحديات العسكرية بل أكثر وأزداد الإقتراض الخارجي والداخلي فأصبح الدين الداخلي وعجز الميزانية يُعالجا بمجموعة من الإفتراضات , إذ أن الواقع الإقتصادي بمصر بحاجة إلي فترة إستقرار سياسي مُمتدة وهو أمر صعب إزدادت صعوبته مع إنقسام المجتمع المصري إلي معسكرات ” رؤية مُختلفة ” , وبدلاص من ان يضع علماء الإجتماع المصريين رؤية لعلاج الإنقسام المجتمعي إنحاز بعضهم لمعسكر ما من معسكرات الرؤية المُختلفة” , ولسبب أو لآخر مُنحت الأولوية للإنفاق علي الدفاع في مصر مع تردي الإنفاق علي التعليم والصحة ألخ , وهو نفس الوضع تقريباً بالسودان الذي يُواجه تمرد دارفور بالرغم من بعض النجاح المُحرز , كما ان هناك جبهة الجنوب حيث تدعم حكومة جنوب السودان بالتبادل مع حكومة الخرطوم المعارضة المسلحة لكل , فهناك إضافة لتمرد دارفور تمرد في جنوب كردفان وشرق السودان الذي يعتبر خامداً لكنه بركان محلي قد يستيقظ لاحقاً فالقوي الدولية المعادية للسودان أقل ما يرضيها تدمير السودان وتقسيمه مُجدداً لخمس دول , لذلك فالسودان كمصر جبهته الإقتصادية آيلة – كمصر- للإنهيار مالم تستمر في الإقتراض الخارجي , ومع ذلك وبسبب إضطراد المهددات العسكرية خصصت الحكومة السودانية مبلغ 29 بليون جنيه سوداني (ما يُعادل 1,8 بليون دولار) لنفقات الدفاع وهو ما يعد الإنفاق الأكبر من بين أوجه الإنفاق الأخري بميزانية السودان لعام 2017 ( يواجه الجيش السوداني تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان / قطاع الشمال (SPLM-N) في ولاية النيل الأزرق وجنوب كردفان منذ عام 2001 بالإضافة إلي مواجهة مجموعات مُتمردة أخري في دارفور منذ 2003 , ويشكل الإنفاق الدفاعي ضغطاً ثقيلاً علي الحكومة السودانية ولذلك قال الرئيس البشير عام 2015 أنه ” لو أن 100% من ميزانية الدولة خُصصت للجيش لتأمين البلاد ما كان ذلك كافياً ” , هذا بينما يعاني الإقتصاد السوداني من صعوبات جمة منها تناقص رصيد البنك المركزي السوداني من العملات الصعبة , وهو ما قد يمكن التغلب عليه أن قدمت الإمارات العربية المتحدة إيداعاً بمبلغ 1,4 مليار دولار (4 مليار درهم إماراتي) للبنك المركزي للسودان لمساعدة الحكومة السودانية علي التغلب علي الأزمة الحادة المتعلقة بموارد البنك من العملة الحرة  والتي كانت أحد تداعيات إنفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011 إذ بسبب الإنفصال فقدت الخزينة العامة موارد من العملة الصعبة كانت تمثل 75% من مجمل هذه الموارد .  * (موقع The Citizen نقلاً عن وكالة أنباء السودان في 13 مارس 2018)

تقلصت المساحة المُتاحة لمصر والسودان في علاقتهما الثنائية حتي أنها أصبحت تتناسب مع طرح مُترح تشكيل قوة مُشتركة لحماية حدودهما المُشتركة , والسؤالين الأوليين هما : ممن ؟ وكيف ؟ إذا أردنا تبسيط الأمور للحصول علي إجابة مُبتسرة فهي أن القوة – إن أُتفق علي تشكيلها –  ستكون لرصد ومراقبة وسيطرة الجيشين السوداني والمصري علي حدودهما وحمايتها من ” العناصر الإرهابية ” والمهربين , أما كيف فالمُفترض أنه في ضوء عدم كفاءة أو كفاية قوات حرس الحدود بكلا البلدين فسيتم إنشاء القوة من عناصر مُختارة وستتبع تنظيميا المخابرات الحربية والإستطلاع بكلا الجيشين , لكن أسيكون في ذلك حلاً نهائياً وحاسماً للمهددات الآتية من الحدود المُشتركة وهي طويلة وجزء منها مازال خلافياً أعني الجزء الواقع علي خط 22 درجة شمالاً عند حلايب ؟ إن كانت الإجابة بنعم , إذن فماذا عن الحدود الليبية المصرية  وهي طويلة وشديدة الخطورة والصعوبة , والليبية / السودانية عند العوينات وهي مصدر قلق دائم للسودان منذ عهد القذافي لعلاقتها بتمرد دارفور ؟ هل ستتكفل القوات المصرية وحدها بالحدود الليبية / المصرية بقوة مُشتركة … لكن مع من ؟ إن الأعباء المُلقاة علي كاهلي القوات المُسلحة المصرية والسودانية ثقيل للغاية , وتشكيل القوة المُشتركة بحاجة إلي تمويل خاص فالقوة المُشتركة ليست بالفكرة المُجردة عن الواقع الذي يشير إلي إتساع وتعدد مهام القوات المُسلحة للبلدين , كما أنه لا يجب أن نغفل عن أن إستمرار عدم الإستقرار السياسي بمصر والسودان وإن بشكل ووصف مختلف هنا عن هناك إلا أن المحصلة أن عدم الإستقرار الداخلي قد يصل لدرجة الغليان بالنظر إلي إستمرار تصاعد وتيرة الضغوط السياسية والإقتصادية والإجتماعية , كما لا يجب أن نفصل بين منطقة الحدود المُشتركة بين مصر والسودان وتفكك الوضع العسكري والأمني والسياسي في ليبيا والتي لمصر إزاء قضيتها رؤية مختلفة عن الرؤية السودانية وهو ما يقطع الطريق أمام تناولهما لمصادر التهديد الأامني والعسكري لكل منهما علي حدة , فطالما ظلت الرؤية متباينة بين مصر والسودان في شأن قضية ليبيا فستظل قدرتهما علي إستكمال دائرة سيطرة القوة المُشتركة علي حدودهما المُشتركة ناقصة إذ أن الحدود الليبية مع مصر والسودان في حالة إنشاء القوة المصرية / السودانية لحماية حدودهما تظل عاملاً مُتحكماً في كفاءة أداءه إن نشأت .

وعلي كل الأحوال وبفرض أن المُقترح بإنشاء هذه القوة سيصل إلي إتفاق ثنائي فإنه من الضروري تقدير الأهداف المُتوخاة منه وهي :

– في ضوء سبق إعلان الرئيس السوداني في 21 مايو 2017 عن تورط مصر في دعم تمرد دارفور فإن هذه القوة قد تكون وسلة تطمئن الجانب السوداني من النوايا المُستقبلية لمصر فيما يتعلق بدارفور والسودان بصفة عامة .

– في ضوء إفتقاد البلدين لإتفاق عسكري جامع فستكون هذه القوة – إن تقررت – قناة يحتاج إليها الجانبين للتعامل وبوضوح وبصفة مباشرة في المشكلات الأمنية والعسكرية ذات الصلة .

– ربما دفع مصر إلي البدء في ترميم علاقاتها العسكرية مع السودان بدءاً بتشكيل هذه القوة , خلو الملف التعاهدي بين مصر والسودان من إتفاق عسكري كالذي جمده الصادق المهدي رئيس وزراء السودان وهو إتفاقية الدفاع المُشترك الموقعة بين مصر والسودان في 15 مايو1976 , خاصة في ضوء نمو العلاقات العسكرية بين السودان وتركيا وما أثير عن إقامة الأخيرة لقاعدة عسكرية لها في جزيرة سواكن , وكذلك نمو مماثل للعلاقات العسكرية التركية مع إثيوبيا التي صدق برلمانها في 9 مايو 2013على اتفاقية التعاون الدفاعي المبرمة مع تركيا , هذا بإفتراض حاجة الجانب المصري لتعاون عسكري مع السودان وإجماع قادة القوات المسلحة السودانية علي ضرورة هذه القوة للسودان مالم تكن لأهداف سياسية بحتة .

– قد يستهدف الجانب المصري من خلال التجاوب مع المقترح السوداني بتشكيل هذه القوة تليين الموقف السوداني لمصلحته في المفاوضات الثلاثية بشأن سد النهضة والتي ستعقد دورة أخري في الخرطوم في 4 أبريل 2018 , هذا بإفتراض أن الجانب الإثيوبي يمكن أن ينزل عن مواقفه الثابتة في شأن السعة التخزينية للسد والتي ستؤثر بالخفض من حصة مصر من مياه النيل , هذا بالإضافة إلي أن المرحلة التنفيذية للسد الآن لن تتيح للسودان حرية حركة تكفي لتعديل الموقف الإثيوبي  .

– في ضوء نقص المعلومات عن تفاصيل المقترح السوداني بتشكيل هذه القوة , إلا أنه في تقديري أنه قد تتضمن صلاحيات هذه القوة ونقاط تمركزها ومدي مهامها – وفقاً للرؤية السودانية – العمل بداخل حلايب علي إعتبار أنها منطقة بها تواجد شرطي سوداني , وسيبرر الجانب السوداني ذلك بأنه علي غرار الدوريات الأمنية المُشتركة بين السودان وإثيوبيا في منطقة الحدود المُشتركة بالقلابات والفشقة والحميراء والتي مازالت موضع خلاف وليس نزاع , وهو أمر إن كان صحيحاً فسيرفضه الجانب المصري , ليقضي علي المقترح .

نــــتـــيجـــة :

في تقديري أن إحتمالات إقامة أو عدم إقامة القوة السودانية / المصرية لحماية الحدود المُشتركة إحتمالات متساوية , لكنها تتم بمعزل تام عن الأزمات التي أصبحت تشكل قاعدة العلاقات الثنائية للبلدين , وهذا العزل وحده هو سيؤدي إما إلي ضعف أداء هذه القوة أو قصر عمرها هذا في حالة الإتفاق علي إنشاؤها وهو ما أشك قليلاً في إستجابة الجانب المصري له , لكن وبوجه عام يمكن القول بأن هذا المُقترح طبيعته وأهدافه من جهة السودان سياسية بحتة وإستجابة مصر له – إن حدثت – أيضاً ستكون سياسية صرفة .

إن المطلوب وهذا ندائي الذي لطالما وجهته منذ تسعينات القرن الماضي هو إستعادة المفهوم المُوحد للأمن القومي المصري/ السوداني الذي يتسم أو كان يتسم بطبيعة تبادلية وأول خطوة منطقية في هذا السبيل إستعادة إتفاقية الدفاع المُشترك بين البلدين هذا إن كانت القاهرة والخرطوم جادتين في درء المخاطر فليس الإرهابيين هم الخطر الذي يواجه مصر والسودان … إن الخطر الحقيقي هو في إستراتيجيات القوي الدولية خاصة الأمريكية والروسية اللتين تفضل القاهرة والخرطوم التعامل معهما علي أساس من رؤية قاصرة يعتقدونها واقعية وبكرم حاتمي يطغي بل يقضي حتي علي نظرية الأمن القومي لهما علي المستوي الأحادي , فإستعادة إتفاقية الدفاع المُشترك ستسع مواجهة مُشتركة ودائمة لكافة أنواع المخاطر وليس خطر الحدود المُشتركة فقط , فهل لدي القاهرة والخرطوم القدرة علي إستعادة هذه الإتفاقية التي تعبر عن جدارة وحاجة شعبي وادي النيل لإطار تعاهدي دائم يثير رهبة أعداءهما , وليس إطار وقتي محدود كإطار القوة المُشتركة لحماية الحدود المُشتركة  .

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي – القاهرة تحريراً في 19 مارس 2018
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق